الرئيسية / شؤون عراقية / حالة التعايش في الدوالعراقية الحديثة 1921- 2003 (3 – 3 ) / د. صلاح عبد الرزاق- بغداد

حالة التعايش في الدوالعراقية الحديثة 1921- 2003 (3 – 3 ) / د. صلاح عبد الرزاق- بغداد

د. صلاح عبد الرزاق
كاتب في الفكر السياسي

نمو التعايش السياسي
على أية حال شكلت مشاركة الشيعة في الحياة السياسية تطوراً ملحوظاً في المجتمع العراقي. إذ ارتفعت نسبة الشيعة في المناصب الوزارية بشكل تدريجي من (17.7%) في الفترة (1921-1932) (مرحلة الانتداب البريطاني) ، لتنخفض إلى (15.8%) في الفترة (1932-1936 ) (من الاستقلال إلى انقلاب بكر صدقي)، لترتفع إلى (27.7%) في الفترة (1936-1941) (مرحلة الانقلابات العسكرية) ، ثم إلى (28.1%) في الفترة (1941-1946) (مرحلة الاحتلال البريطاني الثاني)، ثم إلى أعلى نسبة وهي (34.7%) في الفترة (1957-1958) (37).
أما منصب رئاسة الوزراء ، فقد تمكن أول شيعي، صالح جبر، من استلام هذا المنصب لأول مرة في عام 1947 أي بعد مرور 26 عاماً على تأسيس الدولة الحديثة. فمن مجموع مدة (68) عاماً شغل رئاسة الوزراء فيها خمسة رجال شيعة لمدة أقل من ثلاث سنوات أي بنسبة (4.48%). ومن بين 59 وزارة ملكية، ألف الوزارة خمس مرات رؤساء وزارات شيعة أي بنسبة (8.48%).
لم تتحسن الوضعية في العهد الجمهوري حيث بقيت نخبة الضباط السنة يهيمنون على لجنة الضباط الأحرار التي تزعمت ثورة 14 تموز/يوليو 1958 . إذ كان هناك ضابطان شيعيان (ناجي طالب و محمد حسين الحبيب) من مجموع (15) ضابطاً أي بنسبة (13.3%) (38).
وأما اللجنة الاحتياطية للضباط الأحرار التي كانت تضم تسعة ضباط فكلهم من السنة. (39) وكذلك مجلس القادة لعام 1958 الذي ضم تسعة ضباط كانوا كلهم من السنة. (40) وعندما قام الزعيم عبد الكريم قاسم بتشكيل أول حكومة لها، فقد ضم مجلس السيادة ثلاثة أعضاء، واحد شيعي وآخر سني وثالث كردي. وضم مجلس الوزراء ثلاثة عشر وزيراً : ستة من السنة العرب إضافة إلى رئيس الوزراء (46%)، وأربعة من الشيعة (30.7%) وثلاثة من الكرد السنة (23%).
أما رئاسة الوزراء ففي الفترة ما بين عامي (1958-1988) فقد شغلها رجل شيعي ، ناجي طالب، مرة واحدة ولمدة عشرة شهور خلال ثلاثين عاماً أي بنسبة ( 2.7%) (41).
وبعد انتفاضة 1991 قام صدام بتعيين محمد الزبيدي ، وهو شيعي، بمنصب رئيس الوزراء لفترة بضعة أشهر. وهي فترة لا تعد شيئاً في عهد حزب البعث الذي امتد 35 عاماً.
وخلال حكم حزب البعث (1968-2003) بقيت المناصب العليا والدرجات الخاصة والقيادات العسكرية العليا حكراً على مجموعة صغيرة تنتمي إلى الأقلية السنية وخاصة القادمين من قرى أعالي الفرات والموصل وتكريت. ولا توجد إحصائيات توضح نسبة كل طائفة في الدرجات والمناصب العليا كالوزراء ووكلاء الوزارات والسفراء والمحافظين وقادة الفرق والفيالق العسكرية والقوات البرية والجوية وغيرها. أما المدراء العامون الذي بلغ عددهم (685) مديراً عاماً عشية سقوط النظام في 9 نيسان 2003 فقد كان عدد الشيعة منهم (65) مديراً عاماً، أي بنسبة 10% فقط.
عموماً إن تمثيل الشيعة في السلطة التشريعية أفضل منه في السلطة التنفيذية. فرغم أنه لم يرتفع إلى نسبة الشيعة من سكان العراق لكن الجميع يعرف أن البرلمان الملكي العراقي كان ضعيفاً، لا حول له ولا قوة، حيث هيمنت الحكومة على مقاليد السلطة. لقد وصلت الأمور إلى حد أن الحكومة هي التي تختار البرلمان، وبالتالي هي التي تحدد نسبة النواب الشيعة وعددهم وأسمائهم. ولذلك لم يحدث أبداً طوال العهد الملكي أن الحكومة المسؤولة خسرت في الانتخابات (42). وفي عام 1943 صرح نوري السعيد رداً على أحد النواب قائلاً: هل بالإمكان أن يخرج أحد نائباً مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة ما لم تأت الحكومة وترشحه؟ فأنا أراهن كل شخص يدعي مركزه ووطنيته فليستقيل الآن، ويخرج ونعيد الانتخابات، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائبا؟ (43)
لقد وصل التلاعب بالانتخابات إلى درجة بائسة عندما صار العديد من النواب السنة يرشحون لتمثيل المناطق الشيعية، إلا أنه لم يحدث قط انتخاب سياسي شيعي كنائب عن المناطق السنية. في بغداد الذي يؤلف الشيعة أغلبية سكانها، كان يمثل الشيعة واحد إلى ثلاثة نواب من مجموع النواب الستة عشر. وفي الدورة الانتخابية الثالثة (1930-1932) كان هناك نائب شيعي واحد ونائبان يهوديان ونائب مسيحي( 44). فهل يوجد مثل هذا الإجحاف والظلم؟
إن نسبة الشيعة في البرلمان العراقي كانت بمعدل (33%) رغم أن نسبتهم السكانية تصل إلى حدود 70%. ووصل أعلى تمثيل برلماني للشيعة (43.7%) في عام 1954 ، بينما كانت أقل نسبة (28.4%) عام 1930. يحلل أحد الباحثين ارتفاع نسبة الشيعة في برلمان عام 1954 حيث يرى أن نمو المعارضة السنية للحكومة جعلها تضطر إلى فسح المجال لدخول الشيعة الموالين للحكومة (45).
ورغم زيادة التمثيل الشيعي في البرلمان لكن لم تحدث أية تحولات جذرية، لأنه كان برلماناً شكلياً، ينفذ سياسة الملك والحكومة. وكان دستور 1925 منح الملك صلاحيات واسعة مثل تعيين رئيس الوزراء وإن لم يكن ممثلاً للأغلبية البرلمانية.

نمو التعايش الاجتماعي
إن حالة التعايش الاجتماعي نمت بطريقة أفضل من التعايش السياسي. إذ يلاحظ أحد الباحثين أن تغير الأحوال الاقتصادية وارتفاع مستوى الشيعة المادي في الأربعينيات من القرن العشرين جعل الأوساط السنية ذات الدخل الأعلى تقبل بزواج بناتها برجال شيعة، في حين أن موانع أمثال هذه الزيجات قبل عقود قليلة كانت تبدو غير قابلة لأي تجاوز (46) .
إن قلة الفرص أمام الشيعة للعمل في الحكومة جعلهم يتجهون نحو التجارة حتى تمكنوا من احتلال الموقع الأول في التجارة في بغداد بعد هجرة اليهود عام 1949. لقد حولوا طاقتهم باتجاه التجارة والأعمال المصرفية وبرعوا فيها. كما توجهوا إلى القطاع الأكاديمي ليشكلوا نسبة كبيرة من أساتذة الجامعة والمختصين في مختلف الفروع العلمية والإنسانية. فالمألوف في العراق هو أن السنة من خريجي الجامعات كانوا إما يدخلون السلك العسكري أو يعملون في وظائف الدولة. أما الشيعة فكانت التجارة والمجال الأكاديمي هي الفرص الوحيدة أمامهم للصعود الاجتماعي( 47).

إن حالة التسامح الطائفي بين السنة والشيعة أدى إلى نمو الزواج المختلط حتى بلغت نسبة العراقيين المولودين من زواج مختلط، أي من أب وأم من مذهبين مختلفين، حوالي 24% . لقد اختلطت العائلات بشكل كبير سواء بين السنة والشيعة أو بين العرب والكرد والتركمان. وصار هؤلاء العراقيون لديهم أجداد وأخوال وأعمام من السنة والشيعة في نفس الوقت.
كما وجدت كثير من العشائر العربية التي ينتمي قسم من أفخاذها إلى المذهب الشيعي وقسم آخر ينتمي إلى المذهب السني مثل شمر والجبور والدليم وربيعة وغيرها.

المحلات المختلطة مذهبياً
مناطقياً، حتى الستينيات كان الشيعة والسنة يسكنون في مناطق منفصلة، سواء في بغداد أو المحافظات. إذ كانت أحياء الكاظمية والكرادة وعقد الأكراد تقتصر على الشيعة، وأحياء الأعظمية والوزيرية والصليخ والجعيفر تختص بالسنة. وبعد هجرة عشرات الآلاف من الشيعة القادمين من المناطق الجنوبية تضاعف عددهم في بغداد وخاصة في أحياء الثورة والشعلة والحرية. وبعد نشوء أحياء جديدة مثل البياع والعامل والخضراء والبلديات والعامرية صار الشيعة والسنة يسكنون في دور متجاورة، ونشأت بذلك العديد من الأحياء المختلطة. وساهم في هذا الاندماج قيام الدولة بتوزيع قطع أراض لمنتسبي الوزارات حيث قاموا بإنشاء منازلهم ليتجاور الشيعي مع السني. علماً بأن هذه الأراضي تم توزيعها بشكل بعيد عن الطائفية. كما أخذت العمارات السكنية توفر مكاناً جيداً للقاء المذهبي والتعايش الاجتماعي بين المذهبين الشيعي والسني.
وفي عهد صدام بدأ بمنح امتيازات خاصة لفئات معينة مثل كبار ضباط الجيش والبعثيين وأغلبهم من السنة، فنشأت أحياء جديدة ذات غالبية سنية. كما قام ولأسباب أمنية-سياسية بإحاطة بغداد بطوق اجتماعي مذهبي من خلال تهجير الشيعة ومصادرة أراضيهم وتوطين سنة مكانهم، كما في التاجي (شمال بغداد) و أبو غريب (غرب بغداد) واللطيفية (جنوب بغداد) والنهروان (شرق بغداد).
بعد سقوط نظام صدام بدأت الهويات الفرعية (الشيعية، الكردية، المسيحية، الإيزدية والصابئية) تعبّر عن نفسها من خلال الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. كما صار للزعامات الدينية (السنية والشيعية) دور أكبر في المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي. إن نمو ونضج هذه الهويات أمر طبيعي من أجل الوصول إلى هوية وطنية يستشعرها جميع العراقيين. وكان القمع السياسي والحرمان الاقتصادي والسياسي وهيمنة فئة وطائفة على جميع أمور البلاد قد أدى إلى عدم نمو الروح الوطنية بشكل تدريجي وسليم، بل اعترتها كثير من التشوهات التي جعلت الغالبية العظمى من العراقيين لا تجد كثيراً من الروابط ما يربطها بالوطن سوى المدينة والعشيرة والطائفة والمذهب. وإذا كان هناك العديد من السياسيين الذين ارتفعوا فوق مستوى الطوائف والمذاهب وتحدثوا بخطاب وطني، وانتهجوا مواقف وطنية، فيعود ذلك إلى سمو أخلاقهم ، ونضج شعورهم الفكري والأخلاقي، وليس إلى أن النظام السياسي قد أنصفهم أو خلق فيهم تلك الروح العالية، وفي الأزمات يُعرف الرجال….

خاتمة
إن هذه الدراسة بحاجة إلى تسليط الضوء على الفترة التي أعقبت سقوط النظام ومشاركة مكونات المجتمع العراقي بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق. كما يجب توفير بيانات إحصائية ومعلومات كافية عن مشاركة السنة والشيعة وغير المسلمين والنساء في الحكومات التي أعقبت سقوط النظام، وكذلك مشاركتهم في الانتخابات التشريعية والتصويت على الدستور، وتشكيل أول مجلس نواب دائمي منتخب، والذي انبثقت عنه حكومة الوحدة الوطنية.
كما يمكن مناقشة مسألة الفيدرالية وتأثيرها في تقاسم السلطة في المحافظات بعيداً عن هيمنة السلطة المركزية، وتقييم النتائج الايجابية والسلبية المتوقعة، ودور الفيدرالية في تعزيز الروح الوطنية العراقية بعد أن تتخلص المكونات العراقية من هواجس الخوف من الآخر أو المستقبل المجهول، التي تعتريها وتؤثر على مواقفها وأفكارها.
إن السياسيين والباحثين الأكاديميين مدعوون لدراسة هذه الظاهرة ، واقتراح آليات جديدة تساهم في ترسيخ التعايش السلمي المقبول بين مكونات المجتمع العراقي، بشكل يلائم الوضع الحالي، ويؤسسك لحالة تماسك اجتماعي وطني راسخ في المستقبل، لا يتهاوى مع أول بذرة فتنة أو تدخل خارجي كما حدث عندما دخلت منظمة القاعدة إلى العراق وعاثت فيه فساداً وجريمة، ووجدت محاضن طائفية احتضنت الجماعات الارهابية في مناطقها، والتي كلفت العراق مئات الآلاف من الضحايا والخسائر الجسيمة في الممتلكات.

الهوامش
37 حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 69
38 فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 237 و حنا بطاطو العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 2 / ص 92
39 حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 2/ ص 100
40-حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 2 / ص 122
41-حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص 200
42-فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 184
43-فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 184
44-عبد الحسين الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 113
45-فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 185
46-حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 68
47-فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 201

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

رئيس الجمهورية الع اقية يستقبل رئيس حكومة اقليم كردستان

استقبل رئيس الجمهورية العراقية الدكتور برهم صالح في قصر السلام ببغداد، رئيس حكومة اقليم كردستان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *