الرئيسية / شؤون عراقية / السيد السيستاني والدولة المدنية (1-2) د. صلاح عبد الرزاق- بغداد

السيد السيستاني والدولة المدنية (1-2) د. صلاح عبد الرزاق- بغداد

د. صلاح عبد الرزاق /بغداد
باحث في الفكر السياسي

من الواضح أن السيد السيستاني يؤيد قيام دولة مدنية ديمقراطية تتمثل في انتخاب الشعب لممثليه لتشكيل البرلمان ، وتشكيل حكومة منتخبة من البرلمان ومراقبة من قبله، وتدوين دستور دائمي ينظم الحقوق والحريات وتشكيل المؤسسات الدستورية والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية . فسماحته يرفض الدولة الدينية سواء كانت وفق نظام ولاية الفقيه أو الشورى أو الخلافة أو غيرها.
وقد سبق للسيستاني أن أعلن عن رأيه بالدولة المدنية في مناسبات سابقة، لكن البيان جاء شاملاً لجميع ما يؤمن به المرجع تجاه النظام السياسي العراقي والعملية الديمقراطية منذ سقوط النظام عام 2003. إذ سبق للسيستاني أن أعلن (عدم تدخل المرجعية بشؤون الدولة) بقوله: ((الدور الأساس للمرجع هو تزويد المؤمنين بالفتاوى الشرعية في مختلف شؤون الحياة الفردية والاجتماعية، ولكن هناك مهام أخرى يقوم بها المرجع بحكم مكانته الاجتماعية والدينية ومنها إعانة الفقراء ورعاية المؤسسات والمراكز الدينية)) ( 1) .
كما سبق أن أعلن بأنه لا يؤمن بولاية الفقيه بقوله: ((أما تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه ليس واردًا)) (2). وأكد على عدم وجود نية لإقامة حكومة إسلامية بقوله: ((إن القوى السياسية والاجتماعية الرئيسة في العراق لا تدعو إلى قيام حكومة دينية، بل [تدعو] إلى نظام يحترم الثوابت الدينية للعراقيين)) (3). وحول شكل نظام الحكم قال سماحته: ((شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه. وآلية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة)) (4). فهو لم يذكر أية خيارات مثلاً جمهوري، رئاسي، برلماني، مختلط وغيره. وفي مكان آخر يحدد سماحته آلية تحديد شكل الحكم بقوله: ((شكل نظام الحكم يحدده الشعب العراقي، وآلية ذلك أن تجرى انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يُطرح الدستور الذي يقرّه هذا المجلس على الشعب للتصويت عليه)) (5).
في نظرته للحكومة ومهامها وطريقة تشكيلها رسم السيد السيستاني معالمها من قبل حسب ما يأتي:
1-حكومة منبعثة من إرادة الشعب، حيث يقول سماحته: ((الذي نريده هو أن يفسح المجال لتشكيل حكومة منبعثة من إرادة الشعب العراقي بجميع طوائفه وأعراقه)) (6). فهي حكومة تمثل جميع المكونات والقوميات والطوائف، وليست حكومة طائفة واحدة أو قومية معينة مهما كان عددها.
2-حكومة ذات سيادة، حيث يؤكد سماحته على أن ((المبدأ هو أن الحكم في العراق يجب أن يكون للعراقيين بلا أي تسلط للأجنبي. والعراقيون هم الذين لهم الحق في اختيار نوع النظام في العراق بلا تدخل للأجانب)) (7). من هذا النص يبدي السيد السيستاني حساسية مفرطة من التدخل الأمريكي في الحكومة العراقية. فهو يريد للهوية العراقية أن تترسخ في كل مراحل تأسيس الدولة، ومغادرة الهويات القومية والطائفية.
3-حكومة مستقلة عن الأجنبي فيقول: ((العراقيون بجميع طوائفهم ومذاهبهم، من الشيعة وغيرهم، موحدون في المطالبة باحترام إرادتهم في تقرير مصيرهم ورفض أن يخطط الأجنبي لمستقبلهم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي)) (8).
وحول موقف الدين من الدولة سبق للسيستاني أن أعلن ((يفترض بالحكومة التي تنبثق عن إرادة أغلبية الشعب أن تحترم دين الأغلبية، وتأخذ بقيمه، ولا تخالفه في قراراتها شيئًا من أحكامه)) (9).
من جانب آخر منع السيستاني رجال الدين من تولي مناصب إدارية وتنفيذية بقوله: ((لا يصحّ أن يُزجّ برجال الدين في الجوانب الإدارية والتنفيذية، بل ينبغي أن يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإشراف على اللجان التي تتشكل في إدارة أمور المدينة والخدمات العامة للأهالي)) (10).
وبذلك تتمثل معالم الدولة التي ينشدها السيستاني، فهي دولة تخدم الشعب، والشعب يقرر شكل الحكم وانتخاب المسؤولين والنواب عنه في انتخابات مباشرة. ويرفض تدخل الدين بالدولة إلا في حدود من نص عليه الدستور وهو احترام الإسلام وهوية غالبية الشعب.

في ظل التناقضات والمساجلات السياسية والشعبية التي سبقت الانتخابات التشريعية في العراق لعام 2018، كانت الأنظار تتوجه إلى المرجعية لتعرض موقفها من العملية السياسية والنظام الديمقراطي، ففي يوم الجمعة الموافق 17 شعبان 1439 هـــــ الموافق 4 أيار 2018 صدر بيان من مكتب السيد السيستاني يوضح فيه موقفه من المسائل الهامة في النظام السياسي العراقي.
وقد تمت قراءة البيان في خطبة الجمعة في كربلاء من قبل ممثل المرجعية عبد المهدي الكربلائي جاء فيه:
((بسم الله الرحمن الرحيم
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية يسأل الكثير من المواطنين الكرام عن موقف المرجعية الدينية العليا من هذا الحدث السياسي المهم، وبهذا الصدد ينبغي بيان أمور ثلاثة:
١-لقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في أن يحلّ مكانه نظامٌ يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع إلى صناديق الاقتراع، في انتخابات دورية حرّة ونزيهة، وذلك إيمانًا منها بأنه لا بديل عن سلوك هذا المسار في حكم البلد إن أريد له مستقبل ينعم فيه الشعب بالحرية والكرامة ويحظى بالتقدم والازدهار، ويحافظ فيه على قيمه الأصيلة ومصالحه العليا.
ومن هنا أصرّت المرجعية الدينية على سلطة الاحتلال ومنظمة الأمم المتحدة بالإسراع في إجراء الانتخابات العامة لإتاحة الفرصة أمام العراقيين لتقرير مستقبلهم بأنفسهم، من خلال اختيار ممثليهم المخوَّلين بكتابة الدستور الدائم وتعيين أعضاء الحكومة العراقية.
واليوم وبعد مرور خمسة عشر عاماً على ذلك التاريخ ما تزال المرجعية الدينية عند رأيها من أن سلوك هذا المسار يُشكّل من حيث المبدأ الخيار الصحيح والمناسب لحاضر البلد ومستقبله، وأنه لا بد من تفادي الوقوع في مهالك الحكم الفردي والنظام الاستبدادي تحت أي ذريعة أو عنوان.
ولكن من الواضح أن المسار الانتخابي لا يؤدي إلى نتائج مرضية إلا مع توفر عدة شروط، منها: أن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة أصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها. ومنها: أن تتنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيدًا عن الشخصنة والشحن القومي أو الطائفي والمزايدات الإعلامية، ومنها: أن يُمنع التدخل الخارجي في أمر الانتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره، وتُشدّد العقوبة على ذلك، ومنها: وعي الناخبين لقيمة أصواتهم ودورها المهم في رسم مستقبل البلد، فلا يمنحونها لأناس غير مؤهلين إزاء ثمن بخس ولا اتّباعًا للأهواء والعواطف أو رعايةً للمصالح الشخصية أو النزعات القَبلية أو نحوها.
ومن المؤكد أن الإخفاقات التي رافقت التجارب الانتخابية الماضية، من سوء استغلال السلطة من قبل كثيرٍ ممن انتخبوا أو تسنّموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة، وتمييز أنفسهم برواتب ومخصصات كبيرة، وفشلهم في أداء واجباتهم في خدمة الشعب وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه – لم تكن إلا نتيجة طبيعية لعدم تطبيق العديد من الشروط اللازمة، ولو بدرجات متفاوتة عند إجراء تلك الانتخابات، وهو ما يلاحظ بصورة أو بأخرى في الانتخابات الحالية أيضًا، ولكن يبقى الأمل قائمًا بإمكانية تصحيح مسار الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود الغيارى من أبناء هذا البلد واستخدام سائر الأساليب القانونية المتاحة لذلك.
٢-إن المشاركة في هذه الانتخابات حق لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية، وليس هناك ما يُلزمه بممارسة هذا الحق إلا ما يقتنع هو به من مقتضيات المصلحة العليا لشعبه وبلده، نعم ينبغي أن يلتفت إلى أن تخليه عن ممارسة حقه الانتخابي يمنح فرصة إضافية للآخرين في فوز منتخبيهم بالمقاعد البرلمانية وقد يكونون بعيدين جدًا عن تطلعاته لأهله ووطنه، ولكن في النهاية يبقى قرار المشاركة أو عدمها متروكًا له وحده وهو مسؤول عنه على كل تقدير، فينبغي أن يتخذه عن وعي تام وحرصٍ بالغٍ على مصالح البلد ومستقبل أبنائه.
٣- إن المرجعية الدينية العليا تؤكد وقوفها على مسافة واحدة من جميع المرشحين ومن كافة القوائم الانتخابية، بمعنى أنها لا تساند أيّ شخص أو جهة أو قائمة على الإطلاق، فالأمر كله متروك لقناعة الناخبين وما تستقر عليه آراؤهم بعد الفحص والتمحيص، ومن الضروري عدم السماح لأي شخص أو جهة باستغلال عنوان المرجعية الدينية أو أيّ عنوان آخر يحظى بمكانة خاصة في نفوس العراقيين للحصول على مكاسب انتخابية، فالعبرة كل العبرة بالكفاءة والنزاهة، والالتزام بالقيم والمبادئ، والابتعاد عن الأجندات الأجنبية، واحترام سلطة القانون، والاستعداد للتضحية في سبيل إنقاذ الوطن وخدمة المواطنين، والقدرة على تنفيذ برنامج واقعي لحلّ الأزمات والمشاكل المتفاقمة منذ سنوات طوال.
والطريق إلى التأكد من ذلك هو الاطلاع على المسيرة العملية للمرشحين ورؤساء قوائمهم، ولا سيما من كان منهم في مواقع المسؤولية في الدورات السابقة، لتفادي الوقوع في شِباك المخادعين من الفاشلين والفاسدين، من المجرَّبين أو غيرهم.
نسأل الله العلي القدير أن يأخذ بأيدي الجميع إلى ما فيه خير البلاد وصلاح العباد إنه وليّ ذلك وهو أرحم الراحمين. ختم (مكتب السيد السيستاني (دام ظله) النجف الأشرف)

17 شعبان 1439 هـ
4/5/2018 م))
الهوامش
1-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص28 في حديث لصحيفة الواشنطن بوست. حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص28 في حديث لصحيفة الواشنطن بوست.
2-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص43 في حديث لصحيفة آساهي اليابانية بتاريخ 28 جمادى الأولى 1424 هـ الموافق 27 تموز 2003.
3-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص98 في حديث لمجلة (دير شبيغل) الألمانية بتاريخ 24 ذي الحجة 1424 هــ الموافق 14 شباط 2004.
4-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص26 في حديث لوكالة رويترز بتاريخ 23 ربيع الثاني الموافق 23 حزيران 2003.
5-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص18 في حديث لوكالة الأسوشييتد برس.
6-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص18.
7-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص10 في حديث لوكالة رويترز.
8-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص19 في حديث لوكالة الأسوشييتد برس
9-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص28 في حديث لصحيفة الواشنطن. بوست.
10-حامد الخفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية)، ص12.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ماذا وراء الخطاب الإعلامي المحرّض لقناتي دجلة والشرقية ؟؟؟/ اياد السماوي

اياد السماوي/ كوبنهاغن كاتب سياسي ليس من عادتي أن أبدأ كتاباتي بآية من القرآن الكريم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *