الرئيسية / مقالات / الحركة الصهيونية من الخفاء إلى الوجود

الحركة الصهيونية من الخفاء إلى الوجود

بقلم : عبداللطيف مشرف — كاتب وأكاديمى مصري —

فكرة السلام عن حقيقتها ومعانيها، والخداع والكذب والتضليل السياسي والفكري الذي يمارسه الكيان اليهودي – ومن يسير في ركابه ويناصره ويؤازره – في قلب الحقائق من أجل خدمة المشروع الصهيوني، وفي ضرب من يقف في وجه هذا المشروع الإجرامي الشرير. وفي هذا المقال سنتحدث – بإذنه تعالى – عن الحقيقة الخفية للصهيونية والسلام الضائع، كمقدمة لبيان حقيقة حركات الصهيونية وحركات السلام الحالية، وسيكون ذلك على عدة مقالات مختلفة، وسنتحدث ايضا عن الهدف من إنشائها، وأعمالها في دعم المشروع العالمي الصهيوني. هذه الحقيقة هي: (الحركة الصهيونية العالمية). ولا نريد أن نفصّل كثيرًا في هذا الموضوع؛ لأن الحديث فيه يطول، ولكن سنقف على بعض الأمور التي تلزمنا في هذا الموضوع وهي: (حقيقة هذه الحركة وكيف نشأت) و(الأهداف من إنشائها) و(ارتباط هذه الحركة بمشروع الكيان اليهودي في فلسطين) و(ارتباط الحركات السياسية في الكيان اليهودي – ومنها حركات السلام – بالحركة الصهيونية العالمية وأهدافها).

وقبل الحديث عن حقيقة هذه الحركة نقول: بأن اليهود يخادعون الناس، ويضلّلونهم في أقوالهم وأعمالهم، وحتى مؤسساتهم؛ لأن اليهود من طبعهم التحريف والتضليل والكذب والخداع، قال تعالى في بيان هذه الحقيقة: ( مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ) [النساء 46]. وقال كذلك: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ..المائدة 41)

وقد نمت هذه الصفات وازداد شرها – عند اليهود – في ظل المبدأ الرأسمالي الجشع؛ المبنيِّ على الخداع والكذب والتضليل والميكافيلية، والظهور بأكثر من وجه في سبيل تحقيق المنافع والمصالح الدنيوية الوضيعة؛ لدرجة أن أصحاب هذا المبدأ – من اليهود وغيرهم – من يقومون بأعمال وتصرفات؛ فيها إبادة وقتل وتخريب لمقدرات البشر، وحتى لبني دينهم وجلدتهم ومبدئهم؛ من أجل تحقيق منافع سياسية معينة. وقد ظهر هذا الأمر أكثر من مرة في تاريخ هذا المبدأ الهابط الشرير، ومن أمثلته ما حدث عند دخول أميركا الحرب العالمية الثانية، وكيف اصطنعت أحداث (ميناء هاربر)، وضحَّت بأرواح البحَّارة الأميركيين. يقول المفكر تيم كيلي: “الأدلة المتراكمة التي جمعها باحثون وصحافيون ومحققون على مدى السنوات السبعين الأخيرة؛ تبرر تلك الشكوك بشأن خدعة من قبل قمة هرم السلطة في واشنطن. فهذه الأدلة تشمل بيِّنة ظرفية على أن (فرانكلين روزفلت) وكبار مستشاريه تعمَّدوا جرَّ اليابان إلى شن الهجوم، كما تعمدوا تجاهل المؤشرات التي وصلتهم مسبقًا عن هجوم وشيك!!”. ومن أمثلة ذلك أيضًا ما جاء في الخطاب الأخير للرئيس الأميركي (أوباما) قبل تسليم سلطاته للرئيس الجديد (ترمب) حيث قال: “إن الولايات المتحدة الأميركية جاهزة لتوظيف جميع عناصر قوتنا، بما في ذلك القوة العسكرية لتأمين مصالحنا الأساسية في المنطقة”.

ومن أمثلته أيضًا ما جاء في كتاب (الخديعة المرعبة) للكاتب الفرنسي (تيري ميسان) حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث قال: “الجيش الأميركي وحكومة (ظلّ ويقصد هنا اللوب الصهيونى) عسكرية داخل الولايات المتحدة، يرأسها صقور الإدارة الأميركية؛ قاموا بالتخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، من أجل دعم مؤسسات الصناعة العسكرية الأميركية، وإقامة ما أسماه جيش فضائي، يراد من ورائه تحقيق هيمنة أميركية مطلقة على العالم بأجنحة صهيونية… والهدف الأبعد من هذه الآلية العسكرية الرهيبة؛ هو إثارة صراع حضارات يضعون فيها العالم المسيحي واليهودي من جهة، وفي الجانب الآخر العالم الإسلامي”.
كذلك ما جرى من قبل بعض الرأسماليين اليهود والرأسماليين الأوروبيين في إنشاء ما يسمى بالحركة والمشروع الصهيوني، وما جرى كذلك عندما أرادوا ترحيل قسم من يهود أوروبا إلى فلسطين، وكيف تآمروا مع السياسيين في الدول الرأسمالية الأوروبية، واصطنعوا الضغوطات والمذابح في بعض الأماكن.

يقول الدكتور (محمد عبد الرحمن) في كتاب (تاريخ المؤامرة على فلسطين): “وقد أكد هرتزل لوزير المستعمرات البريطاني (جوزيف تشمبرلن)؛ عندما قابله سنة 1902 وقال له: “إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين، والتي يمكن أن تكون دولة حاجزة؛ بحيث تؤمن المصالح البريطانية”. ومن هنا السبب الحقيقى والخفي لأصدار وعد بلفور، ليس لحب انجلتر لليهود، أنما لزرع دولة استطانية فى الشرق، لتظل مسيطره عليه بطريق غير مباشر.

ويقول الدكتور (عبدالوهاب المسيري) في كتاب (البروتوكولات واليهودية والصهيونية) (ص96): “قبل ظهور الصهيونية بين اليهود بفترة طويلة، قرر أحد الصهاينة غير اليهود (اللورد بالمرسون) ( 1784- 1865)، حينما كان يشغل منصب وزير خارجية بريطانيا، أن يستخدم اليهود كمخلب قط لقمع العرب”. ويقول أيضًا: “مع انتصاف القرن التاسع عشر، ومع تفاقم المسالة اليهودية في شرق أوروبا، ومع انتشار الفكر الإمبريالي بدأ بعض المفكرين اليهود في الاستجابة للصيغ الصهيونية غير اليهودية”.

والحقيقة، إن تسخير الفكرة الصهيونية للنواحي الدينية داخل فلسطين (من أجل خدمة الأهداف السياسية، وخاصة الرأسماليين في أوروبا) يشبه إلى حد كبير تسخير النصارى لموضوع الناحية الدينية والأماكن المقدسة في فلسطين من أجل تحقيق مآرب سياسية من قبل (البابوات) داخل أوروبا؛ لصرف الناس عن ظلمهم وفسادهم المستشري هناك. فاليهود والنصارى من طبعهم وسجيتهم – كما ذكرنا – أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ومن طبعهم وطبائعهم الكذب واللف والدوران وتغطية الحقائق. يقول الدكتور(محمد عبد الستار البدري) في (جريدة الشرق الأوسط) (عدد: 12881): “لقد كانت البابوية في روما تمر بأزمة حقيقية، وأصبح السؤال الذي يفرض نفسه على كل البابوات؛ هو كيفية استعادة حلم الأمة الواحدة – غير المفتتة – لتستطيع الإبقاء على الدور المركزي للكنيسة؛ بعيدًا عن بطش الملوك والأمراء؟ كيف يمكن جعل الكنيسة مرة أخرى بؤرة الحلم الجديد ومصدر شرعيته؟ وقد كان الجواب واضحًا، اختلاق حرب يكون العدو فيها من خارج الملة، وإسباغ الصفة الدينية على هذه الحرب، بدعاوى تحرير بيت المقدس، وحماية مسيحيي المشرق، وهكذا بكل بساطة سلك البابا (أوروبان الثاني) هذا الطريق لتقوية سلطته الدينية، وهكذا اندلعت الحملات الصليبية تداهم العالم الإسلامي تحت ستار الدين، حملات وراء حملات، تحمل عملية تطهير عرقي ممنهج.
ويقول (الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور) في كتاب (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى): “وأما الأمراء الذين ساهموا في الحركة الصليبية، فمعظمهم كانوا يجرون وراء أطماع سياسية، لم يستطيعوا إخفاءها قبل وصولهم إلى الشام، وبعد استقرارهم فيها. والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائمًا بالأرض، وبقدر ما يكون الإقطاع كبيرًا والأرض واسعة، بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع”. ويقول في نفس الكتاب: “يضاف إلى ذلك كله عامل آخر شجع كثيرين من فرسان الغرب الأوروبي على المشاركة في الحركة الصليبية؛ ذلك أنّ النظام الإقطاعي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالفروسية والحرب وإظهار الشجاعة، وأنّ حياة السلم كانت تعني البطالة بالنسبة لمحاربين محترفين لا عمل لهم إلا القتال والحرب. وعندما كثرت الحروب الإقطاعية وهدّدت المجتمع الغربي تهديدًا خطيرًا، تدخلت البابوية ونادت بما يُعرف باسم (هدنة الله) وهي أوقات معلومة يحرّم فيها القتال. وعندئذ بحث الفرسان الغربيون عن ميادين جديدة يستعرضون فيها عضلاتهم”.

فالأصل في بروز هذه الفكرة (الصهيونية وأهدافها) هي نواحٍ سياسية، ومؤامرة غربية من قبل الرأسماليين اليهود والساسة والرأسماليين الغربيين داخل أوروبا، وقد سخروا الرموز الدينية والفكر الديني اليهودي لخدمة هذا المشروع السياسي – تمامًا كما سخّر (البابوات) الفكر الديني والرموز الدينية في (الأرض المقدسة) لخدمة مآربهم السياسية، والهادف إلى (الخلاص من أطماع اليهود وفسادهم أولًا، والخلاص كذلك من بعض الرأسماليين اليهود داخل أوروبا) يقول الباحث (ناحوم غولدمان) في خطاب له ألقاه في مونتريال بكندا 1947م: “إن الدولة الصهيونية سوف تؤسس في فلسطين، لا لاعتبارات دينية أو اقتصادية؛ بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، ولأنها مركز القوة السياسية العالمية الحقيقي، والمركز العسكري الاستراتيجي للسيطرة على العالم”.
ومما يؤيد أن الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية لم تكن في الأصل نابعة من العقيدة اليهودية، ولا من التوجه الديني عند اليهود ما ذكره الباحث (روجيه جارودي) في كتابه: (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) ذكر أن الصهيونية حركة سياسية وعقيدة قومية، لم تولد من اليهودية، بل من القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر، فهرتزل نفسه صرح أنه لا ينقاد لأي دافع ديني؛ كما أنه لم يهتم بالأرض المقدسة بوجه خاص، فقد كان مستعدًّا ليقبل بأي أرض لتحقيق أهدافه القومية؛ حيث يقول في كتابه (الدولة اليهودية): “وهناك الآن منطقتان موضوعتان في الاعتبار: “فلسطين والأرجنتين” لكن أمام معارضة أصدقائه اليهود، فإنه يعي أهمية أسطورة أرض الميعاد، فيستغلها لجمع الشتات، ثم يقول: “هل نختار فلسطين أم الأرجنتين؟!، إننا سنأخذ ما يُعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي، وسوف تقرر الجمعية كلا الأمرين”.
وتم الاتفاق فى عام 1905 في المؤتمر العام الصهيوني، اختيار فلسطين كوطن قومي لليهود، ومن ثم إصدار وعد بلفور عام 1917، ومن ثم بدأت معاناة فلسطين وشعبها، إلى الآن.

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

عبد الكريم سروش والتعددية الدينية

د. هيثم مزاحم* — كتب المفكر الإيراني المعروف عبدالكريم سروش عام 1998 مقالة نشرت مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *