الرئيسية / مقالات / دور الأمة في فكر الشهيد الصدر (3-3)

دور الأمة في فكر الشهيد الصدر (3-3)

د. صلاح عبد الرزاق
باحث في الفكر السياسي

في نهاية السبعينات يلاحظ أن قناعة السيد الصدر قد تبدلت نحو الأخذ بمبدأ (ولاية الفقيه) أساساً للحكم في الدولة الإسلامية . ففي بحثه القيم (لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية) الذي صدر بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، ينطلق السيد الصدر من وجود المجتهد المتصدي للحكم أساساً لشرعية الحكومة ، ثم من وجوده تكتسب بقية مؤسسات الدولة شرعيتها . ومع هذا الدور الخطير للولي الفقيه لكن الشهيد الصدر يرى أن دور الأمة لا يقيده وجود الفقيه ، بل تبقى تمارس دورها في الحكم من خلال :
1- انتخاب رئيس السلطة التنفيذية أو رئيس الجمهورية . ودور الفقيه هنا هو إمضاء فوز الرئيس واسباغ القدسية والشرعية عليه كحاكم (49).
2- انتخاب المجلس التشريعي (مجلس أهل الحل والعقد) . ويتولى هذا المجلس الوظائف التالية :
– منح الثقة لأعضاء الحكومة التي يشكلها رئيس السلطة التنفيذية .
– تحديد أحد البدائل من الاجتهادات المشروعة (50).
– ملء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة .

إن دور الأمة هنا قد اتسع بشكل باتت فيه صاحبة القرار في :
1- اختيار رئيس الجمهورية (السلطة التنفيذية) ،
2- انتخاب أعضاء البرلمان (السلطة التشريعية) . ويعقب السيد الصدر على ذلك بقوله ( وبهذا ترتفع الامة وهي تمارس السلطة إلى قمة شعورها بالمسؤولية لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة لله في الأرض) (51).
3- ولا يعني ذلك أن مهمة اختيار أو ترشيح الولي الفقيه أصبحت خارج نطاق مسؤوليات الأمة بل أن دورها متبلور حتى في هذا الموقع الهام . فالسيد الصدر يرى أن اختيار أو وصول المجتهد للقيادة (52) يكون معتمداً على شهرته وسمعته بين أفراد الأمة ، فيحيل قضية اختيار المرجع القائد إلى الطرق الطبيعية المتبعة عادة في الحوزة العلمية لاختيار المرجع المفتي ، فيشترط ( أن تكون مرجعيته بالفعل في الأمة بالطرق الطبيعية المتبعة تاريخياً ) (53). وفي حالة تعدد المرجعيات المؤهلة للقيادة فيرى السيد الصدر أن يرجع في تحديد الأصلح للأمة عبر الإنتخابات العامة ، فيقول ( وفي حالة تعدد المرجعيات المتكافئة يعود إلى الأمة أمر التعيين من خلال استفتاء شعبي عام ) (54).
4- هذا التأصيل الفقهي لدور الأمة في الدولة الإسلامية قد أعطى زخماً فقهياً وسياسياً لنظام الحكم الإسلامي كنظام حضاري بإمكانه مواجه التغيرات السياسية والدولية والتكنولوجية . ولا ينسى السيد الصدر أن الحريات السياسية والدينية هي أقوى أسس أي نظام سياسي ، لذلك يؤكد على أهمية توفير حرية التعبير السياسي والفكري ، وحرية العمل السياسي سواء في تشكيل الأحزاب السياسية أو الجمعيات المهنية والنقابات ، أو في تأسيس الصحف والمجلات ووسائل التعبير الأخرى . فيصف الأمة بأنها (صاحبة الحق في الرعاية وحمل الأمانة . وأفرادها متساوون في هذا الحق أمام القانون ، ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن آرائه وأفكاره وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله كما أن لهم جميعاً حق ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية ) (55).

المرأة والأقليات في المجتمع الإسلامي
في تأصيل فقهي فريد يؤكد السيد الصدر على دور المرأة دورها في المجتمع الإسلامي ، فيمنحها صفة الولاية على بقية المجتمع دون تمييز أو تفاضل . ففي تفسيره لقوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض .. ) (التوبة :71) يقول : إن كل مؤمن وليّ الآخرين ، والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية (56). وهذا الرأي بحاجة إلى مناقشة فقهية من أجل اكتشاف دور المرأة في المشاركة في السلطة وتولي المناصب العليا في الدولة الإسلامية . فالمرأة عانت من اضطهاد اجتماعي طوال التاريخ ، وإن كان الإسلام قد أنصفها ، لكن تلك المرحلة اقتصرت على العهد النبوي ، وشطراً من العهد الراشدي ، وسرعان ما أعيدت إلى الانزواء والعزل عن المجتمع في عصور الإنحطاط السياسي للمسلمين .
ولا تقتصر هذه الحقوق والحريات على مواطني الدولة من المسلمين فقط بل يجب أن (تتعهد الدولة بتوفير ذلك لغير المسلمين من مواطنيها الذين يؤمنون بالانتماء السياسي إليها وإلى إطارها العقائدي ولو كانوا ينتسبون دينياً إلى أديان أخرى ) (57).

تأثير الصدر على دستور الجمهورية الإسلامية في إيران
لقد كانت لآراء ومؤلفات السيد محمد باقر الصدر تأثير كبير في إيران قبل الثورة وبعدها . وقد كتب بحثه (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية في إيران) جواباً على سؤال وجهه جماعة من علماء المسلمين في لبنان . وقد ( كتبه لكي تستفيد منه القيادة الإسلامية في وضعها للدستور الاسلامي . وأرسله إلى الإمام الخميني بواسطة تلميذه البارز السيد محمود الهاشمي) (58).
يوضح أحد الباحثين تأثير أفكار السيد الصدر على الساحة الإيرانية ، حيث يقول شاؤول نجاش ( من جملة الكتب التي كان لها نفوذها الخاص كتاب” اقتصادنا” حيث كان مرجعاً للعلماء الإيرانيين الذين كانوا يبحثون عن مسوغ (شرعي) لتقييد الملكية الخاصة وتدخل الدولة في الاقتصاد ) (59). ويضيف نجاش ( ولقد أظهرت نظريات الصدر في التشريع (التقنين) لعصر ما بعد الثورة أهميتها عن ثلاث طرق ، فقد قدم تعريفاً محدداً وشروطاً للملكية ، وأعطى الهوية لمساحة من الأحكام الثانوية والقوانين الاختيارية ، بحيث يكون للدولة الاسلامية في تلك المساحة صلاحيات واسعة من أجل تنظيم الأمور الاقتصادية ) (60).
لقد كان كتاب (الإسلام يقود إلى الحياة) يمثل مسعى جاداً لوضع أساس فلسفي-فقهي للثورة الإسلامية في إيران . وهذا الكتاب في حقيقته مسودة لدستور الجمهورية الاسلامية ، كتبه كي تستفيد من القيادة الاسلامية في وضعها للدستور الاسلامي . وهناك شواهد وأدلة عديدة على أن الصدر كتب مسودة دستور الجمهورية الاسلامية قبل تدوينه من قبل مجلس الخبراء . وقام بعض الباحثين المعاصرين بمقارنة نصية موفقة بين مواد الدستور وبين ما ذكره السيد الصدر في بحثيه (لمحة تمهيدية) و (خلافة الانسان وشهادة الأنبياء) (61).

استنتاجات
1-شهد التراث السياسي الاسلامي تغييباً لدور الأمة الاسلامية في الحياة السياسية . وجرى إفراغ مبدأ الشورى والبيعة من مضامينها حتى أصبح وجود الأمة لمبايعة الخليفة قضية شكلية يراد بها اقناع العامة بأن تولي الخليفة شرعي .
2-ساعد فقهاء السلاطين على تغييب الأمة ودعم استبداد الحاكم من خلال آرائهم وفتاواهم وتنظيراتهم الفقهية التي أقصت دور الأمة ومنحت الخليفة والحاكم كل الصلاحيات .
3- في القرن التاسع عشر بدأت حركة الاصلاح السياسي من خلال بعض المصلحين كالسيد جمال الدين الأفغاني . ثم تطورت في بداية القرن العشرين عبر ثورة الدستور في إيران عام 1905 ، واعلان الدستور العثماني عام 1908 حيث تم اقرار مبدأ مشاركة الأمة في السلطة عبر الانتخابات العامة ، وتحديد صلاحيات الحاكم دستورياً .
4- انطلاقاً من منهجه في التفسير الموضوعي لاكتشاف النظرية القرآنية أكد السيد محمد باقر الصدر على دور الأمة في الدولة الإسلامية في (نظرية الاستخلاف) . وقام بالتأسيس لهذا الدور من منظور عقائدي أضفى عليه صبغة مقدسة حيث الانسان خليفة الله في الأرض ، وأنه مكلف برعاية الكون وتدبير شؤون البشرية.
5-في إطار التأصيل الفقهي يصل السيد الصدر إلى نتيجة تجعل دور الأمة رئيسياً في أي نظام إسلامي سواء انطلق هذا النظام من مبدأ الشورى أو من نظرية ولاية الفقيه . ففي كلتا الحالتين لا تفقد الأمة دورها .
6- ساهم السيد الصدر في ترسيخ مبادئ دستور الجمهورية الإسلامية في إيران ، وبات تأثيره ملحوظاً في صياغة مواده.

الهوامش
49-محمد باقر الصدر ، ” لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية ” في الإسلام يقود الحياة / ص 12
50-هذه المهمة تعني أن بإمكان المجلس التشريعي رفض اجتهاد الولي الفقيه واختيار اجتهاداً آخر لفقيه آخر ، سواء كان في السلطة أو خارجها . ولم يوضح السيد الصدر كيفية حل هذا الإشكال . إذن ماذا سيبقى من دور لاجتهاد الولي الفقيه ؟ وهل يرضى هو بتنحية رأيه الفقهي من أخذ دوره في سير الحكم والتشريعات ؟ في عهد الإمام الخميني (1900-1989) الذي دام عشر سنوات (1979-1989) كان مجلس صيانة الدستور هو الذي يقرر الأخذ باجتهاد معين ، وليس بالضرورة رأي الإمام الخميني . لذلك اضطر الإمام عدة مرات للتدخل في دعم توجهات حكومة رئيس الوزراء مير حسين موسوي التي كانت تميل نحو العدالة الإجتماعية في توزيع الثروات ، بينما كان أعضاء مجلس حماية الدستور يميلون إلى اقتصاد السوق وحرية العرض والطلب . وتجلى ذلك في عدة مشاكل مثل مشكلة الأراضي الزراعية التي يملكها الإقطاعيون الكبار ، ومشكلة الإيجارات والتجارة الخارجية ، ومشكلة ممتلكات الأثرياء الهاربين التي صادرتها حكومة الثورة في بداية انتصارها .
51-محمد باقر الصدر ، ” لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية ” في الإسلام يقود الحياة / ص 11
52-بعد وفاة الإمام الخميني في مايس 1989 اضطر مجلس الشورى الإيراني إلى اجراء تعديل يقضي بالفصل بين المرجعية الدينية وبين القيادة السياسية للدولة ، أي عدم اشتراط أن يكون القائد مرجعاً دينياً .
53-محمد باقر الصدر ، ” لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية ” في الإسلام يقود الحياة / ص 13
54-المصدر السابق / ص 14
55-المصدر السابق / ص 14
56-المصدر السابق / ص 171
57-المصدر السابق / ص 14
58-محمد حسين جمشيدي / دور فكر الشهيد الصدر في الثورة الإسلامية في إيران / في مجلة (قضايا إسلامية) / العدد الثالث / ص 272(1996)
59-المصدر السابق / ص 271
60-المصدر السابق / ص 271
61-المصدر السابق / ص 271

المصادر
-ابن أبي الحديد المعتزلي ( شرح نهج البلاغة) ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت : 1995
-جعفر عبد الرزاق (الدستور والبرلمان في الفكر السياسي الشيعي ) ، مؤسسة الأعراف للنشر ، قم : 1999
-جعفر عبد الرزاق ، “جمال الدين الأفغاني : دراسة في مرتكزاته الاصلاحية ” ، في مجلة (الفكر الجديد) ، العدد الثاني ،
ص 115-144 ، حزيران (1992)
-جلال الدين السيوطي ( تاريخ الخلفاء) ، منشورات الشريف الرضي ، قم : 1990
-الدينوري ، (الأخبار الطوال ) ، منشورات الشريف الرضي ، عن طبعة القاهرة : 1960
-عبد الجبار الرفاعي ( منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الاسلامي ) ، مؤسسة التوحيد ، قم :1998
-عبد القادر عودة ، (التشريع الجنائي الإسلامي ) ، مؤسسة البعثة ، طهران : 1982
– علي بن حاج ، ( فصل الخطاب في مواجهة ظلم الحكام) ، الجبهة الاسلامية للإنقاذ ، بلا مكان أو تاريخ الطبع
-الماوردي ، (الأحكام السلطانية ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت : ؟
-محمد باقر الصدر (المدرسة الاسلامية) ، في (المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر) / ج 13 / دار التعارف ، بيروت 1990 .

محمد باقر الصدر ( الاسلام يقود الحياة ) ، وزارة الارشاد الاسلامي ، طهران : 1983
– محمد باقر الصدر ، (المدرسة القرآنية) ، دار التعارف ، بيروت : 1981
– محمد باقر الصدر ( أهل البيت : تنوع أدوار ووحدة هدف) ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت : ؟
– محمد الحسيني ، (محمد باقر الصدر : دراسة في سيرته ومنهجه ) ، دار الفرات ، بيروت 1989
– محمد علي التسخيري ، ( حول الدستور الإسلامي في مواده العامة ) ، منظمة الاعلام الاسلامي ، طهران :1987
– محمد رضا النعماني ، ( الشهيد الصدر : سنوات المحنة وأيام الحصار) ، اسماعيليان ، قم : 1997
– محمد مهدي شمس الدين ، (نظام الحكم والادارة في الاسلام ) ، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر ، بيروت:1991
-محمد جواد آل فقيه ( أبو ذر الغفاري) ، دار الفنون ، بيروت : 1980
-محمد رشيد رضا ، (الخلافة) ، الزهراء للاعلام العربي ، القاهرة : 1994
-محمد رشيد رضا ، (مختارات سياسية من مجلة المنار) ، تقديم : وجيه كوثراني ، دار الطليعة ، بيروت : 1980
-محمد تقي النبهاني ، (نظام الحكم في الاسلام ) ، دار الأمة ، بيروت : 1990
-محمد حسين جمشيدي ، ” دور فكر الشهيد الصدر في الثورة الإسلامية في إيران في مجلة (قضايا إسلامية) / العدد الثالث / ص 258-286 (1996)
– محمد عبد اللاوي “فلسفة التاريخ من خلال كتابات الامام الصدر ” ، في مجموعة باحثين (محمد باقر الصدر : : دراسات في حياته وفكره) / ص 189-296 ، دار الاسلام ، لندن : 1996
-المسعودي ، (مروج الذهب ومعادن الجوهر ) ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت : 1991
-اليعقوبي ، (تاريخ اليعقوبي ) ، منشورات الشريف الرضي ، قم : 1991

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

السيد السيستاني والدولة المدنية (2-2)/د. صلاح عبد الرزاق-بغداد

د. صلاح عبد الرزاق/ بغداد باحث في الفكر السياسي مانفيستو النجف الديمقراطي في ظل التناقضات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *