أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / سامي كليب و”لعبة الصحافة”../د. حبيب فياض

سامي كليب و”لعبة الصحافة”../د. حبيب فياض

د.حبيب فياض
باحث واستاذ جامعي

قرأت ما كتبه الإعلامي المميز والمتألق سامي كليب، والذي أكن له كل إحترام وتقدير، حول قضية اختفاء الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، حيث لم استطع الإفلات من سلطة الكتابة التي دفعتني، على غير عادتي، للرد على مجمل ما جاء في المقال..

لقد أثار استغرابي الكم الكبير من المعطيات المفتعلة في المقال على شكل أسئلة للتمويه على حقيقة مؤكدة، إذ عندما يكون لدينا حقيقة ثابتة ووضعنا إلى جانبها عشر فرضيات موازية لها على أساس إحتمال كونها حقائق، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى التقليل من يقينية الحقيقة الوحيدة، وهذا ما فعله الدكتور سامي عندما أدخل التأويل من أبوابه الواسعة على قضية الخاشقجي وأخضع هذه القضية الى هرمنوطيقا التحليل والتعليل والتسويغ والتبرير، ليخلص في نهاية الأمر إلى إطلاق دعوة مضمرة وغير معلنة إلى التروي وعدم الإستعجال في إطلاق الأحكام على قضية لا يمكن الكشف عن ملابساتها قبل الإجابة على عشرات الأسئلة..

على هذا الأساس سوف أحاول فيما يلي الإجابة على غالبية الأسئلة المطروحة من قبل الإعلامي كليب، ليس من موقع المتقصي الذي يملك المعلومات، بل على قاعدة المنطق الذي يحكم مسار العقل وطرائق التفكير..وسوف أضع تعليقاتي على التساؤلات بين قوسين تسهيلا للقراءة ولعدم تكرار الأسئلة، مرة حين عرضها وأخرى حين التعليق عليها.

يسأل الاستاذ سامي:” لماذا جاء جمال خاشقجي الى قنصلية بلاده في تركيا طالما ان ثمة قنصليات سعودية في أميركا حيث يقيم. فهو ليس غبيا لكي يغامر. هل غرر به جهاز مخابرات عالمي او تركي بالتعاون مع السعودية بغض النظر عن رأي الرئيس رجب طيب اردوغان؟ ”

(تعليق: ربما جاء إلى تركيا لأن خطيبته من تركية، وربما جاء لشأن عائلي وزيارة أهلها أو أي أمر آخر…ونعم، هو ليس غبيا لكي يغامر، لكن على الأرجح أنه لم يتصور أن يصل الغباء لدى السعوديين إلى حد إعتقاله في قنصلية اسطنبول، وأن يصل بهم فعل المغامرة هذا إلى إخفائه داخل القنصلية…وفي حال وجود جهاز مخابرات عالمي أو تركي قد غرر به بالتعاون مع السعودية، فهذا الإحتمال على افتراض صحته لا يؤثر على جوهر القضية، ولا يخفف من حماقة ووطأة ما ارتكبته السعودية).

يسأل الأستاذ سامي:” لماذا اختفى في الفترة نفسها التي أثار ترامب عاصفة هوجاء بتصريحه الوقح الذي قال فيه ان على السعودية ان تدفع المال والا فان الملك لن يبقى أكثر من أسبوعين؟ فخبر جمال طغى على الخبر الأول.”

(تعليق: هذا الكلام يشير إلى إمكان وجود مبرر سياسي للقضية من خلال الإيحاء بأن الهدف هو التغطية على كلام ترامب بحق السعودية، وبالتالي التخفيف من همجية الخطوة من خلال ربطها ببعد سياسي…وسواء أكان المرتكب لجريمة الخاشقجي هو أميركا والسعودية معا أم السعودية منفردة فهذا لا يغير من حجم الصدمة ومسؤولية الجاني في شيء)

ثم يقول السيد كليب: ” اذا ما صحت عملية قتله داخل القنصلية، فهل قُتل عمدا أم حصل شيء ما في خلال التحقيق ؟ ” 

(تعليق: هنا كلام إفتراضي يحمل إشارة واضحة إلى إمكانية أن يكون قد قتل من غير قصد، الأمر الذي يفضي إلى التخفيف من حدة تحميل المملكة مسؤولية قتله عمدا).

وأيضا يسأل: ” لماذا يصمت الرئيس الأميركي حتى الآن عن القضية وهو المعروف بسرعة وكثرة تعليقاته على تويتر، فهذه قضية كان يمكنه استخدامها لرفع مستوى ابتزاز السعودية؟ هل ثمة جهاز أميركي وافق على اقناع الخاشقجي بالذهاب الى تركيا، أم ان ترامب ينتظر لحظة الانقضاض؟”.

(تعليق: الرئيس الأميركي لم يصمت، فقد تكلم مؤخرا…ثم إن الحديث عن إمكانية تورط أميركي بالقضية فيه محاولة لتخفيف المسؤولية عن السعودية، غير أن هذا الأمر يضع المملكة – التي لا يمكن إخراجها من القضية بأي حال من الأحوال- في موقف أكثر حرجا، باعتبار تنسيقها مع طرف أجنبي لاختطاف مواطنها).

يضيف السيد سامي متسائلا: “هل تحتاج السعودية فعلا لأن تقتل جمال الخاشقجي في قنصليتها في تركيا وهي التي تدرك ان الرئيس رجب طيب أردوغان الذي لا تربطه علاقة ود معها سيستغل هذه القضية الى أقصاها للضغط بغية كشف ما حصل”. 

( تعليق: هذا السؤال يفترض بأن الإدارة السعودية على درجة عالية من الحكمة وعدم التهور والحرص والدراية والتدبر بعاقبة الأمور..في حين أن سياسات بن سلمان منذ وصوله الى السلطة قائمة على مبدأ أننا نفعل أولا ما نريد ثم ننظر بعد ذلك ماذا يحصل..إعتقال الحريري/ حصار قطر/ الأزمة مع كندا…)

يسأل مجددا الأستاذ سامي: “من هي فعلا السيدة التي قيل انها خطيبة جمال الخاشقجي الباحثة في الشأن العماني، لماذا يقال انها ليست خطيبته وان لها دورا ما ؟ “…

(تعليق: كيف يقول بأنه قيل بأنها خطيبته!!! لا يجوز- أقلها من الناحية الأخلاقية- الشك بخطيبة الخاشقجي بهدف التقليل من جرعة الشك بالنظام السعودي، ثم من الذي يقول بأنها ليست خطيبته؟! …فلنترك خطيبة الخاشقجي في مصيبتها بدلا من إقحامها في نظرية المؤامرة)

يقول السيد كليب: ” كل الفرضيات والتحليلات تقول اليوم ان جمال اختفى في القنصلية وانه على الأرجح قُتل فيها، اذا كان قد قُتل عمدا من قبل جهاز سعودي كما يتردد فهذه ستكون أغبى عملية قتل ترتكبها دولة بحق أحد مواطنيها في لحظة تسليط كل الأضواء عليها….” 

(تعليق: هذا الكلام يصل بنا إلى ذروة الإستغراب…هل إختفاء الخاشقجي في القنصلية فرضيات وتحليلات؟؟؟؟!!!!! أليست هذه هي الحقيقة الوحيدة الثابتة…حتى السعودية إعترفت بأنه دخل القنصلية ولم تثبت خروجه منها…ثم لماذا العودة مجددا إلى نغمة تبرئة السعودية من إحتمال قتله عمدا؟ أما الكلام عن غباء المملكة، فمؤدى هذا  الكلام يفيد أن السعودية ليست على هذا القدر من الغباء، لذا من المستبعد أن تكون هي المرتكبة..إلا أن كل ذلك لا يفضي إلى التخفيف من حدة الرعونة التي اتسمت بها التصرفات السعودية منذ استلام ابن سلمان السلطة…نعم الأسئلة المطروحة لن تؤدي إلى نفي القول بأنها أغبى عملية قتل…كما أشار السيد كليب نفسه…) 

سؤال آخر يطرحه السيد كليب: ” لماذا لم يطلب اللجوء السياسي طالما أنه مهدد بدل تسليم رقبته للسعودية ؟”….

(تعليق: عجيب..عن أي لجوء يتكلم السيد كليب وإلى أين يلجأ الخاشقجي وهو مقيم في أميركا…ثم هو لم يسلم رقبته، بل على الأغلب أنه  لم يكن يتوقع حصول ما حصل كما أن أحدا في العالم لا يتوقع ذلك، والدليل هو حال الاستهجان والدهشة التي تعم العالم على خلفية ما حدث في هذه القضية..)

سؤال يكرره بصيغة أخرى : ” هل يحق لنا أن نفكر باحتمال آخر غير ان السعودية قتلته. وان يكون جهاز ما ورطها ؟؟”….

(تعليق: ممممم السعودية تورطت وغرر بها؟؟؟!!! لا يا عزيزي…لا يحق لنا التفكير بهذا الإحتمال ولا حتى التعليق عليه…)

سؤال أخير: “هل أن الذين يقفون اليوم رافضين لهذا الاغتيال ( في حال حصوله) ذكروا مرة واحدة اغتيالات أخرى نفذها حلفاؤهم ضد اعلاميين مرموقين، أم أن المواقف تنطلق ايضا من محسوبيات شخصية وتبعيات عمياء .”…

( تعليق: سكوت الآخرين عن إغتيالات أخرى لا يخفف من هول هذا الإغتيال- إن حصل كما قال كليب – ولا يضعه في خانة الإغتيال العادي والتقليدي، لأن الطريقة التي تمت به والملابسات المحيطة به تجعل منه إغتيالا نادرا ومختلفا…مع ضرورة التأكيد على إدانة أي إغتيال يطال الأبرياء والمناضلين) ..

أخيرا، أنا موقن بأن ثقافة السيد كليب تقوم أساسا على إحترام الرأي المختلف وتقبل منطق المحاججة، وبأن كلامي في قضية الخاشقجي لن يفسد معه قضية الود الذي بيننا، ولكن ” لكلٍ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات

المصدر : بيروت نيوز عربية /sada4 press.com

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

مايكل روبن..تراتيل سجادية..كربلاء ؟ / د.عامر الربيعي / باريس

د.عامر الربيعي رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية العربية الاوروبية في باريس بطاقة دخول دون ثمن! هناك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *