الرئيسية / مقالات / إستراتيجية البناء..”النموذج الأثيوبي”/ حرر عقلك مع عبد العزيز بدر القطان/ الكويت

إستراتيجية البناء..”النموذج الأثيوبي”/ حرر عقلك مع عبد العزيز بدر القطان/ الكويت

حرر عقلك مع عبد العزيز بدر القطان
الكويت

“حيثما تكونوا يولّى عليكم”، لنبدأ من هذه الجملة على قلة كلماتها، إلا أنها تحمل الكثير من المعنى، فإذا كان الإنسان مستبدا على سبيل المثال لا الحصر، سيولي الله عليه حاكما مستبدا، أما إذا كان إنسانا محبّا للخير، سيولى عليه إنسانا صالحا، فهو جزء من هذا المجتمع، لأن الإصلاح يبدأ من النفس.
على الإنسان ألا يلقي اللائمة اليوم على أحد، لا على دولة أو نظام أو معارضة أو طائفة أو أحزاب فاسدة، “لا تتذمر”، فإن كان كل ما سبق فاسدا تأكد أنك جزء منه بطريقة أو بأخرى، فإن كان المجتمع صالح أو فاسد هو نتاج ثقافة مجتمع.

معنى الإصلاح
أيها العربي عليك اليوم ألا تلقي باللائمة على النظام أو مؤسسة حكومية، وحتى الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، والمؤامرة الكبرى الخارجية على بلدك، من هنا لا ننكر دور الغرب والولايات المتحدة والصهيونية سعيهم لإضعافنا وإضعاف إرادتنا العربية، وهذا امر مؤكد، لكننا لا نريد اليوم أن نقول إن ما يحدث لنا بسبب الغرب، هو مسبب نعم لكن من السبب؟
ضعفنا هو السبب وعدم جديتنا بالإصلاح الحقيقي، نتعلق بالشعارات ولا نطبقها، نعتمد على شخص ونرى فيه منقذنا، فأين هو دورنا؟
الإصلاح لا يكون عن طريق رئيس أو زعيم أو أمير، بل يكون بإرادة أمة، الفرد الواحد لن يحقق شيء، فعندما يكون المجتمع ككل يمتلك إرادة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي، ينصلح حال الأمة.
إن المشكلة الحقيقة التي يعاني منها أغلب العرب اليوم، انهم لا يلتفتون إلى تجارب الدول الأخرى، كماليزيا وسنغافورة فمن الناحية الاقتصادية تراهما لا يملكون من الموارد إلا اليسير، ورغم ذلك نهضا وحققا قفزات نوعية، فهناك دول كثيرة على غرارهما لها ثقلها في آسيا وأوروبا، وإن كنا ذكرنا في مقالات سابقة عن التجربة الماليزية، فاليوم التجربة الهندية والباكستانية فكلاهما يمتلكان تكنولوجيا نووية، وحتى اليابان من كان يعتقد أنها ستنهض بعدما تعرضت للقنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي، فهذه الدول مرت بحروب دينية وأهلية وعرقية وما شابه ذلك، لقد عانت ظروف صعبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومع ذلك شعوبهم استفادت من كل هذه التجارب والأخطاء، لماذا؟

إرادة الإصلاح
لأن هذه الدول تمتلك إرادة الإصلاح السياسي والإجتماعي ويدرجون اليوم تحت اسم الدول المتقدمة جدا، فبعض دولنا العربية التي تمتلك موارد بشرية وزراعية ومائية وحيوانية، بتحليل بسيط، الكيان الصهيوني يسعى للسيطرة على كل الموارد المائية في الوطن العربي، لذلك هو حريص كل الحرص أن ننشغل بحروب مع بعضنا تحت عناوين متعددة، لينهك الامة بقتالها بعضها البعض، حيث استطاع هذا الكيان أن يسيطر على أغلب الممرات المائية، وصحيح ان جنوب لبنان تحرّر، لكن إلى الآن كيان الاحتلال يضع يديه على مزارع شبعا التي هي أهم موقع بكل جنوب لبنان، ففيه البحيرات المائية التي تغذي نهر الأردن وفلسطين، فهذه البقعة حيوية ومهمة للكيان الصهيوني، فهو حريص كل الحرص، أيضا هو اليوم يسيطر على جزيرتي تيران وصنافير بعدما تنازل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عنهما، الخلاصة أن هذه الدول تعمل لتحقيق ما تريد، أمام ماذا عن دولنا اليوم، هل هي عاجزة أم فقيرة؟
الحقيقة أن شعوبنا فقيرة لكن دولنا تمتلك الثروات الزراعية والموارد البشرية والعقول والطاقات ورؤى وسياسات وإصلاحات، لكن المشكلة أننا ما زلنا نعقد الآمال ونضعها برجل واحد نريده أن يكون المصلح أو المنقذ سمّه ما شئت، فأفريقيا أفقر من كل بلاد العرب، ورغم ذلك تحقق إنجازات كبيرة.

التجربة الأثيوبية
فهناك رئيس وزراء أثيوبيا، الشاب آبي أحمد، يمتلك عقلية جميلة جدا، ونهض ببلده نهضة رهيبة، إذ أصبحت أثيوبيا اليوم تسمى الصين الأفريقية، فهذه الدولة رقم مهم في القارة السوداء، فقد أعلنت هذه الدولة عن افتتاح سد جديد ” غيدابو”، تبلغ سعته التخزينية 62.5 مليون متر مكعب، وبتكلفة قدرها 29 مليون دولار أمريكي. فميزة هذا المشروع أنه يوحد سكان المناطق القريبة من السد، فالمستفيد من هذا المشروع بحسب وسائل الإعلام الأثيوبية، أكثر من 10 آلاف مزارع أثيوبي، ويوفر أكثر من 192 ألف فرصة عمل للشباب في القطاع الزراعي، وهذا النتاج فقط من مشروع واحد، في حين أن هناك البعض يقتطعون من بلادهم ويتنازلون عنها لصالح دول أخرى حارمين منها شعوبهم، فالمثال عن أثيوبيا جاء نتيجة دراسة وتضحيات وتفكير، فآبي أحمد اختير عن طريق ائتلاف الجبهة الديمقراطية الشعبية الأثيوبية وأصبح خلفا لهايلي مريام ديسالين واستلم على خلفية أحداث عنف، بعد تنازل الأخيرة، واستلم أحمد بشبه إجماع من الشعب، لقد عانت أثيوبيا الكثير من الويلات ومن ينسى المجاعة التي قضت على أكثر من مليون إنسان، فبعد هذه النكبات المأساوية، نرى اليوم أن هذا البلد أسرع خامس اقتصاد في أفريقيا، الصاعد العام 2017، مع ملاحظة أن لأثيوبيا أيضا مشاكل من نوع آخر مع مصر والصومال وأرتيريا، لكن مع إرادة الإصلاح الداخلي والخارجي نهضت بنفسها وأثبتت جدارتها.
هنا ما يعنينا أن هذه الدولة التي عانت مجاعة وفقر وتنوع عرقي و70% من سكانها تحت خط الفقر، رغم أنها كانت محكومة بنظام إمبراطوري لقرون طويلة جدا، فالقرن الإفريقي يكتسب أهميتة إستراتيجية كونه يطل على ” المحيط الهندي من ناحية، ومن ناحية ثانية يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب. ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمية، ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية وترابط مكوناتها التاريخية والحضارية، حيث ارتبط تاريخ إثيوبيا بالصومال واريتريا ارتباطا وثيقاً، ما جعله محل اهتمام دائم ومستمر من القوى الاستعمارية الأوربية وميداناً لتصارعها وتنافسها منذُ بدء الحملات الاستكشافية البرتغالية في القرن السادس عشر، وما أن حل القرن التاسع عشر حتى كان لأغلب القوى الاستعمارية (بريطانيا- فرنسا- ايطاليا) مناطق نفوذ ومستعمرات في المنطقة.
لقد عانت أثيوبيا الكثير من الحروب الدموية إن كان من المستعمر الإيطالي إلى أن تحررت منه، واستمرت هذه الأحداث 17 عاما، وسميت بـ “الرعب الأحمر”، فأكثر من مليون إنسان لقي حتفه جراء هذه الصراعات الأهلية.

نهضة اثيوبيا
بعد كل ما تعرضت له أثيوبيا وهنا نقدم تجربتها كنوع من التمييز بين دولة تريد أن تنهض وتستثمر بما هو متوفر لديها ودول أخرى تعتمد على الحلول الجاهزة والتي لا تدوم، فكيف نهضت أثيوبيا، لقد بدأت بالإصلاح الزراعي عن طريق المياه، بعد أن حدثت انتفاضة العام 1990، وتمرد مسلح الذي لم يكن عشوائي بل كان له هدف واضح المعالم وكان هناك خطة بديلة للحكومة، بمعنى أن الشعب وضع ثقته بالدولة من خلال النهوض ببلد عانى الويلات دون الاعتماد على الغرب الطامع بمقدراتهم.

مراحل النهوض
الفترة التي شهدت فيها إثيوبيا الاستقرار والتنمية والنهضة جديرة بأن تجعلها من كبريات الدول الإفريقية، والتي جاءت عقب فترات طويلة من عدم الاستقرار والحروب التي ظلت تنهش في جسد هذه البلاد في ظل الحكومات المتعاقبة، عقب النهوض الذي شهدته إثيوبيا قامت البلاد ونافست الدول التي سبقتها في التحرر من الفقر، وقدمت العديد من المشاريع التنموية من أجل خدمة شعوبها وتطوير المنطقة التي ظلت تقبع تحت مستوى الفقر لفترات طويلة، استطاعت البلاد تخطي هذه المراحل التي كانت أهمها مرحلة لتقييم النفس، والوقوف على الحراك السياسي، وعلمت الحكومة على وضع مراحل لمعالجة المشكلات التي تراها أنها تكمن في ضعف قياداتها ومشاكل الحكم، عملت الحكومة خلال المراحل السابقة أيضاً على تحسين السياسة الخارجية وتطورت علاقاتها مع أكبر الدول، واستفادت من تجاربها في الاستثمار والتحول والتصنيع وإقامة المجمعات الصناعية التي وفرت العديد من فرص العمل، وعملت على تطوير دخل البلاد.

ميليس زيناوي
إبان توليه رئاسة الحكومة الانتقالية، انفصلت إريتريا عن إثيوبيا عام 1993. وفي أغسطس/آب 1995 أُعلن قيام جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية، وضع خطة لتحديث كبير شملت مجالات متعددة وأدخل استثمارات أجنبية إلى البلاد، وبأسعار منافسة، واتجهت كل أنظار العالم على القطاعات المختلفة آنذاك، من صناعة وزراعة وطاقة، إلى جانب إنشاء شبكة حديد ضخمة جدا تربط بين الموانئ، وهذه النقطة تحديدا استفادت أثيوبيا منها من الناحيتين الزراعية والاقتصادية، فهذا الرجل نستطيع وصفه بأنه المؤسس الأول لمرحلة نهضة أثيوبيا، فحين محاولته وصل الموانئ بدأ بمشروع سد النهضة الكبير بتكلفة 6 مليارات دولار، مع تأسيس شركات حكومية ذات حرفية عالية، وأنشأ أكبر خطوط ملاحة جوية في كل أفريقيا إلى اليوم، إضافة إلى شركة أثيوبيا العملاقة للاتصالات. كما أن زيناوي أحدث معدلات النمو الاقتصادي بما يعادل 10% سنويا، وأعطى فرص عمل لكل الشباب الأثيوبي، من خلال القضاء على الكثير من مظاهر الفساد.
لكن أهم إنجاز له هو، التصالح مع أرتيريا، وهنا نسقط هذه الحالة بالنسبة للمنازعات بين الدول العربية، فلا بد من الإصلاح مهما كان نوع وشكل الخلاف لا بد من الحوار لإيجاد الحل، فكما ذكرت إصلاح الداخل يبدأ من الخارج.

آبي آحمد
ماذا صنع هذا الشاب أول استلامه للحكم؟
بعد أن خلف هايلي مريام ديسالين الذي عانت البلاد في عهده من فساد كبير، أعاد تمتين المصالحة مع ارتيريا إذ كان بينهم حروب يقال إنها أودت بحياة 80 ألف إنسان، العام 1998، لكن من مهد له الطريق الراحل زيناوي، الذي بدأ بالإصلاح وبالزيارات الخاصة السرية، لتكون مرحلة أثيوبيا اليوم معبدة الطريق، إلى جانب أن آبي احمد كان احد الأطراف التي انهت الخلاف السوداني، حتى تعدى الامر ذلك فلقد زار مصر لتحسين العلاقات لتصبح جيدة جدا، لتصبح علاقات تنذر بمرحلة جديدة من التعاون.
فبعد مريام ديسالين وفساده كما ذكرت، خفف آبي أحمد من القبضة الأمنية وأقال كبار قادة الجيش وخفف من وطأته وفكك مراكز القوة الاقتصادية التابعة للجيش على عكس بعض دولنا العربية، الدول كمصر التي تقوي جيشها على حساب الشعب، هنا فقد الشعب إلى حد كبير مصداقية تلك المؤسسة، إذ لطالما كانت مصر تعول على الجيش المصري، فكنا بطبقة الإقطاعيين وأصبحنا بأن الجيش يأخذ وضع القوة أكثر من الشعب وبدأ يشكل طبقة أخرى منفصلة عن الشعب.
لقد أسس شركات كبرى اقتصادية وتغلب على غياب المنافذ البحرية، الصراع اليوم في اليمن متمركز على المراكز البحرية وهذا أساس المشكلة في اليمن وهو “باب المندب”، كما أصلح آبي مع كينيا والصومال وبدأ مشروعه من الصفر مع جيرانه، وتوسط لإنهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان.
هاتين المرحلتين اللتين مرت بهما اثيوبيا حتى تصل إلى ما وصلت إليه اليوم، فأصبحت أثيوبيا قوة إقليمية كبيرة جدا، ومؤثرة خاصة اقتصاديا، فهذا الشعب من خلال إرادته يستطيع أن يحقق ويصنع الفارق ليحذو حذو الدول المتقدمة إن توفرت الإرادة.

نهضة الأمة العربية
فهل الأمة العربية اليوم عاجزة عن إنشاء نموذج كالنموذج الأثيوبي أو الماليزي والسنغافوري، وإذا حدثتني عن الفساد، كل دول فيها منه، فأثيوبيا كانت أسوأ حال من اليمن وسوريا والعراق وتونس والجزائر والخليج، فلو نمتلك استراتيجيا وأهداف في الحروب التي أدمت قلوبنا ودمرت اقتصادنا وأضعفت من أسرنا العربية، نستطيع البدء من الصفر وان نضع خطة يتخللها النخب والمؤسسات ومركز الدراسات الحقيقية المستقلة عن الحكومات لرصد مواطن القوة والضعف وتقدم مشاريع نهضوية وتنموية للدولة، فنحن اليوم بحاجة إلى من نستفيد من تجاربهم أفراد كانوا أم دول، وعن دور وسائل التواصل الاجتماعي نحتاج أن نتواصل كنخب من كل الدول العربية وبعيد عن السياسة نقدم مشاريعنا والرؤى المتعلقة بمصلحة الجميع ومن ثم نقدمها للمسؤولين، من هنا يمكن لنا أن ننهض ونكون رقما كما الدول الآنفة الذكر التي أثبتت جدارتها رغم كل ما مر بها، فنحن نستطيع، ولننظر إلى جنوب العراق كمثال بما يملك من مقدرات وانهار من النفط فالبصرة كانت تسمى “بندقية الشرق”، إلى جانب أنهار المياه، مدينة خلابة ومشهورة وغنية بكل شيء فقد تكون هذه المدينة مقصدا للسواح من كل العالم لو تمتلك استراتيجية، فبهذه الاستراتيجيات تجعل من عالمنا العربي رقم اقتصادي يرعب العالم كما نهضت تركيا وأثيوبيا وماليزيا وسنغافورة واليابان وكوريا والكثير غيرهم.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

سحر صادق عبد الحسين/ عضو مركز الدراسات الأوربية العربية /باريس

سحر صادق عبد الحسين عضو مركز الدراسات الأوربية العربية /باريس الم من دون حلف صهيو-امريكي-وهابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *