الرئيسية / تحقيقات / تحقيق لمجلة “نيوز ويك”: “داعش” يبدأ عمليات تجنيد في ضواحي اسطنبول

تحقيق لمجلة “نيوز ويك”: “داعش” يبدأ عمليات تجنيد في ضواحي اسطنبول

بقلم: أليف سـكوت وألكسندر كريس ميلير – مجلة نيوز ويك الأميركية – ترجمة ميرفت السباعي – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط –

كانت مفاجأة سارة عندما ورد اتصال هاتفي غير متوقع من زوج دنيز شاهين السابق ليقول لها انه يريد رؤية طفليه. الأب والذي كان مدمناً على الكحول وتخلى عن إدمانه ليتحول بدلاً من ذلك الى مسلم أصولي كان يُظهر القليل من الاهتمام برؤية ولديه في السنوات السابقة، ولكنها اعتقدت بأنهما يفتقدانه.
“قلت له ليس لأكثر من ساعتين” تقول دنيز البالغة من العمر 28 عاماً باكيةً وهي تعكف على صور طفليها خليل ابراهيم ذي الـ4 سنوات وأسماء سنا البالغة من العمر 10 سنوات. بعد ان أقلّهما والدهما من بيتهم في قازان جنب العاصمة التركية أنقرة في نيسان – أبريل الماضي ومنذ ذلك الوقت لم ترهما مرة ثانيةً.
وقد ظهر خليل ابراهيم متبسماً في واحدة من الصورة التي أرسلها “صادق” الأب الى الأم بعد أسبوع من اختفاء طفليها، وهو يقبض على مسدس. بينما يرفع سبابة يده الأخرى الى السماء في حركة مرتبطة بالمجموعة المسلحة الأكثر تسبباً في الرعب في الشرق الأوسط: تلك المسماة بـ”الدولة الإسلامية” والتي م اختصارها في السابق بـ”داعش”. يعيش الطفلان اليوم مع والدهما الجهادي في محافظة الرقة السورية والتي تسيطر عليها “داعش”. وهم من بين أعداد غير معروفة من الأتراك ـ في الغالب هم بالآلاف ـ يقدمون عن طريق الخطف أو يقعون في شراك خلافة داعش في سوريا أو العراق او يقاتلون في الحرب الطائفية الدموية.
وهناك قصص تم تقاسمها مع “نيوز ويك” في الأيام الحالية من قبل دنيز وغيرها تظهر أن هذا التنظيم تغلغل بشكل عميق في تركيا، الدولة التي قد تبدو حالياً على أنها على خطٍ من نار بعد أن تم تعدادها كجزء من حلف الأطلسي (الناتو) لمحاربة الجهاديين. فالعديد يخشون من أن داعش لديها القدرة على ان تعيث فساداً في بلد يجذب 35 مليون سائح في السنة ولديها حدود متصلة بأراضٍ تسيطر عليها “داعش”.

دنيز شاهين
دنيز شاهين

قال الرئيس الأميركي باراك أوباما الأسبوع الفائت في قمة حلف شمال الأطلسي التي عقدت في ويلز في بريطانيا بأن تركيا هي جزء من “نواة التحالف” لمحاربة داعش. إذا كان هكذا الحال، فإن دنيز وغيرها من ضحايا تجنيد “داعش” يتساءلون حول مدى قابلية أو مقدرة الدولة في التعامل مع تغلغل هذه المنظمة الى الداخل التركي. ويتحدثون عن خيبتهم من رد الفعل السلبي للشرطة وعدم قدرتهم على استرجاع أحبابهم. تقول دنيز بأنه خلال الأشهر القليلة الماضية ذهب 15 شخصاً بينهم 5 أطفال من عائلتها لكي يعيشوا في ظل حكم “داعش” أو لكي يحاربوا في صفوفها.
تجد قصة دنيز صدى لدى آخرين في أسطنبول حيث يقولون إن هناك شبكة تجنيد منظمة تعمل على الانترنت من خلال مجموعات درس ديني تستهدف الشباب المسلمين السنّة الذين يعيشون في أحياء ابتُليَ شبابها بالفقر وإدمان المخدرات.
وتقول عائلة انضم ابنها الى داعش بأن هناك 19 شاباً فقط من جيرانهم غادروا الى سوريا مؤخراً وهناك 4 آخرون على الأقل يخططون للانضمام اليهم قريباً.
في حزيران يونيو الماضي، ورد تقرير في جريدة “ملييت” التركية يقول بأن حوالي ثلاثة آلاف تركي انضموا الى تنظيم داعش. يقول سنان أولغن، دبلوماسي سابق ورئيس مركز “إيدام” للبحوث ومقره في تركيا: “لا يوجد أي بلد عضو في حلف شمال الأطلسي معرض لخطر داعش بمقدار تعرض تركيا لهذا الخطر”.
في الماضي، اتهم دبلوماسيو الغرب تركيا بتسهيل تدفق السلاح والمسلحين الأجانب الى داعش بشكل غير مباشر من خلال تفعيل سياسة حدود مفتوحة مع سوريا، وذلك حرصاً منها على مساعدة الثوار لإسقاط حكم بشار الأسد. بعد أن اكتسحت قوات التنظيم القنصلية التركية في الموصل في يونيو – حزيران الماضي وقامت باحتجاز العشرات كأسرى، على أية حال، أصبح الجميع يوافق على أن السلطات في أنقرة قد استفاقت على هذا الخطر الجدي ولكن بعد أن تكبلت يداها في الوقت الحالي لكي تردّ هذا الخطر.
ويبقى 49 مواطناً تركياً ضمنهم القنصل العام أسرى بيد “داعش”. في الشهر الماضي قامت “داعش” بقطع رأس صحافيين أمريكيين كانت تتخذهما أسرى لديها كردٍ على الضربات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية.
يقول مسؤول في الحكومة التركية إن “تركيا لا تتعامل بنعومة مع “داعش”، فهي تتجنب الخطاب غير الضروري، خاصة فيما يتعلق بمسألة الأسرى في الموصل”. وأضاف أن “جميع الأفعال الضرورية والإجراءات الوقائية قد تم اتخاذها” بهدف محاربة الخطر الداخلي الذي يفرضه التنظيم.

“داعش” في اسطنبول

كنان بياتازتاز
كنان بيازتاز

هذا المطلب متنازع عليه من قبل عائلة أحمد بيازتاز، وهو شاب ميكانيكي سيارات في سن الـ25 انضم الشهر الفائت الى تنظيم “داعش”. ويحكي أخوه كينان، الذي يقطن منزلاً في قلب المدينة الصناعية ديلوفاسي، وهي مدينة ملوّثة يضربها الفقر تقع على هامش اسطنبول، كيف يرفع مؤيدو “داعش” أعلامها على نوافذ منازلهم ونوافذ سياراتهم.
منذ شهر ركب أحمد ومعه 19 شاباً من جيران المنطقة حافلة نقل صغير متجهة الى سوريا من أجل الانضمام الى المقاتلين هناك. ويصرّح أحد أعضاء البرلمان من حزب المعارضة الى أحد الصحف المحلية بأنه يعتقد أن 90 من شباب منطقة أخرى مجاورة قاموا بنفس الشيء في الأسابيع القليلة الماضية.
ويقول أستاذ في إحدى المدارس، يدعى كنان وهو في الثلاثين من العمر، “أن هناك الكثير والكثير ممن ينضمون الى تنظيم داعش. والشرطة لا تقوم بأي شيء. “أنا كردي ويساري. واذا اجتمع 4 من الكرد مع بعضهم البعض فإن الدولة تقوم بتقطيعهم الى أجزاء. وبالتالي، فهم يستطيعون إيقاف هذا الأمر إذا أرادوا ذلك”.
وتُعرف ديلوفاسي منذ زمن طويل في تركيا بأنها مدينة صناعية حالكة. مدينة تجمع 45000 من السكان وفيها 150 مصنعاً ترتكز على ما يعرف بالصناعات “القذرة” كنفايات المعادن وصهرها وصناعة الدهانات. فالهواء فيها مُثقل بالرائحة الكيمائية المتّقدة.
وكانت دراسة قامت بها جامعة محلية عام 2004 كشفت بأن معدلات الإصابة بمرض السرطان في هذه المنطقة وصلت الى مرتين ونصف وهو معدل أعلى من المعدل على المستوى القومي. ويقول كنان إنها ملاذ للجماعات الحيوية وأصحاب الطرق الصوفية ـ حركات دينية محافظة ـ كانت تتعرض الى القمع من حكومة تركيا العلمانية ولكنها نمت في ظل إدارة رجب طيب أردوغان الإسلامية الجذور.
كسائر أطفال المدينة، ترك أحمد المدرسة وهو في سن الـثلاثة عشر عاماً. كما هي حال زوج دنيز صادق الذي لديه تاريخ من إدمان المخدرات قبل أن يتحول الى الجماعات الدينية ذات الخط المتصلّب منذ حوالي العامين.
يقول كنان متذكراً: “كانت حالته النفسية ليست على ما يرام. كان يتعاطى المخدرات لمدة سنتين ولكنه توقف عن تعاطيها عندما انضم الى داعش”. ووفقاً لكنان، فإن العديد من أفراد الطائفة هم أناس ورعون، فإن عقلية داعش ليست طبيعية في المنطقة، ولكنها تعتبر نسخة متطرفة عن الجماعات الدينية الموجودة. لم يكن أحمد متديناً كثيراً منذ سنتين خلت. كان متديناً كالباقين ولكنهم لم يكن متشدداً”.
بعد الانضمام الى هؤلاء المتعاطفين مع داعش من المحليين، بدأ أحمد ورفاقه بالانسحاب من عائلاتهم. توقفوا عن التردد الى الجوامع التي يديرها أئمة معيّنون من قبل الحكومة والخطب التي يلقونها يتم الموافقة عليها من قبل الدولة. وقد وصفهم أحمد ورفاقه بالمنافقين. ويقول كنان بأنهم توقفوا عن مشاهدة التلفاز “طالبنا أحمد بفصل الرجال عن النساء في العائلة كما أنه كان يرفض البقاء في غرفة بعينها مع زوجتي”
ويعتقد كنان بأن أحمد ورفاقه لم يدركو تماماً ما هم مقدمون عليه. “فمؤيدو داعش هنا لا يعلمون بالفعل ما هي حقيقتها. ولا يصدقون القصص الفظيعة التي تُقال عنها”. ولكن كنان يتابع أخبار سوريا بنفسه وهو يدرك جيداً الأخطار التي تواجه أخاه الأصغر. “من اليوم الأول الذي تورط فيه أحمد… علمنا أن شيئاً ما سوف يحدث وعلمنا أنه سوف يذهب الى الجهاد في يوم من الأيام. لم تكن الشرطة لتفعل أي شيء لأنهم يقولون بأن ليس لديهم أي سبب لتوقيفهم. وطلب منا أحمد بألاّ نتدخل. لم يكن بيدنا شيء نقوم به”.
والعائلة تتصل بهاتفه النقال يومياً على أمل أنه سوف يرد ولكن عبثاً، فوفقاً لوالدته، فزيل، ذات الـ65 عاماً والتي تبكي بصمت وهي تتذكر ابنها، فإن هاتفه النقال مغلق بشكل دائم. وتتذكر قائلة “كان أحمد مهذباً ولطيفاً”. وتردف قائلةً: “اذا كان بيده صحن من الحلوى كان ليعطيه لمن حوله ويفكر بأن المسلم لا يجب أن يقتل ونحن نأمل بأنه إذا ذهب إلى هناك وقد رآهم على حقيقتهم بأن يغيّر رأيه”. وتقول الأم بأنها إذا استطاعت الوصول اليه سوف تقول له : “لا تؤذي أحداً؛ عُدْ الى دارك”.
يتمنى كنان أن يعود أخوه بالفعل في حال غيّر رأيه حول “داعش” عندما يرى الحقيقة، أو في حال جُرح وقدم الى مستشفى في تركيا للعلاج. “نحن نعرف بأنهم يقومون بإيذاء الناس وقطع رؤوسهم. ونعلم ما يقومون به من اغتصاب وما قاموا به في إحدى مدن العراق حيث قامت داعش الشهر الماضي بعملية تطهير المدينة من سكانها الذين ينتمون الى أقلية دينية يعتبرها التنظيم من عبدة الشيطان(الإيزيديين). “نحن لسنا واهمين بشأن ما يقوم به”.
دعوة المؤمن
بينما يقوم تنظيم “داعش” بتجنيد الشباب أمثال أحمد، تُظهر قصص أخرى بأن التنظيم يستهدف أيضاً النساء والأطفال ـ عادة عن طريق الانترنت ـ لإنشاء كيان معترف به ومليء بالسكان. وعلى الطرف المقابل لاسطنبول يعيش رجل في الـ44 من العمر، هو شاهين أقطان، رجل ذو بنية قوية غير متبسم، يُكافح لكي يعلم ماذا حدث لزوجته السابقة وابنه. وفي مفارقة لافتة لعائلة بيازتاس فإن لديه خلفية من الرخاء. فهو يمتلك شركة ملابس ويعيش في “بيوك جكمجة”، ضاحية صاخبة علمانية تقع في الطرف الغربي من المدينة. منذ شهرين، زوجته السابقة، سفتلانا، وهي قرغيزية في الـ25 من العمر وتتحدث اللغة الروسية كلغة أصلية، أخذت ابنهما دستان البالغ من العمر ثلاث سنوات الى الرقة بعد أن قررت الانضمام الى “الدولة الإسلامية”(داعش).
أكتان كرّس نفسه للتحقيق في قصة تدريبها من خلال عرضه على الفيس بوك امرأة مع طموحات مماثلة لزوجته، تصادق وتلاحق سفتلانا على الانترنت. وقد استخدم سائقو تاكسي كي يتتبعوا زوجته عندما كانت لا تزال في اسطنبول واستطاع أن يكتشف المقرّ الآمن لداعش حيث كانت تسكن مؤقتاً عقب طلاقها. وهو قرر تعقبها.
يقول أكتان وهو منهمك بالملف الذي يحمله دائماً بين يديه أينما ذهب وفي داخله صور لزوجته السابقة، وخرائط عن سوريا وأوراق الطلاق ونسخ من نصوص فيس بوك: “صدقوني، لقد كنت أعمل كمفتش شرطة”. وجميع هذه الأمور شاركها مع الشرطة التركية. وهدفه الأول هو أن يجد ابنه وينقذه. يقول “إذا قررت أن تفجر نفسها، إذن سيبقى الطفل في سوريا. كيف سأجده إذن؟ سوف أفقد فرصة إيجاده، ومن سيهتم به؟”.
ويظهر صورة له مع زوجته السابقة وهما متعانقان. وقد أخذت هذه الصورة منذ 6 سنوات مضت، بعد زواجهما. ويقول أكتان “كانت سفتلانا في الـ19 من العمر عندما تزوجنا، كانت تتحدث التركية بصعوبة ولكنن استطعت تعليمها بشكل سريع ـ هي ذكية جداً”. ويضيف أنه التقى بها عبر صناعة الملابس. “كانت علاقة حبة جميلة. وهي من عائلة مسيحية، لم أعتقد بأنها تعرف حتى ما هو الإسلام. كانت تشرب الويسكي وكنا نقوم برحلات خلال الفرص. لم يكن لدينا أي مشاكل”.
يعترف أكتان بأن سفتلانا لم يكن لها حياة اجتماعية مما دفعها أن تنصرف الى الانترنت وتمضي أكثر وقتها عليه “هذا كان رفيقها الوحيد”، مشيراً الى الهاتف الذكي الذي يحمله بيده. “هذا وأنا. وأخذت تتعرف على الإسلام على الانترنت ثم قررت أن تتحول الى الدين الإسلامي. وفي يوم جاءت وقالت لي بأنها تريد ان تضع الحجاب. فقلت لها موافق فللتحجبي”. كانت دائماً على الانترنت لم أدرِ الى أين سيأخذها. طلبت مني أن أربي لحية، قالت أنه يجب علينا أن نصلي 5 مرات في النهار وقراءة القرآن لمدة ساعتين. بالطبع لم أشأ أن أفعل ذلك”.
أكتان حزين على موضوع التحوّل الديني لزوجته. يقول: “كانت كأنها امرأة مختلفة دخلت حياتي”. وستذكر كيف فقدت سفتلانا اهتمامها بالزواج، وتوقفت عن الطبخ كما توقفت عن الاهتمام بالأرنب والكلب اللذان يرعيانهما في البيت.
يقول أكتان: “عندما طلبت الطلاق، لم أتفاجأ”. “قالت لي بأنها تريد أن تأخذ ابننا ليعيش معها على طريقة الإسلام والتوحيد. قلت لها يمكنك أن تقومي بهذا الأمر في اسطنبول. قالت لا”.
وقد استكملت إجراءات الطلاق خلال 15 يوماً، ومُنحت حضانة دستان الى أمه وزيارات خلال نهاية الأسبوع الى الأب.
وبدأ أكتان يتعقب زوجته السابقة من خلال الفيس بوك وعلم أنها ذهبت للعيش في منزل في وسط اسطنبول مع امرأة أخرى وأولاد من وسط آسيا تحت إرشاد رجل أفغاني.
أُصيب أكتان بالذعر وسارع الى المنزل لكي ينقذ ابنه بعدما وصلته رسالة من زوجته في تاريخ 30 تموز – يوليو تقول فيها: “إن الأناس الذين يعيشون تحت الراية السوداء هم أناس طيبون، وأنا سوف أذهب للعيش في بلاد الشام ]سوريا الكبرى[“.
ولكنه وصل متأخراً جداً ـ فقد وصل الى المنزل حيث فتحت له الباب فتاة شابة وقالت له بأن الجميع غادروا المنزل. لم يكن للفتاة أي علم عن سفتلانا ودستان ـ يبدو أنهم أعطيت لهم أسماء إسلامية: آسيا وعبدالله. واكتشف أكتان لاحقاً من مراسلاتهما على الفيس بوك بأن زوجته السابقة كانت على اتصال بأفغاني من المجاهدين لمدة أربعة شهور قبل طلاقهما وكانت تأمل أن تذهب وتنضم اليه. “أقنعها بأن عليها أن تعيش في أرض الدولة الإسلامية في العراق والشام. كان مقرّه في الرقة ولكنه يأتي الى تركيا ويذهب منها”.
وأخيراً، ذهبت سفتلانا الى مدينة غازي عنتاب الحدودية وجاء الرجل الأفغاني وأخذها الى سوريا عبر طرقات تسلل. وفقد أكتان الاتصال بها في الأول من سبتمبر – أيلول عندما ألغت حسابها على الفيس بوك بعدما علمت بحقيقته.
وعلى غرار عائلة أحمد بيازتاس، يتساءل أكتان بدوره عن المجهودات التي تقوم بها الحكومة لمكافحة “داعش” ويصرّح بأن العديد من العائلات الأخرى يعانون من نفس الظرف الذي يمر به، ولكنهم يخشون من الإفصاح عن الأمر مخافةً من التنظيم.
“بين سوريا وتركيا لا يوجد حدود في الأساس. الكل يعرف هذا الأمر. والدولة تعلم هذا الأمر، ولكنهم لا يعملون أي شيء حيال هذا الأمر. والشرطة التركية هي ضعيفة وصماء… داعش منظمة إرهابية، ولكن لم يتم رفع أي قضية ضدهم في المحاكم”.

الـتهديد الداخلي
يبقى أن نعرف ما هي قدرات “داعش” داخل تركيا، حيث أن هناك إشارات تنبئ بالخطر الذي تشكّله. فوفقاً لموظف حكومي، ففي مارس – آذار الماضي قام أعضاء من “داعش” بقتل عسكري تركي وضابط شرطة وآخر مدني عندما تم توقيف سيارة المسلّحين وهم في طريقهم الى اسطنبول. وفي تلك الأثناء، تم تداول براهين تقول بأن التنظيم مرتبط بتفجيرات على الحدود مع سوريا في مدينة ريحانلي حيث ذهب ضحية هذا التفجير 52 فرداً حيث كان من بين الأكثر دموية في تاريخ تركيا.
وهناك مخاوف من مؤيدي “داعش” الذين قد يتورطون في صراعات عنيفة داخل تركيا مع جماعات يسارية مسلحة مرتبطة بثوار الأكراد الذين يحاربون في سوريا. وتم التداول مؤخراً بأن جماعة حزب العمال الكردستاني الماركسي، الذي يحارب حليفه السوري حالياً الجهاديين، أعلن أنه قتل مُنظماً لـ”داعش” في هجوم في ضاحية من ضواحي اسطنبول.
يقول بونيامي أيغون، صحافي تركي مصوّر، تم توقيفه من قبل مسلحي “داعش” لمدة 40 يوماً، بأن أعضاء التنظيم من الأتراك تفاخروا أمامه بأنهم يستطيعون تدمير البلاد بوابل من الهجوم المدفعي. فخلال أسره في شهري نوفمبر – تشرين الثاني وديسمبر – كانون الأول 2013، كان معصب العينين وكانت يداه مكبلتين وراء ظهره، ولم يرَ أبداً وجوه الأشخاص الذين يحتجزونه، ولكن بين استجواب وآخر كان ينصت الى المحادثات التي تحدث بحضوره.
ويتذكر الصحافي ذو الـ42 عاماً قائلاً معظمهم كانوا أتراكاً بعضهم كان يحمل لهجة المنطقة الشرقية والآخرون كانوا أتراكاً – ألماناً واثنان منهما كانا من اسطنبول. وكانوا يتحدثون عن بغضهم لحكومة تركيا المحافظة بقولهم إن الرئيس الحالي طيب رجب إردوغان ليس بمسلم حقيقي. وتوجهوا له بالكلام قائلين “تركيا تخشانا. يمكننا القيام بتفجيرات في كل أربع زوايا في البلاد. وإذا أغلقوا الحدود فسوف نسبب لهم فوضى مدنية واقتصادية”.
وقالوا لأيغون بأنه “أسوأ من أي مسيحي” لأنه يعمل لدى صحيفة ميلييت، وهي صحيفة تقوم بنشر صور لنساء شبه عاريات. حُكم عليه بالإعدام من قبل الحاكم الشرعي الذي كان يتواصل معه الأشخاص الذين يحتجزونه عبر التلفون والبريد الالكتروني، ولكن تم تحريره من قبل ثوار معتدلين حيث قتلوا المسلحين الذي كانوا يحتجزونه بعد خمسة أيام من الاشتباك المسلح. ويتخوف أيغون من خطر هؤلاء على تركيا قائلاً: “أميركا أعطت دعماً للثوار في بداية الحرب السورية، ولكنها الآن تركت تركيا وحدها”.
هناك جدل ايديولوجي واسع في تركيا بين المسلمين المحافظين حول جدوى “داعش” ونظرتهم الى العالم.
سليمان محمد وهو عضو في حزب “سعدات”، وهو حزب سياسي محافظ يضم العديد من الطوائف الإسلامية في تركيا. على كل حال، أجرت متروبول استقصاء كشف عن أن 62.5% من حزب العدالة والحرية يعتبرون “داعش” منظمة إرهابية مقارنة بـ82.1% من مؤيدي حزب سعدات يشيرون الى اختلافات ايديولوجية مع “داعش”.
يبدو ان الاعتراض الحقيقي على “داعش” هو الاشئمزاز من جرائم الحرب التي يقومون بها. ويقول علي، ابن سليمان: “أنا لا أستطيع أن أقطع رقبة دجاجة، فكيف يمكنهم أن يفعلوا هذا بالبشر؟ تخيّل ذلك”.
إن آراء المحافظين السنة في تركيا أمثال سليمان وابنه ترى أن ايديولوجية “داعش” بعيدة عن تركيا. فالتنظيم ينجح بشكل متزايد في تزويج الأفراد في مناطق محظورة. بينما يوجد حظر إعلامي على وضع أسرى القنصلية وكذلك قصص تجنيد “داعش” للأتراك والتي لا تتناولها وسائل الإعلام المحلية.
عندما ظهرت قصة شاهين أكتان في صحيفة محلية، قررت دنيز شاهين ان تتواصل معه. فقد علمت أن قصة مشابهة تجمعهما كما خيبتهما بالسلطات التركية. في يوم لقائها مع مجلة “نيوز ويك”، سافرت دنيز الى أنقرة من أجل أن تلتقي بشاهين في “بيوك جكمجة” لتتناقش معه في إمكانية تشكيل مجموعة دعم من العائلات المتضررة. بينما كان الهدف الأول من لقائهما هو القيام بخطة عمل، وجد الإثنان تشابهاً كبيراً بين قصتيهما وخاصة فيما يخص قضاء شريكيهما السابقين وقتاً كبيراً أمام الانترنت.
تحصل دنيز على معلومات متقطعة عن ابنتها من خلال أحد الاقرباء في الرقة ولكنها لا تحصل على أي معلومات عن ابنها وليس لديها شيء عنه سوى الصورة التي أُرسلت اليها وهو يحمل سلاحاً. تقول: “أنا لا أعرف حتى إذا كان على قيد الحياة… يقولون لي بأن ابنتي تبكي طوال الوقت وأنها تسأل عني. أعرف كم هي حساسة وأعرف أنها تفتقد إلي”.
تبكي دنيز مرة ثانية عندما تشير الى صورتي ابنتها في واحدة منهما قبل الخطف بوقت قصير كانت ترتدي سروالاً قصيراً وبلوزة وكانت تبتسم. وفي الأخرى في أحد شوارع الرقة ترتدي الشادور وهي لا تزال في التاسعة من العمر.
يتملك دنيز وشاهين خوفاً وتردداً، بينما يصران على إيجاد أطفالهما، فهما يعلمان بأنهما إذا قررا الذهاب الى حيث تتواجد “داعش” سوف تكون بمثابة مهمة انتحارية ولا يمكنهما الاعتماد على مساعدة أي حكومة.
تقول دنيز: “يجب أن أحمي أولادي. ولكن أنا بنظرهم كافرة إذا ذهبت الى هناك يمكن أن يقتلوني أو يمكن ألا يسمحوا لي بالمغادرة. ماذا بإمكاني أن أفعل؟”.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

بومبيو للسعودية: توقفوا عن حصار قطر واليمن.. لقد طفح الكيل

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن صبر واشنطن قد نفد في ما يخص النزاع بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *