أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / حرب النفط.. استراتيجية غربية لإخضاع روسيا

حرب النفط.. استراتيجية غربية لإخضاع روسيا

بقلم: علوان أمين الدين* – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط –
ليست “حرب النفط” سوى حلقة من حلقات ضرب روسيا، تحديداً. فهناك، الى جانب المعارك السياسية، حروب اقتصادية يريد منها الغرب وقف النمو الروسي كمقدمة لاسقاطه مجدداً على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، والذي لعب فيه النفط وهبوط اسعاره احد المسامير في نعش تلك الامبراطورية.
ويجري التركيز على اقتصاد روسيا، كون موسكو في واجهة التصدي للمشاريع الغربية وتحديداً الاميركية منها. فـ “التكابش” اليوم لم يعد في ملف واحد او منطقة بعينها. ان من يراقب الاحداث، يعلم بأن هناك صراع جلي في اوكرانيا، وظل صراع في سوريا، وتصارع خفي في القطب الشمالي، وهذا غيض من فيض.
بالعودة الى الموضوع، يذكر تقرير صادر عن معهد ستراسفور بعنوان “اسعار النفط تستمر في تحديد الجغرافية السياسية” بتاريخ 14 تشرين الاول/اكتوبر 2014، بأن الموازنة الروسية للعام الحالي تم اعدادها على اساس سعر البرميل 117 دولار اميركي. ولعام 2015، قدر سعر برميل النفط بحوالي 100 دولار اميركي. لكننا اليوم نرى تراجع في السعر يقدر بحوالي 25% من السعر الذي كان متداولاً منذ فترة. ويضيف التقرير بأن مسؤولين في وزارة المالية الروسية قدروا ان هبوط الاسعار سينقص الناتج المحلي الاجمالي 2% فقط.
وذكر التقرير تحليل شامل لمنطقة الشرق الاوسط وتأثيرات هبوط الاسعار على التجاذب الاميركي-الروسي، كذلك تدعياته على العالم وخصوصاً فنزويلا، سنتكلم عنها لاحقاً، ومدى تأثرهم بهذه الخطوة.
وفي حديث لصوت روسيا، يعلق المستشرق الروسي فيتشسلاف ماتوزوف على الموضوع فيقول بأن “اسعار الطاقة متقلبة مع الاحداث السياسية الهامة في اوكرانيا والشرق الاوسط. اسعار النفط مهمة لروسيا كونها تشكل 40% من الموازنة التي ترتكز على التمويل من البترول والغاز الروسيين”، واضاف بأن “الدول العربية تلعب دوراً واضحاً في هذه المعركة الجارية اليوم على الساحة الدولية. فهل يندرج ذلك تحت شعار مصلحة الوطن العربي ام اخذ القرار تحت ضغط من الولايات المتحدة.” واكمل قائلاً بأن “الولايات المتحدة اليوم هي من اهم المنتجين للغاز والبترول، والاكتفاء الذاتي هو ما يميز الاقتصاد الاميركي”، فهي لم تعد بحاجة كثيراً للاعتماد على الغير، واعتبر ان تلك هي “احدى الخطوات التي تعاقب فيها واشنطن موسكو.”
في المقابل، تقول العديد من المصادر بأن المملكة العربية السعودية تعمل في هدوء على “إبلاغ المتعاملين في أسواق النفط بأن الرياض لا تنزعج من استمرار الانخفاض الملحوظ في أسعار الخام لفترة طويلة وهو ما يمثل تحولا صارخاً” في سياستها.
وأشارت بعض المعلومات، من مصادر مطلعة على المناقشات، بأن مسؤولين سعوديين بعثوا برسالة خلال لقاءات خاصة مع مستثمري ومحللي أسواق النفط في الآونة الأخيرة مفادها “أن المملكة، وهي أكبر منتج للنفط في أوبك (ثلث الانتاج تقريباً بنحو 9.7 مليون برميل يومياً)، مستعدة لقبول سعر يقل عن 90 دولاراً وربما يصل إلى 80 دولاراً لفترة قد تمتد إلى عام أو عامين.”
وقال أحد المصادر إن السعوديين يريدون من العالم أن “الا يندهش” من انخفاض الأسعار عن 90 دولاراً. ولمح مصدر آخر إلى أن مستوى 80 دولاراً قد يكون حداً أدنى مقبولا للمملكة رغم أن بعض المحللين الآخرين يقولون أنه منخفض جداً.

Russian sanctions

1. آثار هبوط الاسعار
يمكن ذكر عدد من الآثار المهمة، وتتمثل في:
– كان هبوط الاسعار خلال فترة الثمانينيات ضرب اقتصاد الاتحاد السوفياتي، وكان من الاسباب المباشرة لغزو العراق للكويت عام 1990. فلقد شكلت زيادة الانتاج وهبوط الاسعار، من 32 دولاراً للبرميل الى 10 دولارات بدءاً من العام 1985، نقصاً في موارد موسكو، وحاجة الى اعادة الاقتصاد العراقي الى تعافيه بعد حرب ضروس امتدت لثماني سنوات بلغت خسائر الجانبين فيها، وبحسب التقديرات، حوالي 400 مليار دولار اميركي. فكانت النتيجة سقوط امبراطورية وحرب جديدة ادخلت المنطقة في آتون الصراعات حتى يومنا هذا؛
– ضرب الاقتصاد الفنزويلي، المناوئ لواشنطن، والي يعتمد بشكل اساسي على النفط. ولقد تحدث وزير خارجية فنزويلا رافايل راميريز، يوم الجمعة الفائت، ان بلاده ستطلب عقد اجتماع استثنائي للدول منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك) في محاولة لوقف تراجع سعر برميل النفط الذي سجل في الاشهر الاخيرة الفنزويلي؛
– الضغط على ايران من اجل انجاز اتفاق نووي بشروط غربية وجعلها “ترضخ” الى الشروط التي تريدها، ويعزز ذلك ما نقل عن مديرة الأبحاث في مؤسسة “ستراتفور” ريفا بهالا قولها إن “السعودية ستسعد لفكرة أن إيران ستنازع”، معتبرة أن انخفاض أسعار النفط “سيزيد الضغوط على طهران، ما يدفعها إلى إبرام اتفاق.” في المقابل، يرى البعض بأن تأثر إيران يبدو “أخف نسبياً لكونها استفادت أخيراً من الانفراج الذي أحدثته المحادثات مع الولايات المتّحدة حول برنامجها النووي وتحرير مليارات الدولارات من أموالها المحجوزة. كذلك انتعشت نتيجة حصولها على المعدات التكنولوجية الأساسية لإعادة تأهيل قطاعات أساسية عانت الجفاء مع الغرب، أبرزها قطاع الطيران”؛
– اضافة الى الاقتصاد الروسي، يرى العديد من الباحثين في الموضوع بأن هناك اقتصاديات عديدة سوف تتأثر، ومنها ما هو حليف للولايات المتحدة. من هذه الاقتصاديات، يمكن الوقول بأن أول من سيشعر بالأزمة ستكون كندا. فـ “مشكلة النفط الكندي، غير التقليدي، لا تقتصر على كلفة إنتاجه العالية، بل كلفة نقله أيضاً. فإذا كان نقل النفط من الخليج العربي يزيد 3 دولارات على سعر البرميل، فإنّ نقل النفط من غرب كندا يستلزم ما بين 12-15 دولاراً.” وهذا يعود الى امور كثيرة، أوّلاً أنّ الإنتاج “يجري في مناطق داخلية بعيدة عن السواحل وموانئ التصدير.” وثانياً كون النفط الكندي المستخرج من الرمول والاسفلت يعد “ثقيلاً وكثيفاً، ويستلزم قدرة ضخّ كبيرة حتى يسافر لآلاف الأميال في الأنابيب وصولاً إلى خليج المكسيك أو الساحل الشرقي للولايات المتحدة.” ثالثاً وأخيراً، إنّ هذا النفط يباع أصلاً “بسعرٍ أدنى من غيره بسبب نوعيته الرديئة”؛
– ان انخفاض اسعار النفط له ايضاً تدعيات على الحلفاء السياسيين ايضاً. فسياسة تخفض سعر النفط لن يكون تحولاً كبيراً في سياسة المملكة العربية السعودية، بل اكثر من ذلك “قد يكون القصد منه إبطاء وتيرة توسع منافسين (لها) من بينهم منتجو الخام الصخري في الولايات المتحدة”؛
– التأثير على الاتفاقيات القائمة بين الحلفاء ايضاً وخصوصاً الاتفاق الضخم بين روسيا والصين عبر خط “قوة سيبيريا” والمعقود لمدة ثلاثين عاماً. ان هبوط سعر النفط قد يؤدي بالدول التي تتكل على الغاز وحده من اعادة التفكير في استخدام النفط بدرجة معينة، والتقليل من فاتورة الغاز؛
– يرى البعض ان نتيجة تراجع الأسعار هذا سيشكل تحولاً في السوق الأميركية، المؤيدة لمبدأ تخفيض الاسعار، فـ “عندما يتراجع سعر النفط تتأثر ميزانيات الشركات الصغيرة ما يفتح شهية الشركات العملاقة صوب الاستحواذ وتعزيز مكانتها السوقية”، حيث تستند هذا على الراي على بيانات جمعتها وكالة “بلومبرغ”؛
– يرى بعض المحللين بأن بأن تخفيض الاسعار ليس دائماً سياسياً لكنه “ينطوي على معادلات معقّدة وحدود قد يؤدي تجاوزها إلى نتائج عكسيّة. هناك دائماً عتبات سعريّة تؤدي إلى تحوّلات بنيوية في السوق إذا ما تأرجح سعر النفط بشكل كبير، صعوداً أو نزولاً.” ومن ابرز هذه العوامل ما يتعلّق بكلفة استخراج النفط الثقيل، فإن كانت “كلفة استخراج برميل النفط في السعودية لا تتعدى 3 دولارات، فإنّ تحفيز النفط العالق في الصخور الجوفية، أو تسخين الرمول النفطية لتسييلها، هي مهمات مكلفة للغاية، وتعتمد على عملية صناعية تستهلك الكثير من الطاقة والموارد. لهذا السبب، إنّ انخفاضاً حادّاً، ومستمراً، في أسعار النفط قد يؤدي إلى إخراج هذا الإنتاج من السوق وانهيار عددٍ كبير من شركات الاستخراج التي تموّل مشاريعها عادة عبر -الدين والقروض، والتي افترضت أسعاراً للطاقة تتجاوز مئة دولار.”

oil war

2. الانعكاسات الاسعار على الاقتصادات النامية
في المقابل، سيكون هناك انعكاسات اقتصادية ايجابية على الاقتصاديات النامية اهمها:
– ان انخفاض اسعار النفط سيكون محفزاً للعديد من الدول النامية كون ذلك سيؤدي الى وفر في المدفوعات ورخص في كلفة الانتاج، وقد يترافق مع ذلك زيادة مضطردة في الانتاج بنسبة معينة من قيمة انخفاض اسعار النفط. من اهم الستفيدين من تخفيض الاسعار هي الدول الآسيوية لكونها من الاقتصاديات الفاعلة عالمياً والتي تستهلك كميات كبيرة من انتاج “اوبك”؛
– قامت العديد من الدول بهذه الخطوة، عن قصد، بغية جذب عملاء جدد منها إيران التي “خفضت أسعار بيع نفطها للمستوردين في آسيا بأكثر من 2 بالمائة لعقود تشرين الثاني/نوفمبر، في محاولة لإنعاش الطلب على نفطها”، وكذلك العراق، وهو الذي يعد رابع أكبر منتج في أوبك، والسعودية، في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، سعياً للاحتفاظ بعملائها في آسيا في خطوة اعتبرت على نطاق واسع شرارة حرب أسعار لجذب عملاء في آسيا؛
– سينعكس هذا الامر ايجاباً على الاتحاد الاوروبي خصوصاً ضمن الظروف الصعبة التي تعيشها بعض دول لناحية الاقتصاد، فقد يوفر الاتحاد “ما يصل إلى 80 مليار دولار من تكلفة واردات الطاقة إذ ظلت أسعار النفط منخفضة وهو ما يخفف بعض العبء عن الأسر والشركات في منطقة شهدت ضعفاً على مدى السنوات الخمس الماضية.”

3. حلول “ظرفية”
في سؤال حول كيفية مواجهة المملكة العربية السعودية تحمّل عبء تراجع السعر، يأتي الجواب في “اعتمادها على الكمية الهائلة لإنتاجها وعلى احتياطياتها من العملات الأجنبية التي تصل إلى 750 مليار دولار اميركي.”
وفي نفس السياق، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا “تمتلك احتياطاً من الذهب والعملة الصعبة قادر على تعديل سعر صرف العملة الوطنية الروبل.” جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده الرئيس الروسي في 17 أكتوبر/تشرين الأول، في ختام لقاءات عقدها في منتدى “آسيا – أوروبا” بمدينة ميلانو الإيطالية. وأوضح الرئيس بوتين أن روسيا لن تقوم بتخفيض الميزانية رغم تراجع أسعار النفط مشيراً إلى أن لدى بنك روسيا 400 مليار دولار كاحتياطي أجنبي، بالإضافة إلى صندوقي تحوط تبلغ موجوداتهما حوالي 200 مليار دولار، جميعها ستدعم سعر صرف الروبل.
لكن المشكلة الكبيرة تبقى في الدول التي تعتمد على النفط بشكل كبير كمورد اساسي في ميزانياتها، والتي لا توجد فيها صناعات تنافسية او ادوات انتاج تستطيع من خلالها التعويض او على الاقل التخفيف من آثار هبوط الاسعار.

في الختام، هناك العديد من التساؤلات التي يمكن طرحها:
– هل لدى روسيا استراتيجية لمواجهة هذه الحلقة “الجديدة-القديمة” من الصراع بينها وبين الولايات المتحدة؟؛
– هل سيكون سوق السلاح هو التعويض عن ما سوف تخسره روسيا من اموال في فترة التخفيض؟؛
– هل يستطيع المخزون الاحتياطي الروسي من الابقاء على سعر صرف مقبول للروبل ومنعه من التراجع او الانهيار خصوصاً اذا ما أُطيل زمن الازمة؟؛
– هل ستتحمل الولايات المتحدة “المديونة”، بحوالي 17 ترليون دولار، تدني الاسعار وهي بأمس الحاجة الى رفعها لمواجهة هذا العجز؟؛
– هل سياسة “انهاك الخصم” هي اولوية لدى الادارة الاميركية برغم مشاكلها الداخلية؟

*باحث في مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط مختص في العلاقات الدولية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *