الرئيسية / مقالات / رسالة اعتذار إلى الإقطاع الرجعي في لبنان / توفيق شومان

رسالة اعتذار إلى الإقطاع الرجعي في لبنان / توفيق شومان

توفيق شومان / كاتب وباحث/

السادة الإقطاعيون المرحومون

في زمانكم ما كان ماؤنا ملوثا ،وفي زمانهم صار إنساننا ملوثا .
في زمانكم أضاءت الكهرباء منازلنا وأحلامنا ،وفي زمانهم ضاعت أحلامنا في غياهب العتمة والظلمة .
في زمانكم كان الصراخ والسباب لوثة عقل ،وفي زمانهم غدت الشتيمة بطولة .
هآناذا اعتذر بعدما عقدت رهاني على اوهام .
وهآناذا اعتذر لأني ما أدركت أن زمانكم كان محاولة لبناء وطن ، وفي زمانهم ، ما عاد للمحاولة والمحاولين مكانا ولا أرضا ، بل فعلوا الآفاعيل لإسقاط وطن كان وليدا.
في زمانكم كان ثمة من يقول لا ، وفي زمانهم صارت ال “لا” مشنقة أقرب من حبل الوريد .
في زمانكم كان ثمة معارضون ومتظاهرون لم يرمهم أحد بالخروج من الملة والدين ، وفي زمانهم بات التظاهر كفرا بواحا يوجب قتل المتظاهرين المرتدين والمارقين والمهرطقين .
إني أعتذر
فقد خدعوني حين مددت لساني مع الصائحين باتهامكم بالرجعية ،فإذ هم ، يرجعوننا إلى ما قبل الكهرباء وإلى ما قبل الماء النظيف الذي كان يأتي مطواعا إلى منازلنا ، فلا تسممنا مرة ، ولا تجرثمت أمعاؤنا ، ولا أصابنا الحكاك من رؤوسنا حتى أخامصنا
أيها الإقطاعيون المرحومون
في زمانكم كنا نذهب أطفالا ، ما فوق الخامسة بقليل ، إلى المدارس ،فنقطع مسافات وساعات ،ولم يكن أهلونا يهزهم اضطراب علينا ، او يعصف بهم هاجس اختطاف او حادثة مقيتة ، كما هي حالنا في زمان ما بعد زمانكم ، إذ بتنا نخشى على أبنائنا في العشرين ، أن تستقر بهم رصاصة طائشة ، او تجتاحهم دراجة نارية طائشة في بلد بات فيه الطيش فحولة ، حتى صدقت به مقولة تصفه بالبلد الطائش.
اعذروني أيها المرحومون
في زمانكم نافس لبنان بمرطباته أجود مرطبات العالم ، ف” كازوزة ” جلول شمخت علوا مثل قلعة بعلبك .
في زمانكم كان الحذاء اللبناني معيارا لجودة وجمال وصناعة ، وكاد يفحم نظيره في روما ونابولي وسائر مدن الرومان ،وفي زمانهم سقطت علينا ” ثقافة الأحذية “، وما أدراكم ما ” ثقافة الأحذية “أيها المرحومون وساكنو المقابر؟.
في زمانكم غارت باريس من الملابس اللبنانية ، وفي لحظة ما ، بدونا أحفادا فعليين لأجدادنا في صيدا الذين اكتشفوا الأرجوان ومشتقاته فزينوا الجلود والثياب ، وزينا وتزينا بملابسنا الحديثة ، وصار لنا إسم يقارع في أسواق العالم ، فالبزة المصنوعة في بيروت بزت بزات المعمورة .
وفي زمانكم ،راحت دفايات “بومباني ” وثلاجات ” كونكورد “،تنافس صناعات الطليان والأميركان ،أوليست تلك ، مداميك الإقتصادات الوطنية المواجهة للإمبرياليات الكبرى والصغرى وما بينهما ؟.
في زمانكم ، ما كنا نعرف من السكاكر سوى ” غندور” و”لافروتا ” و جبر” وبايونير” ،وكلها من أصحاب الجودة وصاحباتها ،حيث كنا نهزأ ونسخر من التركي والصيني والكوري ، كانوا وراءنا ، يا الله ، كم غدونا وراءهم في زمانهم الذي تلا زمانكم أيها الإقطاعيون المرحومون .
في زمانكم كان مرفأ بيروت واحة البحر ، سفن العالم كله راودته عن نفسها ، يا له من مرفأ كان ، وكيف أحيا تاريخ مرافئنا القديمة في طرابلس وجبيل وصيدا وصور ، يا له من مرفأ كان ، وكيف أعدنا من خلاله غزو العالم بحرا وتجارة ، تماما كما فعل أجدادنا الفينيقيون ذات تاريخ .
إني أعتذر
لأني ظننت الثورة تقدما ، فإذا هي حقدا على جمال نحرناه كما قال مرة نزار قباني ، كانت بيروت في زمانكم ، واحدة من مدن خمسة ، هي نيويورك وبون وباريس ولندن ، مقياسا لأي نجاح فني ، آت من هوليود ، أو من بوليود ،كان لدينا فيروز في زمانكم ، فبدت حفيدة عضوية لأوروبا إبنة ملك صور ، مع فارق أن الثانية ، غزت باسمها وجمالها ، العالم القديم ،على أجنحة ثور مخطوف ، فيما الأولى ،غزت العالم على أجنحة فنها وجمال أغانيها .
في زمانكم ، كان مطار بيروت يحتل المرتبة السابعة من بين مطارات العالم،وفي زمانهم ، ما عاد احد يدري أين يقع هذا المطار ، هل هو في الشرق ام في الغرب ، وهل هومطار للأنس ام للجان ؟.
أيها المرحومون
في زمانكم كان نهر الليطاني مشروع إنارة ، ومشروع غذاء ، وفي زمانهم تقمص نهر الليطاني معناه ،لعينا و ملعونا ، كما يفيدنا السريان وأهل السريانية .
إني اعتذر من بين أكوام النفايات ،حيث بات هواء لبنان العليل نفيا منفيا ، وبعدما غنيتم في زمانكم للمهاجرين أن يعودوا ، اصبح المهاجرون يرددون :وطن المنفى ولا وطن النفايات .
في زمانكم عرفنا شعراء وأدباء كبارا ، والذاكرة أضيق من عدهم وحصرهم ، وفي زمانهم بتنا نسأل : ماذا بعد هذا الشاعر المرحوم ؟ وماذا بعد ذاك الروائي الملقى على فراش الإحتضار ؟ وماذا بعدما انهارت صحافتنا واستعاض عنها ورثة الزمان بوسائل التباغض الإجتماعي ؟.
في زمانكم ، ما كانت المقاهي طائفية ، ولا الأسواق مذهبية ، وما كان ل “زبالة القوم ” هوية منطقة او طائفة ،أورأيتم أيها الإقطاعيون المرحومون أين وصلنا بعد زمانكم ؟ أما أمعنتم النظر في البلاء الذي نحن به وفيه ، حيث أضحى للنفايات طوائف؟.
إني أعتذر
في زمانكم كنا نحلم ، وفي زمانهم صار الحلم خيانة .
في زمانكم ما أكلنا لحما فاسدا ، وفي زمانهم فسدت لحومنا .
في زمانكم ما سمعنا عن أجبان غير مطابقة للمواصفات ، ومع ذلك تشجعنا عليكم شجاعة موصوفة ، وفي زمانهم ما عرفنا مسؤولا مطابقا للمواصفات ومع ذلك ،ضربنا الجبن وصرنا ننشد جماعات ووحدانا :
أنا في الهيجاء ما جربت نفسي/ ولكن في الهريبة كالغزال .
رحمكم الله أيها الاقطاعيون

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

الحصار على ايران زوبعة في فنجان / باسم ابوطبيخ / لندن.

باسم ابوطبيخ / باحث سياسي/لندن/ قررت بما يسمى الاسرة الدولية ان تكون ايران احد أعضاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *