الرئيسية / دراسات / قناع الحقيقة و”اللعب” في مصائر الشعوب!

قناع الحقيقة و”اللعب” في مصائر الشعوب!

بقلم: بكر أبوبكر* – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط –

إن “اللعبة” في فلسطين وغزة ،بل والمنطقة عامة، أكثر شمولية من النظر لها بعيون محلية أو محدودة، والتي هي عيون كثير من الناس التي ترى النصر النهائي القريب بعيون المقاومة العاجلة الخاطفة مقابل العدوان الهمجي المتصل غير المنقطع في كل مرة ،وأكثر بُعدا وعُمقا من أن نراها بعيون الحُرقة والشعور بالظلم الممتزج لدينا جميعا بالأمل بتحرير فلسطين الكامل من خلال ما يحدث عندنا،أو بتحقيق الاستقرار في دولنا العربية المبتلاة بحروب طاحنة.

هذه “اللعبة” أكثر عمقا واتساعا وشمولية من نظرة تلك العيون التي تراها في سوريا او العراق أو ليبيا بعيون المعتقَد أو الفكرانية أو القبيلة المتمترسة عند حد مصالحها أو أهدافها،أو استجابة لمصالحها الخاصة.

كما أن “اللعبة” في نموذجنا الفلسطيني لا تستجيب لأوهام الطرف الآخر-أو بعضه- في إمكانية إنهائهم (أي الإسرائيليين) لجذور المقاومة في داخل الشعب الفلسطيني الصامد المعطاء، فالحرب طويلة، والصراع العربي- الصهيوني شاق،والانجازات لا تُقتطف كما يقتطف البستاني ثماره بسهولة ويُسر ظاهري، بل تتراكم الإنجازات والانتصارات من الجميع وتتشابك وتتقاطع في مختلف الميادين، وما يسبقها (ويتلوها أيضا) من إعداد وتهيئة ومسار طويل طويل جدا، ومازلنا في البداية، غير أن للحرب كلعبة في غزة أوالمنطقة عامة واقع آخر، ورؤية أشمل.

تريد الحكومة الإسرائيلية الحالية أن ترسم في الأذهان أنها تتعامل في قطاع غزة وفي الضفة مع (كيان) أو كيانات ومع (عصابات) (إرهابية) على حدودها ، لذا تسعى جاهدة كما تروج لاستعادة “الأمن” لسكانها ضاربة بعرض الحائط المطامح الوطنية المحقة، والثورة العارمة والأحقية التاريخية والقانونية والسياسية والحق الذي لا يعرف النسيان لأبناء فلسطين التي يطأوون أرضها.

“لعبة” الحرب وما خلفها

إن الحرب عامة، ليست عمليات عسكرية، وإنزال وضرب مدفعية وقصف طيران، وموت ودمار، وعدوان ومواجهات أمنية فقط -على بشاعتها ودمويتها ولا إنسانيتها- أبدا، فالمطامع الاقتصادية والنفوذ السياسي ومنطق السيطرة و الهيمنة والهوى في المنطقة (وعندنا في فلسطين) يدخل في ذات الصراع “اللعبة” ليرسم حقيقة أخرى مختبئة خلف الحقيقة الظاهرة لما يجري ، غير بعيد عن مجريات الأمور في المنطقة عامة .

قبل أن نستطرد لنعرّج قليلا على مصطلح “اللعب” الذي استخدمناه والذي وجدنا له مسوّغا في كتاب هام جدا للكاتب (يوهان هوتسينغا)، حيث يقف كتابه “ديناميكية اللعب فى الحضارات والثقافات الإنسانية” من الناحية الفكرية موقفاً علمياً وفلسفياً خاصاً يتمثل في افتراض أن اللعب هو الأساس التناقضي والصراعي للحضارة وأنه الأقدم عهداً والأعمق أصلاً من الحضارة ذاتها.

وفي إطار التشابه بين اللعب والحرب يقول الكاتب (هوتسينغا) أن أبشع وأقذر مشاهد الخراب تُعد جزءاً من الحضارة الإنسانية عندما تكون في إطار الطقوس الاجتماعية وفي سياق القوانين والقواعد المتفق عليها في مجتمع ما. ويبدو أن الحضارة تتطور عن طريق لعبة الصراع طالما أن هناك قواعد يخضع لها الجميع أثناء اللعب وطالما أن الصراع يتم في حدود معروفة لا يتخطاها أحد. وتكمن المفارقة حسب وجهة نظر (هوتسينغا) في طبيعة التشابه بين اللعب والصراعات الحربية. وعلى سبيل المثال، فقد أدت المذابح المتبادلة بين الخصوم أثناء المواجهات في الحروب الأوروبية التي دارت في العهد الإقطاعي كما حدث في معركة (فونتنوي) عام 1745 م ،بين الجيش الفرنسي والتحالف العسكري البريطاني الهولندي، إلى تدمير قواعد اللعب بين الجانبين.

نعود للزمن الحاضر بعد أن حاولنا الإضاءة على سبب استخدامنا مصطلح اللعب على الحرب لنقول: يتلاعب بالحدث الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط (هي المنطقة العربية الآسيوية- الإفريقية) ثلاثة من اللاعبين الكبار، ذوي الأموال والسطوة، ويسيطرون على مساحات جغرافية محددة، كما يسيطرون على منظّمات معينة، ويستولون على المساحة الأكبر وهي عقول الناس في كل مكان، عبر البث غير المنقطع في السيل الدعائي.

كل محور يروّج لفكرة ليست بالضرورة هي الحقيقة الوحيدة، وإنما قد تكون هي قناع لحقيقة أو أكثر مختبئة خلفها، وفي لعبة الحقائق الظاهرة وتلك المخفية خلف الأقنعة تتصارع القوى في المنطقة كلها و مؤخرا في غزة .

في الحرب الاخيرة في غزة ، إذا لم تكن (حماس) هي من اختطف الجنود الثلاثة في الخليل، ثم قتلهم (لم يتم العثور على الجناة ، وكثير من التقارير تؤكد جنائية مقصد القتل) فلماذا استجابت للاستدراج الإسرائيلي؟ أم ذهبت والفصائل للحرب مضطرة؟ وإذا كانت (إسرائيل) معنيّة بتدمير “حماس” في ظل اللاتوازن المرعب في القوى ما تعلمه كل الفصائل فلماذا حصل العدوان؟ بغض النظر عن معرفتنا بمقاصد (نتنياهو) ضد الشعب الفلسطيني عامة ؟

ولنضع السؤال بشكل أخر ما هي مصلحة القوى الإقليمية المؤثرة في الساحة الفلسطينية من وراء ما حصل؟ وهي تلك القوى نفسها المؤثرة في ساحتنا الخلفية في العراق وسوريا و لبنان ، وأيضا في مصر وليبيا ؟ واليمن؟

إن المحاور الاقليمية المتصارعة لا يهمها عدد الشهداء مطلقا، فهؤلاء أرقام يتم الدوس على رؤوسهم لتحقيق الهيلمان و السطوة و النفوذ والمصالح، أولتحقيقق هدف إبعاد خطر محدق عن حدود الدولة المقصودة، أو بالتضحية بشعب آخر لمصلحة رخاء أو استمرار حكم في دولة إقليمية، فلا الدين أو الضمير أو المباديء هي التي تحكم علاقات الدول ومواقفها مهما ادعت الكثير منها الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة، أو الإسلام أوالمقاومة والحق.

تجارة الدماء

بل يصل الأمر بعدد من اللاعبين الصغار أن يتعاملوا مع الحدث في المنطقة و في غزة بشكل (فنتازي) أي أن يجعلوا من عقلية التجارة، والربح والخسارة هي العقلية الحاكمة و المسيطرة من جهة وتدعمها عقلية المتعة و اللهو والشعور بالغِبطة والزهو، تماما كما يفرح المراهن على فائز محدد بسباق سيارات “الفورمولا ون”، أوكالمموّل فاحش الثراء الذي يشتري ناديا رياضيا أو لاعب كرة قدم أو لوحة زيتية بالملايين ليُشار له بالبنان فينال تقدير ومكانة (برستيج) المجتمع.

إن نهم السلطة والجبروت-صغُر أم كبُر- وحُب الاستئثار وامتلاك السطوة، وتعميق الدور السياسي، والزهو والاختيال ، يترابط مع المصالح.

أولا-العامل الذاتي:النَزَق والمكانة والهوى

ولنتوقف عند حد المكانة والدور والزهو والنزق والخيلاء، حيث يقول الله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، ويقول في محكم التنزيل: (ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً)، أليس هذا الخطاب الرباني في تشدّده، ووفق السياق القرآني معني به بشكل أساس وموجّه الى القادة والزعماء والساسة والحكّام، قبل الناس عامة، حيث التحذير الشديد والدائم في كل آيات القرآن من الطاغوت والجبروت والفساد والطغيان والتساوق معهم؟! والله يقول أيضا (“ألم تر كيف فعل ربك بعاد؟” ويمكن أن نقول: ألم تر كيف فعل ربك بهتلر، ونابليون، وشاه إيران، والاتحاد السوفياتي، فهذه الأحداث الجديدة أكبر من الأحداث القديمة قبل نزول القرآن.)
والنزق والهوى وحب الذات والخيلاء مقرونا بمصالح ذاتية وطائفية أو حزبية أو مناطقية دمّر أمما وشعوبا، ليس آخرها ما حصل مؤخرا من تدمير العراق واحتلال نصف البلاد من قبل مليشيات تنظيم “داعش” الارهابي المتطرف، بحيث لم تهتز لرئيس الوزراء نوري المالكي شعرة، إذ بدا يرغي ويزبد عندما تم تكليف غيره برئاسة الوزراء غير مبالٍ البتة بمصير العراق، وإنما هو وذاته المعظّمة أولا ولتذهب دماء العراقيين إلى الجحيم، يقول الكاتب رشيد الخيون واصفا هذه اللحظات الأسطورية في التاريخ الحديث
(اتهم المالكي أميركا والكتل السياسية كافة بالمؤامرة، ولا ندري مع مَن سيتفاهم إذا صار العالم كله متآمراً عليه، ماعدا الرهط الذي أحاط به وهو يُلقي خطبته النارية (مساء الاثنين11 أغسطس الجاري 2014). ففي لحظة تنكر المالكي بخُيلاء لدور أميركا في وصول حزبه إلى السلطة باجتياح بغداد، ثم تكليفه في المرة الأولى والثانية. ظهر محتداً ضد ترشيح العبادي بالمزاج والحدة نفسها التي ظهر بها وهو يطعن في فوز «القائمة العراقية»، بينما لم تظهر هذه الحدة عند اقتطاع محافظة الموصل، ولا تفجير من التفجيرات الكارثية، ولا ما عبثت به الميليشيات المتصلة به بأرواح الناس بزيونة وغيرها.)
مضيفا ما أتقن الكاتب فيه الوصف (يطل المالكي في كل يوم أربعاء “كلمته الأسبوعية” مادحاً إدارته، وختمها بالقول: بعدي ستفتح أبواب الجحيم! انتهت التسع سنوات، وأمسها أفضل من غدها، أخذ الناس فيها يميلون إلى تذكر الأيام الخوالي بافتقاد، فقد جعلتها سياسة المالكي النعيم المفقود، ولا تخلو آلامهم مِن الترحم عليها، وانقضت بين جعفري قدم نفسه بالمصلح والقائد (العظيم) وفولتير عصره، هذا ما جاء في كتاب «خطاب الدولة»، وزادته رسالة الأميركي الأفغاني الأصل زلماي خليل زاد عظمة عندما قالها ولم يكذبها الجعفري، فدونها في كتابه كجزء من تاريخه: «لقد كنت قائداً عظيماً، وأنا متأكد مِن أنك ستظل القائد العظيم لهذا البلد». تأملوا ضخامة الذات! أما المالكي فقد قدمته عصبته بمختار العصر، وما يعنيه ذلك من استدراج الجمهور إلى الطائفية والثأر.)
كما إن النزق والخيلاء والمصالح أيضا دمرت سوريا إذ يقول د.رياض نعسان أغا عن الحالة القاسية في الحرب البينية السورية مشيرا بوضوح لعامل النزق والهوى والغرور، إضافة بالطبع لعوامل كثيرة أخرى في مقاله الهام الذي نقتطع منه هذا الاقتباس الثمين إذ يفصح (وأذكّر بما قلت في هذه الصفحة مرات منذ ثلاث سنوات، إن سبب ما وقعنا فيه من كوارث هو الغرور والعناد، ولا حل إلا بالحوار، ولا بديل عنه سوى التقسيم واستمرار الحروب)

ثانيا-عامل المصالح الاقتصادية
ثانيا يمكننا القول إن تحقيق المصالح الاقتصادية للدول لا ينفصل عن مصالح الأفراد الذاتية (حيث النزوات والنزق والمكانة والزعامة والسعي للمجد)، خاصة في دول الاستبداد والحكم غير الرشيد.، وكمثال ليس ببعيد فإن الحرب العالمية الأولى بدأت في أوروبا كنتيجة مباشرة أولاً للتنافس الاقتصادي بين الدول الأوروبية وتسابقها على إقامة المستعمرات، وقس على ذلك ما لحق من حروب حتى حرب الخليج واحتلال العراق.
بل إن كاتب متخصص مثل خالص جلبي يقول معلقا عن حرب أقدم هي حرب الثلاثين عاما في أوربا ( 1618-1648م ) أن هذه الحرب المروعة (اندلعت لأسباب بسيطة وتنافسات تافهة بين أمراء الإقطاعيات (؟!) لكن سرعان ما اشتركت فيها جيوش شتى من ألمانيا والسويد وفرنسا وهولندا وإسبانيا والدانمارك.. وتطاحنت مذاهب متفرقة من كاثوليك وبروتستانت والكلفينية ودُمرت الأرض الألمانية شر تدمير، وقتل نحو ستة ملايين من أصل (21) مليوناً، أي نحو ثلث السكان.).
وبالعودة للحاضر يقول الكاتب التركي “دوان بيكين” (صحيفة ملي التركية يوم 9/8/2014) مشيرا بدقة للبُعد الاقتصادي في حرب غزة وحروب المنطقة ضد الأمة (تعتبر ثروات حوض البحر الأبيض المتوسط من نفط وغاز طبيعي في طليعة المخططات الإسرائيلية، لذا جميع الحروب التي تشهدها الدول العربية فيما بينها؛ تصب في صالح (إسرائيل)، وذلك من أجل السيطرة على موارد الطاقة في المنطقة.)
وتضيف صحيفة الحدث الفلسطينية في عددها العشرين قائلة ( يرى مراقبون أن العدوان الإسرائيلي على غزة يهدف إلى السيطرة على الغاز الفلسطيني. فمنذ اكتشاف الغاز والنفط في الأراضي المحتلة بات التنافس على المصادر في قلب الصراع، تحركه بصورة متزايدة مشاكل الطاقة المحلية في (إسرائيل)) ورغم تقليل عدد من الخبراء من أهمية هذا العامل في حرب غزة الاخيرة إلا أن البعد الاقتصادي عامة لا إغفال له البتة.
ويقول الكاتب عبدالرحمان الخطيب في صحيفة الحياة اللندنية في البعد الاقتصادي لانفجار منطقتنا بما أسمي “الربيع العربي” الذي تحول لكارثة قومية (كان لا بد لتجار السلاح من البحث عن مصادر صراع أخرى. فوجدوا ضالتهم في الشرق الأوسط. لِمَ لا؟ وقد وصلت النفقات العسكرية على التسلح في عام 1991، قرابة 9019 بليون دولار؟ وكان حجم تجارة السلاح الأميركية خلال العام نفسه بلغت 2298 بليون دولار، قيمة مبيعات السلاح، إضافة إلى 3911 بليون دولار قيمة تراخيص الموافقة على مبيعات تجارية وخدمات صيانة)

وهو إذ يطلق مصطلح “اللعبة” كما قلنا عن الحرب الدائرة في المنطقة فإنه يستطرد بالشرح ليقول: (إن “اللعبة” هي ابتداع نظرية تروج إلى وجود تهديدات حالية أو مستقبلية على أمن دول الخليج؛ لأن عدم الشعور بالأمن الملازم لظاهرة الفوضى الدولية هو المحدد الرئيس للدوافع السياسية لظاهرة انتقال السلاح والتقانة العسكرية. ومن ناحية أخرى، أوجدت هذه الفوضى التي نشأت خلال ثورات «الربيع العربي» سوقاً رائجة لتجارة السلاح، سعت فيها بعض الدول للحفاظ على أمنها بنفسها.) (ما ادى لانتعاش مصانع الأسلحة).
ويخلص الكاتب عبدالرحمان الخطيب في مقاله المعنون (كي تفهموا اللعبة) في 14/8/2014 للقول (قصارى القول إن ما يحصل الآن هو أمر مبيت بليل، مؤداه إبقاء المنطقة بحالة اصطراع تبادلي التدمير، وإفقارها، وتجويعها، وفرض الهيمنة عليها، والحيلولة دون أن تحلم يوماً بالعودة إلى ما كانت عليه أيام ازدهار حضارتها).

ويمكننا أن نضيف -ما نتفق فيه مع الكاتب سلام السعدي عندما قال- أن هناك (مخاوف “إسرائيل” من تحول قطاع غزة، في ظل سيطرة “حماس”، إلى مصدر هام للطاقة مع اكتشافات جديدة لحقول من الغاز قبالة سواحل القطاع الفقير. ويقدر إنتاج تلك الحقول بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي بقيمة تتجاوز 4 مليارات دولار.

وفي هذا السياق كان وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون صريحا للغاية قبل نحو عامين عندما قال إن «أي صفقة تجارية لاستغلال الغاز في قطاع غزة من قبل السلطة الفلسطينية سوف تكون حركة حماس في صلبها. فإما أن تستفيد من عائدات الغاز أو تقوم بعمليات تخريب للمشروع عبر إطلاق هجمات ضد حركة فتح، ومنشآت الغاز، و(إسرائيل)”، ويتابع «يبدو واضحا أنه من دون عملية عسكرية شاملة تقتلع حماس من قطاع غزة، لن تتم أي عمليات حفر وتنقيب دون موافقة الحركة الإسلامية المتطرفة».)

وهنا يتداخل -كما أسلفنا- العامل الشخصي الزعامي الذاتي وحب الاستئثار والخيلاء والسلطة والتنافس على دماء القتلى، مع تحقيق المطامح الاقتصادية والسياسية في القديم واليوم معا.

ثالثا-عامل الدفع بإنعاش الحروب بالوكالة، وتجارة السلاح والمرتزقة

وثالثا فان إبعاد الخطر عن الحُكم أو البلد (اللاعب الإقليمي) أو ما يمكن أن نسميه الدفع، ولو على حساب دماء الآخرين يُشكل هدفا للسلطان منزوع الضمير أي كان، بمعنى أن تحريك لاعبين صغار ودعمهم بعيدا عن أرض ومصالح الدولة الاقليمية أو الدولة الكبرى يشكل سياسة هامة ذات أفق هجومي ولكن بأيدي أخرى وبعيدا عن العمق للبلد وحكامها، أي بعيدا عن الأرض والمصالح الحيوية لهذه الدولة أو الزعيم أو تلك، وما يسميه المحللون إشعال الحروب بالوكالة.

وعن هذه النقطة بالذات في موضوعنا، نورد اقتباسا واحدا ولكنه اقتباس ذو مغزى، حيث يقول الخبير في السياسات الأمريكية الخارجية وشؤون الشرق الأوسط ( مارك بروزنسكي) على اليكترونيته”ميديل إيست . أورغ” : “الولايات المتحدة تخوض حروبا من خلال الوكلاء . تخوضها في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان وليبيا وفلسطين، من خلال أنظمة متواطئة ومبعوثين للتخريب ومتعهدي عمليات عسكرية وعملاء سود لوكالة الاستخبارات الأميركية. لا تطأ القدم الأميركية أرض الغير، لكنها تسخر مقاتلين بالوكالة وأسلحة بالوكالة.)
مضيفا ومميّزا ( أما حالة “إسرائيل” فهي فريدة في بابها لأن قوة اللوبي الإسرائيلي – اليهودي بمقدورها التلاعب بحكومة الولايات المتحدة والميديا الأميركية)، و كما يكتب سعيد مضية في الحوار المتمدن في 17/7/2014 فلقد حذر بروزنسكي قرّاءه من خطأ التقدير؛ “فبدون السلاح الأميركي والتقانة (=التكنولوجيا) الأميركية والدعم السياسي الأمريكي لم يخطر ببال “إسرائيل” ولن تستطيع أن تقوم بما قامت به”.
وفي سياق حروب منطقتنا التي تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية وتديرها تبرز المحاور الثلاثة الرئيسة التي أشرنا إليها عرضا فيما سبق لكن نوضحها هنا بجلاء، إذ لا شك أن لكل من إيران والمحور العربي بقيادة السعودية ومصر ومحور (تركيا –قطر- الاخوان) إضافة إلى الإسرائيليين مصالح ذاتية واقتصادية كما أن فيهم من يمارس عملية الدفع بإنعاش حروبه بالوكالة فيدعم ويسلّح ويمول ويجند ويحرض ويقتل، وإلا فمن أين جاءت ما تسمي نفسها عصائب الحق (الباطل الشيعية المتطرفة) ومن أين جاء الخوارج الجدد (داعش)، وهم ليسوا إلا نتاج هذا الصراع البيني في الإقليم والحروب بالوكالة؟! لأنهم ليسوا نبتا شيطانيا بلا جذور أبدا! وإضرب لهم مثلا في صراع ذات المحاور في غزة، أم أن الوضع مختلف؟!

يقول الكاتب (رون بروسور) في صحيفة (نيويورك تايمز) 25/8/2014 عن دولة قطر (إن الإمارة الخليجية الصغيرة تسعى لشراء طريقها إلى الهيمنة الإقليمية مثل بقية الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط، وقد استخدمت وكلاء للاستفادة من النفوذ وزعزعة استقرار مننافسيها. وكان اختيار قطر لوكلائها يتمثل في الأنظمة والجماعات المتطرفة)

وعليه فإن عامل “الدفع” عبر اشعال الحروب في بلاد الآخرين وعبر الوكلاء، تجنبا لشر يتوقعونه أكبر، أو تحقيقا لسلطان ، أو دفعا عن انتشار الحريق للبلد المعني “اللاعب”، هو عبث بدماء الشعوب الأخرى من جهة، وتفعيل لدور (المرتزقة) كما هو لذوي الفكرانيات المتعصبة، أو المدفوعة الأجر كما هو تحريض لتجار السلاح والحروب على ازدهار تجارتهم فلا تبور.

رابعا-فكرانية (أيديولوجيا) الحرب

كما أنه رابعا: تُعَدّ عملية إدخال مفاهيم غائية ذات عمق إيديولوجي (فكراني) في نفوس الناس ليقتربوا من هذا المحور أو ذاك فتتسع مساحة النفوذ في عقولهم البلهاء وبالتالي مساحة النفوذ في بلادهم هدفا عظيما، فلا مناص من التمسك بالاسلاموية وإعادة “الخلافة” في مواجهة تيارات الفكر العلماني الذي يرونه ملحدا كافرا يجب استئصاله كليا، ضمن عقلية تقسيم المسلمين الى “فسطاطين” متنافرين بمنطق الحق والباطل والنور والظلام حيث أنهما ليسا سواء على حد تعبيراتهم المغلوطة.

كما يأتي بالمقابل التدخل في شؤون الدول الأخرى تحت ذرائع الديمقراطية أو الحرية أو حقوق الانسان ما هو سمة التدخل الأمريكي، أو تحت ذرائع الثورية والجهاد ما غايته حمل الفكرانية أو المذهب الديني-السياسي على أكتاف الآخرين بل ودمائهم.

خامسا-هوس “اللعب”والعبث والاستبداد
أما خامسا فمن نافلة القول أن المليارات التي يتم خسارتها من قبل رِهان اللاعبين الإقليميين في غزة (أو غيرها في المنطقة) لا تذهب سدى ! انظر إلى الثمن الذي يتم دفعه لشراء حصان أصيل ، أو رقم مميز لسيارة، أوللفوز باستعراض ما! إنه الملايين ! أفلا يتم دفع مليارات لتدمير غزة (وسوريا و العراق…الخ) ليتم إعادة بناؤها من قبل نفس من مارسوا الدمار وهكذا دواليك ؟

1-الاستفزاز البصري وعقلية اللعب والرهان

أن هذا ليس ضربا من الخيال بل حقائق، لأن عقلية المتعة البصرية (عبر الرائي و الشابكة = “التلفزة و الانترنت”) هي التي “تستفز” أبصار وقلوب و عقول الناس اليوم ، وصانع القرار في سياق مجموعة من الأهداف لا يغفل ضرورة تواصل مثل هذا “الاستفزاز” الذي يجب ان يستمر، أي أن تستمر تجارة الحروب والاعلام التي تدر المليارات.

ويعمل على أن تستمر تجارة (البناء) بعد (الهدم) المخطط، وتجارة الإعلام، وتجارة السلاح قبل كل ذلك، و تجارة السياحة السياسية ، وتبادل الأدوار، فلا تبور تجارة أبدا.
ويسقط الملايين من الأبرياء تحت أقدام الدول العظمى و اللاعبين منزوعي الإنسانية و الضمير بل و الذين يحاولون إسباغ صفة الإنسانية أوالدفاع عن الدين أوالفكرة أو المقاومة في رداء دعمهم لاستمرار المعارك و الحروب و القتل. (ما الانسانية في طلب أمريكا والأمم المتحدة من المقاومة الافراج الفوري-لاحظ الفوري-عن الجندي الاسرائيلي المختطف-وجد مقتولا لاحقا- وعدد الشهداء وصل 1600حينها، ولا مطالبة بوقف العدوان؟!)
ويتساءلون لماذا تنتعش تنظيمات متطرفة مثل “داعش”! ألا يتم جذب العناصر لها باستغلال (إحباطها) من (فوضى) الغرب؟ وعبر توهمها بإيجاد الحل عبر اتباعها الفكر المتطرف من جهة، وعبر وسائل الدعاية-الإعلامية العبثية من جهة أخرى؟
كما يجيب علي السؤال الكاتب المصري جمال سلطان بالقول (فكر داعش المتطرف وأيديولوجيتها العدمية والعبثية هي هي لم تتغير منذ سنين طويلة ، فلماذا فشلت في الاجتذاب والنجاح قبل ذلك ونجحت الآن ، ببساطة ، لأن الجاذبية لم تكن لأفكارها ، بل كانت للدم والإحباط وإحساس جيل عربي جديد بأن العالم “المتحضر” باعه من أجل أنبوب نفط وضمان أمن “إسرائيل”) مضيفا في مقال آخر أن “داعش” (هي الابن الشرعي لنظم القمع والديكتاتورية والتعذيب والإقصاء والفساد وشركائها وحلفائها من ليبراليي الدجل والانتهازية الرخيصة)

2-أين المقاصد الشريفة؟

إن المقاصد الشريفة لا يمكن فهمها مطلقا في ظل معارك لم يُحسب فيها معادلة القوى و المعسكرات المتحالفة و المناوئة، ومقدرة الهدف على التحقق، وتهيئة المناخ، و الاستناد لجدار قوى و الإعداد المسبق للشعب والقوى ، حيث أنه في غير هذه التهيئة والإعداد و الاستباق تصبح الحروب عامة وسيلة لتحقيق أهداف غير شريفة أو سليمة، على الأقل هي كذلك للمحرضين و اللاعبين الإقليميين ، إن أحسنا الظن باللاعبين المباشرين.

أن تشتري دولة خليجية تحتفظ بقواعد أمريكية في بلدها سلاحا لهابـ 11 مليار دولار (راجع موقع معهد واشنطن في 26/7/2014) بعد أسبوع من حرب غزة ماذا يعني هذا ؟ وأن يقتل 1700 بريء في سوريا في نفس الفترة التي فقدنا 600 في غزة ماذا يعني هذا ؟ وان تكون عيون بعض الدول العربية و (إسرائيل) على غاز غزة بشكل رئيس؟ ماذا يعني هذا؟ وان تمتنع دول عن تقديم الدعم للفلسطينيين وهي تتبنى المقاومة لسانيا ليلا نهارا ؟ماذا يعني هذا؟

وكمثال نسوقه لمن يظن أن فيما قلناه غرائب، يقول الكاتب الاسرائيلي (بوعز بسموت) في صحيفة “إسرائيل اليوم” في 1/8/2014 متحدثا عن وثائق ويكيليكس ودور دولة قطر ، ومشيرا لما أسماه (العلاقات التجارية الصامتة بين “اسرائيل” وقطر) يقول: (نجحت قطر، الى أن كانت عملية “الجرف الصامد” (العدوان على غزة 2014) على الأقل في أن تراوغ في لعبتها المزدوجة. وقد نجحت خلال سنين في أن تستضيف دبلوماسيين اسرائيليين فيها…..وانشأت علاقات وثيقة – سياسية واقتصادية – بحماس. وهي إمارة تنجح في أن تكون على علاقات حسنة بإيران والولايات المتحدة على التوازي. فهل يبدو هذا غريبا؟ إن وثائق “ويكيليكس” المسربة تبرهن على أن ذلك ليس غير منطقي تماما.)

ويقول محمد البحيري مقدم كتاب الدبلوماسي الإسرائيلي في قطر سابقا (من عام 1996 إلى عام 1999)”سامي ريفيل” حول العلاقات بين قطر و(إسرائيل) معلقا : (أنه كان هناك صعوبة في نسج العلاقات القطرية الإسرائيلية التي شارك فيها “ريفيل” بنفسه، لولا المساعدة التي حظي بها من مسئولين كبار في قصر الأمير ووزارة الخارجية القطرية وشركات قطرية رئيسية). مشيرا لتسويق الغاز القطري والشركات المشتركة.

3- تفكيك الأمة على طبق من ذهب

إن النتيجة الواضحة في حرب غزة (وكذلك الأمر في حرب العراق و سوريا واليمن وليبيا …) هي إن حلم إعادة تفكيك وتركيب الأمة قد تحقق، وعلى طبق من ذهب، وان استمرار الفوضى وما يعنيه ذلك من ظهور الحاجة لدى جميع الأطراف (للمنقذ) وهي الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبح مطلبا للأطراف جميعا.

كما أن النتيجة الواضحة أيضا إن دماء الشعوب لا قيمة لها مطلقا، فالموت مجاني وتجارة الحرب ونهب الشعوب مزدهرة، والسلاح له ثمن وثمنه سيتم تسديده من إعادة بناء ما دمر بأموال نفس المقتولين الأحياء منهم و الشهداء.

الكل اقليميا ساهم في استعار (من السُعار) الحروب، وإن كانت المصلحة الكبرى (لإسرائيل)، والكُل اقليميا ساهم في الدم العراقي والسوري…. والفلسطيني المسفوح، والكُلّ يريد في حرب اقتسام المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي أن يستعيد جزء من خسائرة المادية بما فيها بالطبع (اسرائيل) المعتدي الأكبر، حيث يقول (أليكس فيشمان) بكل وضوح وصراحة فظيعة في 1/8/2014 في صحيفة (يديعوت أحروونوت): (في جهاز الأمن عينوا قبل اسبوعين فريقا ينسق “النصيب” الاسرائيلي من اعادة اعمار قطاع غزة في اليوم التالي، برئاسة نائب رئيس الاركان ومنسق الاعمال في المناطق.)، هل هذه مفاجأة أم نتيجة متوقعة، فما بالك باللاعبين الآخرين؟

في خضم ما حصل ولعبة الطيور الغاضبة (أنغري بيرد) التي يمارسها اللاعبون الإقليميون، نحن من نغرق في صراع دُعاة المقاومة المحمولة على أكتاف البسطاء الغارقين في الدم ، ونغرق في صراع دُعاة الحكم الإلهي المكذوب ونبيّهُ المقدس على جثث أطفال غزة و الفلوجة وحلب وبنغازي.

شهادة في النزق والهوى

يقول الشيخ سيد إمام الشريف منظر “تنظيم الجهاد” السابق، متحدثا عن النزق و”الهوى” ومدى خطورته الفائقة في المعارك والحروب والصراعات في جميع أنواعها، بالقول أن ( أفراد جماعة الجهاد-التي كان زعيمها- هم الذين أسسوا القاعدة وأداروها وحاولوا أن يحسنوا توجيه بن لادن وأن يقللوا من تفلتاته الشرعية، ثم قطعت صلتي بالجميع عام 1993 لما رأيت الأغلب >>متبعاً لهوى نفسه<<، وقال الله تعالى «ومن أضلُّ ممن اتَّبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين» (القصص 50).) مضيفا في كلامه عن الظواهري و"القاعدة" (أصبح الهوى هو معيار القبول والرفض لا الإنقياد للدليل الشرعي كما يوجب الإيمان)، بل ويضيف أيضا عن قيادات التيارات المتطرفة ما ينطبق على القيادات والأشخاص والدول والجماعات الاستبداية كلها (يعاندون الشرع ويبدلونه هكذا لموافقة هواهم، وإذا كانوا يدمرون الدول والجماعات ويجلبون الكوارث على المسلمين وهم مستخفون هاربون، فكيف سيفعلون إذا تمكنوا من حكم دولة؟) عوامل متداخلة إن عوامل (أو صفات) النزق والخيلاء والعناد والتحكم في الآخرين ما لا تخرج عن المنطق القرآني بتحكم (الهوى) والميل و الانحياز للرغبات الشخصية الذاتية لا تنفصل عن عوامل التحكم الأخرى في القرارات القيادية التي قد تكون نتيجتها إنجازا وفتحا مبينا ونصرا، أو قد تكون كارثة وفشلا وهزيمة نكراء. ولأن (لعبة الحرب) لا تنفصل عن لعبة السياسة مطلقا، فلا فعل ميداني عسكري بلا هدف حتى لدى العصابات و المافيات، فما بالك بالدول والجماعات ؟ وعليه فان تداخل العوامل الاقتصادية والعسكرية والشخصية ، والحرب أو الاتجار بدماء الآخرين إبعادا لخطر ودفعا له، أو حفاظا واكتسابا لنفوذ و سطوة ومكانة وهوس باللعب تعد من أبرز عوامل التحكم في مصائر الشعوب. ان عامل الفكرانية (الأيدولوجية) والقيم في كافة الحروب يعد سببا رئيسيا كما العوامل السابقة، فلكي تكتسب أي حرب شرعيتها أو أخلاقيتها المفترضة لا بد أن ترتدي زياً فكرانيا (فلسفيا أو دينيا أو ديمقراطيا أو قيميا....)، وفي كثير من الأحيان يكون لدى الطرفين أو الأطراف المتصارعة فكرانية قوية يدافعون عنها، وهم في حقيقة الأمر يستخدمونها ويذبحونها ويستغلونها إرضاء للعوامل السابقة ، إذن هي تتكامل وتتداخل كلها أو بعضها، لكنها اليوم جلية، لنتأمل هذه العومامل مرة أخرى إنها: 1. نوازع النزق و الهوى الشخصي 2. تحقيق المصالح الاقتصادية 3. الدفع ، عبر حروب الوكلاء (والأهداف السياسية) 4. نشر الفكرانية (الأيديولوجية) بالحرب 5. تحقيق هوس اللعب والعبث والاستبداد. لماذا نموت؟ نموت نحن من أجل أن ينعم الأمير الفلاني أو الزعيم العلاني بعطلة هانئة، يراهن أو يلعب أو يعبر عن نزقه أو يقامر فيها فيكسب الرهان، على عدد الشهداء في العراق أواليمن أو فلسطين، مستندا لغبائنا نحن، إذ نتقاتل في الميدان أومساحات الإعلام، وفي البيوت والمحافل وربما في الأسواق، ليكسب هو في مقامرته ومحاولته انتزاع دور أو استعادة حكم أفلس جماهيريا نموت نحن في سوق الدماء البخس لغرض تحقيق مقصد السعي الحميم لزعيم ما لاستمالة عاهرة أو إبهارها بالاستعراض الخسيس أمامها، أو لتحقيق حالة تسيّد وخيلاء بلا استحقاق على أمّة طلقت الوعي والعقل والفهم ثلاثا. هل نقبل أن نموت نحن كفلسطينيين أو كأمة عامة، أو نتقاتل معا، فننساق وراء الاشاعات والدعاية السوداء والتطبيل والتزمير لهذا أو ذاك؟! فما نحقق إلا أهدافهم ومطامعهم الاقتصادية والتدميرية والتفريقية لنا، ولا نطول نحن حتى حبة الخردل؟ ألم يحن الوقت لننفض عن أكتافنا الوهن والضعف والشعور بالعجز والتكاسل ونترك الاشتغال في تدمير ذاتنا على حساب وحدتنا؟! (وقوتنا في وحدتنا). وتعليقا منا على عبثية حروب العرب اليوم (لا تتسم حرب فلسطين وغزة بذلك لأنها بين احتلال وشعب محتل) يقول المفكر العربي الإسلامي الشهير مالك بن نبي" يخطيء المسلم في تقديره عندما يعتقد أن الذي ينقصه هو الصاروخ أو على الأقل البندقية ويتوهم أن هذا هو واجبه العاجل" ...إلى أن يقول: وسنظل نكرر ونلح في تكرارنا أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة وسائل وإنما أزمة أفكار". ألم يحن الزمان الذي نميط فيه اللثام عن الحقيقة أو كل الحقائق؟ ونرى حقيقة الوجه المقابل لنا ؟ لأن مصائر الشعوب لم تعد تخضع لأصحابها حين غلبة الجهالة والتفتت والتبعثر والانسياق للآخر الذي يقحمنا في أولوياته ودعاياته وبثه النفسي والاستهلاكي اليومي ؟ لذا فإن المصائر لا تخضع لأصحابها بل ترهن نفسها عمليا لإرادة الآخرين. إن كشف الأقنعة التي تتغطى فيها أي حرب أو قضية، ليس لتنزيه الذات عن المسؤولية بالبحث عنها خارجنا، ولتوجيه السهام للخارج (المتآمر)، وإنما للعودة الحقيقية للذات فمرحلة "الكشف" عن أدوار الآخرين تعني "الوعي" كما تعني "أعداد العدة" ثم "الانقضاض". ألم يحن الوقت لنقضي فيه معا كأمة عربية واسلامية على عوامل التفرقة والتجهيل وانعدام العلم، نعم العلم، و الوعي في الجسد المثقل بالكثير، فنثور في أرواحنا، وأنفسنا وعقلنا ومنهاج تفكيرنا وحياتنا لنتغير قبل أن تدهمنا متغيرات لا قِبَل لنا بها فيتم التكالب علينا ، ما بوادره تصادق على قول الرسول الأعظم من تكالب الأمم رغم الكثرة التي لا تغني . الحواشي: [1] يعلق د. عماد فوزي شُعيبي في صفحته على الفيسبوك قائلا: في الحروب تبدو المشاهد أكثر عبثية من الموت بالجملة أو بالمفرّق عندما يختلط المشهد الى حدّ اختلاط (الزيوت) بالمياه. وعندما يكون جهل الصورة يملأ أرجاء المشاهد. كلٌ يغني على (غرائزاه). كلٌّ لديه حقيقته بينما يتلخص المشهد في مكان آخر ولدى دولٍ أخرى. وجمع غفيرٌ يُطبق المثل الابيستمولوجي اللاتيني "لايرتفع نظرُ الإسكافيّ فوق الحذاءً. فلا معرفةً ولا حقيقة خارج رؤوس البعض. سيعيشون ويموتون ولن يُدركوا حقيقة المشهد. أوليس هذا ما حدث مع الملايين من البشر في كل حروب الدُنيا وعبر كل احقاب التاريخ؟ نعم. ولكنهم أبناء بلدي! [2] كتب الجندي الإسرائيلي (عيدان بارير) مقالا على صحيفة تلغراف البريطانية في 15/8/2014 يتحدث فيها عن قصف (إسرائيل) لغزة ويشبهها بلعبة "الروليت" الروسية، مشيرا إلى أن استخدام بلاده لسلاح المدفعية لا يدع لها المجال لزعمها بأنها تفعل كل ما في وسعها لتجنيب قتل الأبرياء [3] يذكر الكاتب محمد السماك في صحيفة الاتحاد 29/8/2014 تحت عنوان مقال:"اللعب بحركات التطرف الديني" التالي: " مؤسسة «راند كوربوريشين» ‏Rand Corporation. الامريكية ، عرضت وصفة جديدة عام 2007 تلقفتها الإدارة الأميركية بسرعة. وتقول هذه الوصفة إنه بدلاً من مواجهة الإرهاب، فلنعمل على احتوائه. ولكن كيف؟ تجيب المؤسسة على هذا السؤال باقتراح يقضي بالعمل على تشجيع «الإرهابيين الإسلاميين» على التجمع في الشرق الأوسط، ومن ثم استعداء بعضهم على بعض، بحيث تتولى فصائلهم المتعددة والمتنافسة القضاء على بعضها بعضاً.ولكن كيف يمكن تشجيع جماعات الإرهابيين على التجمع؟ تجيب الوصفة الجديدة: بتمكين فصيل من فصائلهم الوصول إلى السلطة في دولة ما، أو في جزء منها. حتى إذا تم له ذلك تتحرك الفصائل الأخرى لمقاسمته الغنائم.. أو لمنافسته على السلطة.) وللرجوع لبقية المقال الهام على الرابط التالي http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=80955 [4] أنظر (يوهان هوتسينغا) في كتابه "ديناميكية اللعب في الحضارات"، تحليل الحروب من منطلق عبثيhttp://www.24.ae/article.aspx?ArticleId=13634 [5] اعترف القيادي في حماس صالح العاروري لاحقا كما تذكر بعض المصادر بعملية الاختطاف. [6] (لماذا انخرطت قطر إلى هذا الحد في مصر وسوريا؟ إنه سؤال جيد. والإجابة عليه ترجع بالتأكيد في جزء منها إلى أنه في ظل غياب الولايات المتحدة، تتصور قطر وجود فراغ - ومن ثم فرصة جديدة لتعزيز مكانتها الدولية) ويضيف سايمون هندرسون الباحث في معهد الشرق الأوسط بالقول بكل وضوح الى حد مرغب للبعض ما ينطبق على قطر وغيرها ربما (لقد كانت سياسة قطر تقوم على نزوات -- أو بشكل أكثر تأدباً، على رؤية -- الأمير حمد بن خليفة آل ثاني والشيخ حمد بن جاسم آل ثاني) (؟!) https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/regime-change-in-qatar [7] حرب الوردتين (1455-1485)، وهي مجموعة من المعارك الأهلية على كرسي العرش في إنجلترا بين أنصار كل من عائلة لانكستر (الوردة الحمراء) وعائلة يورك (الوردة البيضاء)، أستمرت الحرب لمدة 30 عاما، وانظر أيضا إلى حرب المئة عام (1337-1453)، وهي حرب طويلة ما بين فرنسا وانجلترا, حيث ادعى الملوك الإنجليز العرش الفرنسي وكافحوا من أجله،وهذه الحرب قوطعتْ بعدة فترات طويلة من السلامِ قبل أن تنتهي بطردِ الإنجليز من فرنسا- باستثناء كاليه- استمرت الحرب لمدة 116 عام.. [8] http://www.aleqt.com/2008/03/15/article_11833.html [9] أنظر مقال رشيد الخيون في الاتحاد الإماراتية في 13/8/2014 http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=80680 [10] لمراجعة المقال كاملا في صحيفة الاتحاد الاماراتية ، أو على الرابط المرفق http://www.noqta.info/page-73716-ar.html [11] وقامت الحرب العالمية الأولى ثانيًا لرغبة الجماعات القومية في تحقيق الاستقلال لبلادها، وثالثًا كنتيجة للأحلاف العسكرية السرية بين دول أوروبا. http://ar.m.wikibooks.org/wiki/تاريخ_أوروبا [12] الحدث، الثلاثاء في 20/8/2014 العدد 20 http://www.alarab.co.uk/?id=27717[13] سلام السعدي، أبعاد استراتيجية في العدوان على غزة [14] أنظر مقال الغارديان حول الموضوعhttp://t.arabi21.com/Story/761887 [15] قالت المصادر أن مشعل وعد أردوغان بأن تسعى حماس بمنح حصص أكبر للشركات التركية في عملية وخطة إعادة إعمار غزة، مقابل تعويض تركيا لحماس عن نقص أموال الأنفاق، وأن أردوغان كلف الحكومة التركية بإرسال وفد تركي لغزة لدراسة احتياجات القطاع، وخطط إعادة الإعمار، وتجهيز قائمة بأسماء الشركات التركية التي ستقوم بالمشاركة في عملية إعادة الإعمار لغزة.( السبت 20 سبتمبر 2014-نشرة مركز المزماة للدراسات والبحوث) [16] (و َاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [يس: 13 - 17]. [17] هيلين أجمل امرأة في العالم كما تزعم الأساطير الإغريقية، كانت السبب الرئيسي للحرب الطروادية، التي هزمت فيها اليونان مدينة طروادة، ولكم النظر إلى حصان وجمل أشعلا حرب "داحس والغبراء" في نجد بين عبس وذبيان (40عاما) و"حرب البسوس" بين بكر وتغلب لدى العرب (40عاما). [18] (لمراجعة نماذج حية لتركيع الشعوب وتدميرها في كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم، إعترافات قرصان إقتصادي، جون بركنز، ترجمة ومراجعة مصطفى الطناني، ود.عاطف معتمد) [19] أنظر مقالات جمال سلطان في صحيفة المصريون http://almesryoon.com [20] قال الإمام السرخسى (ولأن حقيقة الجهاد فى حفظ المسلمين قوة أنفسهم أولاً ثم فى قهر المشركين وكسر شوكتهم، فإذا كانوا عاجزين عن كسر شوكتهم كان عليهم أن يحفظوا قوة أنفسهم بالموادعة إلى أن يظهر لهم قوة كسر شوكتهم) من (شرح السير الكبير) 1/133. [21] http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/qatars-gaza-motives [22] تشير صحيفة يديعوت الاسرائيلية بالانجليزية لزيارة أمير قطري (لاسرائيل) لتطوير التعاون في مجال التقنية العالية (هاي تك) بين الامارة وبين (اسرائيل). http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4374140,00.html وحول استثمارات قطر في المستوطنات بالملايين اليكم الرابط http://www.maannews.net/eng/ViewDetails.aspx?ID=357990 [23] تقول صحيفة "كالكست" الإسرائيلية بأن حمد بن جاسم رئيس وزرائها السابق هو الذي يشرف شخصيا على التعاون الإلكتروني مع (إسرائيل)، لأن أميرها السابق مهتم بتشجيع شركات التقانة=التكنولوجيا الإسرائيلية لتصدير تقنياتها المتطورة إلى بلاده، وحريص على زيارة (إسرائيل) لتعزيز العلاقات الاقتصادية في مجال صناعة التقانة=التكنولوجيا (موقع البوابة نيوز) [24] يقول الدبلوماسي الإسرائيلي في قطر سابقا "سامي ريفيل" في كتابه الصادر عام 2011: إن إقبال قطر على التطبيع مع (إسرائيل)، وتصدير الغاز إليها تحديدا، كان يستهدف الترويج عالميا للحقل الشمالي الموجود في قطر والذي يوصف بأنه اكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، ويقدر حجم الغاز الموجود فيه بما يزيد على 25 تريليون متر مكعب. [25] شبه الإعلامي الأمريكي الساخر، جون ستيوارت، الولايات المتحدة الأمريكية بعازف الحروب في منطقة الشرق الأوسط عبر تصديرها أسلحة متعددة إلى دول المنطقة، رغم ما تدعيه الإدارة الأمريكية من أنها تسعى إلى تحقيق وحفظ السلام بالمنطقة. ويجيء هذا الانتقاد على خلفية الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة منذ السابع من الشهر الماضي، ما دفع ستيوارت إلى انتقاد (إسرائيل) صراحة في حلقة سابقة (الشروق المصرية:3/8/2014) [26] للاطلاع حول د.فضل (اسم الشهرة) واسمه الحقيقي سيد إمام عبد العزيز الشريف http://www.egyig.com/Public/articles/books_studies/6/97112538.shtml [27] أنظر كتاب د. سيد إمام الشريف منظر الجهاديين السابق في رده على الظواهري المعنون (مذكرة التعرية لكتاب التبرئة، في رده على كتاب التبرئة لأيمن الظاهري) [28] رغم مثالنا عن دولة قطر ما هو موثق، وينطبق على غيرها ربما، فنحن لا نقصد شخصا بعينه أبدا، ونفهم طبيعة مصالح الدول وأولوياتها، ولكن كل ما ندعو له أن تكون أولوية العمق العروبي والوحدة والتآزر مقدمة على بناء علاقة ما مع (اسرائيل) أو غيرها على حساب الشعوب ودمائها وعقولها المقصوفة يوميا. [29] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، قُلْنَا : مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : لا ، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ، قِيلَ : وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ" . ( ولا يعني كراهية الموت هنا كراهية الجهاد-بمعنى القتال-، بقدر ما يعني كراهية الجهاد وعلى رأسه جهاد النفس بالعمل للحياة الآخرة التي يعتبر الموت مدخلها، أي بكثرة فعلهم للذنوب والمعاصي والخطايا-الكاتب) *كاتب فلسطيني ملاحظة: الدراسات والمقالات المنشورة تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *