الرئيسية / شؤون عراقية / المرجعية والأغلبية البرلمانية/ د.صلاح عبد الرزاق/ بغداد

المرجعية والأغلبية البرلمانية/ د.صلاح عبد الرزاق/ بغداد

د. صلاح عبد الرزاق/ بغداد

ليست فكرة الأغلبية السياسية طارئة في الفكر السياسي والتاريخي ، لأنها كانت ولا زالت أسلوباً ناجحاً في إنجاز القرار لدى مجموعة من الأشخاص. فالأغلبية تقنين لإدارة الحوار ثم الوصول إلى قرار في نهاية المطاف.
في الدساتير والقوانين الحديثة تتضمن فكرة الأغلبية بعدة أشكال:
1-الأغلبية البسيطة أو المطلقة ( نصف + 1) من أعضاء المجلس
2- الأغلبية البسيطة (نصف + 1) من الأعضاء الحاضرين بعد حصول النصاب
3-الأكثرية النسبية أي العددية للحاضرين
4-أكثرية الثلثين ( 2/ 3 من أصوات الحاضرين أو عدد أعضاء المجلس) وهذه توضع للقرارات الحساسة مثل إعلان الحرب والسلم، تغيير الحدود، أو قوانين معينة أو حالات خاصة.
5-الأغلبية تعني أن لكل عضو صوت واحد. وبعض القوانين تعطي لرئيس المجلس صوتين في حالة تساوي الأصوات.
هذا الأسماء والأساليب كلها وجدت لمواجهة مشاكل اتخاذ القرار في البرلمانات والحكومات. وهي أمر متعارف عليه في الدول الديمقراطية حيث ينصاع الجميع لقرار الأغلبية.
أما ما يتعلق بالتركيبة البرلمانية ، فقد سارت أغلب الدول على منهج الأغلبية والأقلية ، أو الحكومة والمعارضة. وذلك لأن تسيير البرلمان والحكومة لا يتم إلا بوجود أغلبية برلمانية قادرة على تشكيل الحكومة . وقد تكون الأغلبية بحزب واحد أو ائتلاف حكومي يضم حزبين أو أكثر حتى يحصل النصاب المطلوب (نصف + 1) عدد المقاعد.

المرجعية الدينية والأغلبية في التصويت
إن البرلمان العراقي ليس أول برلمان في المنطقة وهناك دول أخرى ذات تجارب برلمانية أقدم مثل تركيا وإيران ومصر. إذ يعود تاريخ البرلمان المصري إلى عام 1866 ، والبرلمان الإيراني 1905 والبرلمان التركي عام 1920.
وكانت المرجعية الدينية تتواصل مع هذه التجارب البرلمانية وتراقبها ، حتى أن المرجع الشيخ محمد حسين النائيني (1860-1936) تأثر بالفكر الدستوري الأوربي ، إضافة إلى الفقه والفكر الإصلاحي الإسلامي، في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الصادر عام 1909 .
ففي معرض رده على شبهة المعترضين يقول النائيني ((بأن التعويل على أكثرية الآراء في تقرير الأحكام بدعة وأمر غير مشروع)). ومعلوم أن الأخذ برأي الأكثرية يكون في التصويت على القضايا التي تقع خارج إطار الأحكام الشرعية, بل في القضايا التي تدخل في إطار ما يعبر عنه ب (منطقة الفراغ). والأخذ برأي الأكثرية ليس حكماً تشريعياً بل هو آلية بغرض ترجيح رأي من الآراء العديدة المطروحة في قضية معينة. إذ يناقش النائيني القضية من جانب أصولي فيرى أن ((اعتماد الأخذ بأكثرية الآراء يتضح من كونه لازماً للشورى. كما أنه اخذ بالترجيحات عن التعارض. وقد جرى العقلاء على اعتبار تأييد الأكثرية لأحد الأطراف, أقوى المرجحات النوعية عندما يدور الخيار بين طرفين يتساويان في المبنى والدليل. ومع اختلاف الآراء والتساوي في جهات المشروعية, فأن الأخذ برأي الأكثرية متعين, حفظا للنظام, وأدلة تعينه هي نفس الأدلة الواردة في لزوم حفظ النظام)) ( محمد حسين النائيني , رسالة (تنبيه الأمة وتنزيه الملة ) ، ص 322 )
ويناقش النائيني القضية من جانب أصولي فيرى أن ((اعتماد الأخذ بأكثرية الآراء يتضح من كونه لازما للشورى. كما أنه اخذ بالترجيحات عن التعارض. وقد جرى العقلاء على اعتبار تأييد الأكثرية لأحد الأطراف, أقوى المرجحات النوعية عندما يدور الخيار بين طرفين يتساويان في المبنى والدليل. ومع اختلاف الآراء والتساوي في جهات المشروعية, فأن الأخذ برأي الأكثرية متعين, حفظا للنظام, وأدلة تعينه هي نفس الأدلة الواردة في لزوم حفظ النظام)). ثم يعزز النائيني رأيه بأحداث تاريخية ثابتة مثلا, أن الرسول (ص) أخذ فيها برأي الأكثرية من أصحابه في شأن معين, مثلا في غزوة أحد وغزوة الأحزاب. كما أخذ بالأكثرية أمير المؤمنين علي (ع) في قضية التحكيم.
إن دستور وبرلمان الجمهورية الإيرانية أقر مبدأ الأخذ بآراء الأكثرية (راجع المواد 65 و 78 و 69 و70 و 78 من دستور الجمهورية الإيرانية). كما أن السيد محمد باقر الصدر قد أقره في كتابه لمحة تمهيدية لمشروع دستور للجمهورية الإسلامية (محمد باقر الصدر (لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية) ، ص 14.

السيستاني والأغلبية البرلمانية
من المعلوم أن الدستور العراقي لعام 2005 قد عرض على السيد السيستاني فوافق عليه بالاجمال . الجدير بالذكر أن الدستور العراقي يعتمد التصويت بالأغلبية في اتخاذ القرارات أو سن التشريعات أو تشكيل اللجان أو منح المرشيحين الثقة لرئيس الوزراء والوزراء والوكلاء والسفراء والدرجات الخاصة وكبار العسكريين.
أما ما يتعلق بمفردة الأغلبية السياسية ، يذكر الدكتور عباس الإمامي أنه التقى سماحته أثناء رحلته العلاجية في لندن وذلك بتاريخ 12 آب 2004 . وأنه سأله عن تصوراته لمستقبل الوضع السياسي في العراق، فأجاب سماحته: (( أتمنى أن يكون في العراق حزبان كبيران من مختلف مكونات الشعب، ويتنافسان في الانتخابات على أساس البرامج، فالفائز يشكل الحكومة ويبقى الآخر مراقباً للأوضاع ، كما في كثير من البلدان)) (عباس الامامي : الدور السياسي للمرجعية الدينية في العراق الحديث، ص 442 ، الطبعة الثانية).

إن حديث السيد السيستاني يتضمن المحاور الآتية:
1-وجود حزبين كبيرين يتنافسان عبر برامجهما . وقد يكونا ائتلافان يضمان عدة أحزاب وكيانات سياسية تتفق على برنامج انتخابي وحكومي مشترك.
2 يتشكل كلا الحزبين من مختلف المكونات العراقية، أي ليست أحزاباً مذهبية أو قومية ، بل كل منها يضم الشيعة والسنة والكرد وبقية المكونات.
3-الحزب الفائز أي الذي حاز على أغلبية مقاعد مجلس النواب يقوم بتشكيل الحكومة. وهذا استحاق انتخابي وبرلماني للحزب أو الائتلاف الفائز في تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان، أي حصوله على (نصف + 1) من المقاعد البرلمانية.
4- الحزب الآخر يبقى مراقباً أي ضمن المعارضة البرلمانية. وهذا هو الموقع السياسي والنيابي الذي على الائتلاف الخاسر أو الذي لديه مقاعد (نصف – 1) .
5 وللتوضيح فقد وردت عبارة (كما في كثير من البلدان) حيث أن السيستاني متابع ومراقب للتجارب البرلمانية المعاصرة ، ويجد فيها مثالاً جيداً تتخذه العملية السياسية في العراقي. ولعل أبرز تجربة لحزبين هي في أمريكا (الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي) ، وفي بريطانيا (حزب المحافظين وحزب العمال) ، وفي إيران (المحافظون والإصلاحيون).
فهذا هو تصور السيستاني للنظام البرلماني العراقي، حيث يؤكد على تشكيل أغلبية سياسية و ليست طائفية أو قومية، بل تجتمع الكتل المختلفة ضمن برنامج سياسي مشترك. ويدخل هذا الحزبان أو الائتلافان الانتخابات ، وقد يفوز من كان في المعارضة ويقوم بدوره بتشكيل الحكومة، بينما يذهب الحزب أو الائتلاف الخاسر إلى المعارضة. وهكذا يتناوبان على السلطة والمعارضة ، ويتنافسان على تقديم الأفضل للمواطن لكسب ثقته واسترار تأييده لها.

ويؤكد الحديث السابق ما ورد في استفتاء تم توجيهه عام 2009 إلى مكتب السيد السيستاني جاء فيه :
(( نسبت بعض وكالات الأنباء إلى مصدر رفيع في مكتب سماحة السيد بأن سماحته يؤكد على ( أن العراق لا يحكم بأغلبية طائفية أو قومية، وانما بأغلبية سياسية – من مختلف مكونات الشعب العراقي – تتشكل عبر صناديق الانتخابات). نريد أن نتحقق من صحة صدور هذا التصريح ، وشكراً )).
الجواب: (( بسمه تعالى
نعم قد تمّ الادلاء بالتصريح المذكور ))
7 جمادى الآخرة 1430 (ختم مكتب السيد السيستاني)
إن التصريح أعلاه يؤكد الفكرة التي عرضت آنفاً بأن سماحته:
1-يؤيد مبدأ الأغلبية السياسية وليست طائفية أو قومية.
2-يؤكد أن العراق لا يُحكم بأغلبية طائفية (أي شيعية) ولا قومية (أي عربية) . وهذه نظرة واقعية للمشهد السياسي والمذهبي والديموغرافي في العراق. ولذلك يجب الابتعاد عن النعرات الطائفية والقومية في إدارة البلاد أو في توجيه الناخبين ، بل يبقى البرنامج السياسي للحزب هو ميزان تفضيل واقتناع الناخب فيصوت لمن يريده

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

تفجير عبوتين ناسفتين في بغداد

أعلنت أجهزة الأمن العراقية، اليوم الخميس، عن وقوع تفجيرين في العاصمة بغداد، لم يسفرا عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *