الرئيسية / شؤون سورية / حين أنكَرْنا على الأسد انتصارَهُ!!!../ خالد العبود – دمشق

حين أنكَرْنا على الأسد انتصارَهُ!!!../ خالد العبود – دمشق

خالد العبود / دمشق
عضو مجلس الشعب السوري

قبل رحيل “أوباما” عن “البيت الأبيض” بفترة وجيزة، قام باستدعاء حكّام الخليج واجتمع معهم وأبلغهم رسائل هامة، لم يعلن عنها بدقة في حينه، والحقيقة أنّها كانت رسائل صادمة جدّاً، حيث أعلن فيها “أوباما” أنّ الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في المنطقة، وهي لم تستطع أن تحقّق الأهداف التي شنّت عدوانها من أجلها على المنطقة، بمعنى أكثر دقّة، إنّ “أوباما” أبلغ حكّام الخليج بأنّ الرئيس بشار الأسد باقٍ، وأنّه رئيسيّ على مستوى المنطقة، وسوف تساهم سورية في وضع معادلة استقرار وتشكيل المنطقة، وبطبيعة الحال فإنّ الجمهورية الإسلامية هي واحدة من الدول الفاعلة على مستوى المنطقة والعالم، وأنّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تجاوزها، باعتبار أنّ المواجهة التي حصلت على مستوى المنطقة لم تستطع أن تؤمّن الأهداف الأمريكية، وعلى دول الخليج العربيّ البحث عن مصالحها في المنطقة وفق تصوّر جديد، وواقع موضوعيّ حقيقيّ يقول بأنّ هزيمة وفشلاً منيت بها الأطراف التي قامت بالعدوان على سورية ومحور المقاومة!!..

وأكّد “أوباما” في هذا الاجتماع الهام جدّاً على حكام الخليج، بأنّه مطلوب منهم إعادة النظر بكثير من الرئيسيات التي تقوم عليها أنظمة حكمهم، خاصة لجهة الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وحذّرهم من تبعات وملحقات فشل العدوان على سورية، مؤكّداً لهم أن هذا الفشل سوف يفرض عليهم ضريبة صعبة جدّاً، وهو ما يجب أن ينتبهوا له في المرحلة القادمة..

لم يتردّد “أوباما” في إفهام حكّام الخليج أنّ الولايات المتحدة انهزمت في هذه المعركة، وبالتالي فإن تبعات هذه الهزيمة ستكون ثقيلة عليها، وهو ما ستحاول الإدارة الأمريكية تداركه أو التقليل منه خلال المرحلة القادمة، وأكّد لهم أنّ إحدى تجليات هذه الهزيمة أنّ بعض دول أوروبا ستبحث عن تأمين مصالحها أيضاً بطريقة قد تتناقض مع الدور والمصالح الأمريكية في المنطقة!!..

طبعا خلال هذه المرحلة لم نعد نسمع من “أوباما” اسطوانته المشروخة، بأنّه “على الأسد التنحي”، حيث فاته قطار كلّ المراحل التي كان يصرّ فيها على رحيل الرئيس بشار الأسد، وصار مخزيّاً له أن يستعيد مثل هذه المواقف التي جعلت منه أسخف رئيس دولة في العالم، وليس أهم رئيس أكبر دولة في العالم!!!..

لكنّه لم يكن بمقدور أطراف العدوان الاعتراف بهزيمة الولايات المتحدة، بالطريقة التي يظنّها كثيرون منّا، باعتبار أنّ أيّ اعتراف بتلك الطريقة سوف تكون لها تبعات خطيرة جدّاً، خاصة وأنّ مصالح كبرى كان يمكن لها أن تتأذّى بمثل هذا الاعتراف والخروج من المعركة كليّاً، كما أنّ هناك مفاصل اشتباك عديدة لم تزل قائمة، وهي بحاجة كبيرة للمناورة على معنى هذه الهزيمة، كي لا تخسر باقي معارك الاشتباك الفرعية الأخرى!!!..

كذلك لم يكن بمقدور حكّام الخليج، أو حتى كلّ الأدوات الإقليمية، الاعتراف بهزيمتها في هذه المواجهة، رغم أنّها أدت استدارات كاملة كانت ذات دلالة كبيرة على هذه الهزيمة، من خلال التصدّع الحاصل في اصطفاف أطراف العدوان ذاتها، فنسق العدوان الذي تماسك في السنوات الطويلة الأولى لم يعد كذلك، ومصالح مكونات هذه العدوان تناقضت بشكل كبير جدّاً، وصولاً إلى حدٍّ بدا فيه أنّ النسق أضحى أنساقاً، وأنّ مصالح بعض مكوناته تناقضات أكثر ممّا كان عليه التناقض مع محور المقاومة نفسه!!!..

لم يستطع إعلامنا التركيز على هذه الواحدة والبناء عليها في تشكيل وعيّ جديد عند جمهور الحلف أو عن جمهور الأمّة، فقد انساق وراء اعلام حلف العدوان ذاته، في مشهدية الدفاع عن ذاته ونجاحه كثيراً في قلب المفاهيم التي أراد أن يقوم بتمريرها والتركيز عليها، فبالرغم من أنّ منظومة العدوان تصدّعت في مفاصل هامة، مثل اليمن وسورية، وتباعدت الأدوات حدّ الاحتراب، بين “الأخوان” و”الوهابيّة”، غير أنّ رفض الاعتراف بالهزيمة الأمريكية في سورية ظلّت جامعةً لكلّ أدوات الإقليم التي ساهمت في العدوان على سورية!!!..

هناك أدوات إقليمية لا تبدأ بـ “الأخوان المسلمين” ولا تنتهي بـ “الوهابية” أو بـ “ممالك العربان”، وإنّما تتعدى ذلك وصولاً إلى أنظمة تورّطت في هذا العدوان، وهي تريد الحفاظ على ذاتها، وبالتالي فهي تريد تسويق مفهوم أنّ الإدارة الأمريكية لم تنهزم، رغم أنّ كثيراً من هؤلاء يدركون حقيقة هذه الهزيمة، بالرغم من أنّ هناك اعترافاً من قبل أطراف العدوان بأنّ “الأسد قد انتصر”، والسؤال هنا، على من “انتصر الأسد”، طبعاً كان الجواب جاهزاً، بأنّ “الأسد انتصر على المعارضة”!!!..

إنّ الاعتراف المباشر “بانتصار الأسد” واقعٌ موضوعيّ حقيقيّ، ويمكن أن يسوّق على أنّه انتصر على من “ثار” عليه من أبناء شعبه، فهي “اسطوانة” يمكن أن تمرّ دون تبعات أو محلقات مؤذيّة لمن تورّط في هذا العدوان، حيث كان مدروساً جيّداً أن يتمّ تسويق مفهوم “هزيمة المعارضة”، لكنّه لم يكن مسموحاً أن يتمّ تسويق أو الاعتراف بهزيمة القوى الإقليمية التي ساهمت أساساً بالعدوان، لماذا؟، لأنّ مثل هذا الاعتراف يرتّب على هذه الأطراف تبعات كبيرة، خاصة وأنّ دماء قد أريقت وأزهقت من السوريين، وبالتالي فإنّ هزيمة الإدراة الأمريكية تعني بالضرورة هزيمة “حلفائها” الإقليميين، فأي اعتراف بهذه الهزيمة هو اعتراف بهزيمة “الحلفاء الاقليميين” للولايات المتحدة، وهو ما هرب منه “الحلفاء الاقليميون” لها، فقدموا الهزيمة على أنّها “هزيمة معارضة”، وذلك نتيجة “البطش” و”القوة” المفرطة التي استعملها “الأسد” في وجه “الثورة” التي وقفت في وجهه!!!..

في ظلّ هذا المشهد الطارئ والطبيعي للصمود الذي أبداه الرئيس بشار الأسد، وفي ظلّ تسويق “انتصار الأسد على المعارضة”، سارعت جميع القوى الإقليمية باتجاه المكوّن الصاعد الروسيّ لتلوذ به، وتحاول أن تعيد انتاج علاقاتها معه، بغية حماية ذاتها، نتيجة هزيمة مشَغِّلها الرئيسيّ في هذا العدوان، ونعني به الإدارة الأمريكية!!!..

من هنا رأينا زحفاً غير طبيعيٍّ قامت به تلك القوى التي كانت تصف الدور الروسي في سورية بأنّه “غزوٌ واحتلالٌ”، كي تعيد اصطفافها من هذا “الغازي” وهذا “المحتل”، باعتباره رئيسيّاً على مستوى المنطقة، وهو الذي سوف يؤمّن استقرار المنطقة ويساهم في تبريدها، لكنّ أحداً من هؤلاء لم يتحدّث لنا عن انتصار الروسيّ، حيث أنّهم مرّروا علينا هذا الانزياح باعتباره انزياحاً طبيعيّاً، وهو يندرج في إعادة ترتيب العلاقات المفيدة!!!..

لم يكن “أردوغان” أوّل من فعل ذلك، فقد سبقه من فوق الطاولة ومن تحتها، “ملوك العربان”، من “وهابيين” ومن “أخوان مسلمين”، على حدّ سواء، حين استقبلت موسكو عشرات الوفود والزيارات والمؤتمرات والبيانات والمنصات التي كلها تتحدّث عن الدور الروسيّ الهام في استقرار المنطقة وتبريدها!!..

هذا المشهد الذي عشناه في السنوات الأخيرة من عمر العدوان على سورية لم يكن مشهداً أخلاقيّاً، بمقدار ما كان مشهداً سياسيّاً صرْفاً، يعبّر عن انزياحات استراتيجية كبيرة ورئيسيّة في طبيعة اصطفافات القوى، ليس فقط على المستوى الإقليميّ، وإنّما على المستوى الدوليّ أيضاً، وهو ما رآه البعض منّا، نعم، حتّى منّا، على أنّه انتصارٌ روسيّ في معزل عن انتصار سوريّ سابق له وأغنى منه!!!..

لم تكن أدوات العدوان من داخل الشعب السوريّ وحدها التي تحجّ إلى موسكو، وإلى لقاء القادة الروس، وإنّما كان قد سبقهم، أو جاء بعدهم، كثيرٌ من أولئك الذين ساهموا في هذا العدوان على المستوى الإقليميّ، غير أنّهم واجهوا معنى جديداً في ظلّ هذا الانزياح، خاصة عندما فهموا جيّداً، أنّ أيّ اقتراب من الروسي وأيّ إذعانٍ له يعني بالضرورة اقتراباً من الإيراني وإذعاناً له، فحاولوا تمرير مفاهيم جديدة، أهمها: أنّ هناك خلافاً حاداً أساسيّاً بين كلّ من الروسيّ والإيرانيّ!!!..

لقد نجح إعلامهم في إفهام كثيرٍ من المستهدفين منّا، للأسف، أنّه لم يكن هناك خلاف في يوم من الأيام، بين هذه القوى التي ساهمت في تدمير الوطن السوريّ والتنكيل بالسوريين وتهجيرهم وقتل مئات الآلاف منهم، وبين الدور الروسيّ، أو بين الروسيّ، وإنّما هناك خلاف جوهري واستراتيجيّ بين الإيراني والروسيّ على مستوى المنطقة، وخاصة في المفصل السوريّ، وهي واحدة خطيرة مرّت على كثير من بيننا ولم يكن لدينا القدرة على إدراكها، حتى أنّ كثيرين منّا نسوا المواجهة بين الروسيّ وبين كثير من قوى الإقليم في سوريّة، وانصرفوا إلى التنظير في أبعاد وجذور الخلاف “الروسي – الايراني”!!!..

غريبٌ هذا العقل الجمعيّ، والوعيّ الجمعيّ، الذي تشكّل لدينا، حين قام في جزئية رئيسيّة منه، على أن ننصرف تماماً كي ننظّر في طبيعة الخلاف “الروسيّ – الإيرانيّ”، في حين أنّنا ننسى تماماً المعركة الرئيسية التي خاضها الروسي والإيراني في مواجهة قوى كبرى، إلى جانب السوريّ، دفاعاً عن وجود هذا المثلث الفاعل والرئيسيّ على مستوى المنطقة، حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد شطب هذه القوى الرئيسية الثلاث على مستوى الإقليم!!!..

لقد أصبح الوعي الجمعيّ لدينا في مكانٍ آخر تماماً، لقد نسيَ الكثيرون، أقول الكثيرون، منّا، أنّ هناك مواجهة طاحنة كبيرة حصلت على مستوى الإقليم، ولسنوات عديدة، كانت حاضرة فيها كلّ قوى الدنيا، ولم تستطع هذه القوى الوصول إلى أهدافها، الأهداف التي أعلنتها منذ اليوم الأول، في إعادة إنتاج المنطقة، وفق خارطة الشرق الأوسط الكبير، من خلال القضاء، أولاً، على “حلف المقاومة”، بعد ضرب الحلقة الأساسيّة فيه، ونعني بها سورية، ثم تحجيم وحصار الدور الروسيّ في حدود جغرافيا مهدّدة بحرائق لا تسمح له بالخروج خارجها!!..

نعم لقد نجحت أطراف العدوان في تمرير مجموعة من المفاهيم علينا، وتقدّمت خطوات كبيرة باتجاه التأكيد على أنّ الأمريكيّ لم ينهزم، وصولاً إلى القول بأنّ الأمريكي لم يكن راغباً حتى بـ “إسقاط النظام في سوريّة”، وأنّ هذا “النظام” هو جزء من تركيبة المنطقة التي قامت على تأمين “أمن إسرائيل”، والدليل على ذلك أن “نظام الرئيس الأسد” لم يزل قائماً وهو حاجة وضرورة لهذا “الأمن الإسرائيليّ”، حتى أنّ الدور الإقليميّ لكثير من الأنظمة العربيّة ساعدت وساندت “نظام الأسد”، في حين أنّها لم تفعل ذلك مع نظام “العقيد القذافيّ”!!!..

إذاً لم تنهزم الولايات المتحدة ولم “ينتصر الأسد عليها”، أو أنّه منعها من إسقاط الدولة السوريّة وإلحاقها بمشروع الاستتباع الأمريكي – الصهيونيّ، كلّ ما في الأمر أنّه استطاع إخماد “الثورة عليه”، بمعنى أنّه “انتصر عليها”، أي على “الثورة”، وكثيرة هي الأنظمة التي لم تقبل أن تسقطه كونه لم يكن هدفاً لها، بمعنى أنّ كلّ ما حصل في سوريّة هو شأنٌ داخليٌّ صرفٌ، فكلّ الدمار الذي حصل والتهجير والتنكيل ومئات آلاف الضحايا، كلّها كانت نتيجة “حرب أهلية داخليّة”!!!..

وفق هذا المعنى ينساق بعضنا في التأكيد على عدم هزيمة الأمريكيّ، استناداً لوعيّ جمعيّ تشكّل لدينا نتيجة العدوان الاعلامي الذي لم يزل مستمراً حتى اللحظة، والذي لم نزل نقع تحت وطأته شئنا أم أبينا، حين نجحت أطراف العدوان في تشكيل مفاهيم لم يقع فيها أولئك السوريين المضللين الذين استعملوا في العدوان على وطنهم، وإنّما وقع فيها آخرون من السوريين الذين يعتبرون أنفسهم أنّهم خاضوا معركتهم في مواجهة الأمريكي وأطراف العدوان دفاعاً عن الوطن السوريّ، حين وقعوا في ذات المطب لكن من نافذة أخرى!!!..

بعض السوريين الذين لم يدركوا حقيقة العدوان على بلادهم، ولم يفهموا بدقة أبعاد هذا العدوان، ظنّوا أنّ الإدارة الأمريكية تريد حصارهم أو تريد التأثير عليهم معنويّاً، حيث سقطوا مثلما سقط بعض أولئك الذين صوّرت لهم الولايات المتحدة بأنها لم تنهزم، فالطرفان من السوريين، بهذا المعنى، وقعوا في ذات الظنّ، لكن من زاويتين مختلفتين، أو حتى متناقضتين!!!..

خلط كثيرٌ من السوريين الذين هبّوا للدفاع عن بلادهم بين الأهداف الاستراتيجية لهذا العدوان وبين التبعات الطبيعية للمواجهة الطاحنة التي حصلت مع العدوان وأدواته، حيث تجلت هذه التبعات في مساحة هائلة من الدمار والحاجة والعوز والفقر والتضحيات، وتراجع كبير في الخدمات والصحة والتعليم، والبنى التحتية التي واجهت دماراً شبه كامل في بعض المدن والقرى والبلدات، إضافة إلى أنساق فساد كانت تتّسع على أكتاف وتفاصيل الحرب ذاتها، وثقافة مواطنة تمّ النيل منها بشكل كبيرٍ، إضافة إلى حيتان حروب لم تفرّق بين حقّ وباطل، كلّ ذلك ظنّه الكثيرون من هؤلاء السوريين أنّها كانت الأهداف الاساسيّة للعدوان، وحقيقة الأمر أنّها كانت ناتجاً طبيعيّاً لتبعات المواجهة التي انتصرت وثبتت فيها الدولة السوريّة، وهي تكلفة طبيعية من تكاليف المعركة التي خاضها السوريون، في حين وضعها البعض شاهداً على انتصار الأمريكي واعتبرها أهدافاً من أهداف العدوان الاستراتيجية!!..

في نهاية المواجهة التي صمدت فيها الدولة السورية طبيعيّ جدّاً أن تنعكس آثار التضحيات والامكانيات التي كانت سبباً وضريبة من ضرائب هذا الصمود وهذا الانتصار، وطبيعيّ جدّاً بعد ثماني سنوات من الاستنزاف الهائل لإمكانيات الدولة والمجتمع أن يعبّر هذا الاستنزاف عن ذاته ببعض التناقص والتراجع والنضوب في عناوين حياتية كثيرة، باعتبار أن الانتصار لا يعني أنّك لم تقدم تضحيات ولم تصرف طاقات أو تفقد إمكانيات هائلة، ستنعكس كلها على الحياة العادية للمواطنيين، لكنّ ذلك لا يعني أبداً أنّ الإدارة الأمريكية التي لم تستطع أن تنفّذ أهدافها الاستراتيجية ما زالت قادرة على تمرير أهداف تكتيكية يمكنها أن تؤمّن لها منصات انتصار جديدة، تمنحها القدرة على التعويض عمّا فاتها في مواقع عديدة لجهة عناوين وأهداف استراتيجية كبرى!!..

عندما أوقعنا الآخرون بذلك، وخاصة على الجبهة الثقافية والاعلامية، أنكرنا على الرئيس بشار الأسد انتصاره، حين لم نكن نعي تماماً صيرورة المعركة ومراحلها، منذ الأيّام الأولى للعدوان، حيث نظّر الكثير منّا لجهة أنّ هناك ليناً وهدوءاً وبرودة تحكم حركة الدولة ومؤسساتها في الردّ على العدوان وأدواته، فسارع هذا الكثير كي يطالب الدولة، وتحديداً سيادة الرئيس بشار الاسد، بالشدّة والعنف والحسم والجزم، وصولاً إلى مقارنة فجّةٍ بين ما حصل في الثمانينيات مع “الأخوان المسلمين”، وما تفعله الدولة في تلك المراحل الأولى من عمر العدوان عليها!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين ناشده بعضنا بالحسم عسكريّاً، ولم نكن نفكّر ولو للحظة أنّ العالم كلّه كان ينتظر منه مثل هذا الخطأ التاريخي القاتل، وأنّ قوى العدوان كانت تنتظر منه هذه الانزلاقة باتجاه استعمال القوة الغاشمة الكاملة، في وجه من كان يسمّيهم “متظاهرين سلميّين”، كي تجد هذه القوى حجتها الكاملة في الدخول والانخراط الكلّي في المعركة وبشكل مباشر وصولاً إلى احتلال سورية!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين كنّا عاتبين على صبره الطويل، وأناته في التعامل مع كثير من المجازر التي ارتكبت بحقّ السوريين، ولم يكن يبدي عليها ردّاً بالطريقة التي كانت تنتجها انفعالاتنا، بعيداً عن حسابات أخرى كان يقيسها بدقّة شديدة، وهو يحاول تعرية من قدّموا أنفسهم “ثوّاراً”، ليس أمام السوريين، أو أمام التاريخ، وإنّما أمام من ركّبهم وحرّضهم واستعملهم، كي يفضحهم ويدفعه للتخلّي عنهم!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين كنّا نعاتبه على الردّ على كيان الاحتلال، حيث كان يقوم كيان الاحتلال باستهداف بعض مواقعنا، جهلاً كاملاً منّا بطبيعة وقائع المواجهة وصيرورة المعركة ذاتها، وضبطه لها وصولاً إلى إنجاز قواعد اشتباك صاعدة، يثبّت من خلالها زاوية زحف استراتيجيّ باتجاه هذا الكيان، هذا الزحف الذي لم يكن وحيداً فيه!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين كنّا نطالبه بفتح النار على الجميع، على تركيا وعلى الأردن وعلى لبنان وعلى الخليج، وعلى كلّ من ساهم في العدوان علينا، ونسينا أنّ الأسد لم يكن واحداً من أولئك المجانين الذين كانوا مستعدين لإحراق كل المنطقة، إرضاء للأمريكيّ سارق نفطها وتاريخها ووجودها وحياتها، كي تبقى عروشهم وكروشهم وممالكهم!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين تفلسفنا عليه بعلمانية الدولة، من خلال القضاء على كلّ من يختلف معنا، موقفاً وفكراً ورأياً وتصوراً، ظنّاً منّا أنّ الدولة زقاقٌ أو حارةٌ أو مقهى، نركّبها على مقاس تصوّراتنا، نمنح فيها من نريد أن نمنحه صكّ المواطنة ونمنعه عمّن نريد أن نمنع عنه ذلك، ولم ندر أنّنا كنّا نمارس “داعشيّة” من قدّمنا التضحيات الجسام في سبيل إسقاط ثقافتهم، في حين أنّ الرئيس الأسد كان يفرّق جيّداً بين مشروع داعشي ركّبته ونفذته أطراف العدوان ذاتها، وبين سوريين تمّ استغلالهم استغلالاً قذراً كي يكونوا وقود حرب أكبر منهم جميعاً!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين كنّا ندافع عن طوائفنا أو عشائرنا أو أحزابنا، فاتّهمناه بتشجيع “دواعش” الداخل و”أخوان” الداخل، ولم نفرّق حينها بين ما يفعله الأسد لجهة الدفاع عن سورية الواحدة الموحّدة، وبين ما نفعله لجهة الدفاع عن أمراضنا وأحقادنا وجهلنا!!!..

لقد أنكرنا على الأسد انتصاره، حين طالبناه أن يعلن انتصارنا على بعضنا، وأن يعدم ويقتل ويبطش، ولم نكن نفهم أنّه كان يحمينا من إعدام وقتل وبطش التاريخ فينا، حين كان يخلّصنا من وزر وتبعات وملحقات هزيمة وانتصار أيّ منّا على الآخر، وحين كان يسحبنا من مذبحة التاريخ، ويُفهمنا أنّ ما فعلناه ليس وقوفاً في وجه طائفة، أو رفضاً لأيّ مذهب، أو منعاً لمن اختلف معنا، ويسكب في أرواحنا أنّنا لسنا من يقتل على الهوية وليس من يذبح على الاسم والطائفة، وليس من يفرّق بين منطقة وأخرى، ويغرس فينا أنّنا لسنا زناة ليل وقاطعي طُرق وناهبي غنائم، ويفهمنا جيّداً أنّنا لا نشبه غيرنا، ممّن نبش القبور، وجزّ الرؤوس، وأرغم الناس على تغيير أفكارها، وقاتلها على إسقاط قناعاتها، وطاردها كي تكون لوناً واحداً وشكلاً واحداً ولهجة واحدة، حتى ولو تناقضت مع كلّ قوانين الطبيعية والوجود!!!..

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

الدفاع الروسية: المنظومات الدفاعية تصدت لهجمات إرهابية على قاعدة حميميم

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أن منظومات الدفاع الجوي تصدت أمس الأحد، لهجمات إرهابية على قاعدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *