الأربعاء , يونيو 20 2018
الرئيسية / دراسات / أسباب التدخل الروسي في الشرق الأوسط

أسباب التدخل الروسي في الشرق الأوسط

بقلم: عبداللطيف مشرف* — في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2015، أرسلت البحرية الروسية حاملة الطائرات الوحيدة لديها، «الأميرال كوزنستوف»، إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. واستناداً إلى (الشركة الاستشارية لإدارة الأعمال) “أي إتش أس جاينز”، ترافق حاملة الطائرات “السفينة الحربية «بيوتر فيليكي»، والسفينتان الكبيرتان المضادتان للغواصات «سفيرومورسك» و«فايس أميرال كولاكوف»، إلى جانب سفن دعم”.
وكان المسؤولون الروس قد أعلنوا للمرة الأولى عن هذه الخطة في 21 أيلول/سبتمبر 2015، بإشارتهم بأنه سيتمّ اللجوء إلى «كوزنستوف» لضرب أهداف في سوريا.
وفي حين أن نشر السفن الحربية سيسهّل على الأرجح العمليات الروسية دفاعاً عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن نشرهما ربما يكتسي أهمية أكبر باعتباره دليلاً على استعادة موسكو النفاذ إلى الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط. فتواجد روسيا المحدود ولكن المتنامي مهم بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة – حيث سيواجه الرئيس الأميركي المقبل منافساً من خارج المنطقة يمكنه تعقيد حرية المناورة التي تمارسها الولايات المتحدة في المنطقة لدرجة لم تُعرف منذ نهاية الحرب الباردة. ونتيجة لذلك، ستكون واشنطن بحاجة إلى نشر المزيد من الأصول العسكرية في المنطقة من أجل تنفيذ المهام نفسها، في وقت تطالب فيه مناطق أخرى بمطالب أكبر من هيكل القوة الأميركية المنتشرة بأقصى طاقتها.
ونجد أن غالباً ما يُترجِم الرئيس فلاديمير بوتين تصرفات الغرب على أنها محاولات لتطويق روسيا والإطاحة به من السلطة، تمشياً مع يؤمن به بأن الغرب ينسق تغيير الأنظمة في جميع أنحاء العالم. وكان ردّ فعله قوياً إزاء هذا الاحتواء المتُصوَّر على مدى العقد الماضي، حيث عمل على تعزيز قدرات بلاده العسكرية وأقدم على تنفيذ العديد من التدخلات في الخارج. وكان غزو جورجيا في عام 2008 إيذاناً ببدء الإصلاحات العسكرية الرئيسية، وبحلول عام 2014، بدت القوات الروسية التي وصلت إلى أوكرانيا أكثر استعداداً (للمشاركة في عمليات عسكرية)، على الرغم من مكانتها كقوات نخبة. وفي الوقت نفسه، جاءت التدخلات الغربية في ليبيا والخسارة اللاحقة للحليف معمّر القذافي في البحر المتوسط في عام 2011 لتعزّز جنون ارتياب بوتين.
ووفقاً للتحليل الجيوساسي أن اندلاع الحرب في سوريا سوى تضخيم تصور بوتين لهذا الاحتواء في الوقت الذي عملت فيه الدول الغربية على وقف عمليات نقل الأسلحة الروسية وإمدادها للنظام السوري.
ومع تطوّر الحرب، عزّزت واشنطن ضغوطها الدبلوماسية لتقويض دور روسيا العسكري المتنامي. وعقب إعلان موسكو في أيلول/سبتمبر 2015 بأنها ستطلق طائرات قتالية من القواعد الروسية لدعم نظام الأسد، فاجأ وزير الخارجية الأميركي جون كيري نظيره الروسي سيرغي لافروف بتحذير من توسيع العمليات العسكرية. وبعدها، حثّت إدارة الرئيس باراك أوباما كلاً من بلغاريا واليونان على إغلاق مجالهما الجوي أمام أي طائرة روسية متوجهة إلى سوريا، وقد وافقت بلغاريا على ذلك.
وأعتقد أن لروسيا أطماع توسعية في المنطقة وذلك أن موسكو قد كثفت تواجدها الإقليمي خلال الحرب في سوريا عبر نشر قواتها البحرية مسبقاً في المنطقة، وتطوير علاقات عسكرية مع حكومات مختلفة، والإمساك بزمام المبادرة بشأن قضية الأسلحة الكيمائية، وبناء قواعد عمليات جديدة. وقد شكّلت إعادة نشر أسطولها في البحر المتوسط خطوة رئيسية في هذه العملية. فقد وصلت السفن الأولى إلى شرق البحر الأبيض المتوسط في عام 2013، مباشرة بعد إيقاف بريطانيا إرسال مروحيات “مي-25”. وبعد عامين كان الأسطول مكتملاً.
ونرى أن بوتين قد ضمن دوراً لجيشه ومجالاً إضافياً للمناورة عبر التطوّع للإشراف على تدمير ترسانة الأسلحة الكيمائية لسوريا في عام 2013. وفي وقت لاحق، ضَمَن حقوق الرسو في موانئ قبرص لتوفير دعم على الرصيف البحري لحاملة الطائرات «الأميرال كوزنستوف»، ورتّب أولى التدريبات البحرية المشتركة على الإطلاق بين روسيا ومصر، وأرسل سفناً للتوقّف في ميناء الإسكندرية للمرة الثانية فقط منذ عام 1992، كما جدّد النفاذ البحري والمبيعات العسكرية إلى الجزائر.
وبحلول منتصف آب/أغسطس عام 2016، كانت روسيا تقوم بشن هجمات جوية في سوريا باستعمالها قاذفات القنابل من طراز “تي يو22 أم3” التي كانت تُقلع من قاعدة همدان الجوية في إيران، مما يدل على التزام بوتين بإستراتيجيته وتقاربه الذي لم يسبق له مثيل من طهران. وبالفعل، قد يعني تحسّن علاقات موسكو مع قبرص وإيران ومصر والجزائر وغيرها من الدول بأنها رسّخت وجودها الإقليمي على المدى الطويل، حيث أن ميناء طرطوس السوري يمثّل من جديد مركز شبكة لوجستية يصل امتدادها إلى الإسكندرية وليماسول وربما الجزائر العاصمة.
ونرى من النظرة الاستراتيجية للبعد السياسي والعسكري أن التحسينات التي تمّ إدخالها إلى الجيش الروسي ساهمت في توسيع خيارات بوتين، وأن القوات الروسية التي شقّت طريقها لتشغيل عملياتها في سوريا تتمتّع بقدرة أكبر بكثير من تلك التي أظهرتها في جورجيا وأوكرانيا خلال حملات سابقة. ويبدو أن الجيش الروسي قوي حالياً بما فيه الكفاية للحفاظ على موقف بوتين الجديد ومكانته في الشرق الأوسط.
لقد كان بسط السيطرة الجوية مهماً بشكل خاص حيث أن استحداث فقاعات دفاع جوي إقليمية كبيرة قد سمح لروسيا بتثبيت حريتها في المناورة بشكل فعّال وتعقيد أي استخدام مستقبلي للقوة الجوية الأميركية. يُذكر أن المنظومات المتنقلة لـصواريخ “أس-300” موجودة الآن في الجزائر ومصر وإيران تحت إشراف محلي، في حين تمّ نشر أحدث منظومات “أس-400” الخفية المتنقلة في شبه جزيرة القرم وسوريا تحت سيطرة روسية. وكان نطاق هذه المنظومات وقدراتها المتنامية قد عزّزت المخاطر بالنسبة للعمليات الجوية الأميركية في البحر الأسود، وشرق البحر الأبيض المتوسط، وما يصل إلى 90 بالمائة من منطقة الخليج العربية.
ومن الجانب العسكري نجد أن دور حاملة الطائرات «كوزنستوف» يكتسي نشرها أهمية كبرى لأسباب رمزية وعسكرية على السواء. فقد أثبت استخدام أميركا للقوة البحرية أمام العالم أن حاملة الطائرات تمثّل التجسيد العائم لضمان الوصول والدعم العسكري للمصالح الوطنية. وكما أظهرت “عملية برق الأوديسا” التي أطلقتها وزارة الدفاع الأميركية ضد تنظيم «داعش» في ليبيا، فإنه حتى سفينة حربية برمائية واحدة – تحمل طائرات بأعداد أقلّ بقليل من حاملة الطائرات الروسية – يمكن أن توفّر ميزة عسكرية هامة في المنطقة. وما أن تبدأ موسكو بإصدار أوامر بشن ضربات من على سطح الطيران الصدئ على متن «كوزنستوف»، فسوف تنضمّ إلى الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا باعتبارها جهات العرض الوحيدة في العالم لقوة كبيرة على الشاطئ منذ نهاية الحرب الباردة.
ليس ثمة حاجة لأن تكون روسيا متساوية مع أميركا على الصعيد العسكري أو الاقتصادي لكي تشكل تحدياً حقيقياً للمصالح الغربية. كما أن للتواجد صلة بالموضوع – فبمجرد وجود روسيا في سوريا عندما كانت الولايات المتحدة غائبة، ساهم بوتين في تعقيد البيئة العملية في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.
ولكي تكتسب واشنطن “مكانة في اتخاذ القرار” في أي أزمة مستقبلية وتؤمن مصالحها التي لا تزال كبيرة في منطقة بالغة الأهمية، ستحتاج إلى تعزيز مبادراتها العسكرية والدبلوماسية الحالية في المنطقة. ويعني ذلك إحياء العلاقات الراكدة، وطمأنة الحلفاء، والعمل بشكل حازم للحفاظ على أهميتها في الواقع الجديد. وتتمثّل إحدى الطرق للقيام بذلك في تقوية دول حلف شمال الأطلسي والتحالفات الأخرى. وبالنسبة لبوتين، يشكّل الشرق الأوسط وأوروبا جزءاً من المسرح نفسه، لذا تسير طمأنة الحلفاء الضعفاء في حلف “الناتو” جنباً إلى جنب مع دعم الحلفاء في الشرق الأوسط.
وبالتالي، على الولايات المتحدة بذل جهود أكبر في سبيل تحسين علاقاتها مع الجهات الفاعلة الإقليمية عبر التعاون الأمني. ويجب على البحرية الأميركية زيادة مجموعة المرافئ التي تزورها في شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط (مع إيلاء أهمية خاصة إلى حماية القوة). يتعيّن على الجيش الأميركي بشكل عام التأكد من مواصلة التدريبات المتعددة التي يقوم بها مع دول حليفة مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
من الواضح أن التفاؤل حول الوضع في سوريا تأثر بالمحادثات المستفيضة التي أجراها وزيرا الخارجية الأميركي والروسي جون كيري وسيرغي لافروف حول هذا الموضوع. على سبيل المثال، اختير مؤخراً أحد رؤساء “حوار كيترينغ”، وهو فيتالي نومكين، كمستشار في المفاوضات السورية التي تجريها الأمم المتحدة برئاسة ستيفان دي ميستورا.
غير أنه تم التحدث عن أطراف أخرى في الحرب في سياق أقل مؤاتاة. فغالباً ما تم غض النظر عن تركيا والمملكة العربية السعودية بعبارات مهينة، من خلال إعطاء الانطباع الواضح بأن أنقرة لا تزال مسؤولة بطريقة أو بأخرى عن إسقاط الطائرة النفاثة العسكرية الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي (كما عبّر أحد الروس عن تعاطفه العلني مع مطالبة سوريا بمحافظة هاتاي التركية(لواء اسكندرون السوري المحتل)، حيث أُسقطت الطائرة). ومن ناحية الرياض، فقد تم وصفها بأنها إسلامية جداً، وأن اقتصادها يعتمد على النفط وسيواجه بعض المشاكل.
من المثير للاهتمام أن المناقشات الروسية الرسمية حول سوريا كما ورد في وسائل الإعلام الخاضعة لرقابة الدولة تتجاهل إلى حد كبير البُعد السني / الشيعي. فوفقاً لهذه النظرة التبسيطية المشوّهة، تدور الحرب بين الحكومة الشرعية برئاسة بشار الأسد والمعارضة الإرهابية.
إن المشاركين الروس في “حوار كيترينغ”، الذين يحتل بعضهم مناصب عليا في قطاع الطاقة، أكدوا أيضاً على أن الإنتاج الجديد للطاقة في الولايات المتحدة سوف يغيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. حتى أن أحدهم هنّأ زملاءه الأميركيين على تحوّل بلدهم إلى “السعودية الجديدة”. ولم يتم وضع حد لهذا التفاؤل من خلال بذل جهود لشرح الفوائد المحدودة والمؤقتة للنفط والغاز المحدودين في الولايات المتحدة، أو لشرح واقع الدور الذي يؤديه الشرق الأوسط في سوق النفط والغاز العالمي، والذي يبقى أساسيّاً في الوقت الحاضر وسيصبح أكثر أهمية على الأرجح بحلول عام 2030.
نلاحظ أن الكثير من الروس، خارج دوائر موسكو الرسمية، يشكون من المعاناة الاقتصادية وغيرها من المشاكل التي تؤثر عليهم شخصياً، مثل عدم تمكنهم من السفر إلى تركيا ومصر. ففي أعقاب حادثة إسقاط الطائرة العسكرية في تشرين الثاني/نوفمبر، علّقت الحكومة الروسية السفر من دون تأشيرة إلى تركيا؛ وفي ذلك الشهر نفسه، علّقت جميع رحلات الطيران إلى مصر، بعد أن أسقطت جماعة تابعة لـ تنظيم «داعش» طائرة ركاب روسية كانت تغادر سيناء. ويقيناً، بإمكان الروس الإستفادة من فرص سفر أخرى في المنطقة. فعلى سبيل المثال، بإمكان المرء أن يرى الآن إعلانات في شوارع موسكو عن تنظيم رحلات إلى المغرب، ربما لأن العاهل المغربي الملك محمد السادس قد زار مؤخراً العاصمة موسكو للمرة الأولى منذ سنوات، وذلك لتحسين العلاقات بين البلدين. إلا أنه يبدو أن كل هذا لا يعتبر مواساة كافية، نظراً للقيود المتزايدة في أماكن أخرى.
إذا تعاطت الإدارة الأميركية الجديدة مع شؤون الشرق الأوسط بطريقة أكثر تقليدية، أي كما تُعامل الإدارة الحالية أوكرانيا والقوقاز والبحر الأسود والبلطيق، قد يتفاجأ الروس من المقاومة الكبيرة لجدول أعمالهم. ويشكل هذا وصفةً لنشوب اشتباك قد يكون أكثر خطورة حتى مما هو عليه في أوكرانيا، حيث تهيمن القدرات العسكرية والمصالح السياسية الروسية. ومرة أخرى، يبقى خطر سوء التقدير الروسي في الشرق الأوسط مرتفعاً، لأنه يبدو أن موسكو تعتقد أن معظم المصالح الجيوستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة آخذة في التلاشي بالتوازي مع تراجع اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، وأن كل ما يهم واشنطن هو جدول أعمال مكافحة الإرهاب.
يرى بعض الباحثين الروس أن من أهم العوامل المؤثرة في علاقات السعودية مع روسيا الاتحادية،هو ارتباط السياسة الخارجية السعودية بالمصالح الغربية “بحكم الشراكة الاستراتيجية” وأحياناً إلى درجة الإضرار بمصالح المملكة نفسها بحسب وجهة نظرهم، حيث يرون أنه لم تكن مشاركة المملكة في حرب أفغانستان في مصلحة المملكة، ولا الموقف السعودي من حرب الشيشان من مصلحة المملكة على المدى البعيد (ويمكن قراءة ذلك في ضوء التحول في الموقف الروسي تجاه المملكة بعد تصريحات الملك الراحل عبدالله عن القضية الشيشانية أثناء زيارته لموسكو في سبتمبر أيلول 2003)، ولا طريقة التعاطي السعودي مع موقف روسيا في بدايات الأزمة السورية.
كما يرى بعض الباحثين والمحللين السياسيين الروس، أن ارتباط السياسة الخارجية السعودية بالمصالح الغربية هو نقطة الضعف الحقيقية في السياسة الخارجية السعودية، لكون هذا الارتباط يُغيّب المصلحة الوطنية السعودية في خضم المصالح المشتركة والتي تصب في غالبها للشريك الآخر الأقوى. وانعكس ذلك بشكل جلي على العلاقات السعودية – الروسية، حيث أن واضعي السياسة الخارجية السعودية لا يضعون في حساباتهم في علاقاتهم مع روسيا التخطيط على المدى البعيد، من خلال حزمة من المصالح الاستراتيجية، على غرار ما تفعله إسرائيل أو إيران في علاقاتهما مع روسيا، رغم علاقاتهم الاستراتيجية مع الغرب.
ويتكرر المشهد الاقتصادي السعودي ـ الروسي المتعثر في الوقت الحاضر، ومن ذلك:
– عدم استقبال رجال الأعمال السعوديين لنظرائهم الروس احتجاجاً على الموقف الروسي من سوريا.
– إلغاء عقد مد طريق السكك الحديدية مع الشركة الروسية (بعد فوزها بالمناقصة وتلقيها خطاب التعميد من وزير المالية السعودي).
– التراجع عن صفقة سلاح مع روسيا فيما بعد.
إن هذه المواقف وإن لم تكن بسبب الضغوط الغربية بشكل مباشر إلا أن فيها تجاهلاً للمصالح المستقبلية للمملكة مع روسيا، مع تجاهل السعوديين للموقف الأميركي من القضية الأم بالنسبة لهم “فلسطين” على مدى سبعة عقود، وتعطيل أميركا للقرارات الأممية التي تدين إسرائيل، كما تغافلوا عن العبث الأميركي في العراق وأفغانستان، وتسليم السلطة لقوى موالية لإيران (الخصم الرئيسي للمملكة في منطقة الخليج).
خلاصة القول إن روسيا بحاجة إلى أسواق خارجية لمنتجاتها ومنها السعودية وسيتغير موقف روسيا من الرياض إذا ما دخل العامل الاقتصادي بشكل جاد في العلاقات بين البلدين.
وفي هذا الاتجاه السياسى والتحليلى للسياسة السعودية نرى أن المستوى المتدني للعلاقات السعودية الروسية لا يُحدد بالعلاقات الإستراتيجية السعودية مع أميركا (لأن السعودية تقوم بتنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية الخارجية دائماً مع اطراف متعددة غير أميركا، مثل الصين، وفرنسا، وألمانيا) ولا يمكن أيضاً أن نرجع تدني علاقات البلدين إلى عدم وجود “الخطة الاستراتيجية” لتطوير هذه العلاقات لدى السعودية، بل تعامل النخبة السعودية مع الملفات الروسية، والمؤشرات الواضحة لهذا التعامل هي أفغانستان والشيشان، والتأكيد أن السعودية في التسعينيات (1990) بذلت جهوداً في تفكيك الاتحاد السوفياتي من خلال تخفيض سعر النفط. وفي المقابل وحتى هذا اليوم لم تعمل السعودية على تجاوز هذا التعامل بإجراءات إيجابية، وتكوين صورة إيجابية لنفسها في روسيا. ومن هنا جاء الطرح الإعلامي الروسي عن “هدية” الأمير بندر، كرأي عن التدخل السعودي الوهابي في الشؤون الروسية.
أما بخصوص الأزمة السورية، فإن روسيا اتخذت موقفها بعد أن وجدت أن الغرب اتخذ خطوات إقصاء روسيا عن منطقة الشرق الأوسط، والتي تشكل فيه سوريا نقطة استراتيجية هامة، ولاسيما أن موسكو خسرت مواقعها في العراق وفي ليبيا نتيجة التدخل العسكري لدول الناتو، لذا قررت موسكو مواجهة الغرب هذه المرة ليس حباً لنظام بشار الأسد، ولا إرضاء لإيران المؤيدة له.
ونرى من تحليل لسياسة الروسية أن قاعدة طرسوس التي يتحدث الكثيرون على أنها أحد أسباب تمسك روسيا بموقفها من سوريا، ليست قاعدة عسكرية صرفة، وأن من مهماتها الرئيسية تموين السفن الروسية بدرجة كبيرة، وأن بوسع روسيا تموين السفن في قبرص أو اليونان مثلاً. ويعتقد بعض المراقبين أنه لا يوجد في هذه القاعدة عدد كبير من العسكريين الروس، كما هي الحال في القواعد الأميركية في البحرين وقطر وايطاليا مثلاً. وبغض النظر عن تقييم أهمية أو تسمية القاعدة في طرطوس إلا أنها تعد أحد العناصر الرئيسية في الموقف الروسي لتوسيع تفوذها المستقبلي في سوريا، إضافة إلى قاعدة حميميم الروسية الجديدة في سوريا.
ومن وجهة نظرنا السياسية فإن موقف روسيا من إيران والأزمة السورية تمليه المصالح الخاصة لروسيا والنابعة عن الدوافع الجيوسياسية لروسيا، وهي الإبقاء على نفوذها في آسيا الوسطى وحوض البحر الأبيض المتوسط في مواجهة الضغوط الغربية لإبعادها عن هذه الأصقاع.
فالوصول إلى حل وموقف روسي إيجابي من الملف السوري، يستلزم تنازلات في المستقبل السوري لصالح روسيا، وهو ما لا تقبله السعودية على الأرجح وفقاً لقراءة الموقف السعودي الثابت من الأزمة السورية والذي بسببه اعتذرت المملكة عن عضوية مجلس الأمن في سابقة تاريخية. وخلاف ذلك قد يتقاطع مع المصلحة الروسية، والتي تتوافق في بعض جوانبها من المشاريع الإيرانية في المنطقة العربية، والمؤشرات تدل على توافق أميركي – بريطاني – روسي – إيراني، بشان المستقبل السوري، في تغييب متعمد وقسري للدور السعودي خاصة والخليجي بوجه عام، ولاسيما أن هذا التوجه يحظى بتأييد الحكومة المصرية، وقد تتصالح تركيا مع هذا المشهد إذا تحققت لها بعض الشروط.
إذن يقوم الموقف السياسي الروسي الرسمي والإعلامي من السعودية بناء على مستوى تحقق الرضى لروسيا بشأن ما يجري من الأحداث في سوريا بحكم أنه المشهد الساخن في علاقات البلدين، وهذا شيء غير عادل في العلاقات الثنائية الدولية، ولكنها حالة خاصة بطبيعة العلاقات السعودية ـ الروسية ، والعوامل التاريخية والمعاصرة المتداخلة، ويقابل تطور الأحداث في الملف السوري، قوة التحرك السعودي تجاه روسيا في ملفات عدة.

*باحث وأكاديمي مصري.

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

ماراثون التسلّح في الشرق الأوسط: التحديات الرئيسية لإسرائيل

إعداد: شاؤول شاي (عقيد احتياط بسلاح الاستخبارات بالجيش الإسرائيلي) – المقالة ورقة بحثية قدمت إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *