الرئيسية / مقالات / بين إعلان “بلفور” وإعلان”ترامب”: مئة عام من الخديعة

بين إعلان “بلفور” وإعلان”ترامب”: مئة عام من الخديعة

حسام محي الدين/ بيروت
كاتب ومحلل سياسي

وعَدَ ” آرثر جيمس بلفور” وزيرُ خارجية المملكة المتحدة عام 1917 الشعب اليهودي بإقامة وطن قومي على أرض فلسطين وبَذْل كل الجهد لتحقيق هذه الغاية . كان الوعدُ كلاماً في بدايته ، ثمَّ تطوّر لاحقاً ليصبح واقعاً مؤلماً وحقيقةً مرّة ، اذ تدرجت الاحداث وتحققت فكرة ذلك الوطن القومي أو الدولة الصهيونية القائمة اليوم بين ظهرانينا . ولقد أحاطت بهذا الوعد / الاعلان ظروف اقليمية منها ما هو غربي ومنها ما هو عربي . فالدولة التركية وقتذاك كانت ” الرجل المريض ” الضعيف الذي لا حول له ولا قوة ، كما لم يكن نظام عربي موحّد ولا حتى اقليمي ، بل بعضُ العرب ممّن كانوا ” فاتحين” مع بريطانيا العظمى وموعودين بما ظنوا أنه ” كلمة شرف ” من البريطانيين أنفسهم أعني مراسلات الحسين – مكماهون الشهيرة بين العامي 1915 و1916 المُبشّرة باستقلال العرب ، فيما البعض الآخر يعيش خُدعة الحنان البريطاني مع ” لورانس العرب ” مستشار الأمير فيصل بن الحسين آنذاك وضابط الاستخبارات البريطاني الشهير في مسرحياته ” النضالية ” في دعمه الثورة العربية في الفترة ذاتها ضد الاتراك وطمعاً بالاستقلال الموعود نفسه ، لينتهي كل ذلك هباءً منثوراً في طيّاتِ قهقهات ” اللورد ليونيل دي روتشيلد” ( أحدُ أبرزِ زعماء اليهود في السياسة والاقتصاد وأهم واضعي الأساس للدولة العبرية في فلسطين وقتذاك ) من سذاجةِ وبلاهةِ هؤلاء وهؤلاء فيما وعدهم به مكماهون ولورانس ( من سخرية الأقدار أن هنري مكماهون هذا كان برتبة سفير معتمد لبريطانيا في مصر حينها لا أكثر ولا أقل ، أما توماس ادوارد لورانس فهو الآخر ضابط صغير مرشّحاً للترقية لرتبة رائد !) لتأتيَ اتفاقية سايكس – بيكو التي قتَلتْ كلَّ أملٍ في تحرير واستقلال الارض والارادة فأدخلت المنطقة العربية في صراعات إقليمية طائفية ومذهبية وعرقية لا تزال تتردد في نواحي الاقليم حتى اليوم .
بعد مئة عام ونيّف يطلع علينا الرئيس الاميركي ” دونالد ترامب ” بأخطر ما يمكن من مواقف القباحة والوقاحة على مستوى تاريخ العلاقات الدولية بإعلان إعتراف واشنطن “بسيادة ” اسرائيل على أرض الجولان المحتلة ، وهو إعلان اقترن بتوقيع ” ترامب ” عليه بيده أي أنه اتخذ صفة البيان الاجرائي الرسمي من قبل الولايات المتحدة التي تقود العالم الغربي اليوم تماماً كوعد بلفور وزير خارجية بريطانيا العظمى التي كانت تقود العالم الغربي حينها أيضاً ، إضافةً إلى أنه – كإعلان رسمي – أخطر واسوأ من تسريبات ما يسمى ” صفقة القرن ” التي انخرط بها بعض العرب ويُحكى عنها اليوم ، والتي حتى اللحظة لم يُتخذ بشأنها أي اعلان او بيان رسمي كإعلان ” ضمّ الجولان ” ، وان كانت المعطيات كافة تدل على سلوك تلك الصفقة مسلك التنفيذ في ظل انخداع عربي واسع بنوايا مطلقيها تماماً كانخداعهم منذ مئة عام بمكماهون ولورانس ! فهل يعيد التاريخ نفسه ؟ وهل نُكَرِّرُ الاخطاء القاتلة عينها ؟ !
لنعترف أنه في مكان ما من الكيان الاسرائيلي هناك من يعمل ليلاً نهاراً للخلاص من فكرة الصراع العربي – الاسرائيلي التي وإن كان بعض العرب قد تناسوها – بفعل العلاقة المقدسة بين النفط والدولار- إلا أنها لا زالت حاضرةً في أدبيات ونضال المُخْلِصِين للقضية العربية – وهم معروفون – بين القدس والجولان وجنوب لبنان ، ولنواجه أنفسنا بأن العقل الاسرائيلي المتمرس في الخداع والمواربة يوازي في أجندته بين سَلْخِ القدس نهائياً من انتمائها العربي والاسلامي وأخذها في حدود الدولة العبرية المزعومة ، وبين طموحه الواضح بضمِّ الجولان وسلخه ايضاً عن الأرض العربية في سوريا ، انطلاقاً وتأسيساً على ما جاء به اعلان ” ترامب ” أعلاه السّيء الذّكْر ، سيّما وأن المواقف الغربية اللاحقة في مجلس الأمن بعدم الاعتراف بسيادة اسرائيل على الهضبة جاءت مندِّدةً ورافضة للاعلان الاميركي تماماً كالقمة العربية الأخيرة ، أي بدون أن يكون لها أية صفة إلزامية أو اجرائية على أحد سوى أنها موقف دولي يتلاءم مع ميثاق الأمم المتحدة ، مع العلم أن الحديث قد بدأ مؤخّراً عن إجراءات تهويد هذه الهضبة على قدمٍ وساق في بناء مستوطنات جديدة لمستوطنين جدد وتأمين وظائف لهم ، مروراً بمروحة العلاقات الاسرائيلية – الاقليمية : القاهرة وعمّان وأنقرة في اتفاقات رسمية دولية ، ومعظم عواصم المنطقة العربية المنفتحة ( فوق وتحت الطاولة ) مع الكيان الصهيوني وصولاً الى روسيا الدولة العظمى التي – ولنكن واقعيين – لا تقل خطورةً في تطلعاتها لا بل أطماعها الاقتصادية في الموارد والثروات الوطنية العربية عن الولايات المتحدة الاميركية ، في تحوُّلٍ غريب ومُستنكر لتواطؤ وحجم التغطية الروسية التي تحظى بها الغطرسة الاسرائيلية شرقاً وغرباً ابتداءً بالضَّرب داخل دولة عربية شقيقة وليس انتهاءً بحادثة تسليم رفات الجندي الاسرائيلي التي جرت عملية سحبها ونقلها الى فلسطين دون عِلْمِ سلطات دمشق .
وإذا ما كان العقل الصهيوني اليوم – ومعه بعض أولئك العرب أعلاه – طامحاً وطامعاً في إسدال الستارة على آخر فصول صراع الأمّة ضد اسرائيل باستغلال الازمات العسكرية والأمنية في مواجهة مخاطر التآمر والارهاب التي تعصف بالمنطقة العربية من سوريا الى اليمن والسودان فليبيا الى الدول العربية الاخرى التي لا تقل أزماتها الاقتصادية والاجتماعية سوءاً وخطورةً عن بعضها البعض ، فإنَّ مسألة محاولة سَلْخ الجولان العربيّ عن سوريا مؤشّرٌ خطيرٌ جداً على تبييت نوايا ما ( إقليمياً وعربياً ) متوائمة ومتلازمة مع ما يحاكُ بهدوءٍ ملحوظ وخساسةٍ اسرائيليةٍ مُطلقة ، رُبَّما لضّمِّ الجولان لاحقاً الى “صفقة القرن ” تلك بعد إعلان ترامب المشؤوم ( الذي لا يقل خطورةً عن وعد بلفور) في مرحلةٍ ما إنتقالية مُركّبة ، أو في شكلٍ تآمريٍ خطير في فترة ما تماماً كالذي شهدناه في سوريا تحت عناوين برّاقة كمفاهيم “الثورة والحرية واسقاط الأنظمة ” لضرب إرادتها الصلبة في المقاومة وتحرير الأرض . وما إعادة انتخاب ” نتنياهو ” مجدداً سوى مؤشرٍ خطير يتكامل مع الرغبة الجامحة لتلك النوايا السيئة للمضيّ بالصفقة المشؤومة دفعةً واحدة من القدس إلى الجولان ، وهو أمرٌ ينبغي التنبّهُ له بالاهتمام الكافي والمكثّف للاضاءة عليه في منحًى توعوي في الاعلام المحلي والعربي المناهض لاسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة كي لا تتكرّرَالخديعةُ نفسها بعد أكثر من مئة عام بين ” بلفور ” و ” ترامب

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

‏‎العراق / فقدان القرار ..مجهولية المصير واستحقاقات المرحلة/ باسم ابوطبيخ/لندن

باسم ابوطبيخ / لندن ‏‎باحث في العلاقات الدولية ‏‎بعد السقوط رسم الاحتلال شكل العراق بألوانٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *