أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الاسلحة الجيوفيزيائية بين الحقيقة والخيال / بقلم : هشام العلي/مختص بعلوم الحرب وشؤون التسلح/ بغداد

الاسلحة الجيوفيزيائية بين الحقيقة والخيال / بقلم : هشام العلي/مختص بعلوم الحرب وشؤون التسلح/ بغداد

هشام العلي
مختص بعلوم الحرب وشؤون التسلح/ بغداد


بدلا من ان تقصف بلدا معينا بالاسلحة النووية, وتتحمل التبعات القانونية والاخلاقية المترتبة على ذلك, يمكنك استخدام اسلحة متطورة لاحداث زلازل مدمرة في ارض العدو, يكون تاثيرها اكبر من تاثير القصف بالاسلحة النووية, ومن غير ان يشعر احد بانك الفاعل, بل سيكون بامكانك عندها ان تتحدث عن الجانب الانساني, وترسل قافلة مساعدات عاجلة للمناطق المنكوبه, وهو امر يلائم العقل الانساني عموما والامريكي بصورة خاصة, ما يجعلنا نجزم بان واشنطن لديها ترسانه كبيرة من الاسلحة الجيوفيزيائية, كونها الاسلحة المدمرة والصديقة للراي العام…
قد يكون التحدث عن الاسلحة الجيوفيزيائية خياليا, كونه يحتاج الى ادلة علمية بعيدة عن النظريات والاجتهادات الاعلامية والعاطفية, لكننا كمختصين في الشأن العسكري, نرى ظرورة التحدث عن هذا الموضوع الشائك, بسبب بعض الابحاث والبوادر والدلائل والادعائات, التي تشير الى استخدام جزء من تلك الاسلحة من قبل الولايات المتحدة وحلفاءها ضد بعض الدول المتمردة.
يمكن تعريف الاسلحة الجيوفيزيائية, على انها وسائل استغلال الظواهر الكونية للاغراض العسكرية, ومنها الاعاصير والبراكين والزلازل والامطار وتقلبات الطقس والمناخ, وتكمن خطورة تلك الاسلحة, في كون تاثيراتها الكارثية لا تترتب عليها اية تبعات قانونية او اخلاقية امام الراي العام, كون الفاعل الحقيقي يبقى مجهولا, ولا احد يملك ادلة حقيقية لادانته, كما يمكن استخدامها في الحروب الباردة, من دون ان تشعر الدول المتعرضة بالنوايا والاعمال العدوانية ضدها, لكن يجب الاعتراف بان بعض مظاهر الحرب الجيوفيزيائية يعتبر ضربا من الخيال, لعدم وجود ادلة علمية حقيقية تدعم نظريات وجودها, فيما ان هناك ما يمكن القبول بوجودها, استنادا على تطبيقاتها العملية, واستخداماتها التي صرح بها المعنيون, ووردت في عدت مصادر, ونحن ولتصنيف تلك الاسلحة استنادا على قربها من المنطق العلمي والتجريبي, يمكننا تقسيمها الى ثلاثة اصناف رئيسية وهي:
الصنف الخيالي: وهو الصنف الخاص بامكانية ارشاد وتوجيه الاعاصير نحو بلد معين, لاحداث كوارث طبيعية فيه, من خلال (التعشير الانتقائي للغيوم) وهي عملية يطول شرحها, وهذا الصنف لا يمكننا التصديق بوجوده, لسبب بسيط, وهو ان الولايات المتحدة التي لا يمكنها درئ خطر الاعاصير المدمرة عن ولاياتها الساحلية, من خلال التوجيه المفترض لتلك الاعاصير, لا يمكنها منطقيا توجيه مثل تلك الاعاصير الى بلدان اخرى, علما ان اية حرب مفترضة تخوضها الولايات المتحدة على المدى القريب والمتوسط, سوف تكون مع بلدان بعيدة عن السواحل الاستوائية التي تنشط فيها الاعاصير بمختلف درجاتها, انه حقا امر خيالي لا يمكن التصديق به, الا فيما يخص بعض العواصف الترابية التي تستخدم لاغراض تعبوية في المناطق الصحراوية, على ان يؤيد ذلك المختصون, كما ان هناك تفاصيل اخرى عما يسمى بالشفق الازرق, وامكانية تخريب طبقة الاوزون فوق منطقة معينة, وتعديل المحيطات, وتلاطم الامواج, واسلحة التاثير على العقل البشري, نعزف عن شرحها تجنبا للاطالة, ولعدم وجود دلائل علميه ملموسة تثبت وجودها لحد الان.
الصنف المثير للجدل (الزلازل): من المعروف ان التوزيع الغير منتظم للعناصر الاشعاعية المنتجة للحرارة في الطبقة الصخرية لباطن الارض, تؤدي الى حدوث فروقات في درجات الحرارة تحت سطح القشرة الارضية, بين التي مرت في العصور الجليدية, او التي تقع تحت اليابسة, او بين التي تحوي عناصر اشعاعية مركزة قريبة من سطح الارض, وبين طبقات الصخور تحت المحيطات, والتي تخلو من تلك العناصر, ولذلك نجد فروقات في درجات الحرارة بينهما, تلك الفروقات التي تتسبب في التوسع الشاقولي للعناصر المنتجة للحرارة, فتؤدي الى تغييرات حرارية كبيرة على طول الخط الافقي, ما يؤدي الى توترات حرارية قريبة من القشرة الارضية, تصل اقصى درجاتها في المناطق التي تحصل فيها تغيرات فجائية في الحرارة, وحينما يجد التوتر متنفسا او مخرجا في بعض الشقوق قرب سطح الارض, يؤدي ذلك الى انقصاف جيولوجي في الصخور القريبة من السطح, فيشع التوتر طاقته الى الخارج على شكل زلزال, ومن المعروف ان اغلبية الزلازل تتجه الى الحدوث على حزامين رئيسيين, يدور الاول حول المحيط الهادي, ويؤثر على البلدان الواقعه على سواحله, كاليابان والساحل الغربي الامريكي, في حين يجتاز الحزام الثاني البحر الابيض المتوسط, ويمر عبر قارت اسيا, الى ان يتصل بالحزام الاول في اندنوسيا.
يرى البعض ان الانفجارات النووية والهيدروجينية في عمق مناسب, من شأنها ان تحرر توترا محليا, وان التراكم السريع عبر سلسلة متواصلة من الانفجارات, من شانه ان يؤدي الى افراغ طاقة التوتر في باطن الارض, ما يؤدي الى حدوث زلازل اصطناعية, لكن ذلك يتطلب تحديدا دقيقا لشبكات التوتر في القشرة الارضية, من خلال تقنيات صعبة ومعقدة, تؤدي الى تنشيط الزلازل في منطقة معينة بسببها, وهو امر وارد, لكنه يحتاج الى البت فيه من قبل علماء الجيولوجيا اولا, ليتم تصديقه.
الصنف المقبول (المطر الصناعي): وهو طريقة استخدام المطر لاغراض تعبوية, كما حدث في الحرب الفيتنامية, او استراتيجية, كما تشير بعض الدلائل الضعيفة الى حدوثة في العراق وايران, منذ العقد الاخير من القرن الماضي وحتى هذه الساعة.
ان دلائل وجود هذا الصنف تستند على كون البنتاغون قد اعترف باستخدامه لسلاح المطر الصناعي في الحرب الفيتنامية لاغراض تعبوية, حيث تم استخدام الامطار فوق ساحات قتال وخطوط مواصلات الفيتناميين, لعرقلة حركاتهم وستر عمليات الجيش الامريكي (كما جاء في المصادر التي اوردناها ادناه), ايضا ذكرت نفس المصادر, بان المخابرات المركزية الامريكية قد استخدمت الامطار الشديدة لتفريق المظاهرات جنوب فيتنام, وكانت الامم المتحدة قد اصدرت قرارا عام 1974م, ينص على تحريم استخدام الطقس للاغراض العسكرية, ضمن مشروع بالرقم (A9812) يخص التعاون الدولي في استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية.
ما هي الامطار الصناعية: تحتوي الغيوم في حالات معينة على قطرات ماء صغيرة جدا وخفيفة لا يمكنها ان تسقط على الارض, الا من خلال تزويدها بجسيمات دقيقة لتتجمع حولها, ويمكن ايضا تحويلها الى قطع من الثلج بادخال جزيئات صناعية اخرى, لاتاحة مصادر طاقة محلية, تتفاعل مع التيارات الهوائية التصاعدية التي تثيرها الحرارة, ما يؤدي الى تساقط المطر بغزارة اكبر من الحجم الطبيعي, وتسمى هذه الطريقة بـ (التعشير الاصطناعي للغيوم) وهو سلاح ذو حدين, حيث من المفترض ان يستخدم لمواجهة الجفاف من قبل الدول التي تتعرض له, وقد صرحت القنوات الاعلامية العراقية اواخر عام 1990م باجراء تجربة ناجحة في هذا الشأن لانزال الامطار, وذلك لمواجهة حرب المياة التي ابتدأت بوادرها بانشاء سد اتاتورك من قبل الجانب التركي, وعلى الرغم من عدم امكانية التصديق بالتضخيم الاعلامي المعتاد للمؤسسات الاعلاميىة العراقية انذاك, الا ان مثل هذه التجربة في حال نجاحها او فشلها, يمكن ان تثبت بان عملية الامطار الصناعية مسألة ممكنة ومتاحة, كما ان هناك دلائل حقيقية تدل على وجود تجارب تجريها الدول المتقدمة في هذا المجال, واذا كانت الدول تعزف عن الاستخدام الواسع لها, فنعتقد ان هناك اسباب فنية, واخرى تتعلق بالكلف, هي التي تبقى عائقا امام استخدامها بشكل موسع, خصوصا وان بعض المواد الاساسية المستخدمة لاحداث التفاعلات المطلوبة لتكوين المطر الصناعي تؤدي الى تسمم مياه الامطار.
في نفس الوقت يؤدي المطر الصناعي الى تاثيرات كارثية لو تم استخدامه كسلاح, لا يقتصر على الاستخدامات التعبوية كما حدث اثناء الحرب الفيتنامية فحسب, وانما في الاستخدامات الاستراتيجية ايضا, حيث يؤدي الاستمرار في استخدامه في منطقة معينة, الى تخريب الجو في تلك المنطقة, وحرمان المناطق المجاورة من الامطار, ما يتسبب في كوارث التصحر والجفاف, وهنا تكمن الفائدة الاستراتيجية لهذه العملية ضد الدول التي تعتمد على الامطار في استخداماتها للمياه العذبه.
ما دفعنا الى التصديق بنظرية الاستخدام العسكري الاستراتيجي لهطول الامطار من قبل القوات الامريكية مسالتين, اولهما تناقض حالات الطقس والامطار بين الاعوام 1993م حتى عام 1997م في العراق, حيث وجدنا امدادات مائية هائلة في دجلة كانت قد هددت بغداد بالغرق عام 1993م, ما دعا السلطات الى وضع سدات ترابية لدرئ الخطر, وهو ما يوحي الى وجود امطار غزيرة جدا في تركيا وشمال العراق حينها, وقد تكررت الحالة لعامين بعدها, لكن حصلت بعدها موجة انعدام للامطار استمرت حتى عام 1998م, رافقتها عواصف ترابية ادت الى تسمم النباتات, حيث اثرت على المواشي واصابتها بالامراض كما يقول فلاحوا مناطق ديالى وصلاح الدين, المشكلة ان امدادات دجلة والفرات لم تتأثر بالجفاف, ما يعني ان انعدام هطول الامطار قد شمل وسط وجنوب العراق فقط, اذا آمنا بان القوة الجوية الامريكية كانت تجوب مناطق شمال العراق عند خطوط العرض 32 و 33, فيمكننا ان نستدل على ان العراق كان ساحة تجارب مثالية, للتاكد من الفعالية التقنية للاسلحة الجيوفيزيائية الامريكية, وهو امر لا يمكن تصديقه او انكاره, الا بعد البت فيه من قبل المختصين.
هناك امر اثاره احد المسئولين في ايران قبل فترة, يتهم فيه اسرائيل بالتسبب في الجفاف الذي يضرب ايران منذ اعوام, خصوصا وان حوض بحر قزوين في شمال ايران لم يعاني من قلة الامطار كما هو الحال مع الشمال الغربي ذو المناخ المتوسطي, اضافة الى المناطق الجنوبية المحاذية للخليج ولافغانستان وباكستان, حيث التواجد الكثيف للطيران الامريكي, كما ان العراق المجاور لغرب ايران قد عانى هذا العام من جفاف كارثي غير معتاد. الغريب ان هناك مقطع ظهر فيه الرئيس الاسرائيلي وهو يحمل قنينة ماء, ويتحدث عن افلاس وجفاف ايران بهيئة المنتصر, وكانه هو الفاعل!.
في كل الاحوال, يبقى من اهم مميزات الاسلحة الجيوفيزيائية, هو عدم امكانية كشفها, او الاستدلال على وجودها, كون تاثيراتها تشمل الظواهر الكونية التي تعزى الى تغيرات المناخ وعدم انتظام الطبيعة, وهي امور يتقبلها الراي العام بكل رحابة صدر.

المراجع
الاسلحة الحديثة/ تاليف اندريه بوفر (موضوع كيف نخرب الطبيعة)
الحرب الجيوفيزيائية والاسلحة المستخدمة فيها.. مقالة للمقدم ناطق داود عبد الله .. نشرت على صفحات المجلة العسكرية التي تصدرها وزارة الدفاع العراقية/ العدد الثالث عام 1979م ص

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

حول جمال خاشقجي : لماذا العجب ؟ نحن عرب / بقلم توفيق شومان

بقلم : توفيق شومان كاتب وباحث /بيروت غدا أو بعده أوما بعد بعده ، ستهدأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *