الرئيسية / مقالات / مأزق دولة «الطاقة العظمى»

مأزق دولة «الطاقة العظمى»

بقلم: هاني شادي – صحيفة السفير –
في منتصف الألفية الجديدة، بدأ الترويج من قبل بعض الخبراء الروس الموالين للكرملين لمفهوم دولة «الطاقة العظمى»، الذي يعتمد على ما تتمتع به روسيا من ثروات هائلة من النفط والغاز الطبيعي. وتعزز هذا المفهوم عبر نمو الاقتصاد الروسي بمعدلات سنوية متوسطة بنحو 7 في المئة في الفترة بين عامي 2000 و2007، وذلك اعتمادا على صادرات النفط الخام والغاز. ولكن معدل نمو الاقتصاد الروسي في 2009 تراجع بنسبة 7,8 في المئة، ثم ارتفع بعد ذلك ليصل في 2012 إلى نحو 3,4 في المئة. ولكنه ما لبث أن تراجع مجددا في 2013 ليبلغ 1,3 في المئة، وذلك تحت ضغط الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في 2008، خصوصاً في منطقة «اليورو»، ونتيجة كذلك لعوامل داخلية. لقد تجلى مفهوم دولة «الطاقة العظمى» أيضا في «معارك» مع أوكرانيا تارة، ومع بيلاروسيا تارة أخرى خلال السنوات الماضية.
وتبلغ حصة النفط والغاز في إجمالي الصادرات الروسية حاليا نحو 74 في المئة. كما أن عوائد النفط والغاز تصل إلى حوالي 50 في المئة من إجمالي إيرادات ميزانية الدولة في روسيا. عموما، تشير البيانات الروسية الرسمية إلى أن حصة المواد الخام والأولية في هيكل الصادرات الروسية الإجمالية تقترب من 90 في المئة، بينما حصة الصادرات الروسية من المعدات والآلات منخفضة للغاية وتبلغ حاليا أقل من 5 في المئة. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن العوائد الروسية من صادرات النفط تزيد عن عوائد تصدير الغاز الطبيعي بأكثر من أربع مرات، أي أن تصدير النفط هو المصدر الرئيس للعملات الصعبة في روسيا. ومن هنا تظهر تبعية الاقتصاد الروسي لتصدير النفط أولا، ثم لتصدير الغاز الطبيعي ثانيا. ولذلك، فإن أي تخفيض كبير في الأسعار العالمية للنفط يؤثر حتماً على النمو الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي وميزانية الدولة وميزان المدفوعات والبرامج الاجتماعية للحكومة، وكذلك على سعر صرف العملة الوطنية «الروبل»، التي تدهورت تدهوراً كبيراً أمام الدولار واليورو في الأسابيع الأخيرة.
إن مشروع الميزانية الفيدرالية الروسية لفترة 2015-2017، وُضع على أساس سعر متوسط لبرميل النفط بواقع 96 دولارا، في حين أن هذا السعر تراجع في الأيام القليلة الماضية إلى أقل من ذلك بكثير. وثمة توقعات بأن يهبط هذا السعر مقارنة بالسعر الذي تأمله الحكومة الروسية بحوالي 20 ـ 25 دولارا في الفترة المقبلة، ليصل إلى 76-77 دولارا للبرميل، خصوصاً في ظل تخفيض دول الخليج وإيران لأسعار نفطها المُصدر ورفضها تخفيض الكميات المُنتجة في ما يشبه حرب أسعار. وفي مثل هذه الظروف، ستفقد الميزانية الروسية 1,5 تريليون روبل، أي حوالي 37,5 مليار دولار، وهو ما يعادل عُشر النفقات العامة المخطط لها في روسيا. وتؤكد مصادر روسية أخرى أن هبوط سعر النفط بمقدار دولار واحد يحرم الميزانية الروسية من مئة مليار روبل، أي حوالي 2,5 مليار دولار. وفي هذا الصدد تشير صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» إلى أن المسؤولين الروس يحاولون تهدئة المواطنين بالتأكيد أن الدولة لن تمس النفقات الاجتماعية مهما تعقدت الاوضاع، وسوف تلجأ إلى السحب من «الصندوق الاحتياطي الروسي» الذي يبلغ حاليا نحو 3 تريليونات روبل. وتلفت الصحيفة إلى أنه، في العام المقبل، تعتزم الحكومة الروسية سحب 500 مليار روبل، أي 12,5 مليار دولار، من الصندوق المذكور لتغطية العجز في الميزانية. وسيتم ذلك إذا كان سعر النفط الخام 90 دولارا للبرميل. ولكن اذا تراجع سعر البرميل الى 80 دولارا، فستضطر الحكومة الروسية إلى سحب تريليون روبل آخر. وهذا يعني أنه إذا استمرت الامور على هذا المنوال، فستنتهي أموال «صندوق الاحتياطي الروسي» خلال عامين. وهذه التوقعات تتناغم مع تلميحات وزير المالية الروسي، انطون سيلوانوف، يوم الاثنين الماضي في مجلس الدوما، إلى أن الميزانية لن تتحمل أي نفقات إضافية، مؤكدا أن بقاء أسعار النفط وأسعار صرف الروبل عند الحدود الحالية المنخفضة في العام المقبل سيعني زيادة عجز الميزانية والتوجه الى السحب من «الصندوق الاحتياطي» أو «تهذيب» النفقات العامة.
وتُحمّل بعض وسائل الإعلام الروسية المسؤولية عن انخفاض أسعار النفط لدول الخليج تارة، وللولايات المتحدة تارة أخرى أو لهذين الطرفين معا بهدف «ضرب» روسيا وتطويع مواقفها، سواء في الأزمة السورية أو الأوكرانية. ولكن رستم تانكايف، أحد خبراء النفط والغاز في روسيا، يعتقد أن حرب الأسعار الحالية لا تجري بين الدول الاعضاء في منظمة «اوبك»، بل تجري ضد الولايات المتحدة وروسيا في آن واحد. ويرى أن هذه الحرب تجري ضد الشركات الاميركية بهدف الحصول على سوق الولايات المتحدة. وبالنسبة إلى روسيا، فهذه الحرب، برأيه، تدور للسيطرة على الأسواق الاوروبية والآسيوية في ظل محاولات روسيا في الفترة الأخيرة زيادة وجودها في أسواق جنوب شرق آسيا بعد تشغيل مشروع «سيبيريا الشرقية – المحيط الهادئ»، وبدء توريد النفط الروسي إلى الصين، وبناء مصفاة للنفط، وإنشاء شبكة من محطات توزيع الوقود فيها. ويعتبر خبراء نفط روس آخرون أن «ثورة النفط والغاز الصخري» الأميركية مسؤولة عن انخفاض أسعار النفط، بجانب ازدياد عرض النفط الخام في السوق العالمية وتراجع الطلب عليه.
إن مفهوم دولة «الطاقة العظمى» يبدو كأنه يترنح حالياً، مع انخفاض أسعار النفط العالمية وفي ظل العقوبات الغربية الاقتصادية وتراجع سعر صرف الروبل وهروب رؤوس الأموال من روسيا بأرقام فلكية. لقد أدى هذا المفهوم في الممارسة إلى عرقلة عملية التصنيع في روسيا، ولذلك يدعو العديد من الاقتصاديين الروس في الوقت الراهن إلى «إعادة تصنيع» البلاد من جديد وتنويع الاقتصاد الروسي، بحيث لا يعتمد أساساً على تصدير النفط والغاز فقط. فسعر صرف الروبل المنخفض قد يساعد الحكومة والاقتصاد على الخروج من المأزق الحالي. ولكن هذا سيعتمد كثيرا على الإرادة السياسية للكرملين ونفوذ «الأوليغاركية النفطية والغازية» في روسيا.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

الأسد.. أعدّ وَحْلَ الشمال الساخن جيّداً!!!.. / خالد العبود – عضو مجلس الشعب السوري

خالد العبود / دمشق عضو مجلس الشعب السوري -ما لم يعلمه الكثيرون عن جوهر الحرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *