الرئيسية / شؤون عراقية / المرجعية ودورها السياسي/د.صلاح عبد الرزاق/ بغداد (1-2)

المرجعية ودورها السياسي/د.صلاح عبد الرزاق/ بغداد (1-2)

د. صلاح عبد الرزاق
باحث في الفكر السياسي

صلاح عبد الرزاق

يقوم الشيعة عادة بتقليد المراجع في أغلب شؤونهم اليومية. إذ يرجعون إليهم في شؤونهم الشخصية كالصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس، أو الشؤون الشرعية أو الشؤون الاقتصادية والمالية. كما يرجعون إليهم في الشؤون السياسية. ويتمتع المراجع بسلطة كبيرة حيث أنهم يحظون بطاعة كبيرة من قبل الجماهير الشيعية التي تجد فيهم قادة ومفتين وزعماء دينيين وأحياناً سياسيين.
ويقف المراجع غالباً إلى جانب الشعب والدفاع عن مطالبه. ولذلك بقيت علاقتهم بالحكام أو الحكومات المركزية تعتمد على طبيعة العلاقة بين الحكام والشعب. إذ بقي المجتهدون الشيعة يوصفون بأنهم طبقة وطنية تمثل رأي الجماهير وطموحاتهم.
يحظى المرجع الأعلى بمنصب ديني رفيع المستوى يصل إلى مستوى مقدس فهو ((نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى ، وهو على حد الشرك بالله)).
(( فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصاته لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه، إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلاّ بأمره وحكمه. ويُرجع إليه أيضاً في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصاته )).
هذا المقام الرفيع الذي يصل لدى بعض الناس إلى مستوى القداسة، منح المراجع دوراً كبيراً في المجتمع الشيعي. تذكر المسز بيل مستشارة الحاكم السياسي البريطاني في العراق السير بيرسي كوكس في تقريرها قائلة: (( يمتلك المجتهد القدرة على إصدار الفتوى ، سواء كانت دعوة إلى الجهاد أو إعطاء الرخصة لمريض باستخدام الكحول ، في حالة عدم وجود علاج آخر. كما أنه يستطيع، وقد فعل ذلك حقاً، إجبار الحكومة الإيرانية الشيعية على إلغاء قرارات )).
عندما يتوفى المرجع الأعلى تبدأ المنافسة بين المراجع الآخرين الأقل شأناً منه في سبيل الفوز بمنصبه وتزعم الحوزة العلمية وقيادة المرجعية الدينية. وقد تطول أو تقصر فترة التنافس حتى يتم ترشيح الأكثر حظاً من حيث الصيت والشهرة. إذ لا يوجد نظام لانتخاب المرجع الأعلى كما هو نظام اختيار بابا الكنيسة الكاثوليكية. وقد تخدم الظروف بعض المجتهدين ليصبحوا مراجع كباراً لجميع الشيعة في العالم أمثال الميرزا محمد حسن الشيرازي في نهاية القرن التاسع عشر، ثم الملا كاظم الخراساني (- 12/12/1911) ثم السيد كاظم اليزدي ( 1911 – 1919 ) ، الشيخ محمد تقي الشيرازي (30 نيسان 1919 – 17/8/1920) ، الشيخ فتح الله الأصفهاني (17/8/1920- 18/12/1920) ، السيد أبو الحسن الأصفهاني (1920-1946)، السيد محسن الحكيم (1946- 1970) ، السيد أبو القاسم الخوئي (1970-1992) ، السيد علي السيستاني ( 1992- ).

المرجعية والسياسة
يعود الوعي السياسي واهتمام العلماء الشيعة بالنشاط السياسي إلى عام 1890، عندما قام ناصر الدين شاه بمنح شركة انكليزية امتياز انحصار التبغ في جميع أنحاء إيران. فقام الميرزا محمد حسن الشيرازي (1815- 1895) المقيم في سامراء آنذاك بإصدار فتوى تحرم التدخين بجميع أشكاله. وكان الشاه ناصر الدين القاجاري قد اتفق مع شركة ريجي البريطانية منحها فيه امتياز زراعة وتجارة التبغ في كل ايران. وقد تضرر المزارعون والتجار الايرانيون بشكل كبير فلجأوا إلى المرجع الشيرازي. وحدثت تظاهرات حاشدة واضطرابات في عدة مناطق. وقد لقيت فتواه استجابة واسعة بين صفوف الشعب الإيراني حتى اضطر شاه إيران إلى إلغاء الإمتياز عام 1892 .
ولعب الفقهاء الشيعة دوراً هاماً في ثورة الدستور عام 1905 التي تسمى بالمشروطة، حيث قادوا ثورة شعبية ضد الشاه، طالبوا فيها بالحرية والمساواة والشورى. الأمر الذي أجبر الشاه على الرضوخ لمطالبهم وأمر بإجراء انتخابات تشريعية حيث قام الشعب الإيراني بانتخاب ممثليه في البرلمان (مجلس الشورى الوطني). قام البرلمان بسن دستور جديد جعل الحكومة مسؤولة أمام مجلس الشورى، كما قام بتحديد سلطات الشاه في اتخاذ القرارات أو إصدار قوانين. ونصت المادة الثانية من دستور 1905 على وجوب أن تكون جميع القوانين غير مخالفة للشريعة الإسلامية، وتشكيل لجنة من خمسة فقهاء للرقابة على تطبيق هذه المادة.
كان للحركة الدستورية في إيران تأثير في أوساط العلماء والفقهاء في العراق، كما ذكرنا آنفاً. في 24 تموز 1908 أعلن السلطان العثماني عبد الحميد تطبيق الدستور كنتيجة للنجاح الذي حققته ثورة ضباط جمعية تركيا الفتاة . يلاحظ عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي أن الطبيعة الاجتماعية للدستور التركي تختلف عنها للدستور الإيراني. إذ أن الدستور التركي كانت طبقة المتنورين (الأفندية) تقف وراءه، في حين أن الحركة الدستورية الإيرانية قد قادها الفقهاء ثم اتبعتهم الجماهير في المدن والأرياف.

المرجعية والاحتلال البريطاني
كان للمرجعية الشيعية دور كبير في مواجهة الغزو البريطاني للعراق عام 1914 إبان الحرب العالمية الأولى. إذ تصدى المرجع السيد محمد كاظم اليزدي وأصدر فتوى الجهاد، فاستجاب له العلماء والفقهاء ورؤساء العشائر وأبناء المدن. وتمكنت حركة الجهاد التي قادتها المرجعية من إعاقة تقدم القوات البريطانية لثلاث سنوات ، وألحقت بها خسائر في بعض المعارك، حتى سقوط بغداد في 11 آذار 1917 .
بعد الاحتلال البريطاني قادت المرجعية حركة المطالبة بتأسيس دولة حديثة تتضمن تشكيل حكومة يقودها ملك عربي مسلم يخضع لدستور مدون ومجلس تشريعي يحاسب الحكومة. ولما ماطلت الإدارة البريطانية في تحقيق هذا الأمر حدثت احتجاجات واجتماعات تطالب بالاستقلال. وبعد أن أعلنت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على العراق أصدرت المرجعية فتواها الشهيرة التي كانت الشرارة التي أشعلت ثورة العشرين 1920 . بعد الثورة أدرك الانكليز أنه من الصعب الاستمرار بالإدارة البريطانية العسكرية المباشرة لبغداد وبقية المدن العراقية. الأمر الذي أدى إلى تشكيل أول حكومة برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب وتضم عشرة وزراء. وكانت الخطوة الثانية هي استدعاء الملك فيصل بن الشريف حسين ليكون أول ملك على العراق (1921-1933) . بقي العراق تحت الانتداب حتى أعلن الاستقلال في تشرين الثاني 1932 ودخوله عصبة الأمم المتحدة.
بعد جولتي (حركة الجهاد) و (ثورة العشرين) بقي التوتر يسود العلاقة بين المرجعية والحركة الوطنية من جهة وبين الحكومة والسفارة البريطانية من جهة أخرى. إذ عارض بعض المراجع تشكيل المجلس التأسيسي العراقي الذي كان الهدف منه المصادقة على المعاهدة العراقية-البريطانية، التي عدوها انتهاكاً لسيادة العراق وحقوقه وحريته. في عام 1923 أصدر وزير الداخلي عبد المحسن السعدون قراراً بإخراج خمسة من كبار المجتهدين باعتبارهم لا يحملون الجنسية العراقية . تم نقلهم إلى إيران ، وبقول بضع سنوات هناك ثم عادوا بعد توقيعهم تعهد بعدم التدخل بالسياسة.
خلال العقود الثلاثة اللاحقة بقيت المرجعية الدينية بعيدة عن القضايا السياسية، وتجنبت الاحتكاك بالحكومة العراقية، وانصرفت كلياً إلى الفقه والتدريس في الحوزة العلمية . ولكن بتطور الأوضاع السياسية والاجتماعية بدأت تظهر بعض المواقف الشجاعة والمعارضة للحكومة نوعاً ما من قبل بعض المراجع. ويعود ذلك إلى شخصية المرجع وأفكاره وشعوره بالحاجة إلى مواقف واضحة تجاه بعض الأحداث.

المرجعية وحرب فلسطين
في 14 أيار 1948 تم تأسيس الكيان الصهيوني في إسرائيل كدولة مستقلة . الأمر الذي أثار الدول العربية فأعلنت ست دول (العراق، سوريا، مصر، الأردن، لبنان والسعودية ) الحرب على إسرائيل. وشارك فيها المقاتلون الفلسطينيون والمنظمات اليهودية ومتطوعون من الاتحاد السوفياتي. كما شارك متطوعون من الإخوان المسلمين المصريين ومن اليمن والباكستان والسودان. دامت الحرب قرابة عشرة أشهر (15 أيار 1948 – 10 آذار 1949). وبسبب فساد الأنظمة العربية خسرت الحرب وتوسعت إسرائيل على 75% من أراضي الانتداب. فكانت صدمة للجماهير العربية وكشفاً لطبيعة الأنظمة الحاكمة وخيانتها لقضايا المسلمين. كما تصدى العلماء المسلمون لهذه التطورات. إذ أرسل الإمام الحكيم برقية إلى الأمم المتحدة مستنكراً اعترافها بإسرائيل. وقد تدخل السيد مرتضى العسكري (1332-1428 هـ) والشيخ محمد رضا آل ياسين (1297-1370 هـ) لدى السيد محسن الحكيم فأبرق للأمم المتحدة.

الكاشاني وتأميم النفط
في عام نهاية عام 1947 قررت الحكومة الإيرانية تجديد إتفاقية النفط الموقعة عام 1933 ، فأضيف إليه ملحق وقعه بتاريخ 17 حزيران 1949 وزير المالية الإيراني كلشائيان مع السيد جس Giss ممثل الحكومة البريطانية . وحتى تكون الإتفاقية سارية المفعول يجب أن تحظى بموافقة مجلس الشورى (البرلمان الإيراني) . واجهت الإتفاقية صعوبات في المجلس في الدورة 15 بسبب معارضة بعض النواب أمثال أبوالحسن حائري زادة والدكتور مظفر بقائي كرماني وحسين مكي . وكانت إنتخابات العاصمة طهران قد ألغيت بسبب التزوير . كان الشاه وحكومته يرغبون بموافقة المجلس بأية وسيلة ، فأخذت السلطات تمارس سياسة ضغط وإرهاب للمعارضين لإتفاقية النفط . وكان الشاه قد تعرض لمحاولة إغتيال في 4 شباط 1949 ، فاتخذها ذريعة لإتهام خصومه ، فصدر قرار يعتبر حزب تودة غير قانوني ، وجرى إعتقال أعضاءه . من جانب آخر جرى إعتقال السيد أبو القاسم الكاشاني ، ووضع في سجن قلعة الأفلاك في خرم آباد ، ثم تم نفيه إلى لبنان . ولما جرت إنتخابات الدورة 16 للمجلس كان الدكتور محمد مصدق والسيد أبو القاسم الكاشاني والنواب الثلاثة المذكورين آنفاً على رأس الفائزين بمقاعد مدينة طهران ، إذ شكلوا أقلية وطنية مقابل أكثرية أنصار السلطة . كان الكاشاني في المنفى حين تم إنتخابه ، فعاد إلى إيران في 11 حزيران 1950 ليقود المعارضة .
كانت إتفاقية النفط أهم القضايا التي على مجلس الشورى البت فيها ، وإعطاء رأي نهائي بها . في أول جلسة ألقى الكاشاني ، بعد أن انتخب رئيساً للبرلمان الإيراني ، كلمة رفض فيها قرارات المجلس السابق لعدم شرعيته ، ومنها الموافقة على أتفاقية النفط مع بريطانيا. وكان رأي محمد مصدق زعيم الجبهة الوطنية مؤيداً لموقف الكاشاني . فشكلا بذلك جبهة سياسية تضم القوميين والإسلاميين . كانت الأحداث تسير بإتجاه تأميم النفط وجعل الصناعة النفطية تحت إشراف وإدارة الحكومة الإيرانية . فقد أصدر السيد الكاشاني بياناً جاء فيه :
( إن تأميم النفط هو السبيل الوحيد أمامنا ، أولاً : لإسترجاع الثروة ، التي أعطاها الله للشعب الإيراني ، من أيد الأعداء الذين لا يهمهم سوى الإستغلال ومص دماء الشعوب الضعيفة ، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين والمستحقين . وثانياً : تطبيق السيادة الوطنية عملياً ، بحيث لا تتمكن الشركة (البريطانية) الغاصبة من تسليط عملائها على أرواح وأموال وأعراض الناس . أنها ما زالت تهدف إلى إستمرار نهجها ولكن الأوضاع الدولية اليوم لا تسمح بذلك بسهولة . فالشعوب اليقظة وتقاطع السياسات الدولية لا تساعد على تكرار هذه الجرائم .
أما أولئك الذين ما زالوا مترددين وشاكين بهذا الأمر ، فلينظروا للشعوب الأخرى أمثال أيرلندا والهند والباكستان وبورما ومصر ، وكيف أجبروا الحكومة البريطانية الظالمة إلى الكف عن مظالمها ، وأن نتائجها سياستها تلك ستعود نتائجها الوخيمة عليها (بريطانيا) … وبهدف توضيح التكليف الشرعي والوطني للشعب الإيراني المسلم ، أقول أن الأمل المشترك ، ومن أجل سعادة الشعب الإيراني ، وبهدف المحافظة على السلام العالمي ، فإن جميع أفراد الشعب يريدون تأميم الصناعة النفطية في كل إيران دون إستثناء ؛ أي أن جميع عمليت إكتشاف وإستخراج وتسويق النفط يصبح بيد الحكومة ).
ما إن أعلن الكاشاني موقفه بصدد تأميم النفط حتى بادر الفقهاء والمراجع الشيعة إلى تأييده وأصدروا فتاوى بتأميم النفط . فقد أصدر أية الله العظمى محمد تقي الخوانساري فتوى جاء فيها :
( إن تسلط الأجنبي على النفط الذي يمثل روح حياة الأمة ، لا يعني سوى السذاجة ، والإنفصام عن المجتمع ، وعدم رعاية المقررات والواجبات الدينية ، وضعف الإدراك ، وعدم رعاية مصالح المجتمع . وفي حين يقول الرسول (ص) : من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمؤمن ولا مسلم . فهل الإهتمام بأمور المسلمين يعني ترك ملايين المسلمين في الفقر المدقع ؟ ولو قال أحد أن هذه ليست من شؤون الإهتمام بأمور المسلمين ، فقوله خلاف الوجدان . وإذا لم يكن حديث الرسول (ص) لا يشمل هذه الأمور ، فماذا يشمل إذن ؟ فإذا لم يقبلوا ذلك فهم يردون على حكم رسول الله (ص) . إن حضرة آية الله الكاشاني (دامت بركاته) مجتهد عادل ، شهم ، ومضحي من أجل مصالح الناس في دينهم ودنياهم ، ويبذل جهده في توعية الناس ، فلا يبقى عذر لأحد ).
وأصدر مراجع إيران فتاوى تأييد لفتوى الكاشاني مثل آية الله بهاء الدين محلاتي والسيد محمود الروحاني القمي وآية الله عباس علي الشاهرودي.
طرح قرار تأميم النفط في مجلس الشورى وكان لصالح السيد أبو القاسم الكاشاني والوطنيين . فجرى التصويت والموافقة على تأميم صناعة النفط بتاريخ 20 آذار 1951. وأعتبر ذلك إنتصاراً للشعب وتحريراً لثرواته من أيدي الغرب . بعد ذلك الإنتصار أصبحت قضية رئاسة محمد مصدق مسئلة وقت ، فقد تم ترشيحه في المجلس وحصل على رأي الأكثرية ، فأصبح رئيساً للوزراء بتاريخ 5 مايس 1951 ، أي بعد شهر ونصف من قرار التأميم.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

من وراء شعار ( كلهم حرامية ) ؟؟؟/ اياد السماوي- كوبنهاغن

اياد السماوي/ كوبنهاغن كاتب سياسي من يقف وراء شعار ( كلهم حرامية ) ؟؟؟ وهل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *