الرئيسية / شؤون عراقية / من مدخل مدينة المنصور إلى متحف للسلاح العثماني الباب الوسطاني آخر أبواب بغداد العباسية/د.صلاح عبد الرزاق

من مدخل مدينة المنصور إلى متحف للسلاح العثماني الباب الوسطاني آخر أبواب بغداد العباسية/د.صلاح عبد الرزاق

صلاح عبد الرزاق

كلما مررت بطريق محمد القاسم السريع المعلق، أشاهد بناءً كأنه قلعة مهجورة بقيت تطاول الزمن. كنت أعرف أنه الباب الوسطاني أحد أبواب الرصافة ، الجانب الشرقي من بغداد. قررت هذا الصيف زيارته، وبعد البحث عن طريق الدخول إليه وجدناه بصعوبة . استقبلنا رجل يرتدي ملابس مدنية عرف نفسه بأنه مفوض في الشرطة يقوم بحراسة المبنى. صار المفوض دليلنا يشرح لنا بعض مراحل تأهيل المبنى القديم.

أبواب بغداد
المعروف أن بغداد المدينة المدورة التي بناها أبو جعفر المنصور عام 146 للهجرة (763 م) كانت في جانب الكرخ ، وبالتحديد في منطقة العطيفية والشالجية وما حولها . وقد اندثرت تماماً ، وبقيت خرائبها حتى نهاية القرن الثامن عشر. وكان فيها أربعة أبواب هي: باب الشام، باب البصرة، باب خراسان، باب الكوفة.


أما بغداد الحالية فقد بدأ ببناء جانب الرصافة عام 157 للهجرة أي بعد عشر سنوات من بناء بغداد المدورة. وكان سبب بنائها هو جعلها مقراً لولي عهد المهدي بن المنصور والجيش الخراساني. وتقع في منطقة الأعظمية ، حيث تم بناء قصر المهدي وجامع الرصافة الكبير بجانبه. كما تم بناء سور جديد بين عامي 489-512 للهجرة لحماية القصر والدور المشيدة والأسواق وغيرها

سور بغداد
بوشر ببناء آخر سور لبغداد في عهد الخليفة المستظهر بالله (1094-1118 م) وذلك عام 1095 م . وبسبب ضخامة العمل وارتفاع السور والأبراج والأبواب فقد استمر البناء حتى عهد خلافة المسترشد بالله (1118-1135م) وبقي العمل بالسور حتى عهد الخليفة الناصر لدين الله (1180-1225 م) . وبذلك استغرق بناء السور 134 عاماً تخللته فترات توقف لأسباب معينة. وكان للسور أكثر من مائة برجاً ، ولم يكن مستقيما ، بل فيه بروزات في بعض الأماكن. ويقدر طوله في القرن التاسع عشر بحوالي عشر كيلومترات (9692 متراً).


وفي السور نفسه من الداخل عقود كثيرة ذات طبقتين إحداهما فوق الأخرى، وعليه مدافع هاون لحفظ الخندق بسلاح ناري. وفي الركن الغربي من بغداد توجد قلعة صغيرة ، قرب باب المعظم، تسمى (إيج قلعة) أي القلعة الداخلة.

ظل هذا السور قائماً بحدود ثمانية قرون حتى منتصف القرن التاسع عشر. وفي عام 1869 عندما تولى مدحت باشا ولاية بغداد. كان السور عريضاً ، مبنياً من الآجر (المعروف بالفرشي) الذي قاوم عوامل الزمن والمناخ ، لكنه لم يصمد أمام معاول مدحت باشا الذي أمر بتهديم السور واستخدام آجره لبناء الطابق العلوي في مبنى القشلة والسراي. لقد اعتدى على تراث تاريخي عمره ألف عام بلا مبالاة. وهذا موقف لا يفسر من رجل مثقف ومتنور ، ويفترض أنه يعرف قيمة الآثار وما تركته الحضارة الإسلامية. لكن يبدو أنه كان غير عابئ بالتاريخ العربي ، وربما أصابه تهور ففعل ذلك. فجاءت فؤوس عماله لتهدم أجزاء من السور الذي حمى المدينة لقرون طويلة.

كان الجسر يمتد من ثلاث جهات هي الشمال والشرق والجنوب. وأما الجانب الغربي فكان نهر دجلة. وكان يحيط بالسور حندق مملوء ماء لتعزيز الدفاع عن المدينة عند تعرضها لعدو. ثم شيد جسر يربط بين الجانبين.

وقد ضم السور أربعة أبواب :
1- باب السلطان ، أي السلطان طغرل بيك أو باب المعظم شمالاً والمؤدي إلى جامع الامام في الأعظمية. وكان بين الباب وشاطئ دجلة 12 برجاً. وقد تم تهديم بقية الباب في العشرينيات من القرن العشرين. ومنه دخل الجيش البريطاني إلى بغداد عام 1917.


2- باب الطلسم أو باب الحلبة ، سمي بذلك لوجود حلبة للسباق هناك قبل انشاء السور. كما سمي بالطلسم لوجود تمثال لرجل يتوسط ثعبانين ضخمين فوق الباب . وكان العامة يعدون التمثال تعويذة أو تميمة أو طلسمة لبغداد تحميها من الأعداء. وهو الباب الذي خرج منه السلطان مراد الرابع عام 1638 ميلادي ثم أمر ببناءه وغلقه إلى الأبد. وذكر أن سبب إغلاقه هو أن السلطان دخل منه فاتحاً ، فأراد أن لا يدخل منه فاتح غيره. وفي عام 1917 قام خليل باشا قائد القوات العثمانية بتفجير الباب عند انسحابه من بغداد ، بعد أن جعله مخزناً للبارود كي لا يقع غنيمة بيد الجيش البريطاني. يذكر أحد المعاصرين بأن صوت التفجير هز بغداد مما أثار الخوف في نفوس السكان، وترك حفرة في الأرض.
3- الباب الشرقي ويقع في الجهة الجنوبية من بغداد القديمة وكان بينه وبين نهر دجلة 26 برجاً . ولا توجد معلومات عن سبب تسميته بالباب الشرجي لكنه ظهر لأول مرة في خارطة عام 1908 لضابط عثماني اسمه (شرجي قبو). في حين كان الرحالة الذين زاروا بغداد يكتبوب الأسماء التركية للأبواب مثل (قره لغ، قاروبغ قابي، قرة أولة، وغيرها.
وكان يسمى باب كلواذا وباب البصلية لأنه كان يؤدي إلى قرية كلواذا الشهيرة بزراعة البصل. وكان مبنى واسعاً ، وتم اتخاذه كنيسة للاحتلال البريطاني عام 1917 سميت باسم كنيسة سانت جورج . وعندما توفيت المسز بيل عام 1926 أقيم قداس لها في هذه الكنيسة.
ثم قامت أمانة بغداد في عهد أرشد العمري ، بهدم الباب في 12 مايس عام 1937 واستغرق الهدم عدة أيام . وبذلك تم تهديم أحد آثار بغداد القديمة.
كانت الأبواب تغلق ما بين غروب الشمس إلى طلوعها في اليوم التالي. وكانت تتولى حراستها مفارز صغيرة من الجنود . وكانت تصاميم الأبواب ذات طراز معماري إسلامي حيث تزدان بالنقوش والزخارف المحفورة في الآجر. ويكتب عليها عادة آيات قرآنية وتاريخ تشييدها. أما مصراعا الباب فكانا من الخشب المزين بالمسامير الحديدية الكبيرة، مع مزلاج وأقفال تحكم إغلاقه.

كان الباب عبارة عن بوابة أي دائرة تضم غرفاً ومخازن سلاح ومؤناً وماء وطعاماً وعتاداً وبارود المدافع والقنابل ، ومناماً للجنود ، ومكاتب إدارة الباب. كما توجد سلالم توصل المدخل بالطابق العلوي ومن ثم السطح.
توضح الخرائط القديمة أنه كان هناك فناء وسط البرج ، وحول الفناء أواوين وغرف خاصة بالبرج وما يحتاجه الجنود من منام ومخازن للسلاح والعتاد والمؤن وغيرها. وكان في كل برج منها يوجد ستة أو سبعة مدافع. كما كانت هناك مدافع فوق باب المعظم. وكانت هناك بطرية مدافع في ركن السور بين البابين الوسطاني والمعظم. وبين تلك الأبراج الضخمة كانت هناك أبراج صغيرة أخرى، ويتم الدفاع عنها بالأسلحة النارية الخفيفة. وكانت هناك فتحات صغيرة في أعلى السور، يشرف من خلالها الجندي على ما تحته ، ويصوب سلاحه ويطلق النار عبرها.

الباب الوسطاني
وهو الباب الرابع لبغداد العباسية وبينه وبين النهر 24 برجاً ، وسمي بباب الظفرية لقربه من محلة الظفرية التي أنشئت في أرض لرجل مملوكي اسمه بستان ظفر (قراح ظفر).
وهو الباب الوحيد المتبقي من أبواب بغداد . توجد صورة للباب التقطت عام 1917 تظهر الحالة الرثة للباب حيث يبدو مهدماً بشكل كبير ، ولا يظهر من المبنة سوى البناء الوسطي.

في عام 1936 قامت دائرة الآثار القديمة للحكومة العراقية بإجراء أول عمليات الترميم والصيانة ، وحولته إلى متحف للأسلحة . وفي عام 1979 أجريت أعمال ترميم وبناء. وبعد عام 2003 أجريت آخر عملية صيانة للباب.

وصف الباب
تجولت في الباب الذي يبدو على شكل اسطواني من الخارج، وذا ثمانية أضلاع من الداخل. وتعلو البناء قبة وسطح يمكن الوصول اليه من خلال سلالم ضيقة وعالية. المبنى مشيد من الطابوق والجص ، واستخدم أسلوب العقود والأقواس لتشكيل فضاءات وممرات.
توجد فتحات ضيقة في الجدران بطول متر وعرض 10 سنتمتر تستخدم لاطلاق السهام ضد العدو ، ثم اطلاق النار من البنادق التي بدأ استخدامها في منذ القرن السادس عشر في الجيش العثماني. وفي السطح توجد فتحات صغيرة تستخدم لنفس الغرض. كما أن سياج السطح بني بشكل مسنن ، بحبث يترك فتحات للاستطلاع والرصد إضافة إلى الوظيفة الدفاعية.

للمبنى ممران أو مخرجان متعامدان ، أحدهما يؤدي إلى خارج المدينة ، والآخر يؤدي إلى داخل بغداد. يستند الممر الواصل بالمدينة على قنطرة فيها فتحتان تسمحان بمرور المياه في الخندق المحيط بالسور. وتتصل القنطرة بالسور المحيط ببغداد. أما الممر الآخر فينفتح على الفناء المجاور للباب ، ومنه يدخل القادمون إلى بغداد ، ومنه يغادرون المدينة. وقد تم بناء امتداد للممر الخارجي ، يرتفع عن الأرض قرابة مترين مع سلم في نهايته يصل الممر بالأرض.

يؤدي الممر إلى بوابة داخل المبنى ، يعلو البوابة قوس مدبب مزين بزخارف جميلة منحوتة من الطابوق، ويوجد أسدان متقابلان عند قاعدة القوس. وعلى جانبي الممر يوجد صفان من الأواوين ، ستة في كل جانب يمكن استخدامها للتوقف والاستراحة. وعلى سطح الأيوان يوجد ممشى يؤدي إلى السلم إلى أعلى البرج. كما توجد فتحات ونهاية مسننة تمنح المراقب الرؤية عن قرب.
في مدخل الممر الخارجي للباب وضع على جانبيه تمثالان لجنديين يرتديان ملابس حربية تعود للعصر العباسي. وعلى الجدار الخارجي للبرج في الجهة الشرقية توجد كتابة بخط النسخ محفورة في الآجر بقيت منها العبارة الآتية ( ولا زالت دعوته الهادية للدين قواماً وللاسلام نظاماً ولدولته القاهرة سكينة وللأمة عصاماً ومنزلته للسلام بإشراق أنوار سعد).
ومن أعلى البرج يمكن مشاهدة قبة الشيخ عمر السهروردي المخروطية الشكل وبقية أبنية المحلة التي يفصل طريق محمد القاسم بينها وبين الباب الوسطاني.


دعوة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار
الباب الوسطاني أثر شامخ من أيام بغداد عندما كانت قبلة التجار والرحالة والشعراء والعلماء والأدباء والصناع.
ويمكن أن يكون معلماً سياحياً من خلال الاهتمام بالمنطقة المحيطة به وفتح شارع معبد يوصل اليه، وفتح أكشاك لبيع التذكارات والمرطبات وما يحتاجه السياح.
والاهتمام بايصال الكهرباء للمصابيح التي كانت تنيره ليلاً فتمنحه عبقات التاريخ الخالدة.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

إشكالية النهج التعبوي العراقي/ سحر صادق عبد الحسين

سحر صادق عبد الحسين تحت إشكالية النهج التعبوي وطبيعته الفكرية المتوغلة في النشأة التعبوية العراقية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *