الرئيسية / دراسات / نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من تقلب الأحداث السياسية التي عمت منطقة بلاد الشام والعراق ومصر في الفترة التي شهدت إعلان بني منقذ لقيام إمارتهم في مدينة شيزر عام 474هـ/1081م سواء أكانت أحداث سياسية محلية كصراعهم مع أتابكة حلب ودمشق والمدن الصغيرة الأخرى المجاورة لهم مثل حماة وأفامية وكفرطاب وغيرها، أم ممثلة في أحداث سياسية إقليمية كبرى شهدت استيلاء الصليبيين على بلدان العالم الإسلامي في الشام والعراق، وامتداد صراع الأتراك السلاجقة إلى بلاد الشام وآسيا الصغرى بحيث شغل ذلك جانبًا كبيرًا من اهتمام معظم الأطراف السياسية في المنطقة، فقد غدت إمارة شيزر – على ضفاف نهر العاصي في قلب بلاد الشام عمومًا وسوريا خصوصًا – في ظل بني منقذ واحدة من أهم مراكز العلوم والآداب في قلب بلاد الشام في تلك الفترة المفعمة بالإضرابات السياسية والعسكرية ومن ثم عدم الاستقرار بخلاف ما تقتضيه ظروف الاهتمام بالعلوم والآداب بشكل عام من استقرار ورخاء.
وقد اهتم أمراء بني منقذ بالعلوم والآداب وبرعوا في ذلك براعة لا نظير لها وبخاصة في مجالات الأدب بعامة والشعر بخاصة، وقد ازدهرت الحركة العلمية والأدبية في ظل بني منقذ لأكثر من عامل منها ظروف العصر السياسية التي جعلت من شيزر ملجأ آمن للعلماء الذين هجروا قراهم ومدنهم أمام زحف الصليبيين على بلاد الشام واستيلائهم على المدن والقلاع المحيطة بشيزر التي انتقلوا إليها واستقروا بها، علاوة على تشجيع الأمراء للعلماء والأدباء وتهيئة الظروف الملائمة للاهتمام بالعلوم والآداب، وإسباغهم عليهم بالأموال والهبات والعطايا، واهتمام بعض الأمراء أنفسهم ببعض المظاهر العلمية والأدبية، وفي مقدمتهم الأمير سديد الملك علي بن مقلد الكفرطابي والأمير مرشد بن منقذ بن علي، وأسامة بن مرشد بن منقذ، وابنه مرهف بن أسامة، ومرهف بن مرهف وغيرهم من بني منقذ. ناهيك عن وجود بعض مراكز العلوم والآداب في شيزر وعلى رأسها المسجد الجامع في المدينة، وتوافر الكتب والمكتبات وبخاصة المكتبات الخاصة، وما إلى ذلك من عوامل أخرى هيأت الظروف أمام العلوم والآداب إلى الازدهار في شيزر.
ويتصدى المقال لمعالجة دور بني منقذ في نسخ الكتب من خلال التعرض لاهتمام أمراء بني منقذ بنسخ الكتب سواء العلمية أم الأدبية علاوة على نسخ القرآن وتذهيب رؤوس السور والآيات والأجزاء، وقد اهتم بعض أمراء بني منقذ بظاهرة نسخ الكتب كأحد مظاهر اهتمامهم بالحياة العلمية والأدبية، وسوف يركز عليها الباحث بوصفها مظهرًا من مظاهر الحركة العلمية لدى أفراد الأسرة سواء داخل أسوار شيزر أم خارجها، وسواء حدث ذلك خلال إمرتهم لشيزر أم خلال فترات زمنية لاحقة لفترة إمرتهم لها. ولا أقصد من وراء ذلك ترجيح انتهاج أمراء بني منقذ لحرفة نسخ الكتب لأجل التكسب والتعيش وإنما بوصفها هواية أفادت ميولهم العلمية والأدبية، بيد أنهم أصلوها بدراستهم للخط وإجادتهم له.
وقد حفلت متون المصادر بإشارات كثيرة أشاد خلالها الذين ترجموا لهم بحسن خطهم وبراعتهم فيه، وأن أغلبهم كان يقوم بسطر مؤلفاتهم بأيديهم بخط حسن على ما أشار الأصفهاني والسمعاني وابن العديم وغيرهم، وقد اهتم بعض الأمراء بدراسة الخط وتحسينه بحيث اشتملت دروس تأديب أمراء بني منقذ وتعليمهم في حلقة الشيخ محمد بن طاهر الداني الطليطلي (ت:519هـ) متولي دار العلم في طرابلس على عهد بني عمار على تعليم الخط الذي كان أحد فروع تأديب صغار الأمراء آنذاك. وللغرض ذاته استضاف بنو منقذ يانس الناسخ الذي اشتهر بطريقته الحسنة في الخط، وظل مقيمًا في كنف بني منقذ وخدم الأمير مرشد بن منقذ بصفة خاصة ونسخ له ختمات عدة للقرآن الكريم. بيد أنه رحل إلى مصر فيما بعد واستُخدم في خزانة الكتب الأفضلية في ظل الفاطميين، وهناك أشاد بعض المؤرخين اللاحقين على غرار المقريزي ببراعته في الخط، وقُرن خطه بخطوط أخرى مشهورة لإبن البواب وراشد ومهلهل والحاكم البغدادي وغيرهم من مشاهير النساخ آنذاك. وهذا يعني أن خدمة يانس الناسخ للأمير مرشد بن منقذ كانت أحد أسرار براعة الأخير في النسخ، ومن المرجح أن قيام يانس الناسخ بتعليم أبناء الأمير مرشد وغيرهم على ما جرت به العادة آنذاك من استخدام المعلم في تعليم أبناء الأسرة الواحدة وتأديبهم، كما استخدم أسامة بن منقذ غنايم المعري الناسخ وكان مما نسخه له بخط يده كتاب “لباب الآداب” الذي انتهى من نسخه في صفر 579هـ.
وقد امتد نسخ الأمراء إلى المصحف الشريف وعلوم القرآن وتفسيره بجانب المجموعات الشعرية والملخصات والمُذيلات والحوليات التاريخية. ولا ينبغي التقليل من أهمية نسخ المصحف في تلك الحقبة، إذ عُد ناسخو المصحف من ذوى الفنون الجميلة آنذاك، وذاع صيت بعض من امتهنوا حرفة النسخ بين رعايا بني منقذ مثل غنائم المعري الذي نسخ عدة كتب لصالح بعض أمراء الأسرة. أما الأمير مرشد وابنه أسامة ناهيك عن مرهف بن أسامة وعلي بن مرشد ومنقذ بن مرشد وغيرهم فقد برعوا فيها جميعًا، وقد أبدى الإمام السمعاني اندهاشه من رؤيته لأحد المصاحف التي نسخها مرشد بن منقذ بخطه “…ورأيت مُصحفًا بخطه كتبه بماء الذهب على الطاق الصوري ما أظن الأعين رأت أحسن منه…”، وأضاف ياقوت الحموي “…ما رأيت ولا أظن أن الرائين رأوا مثله، فقد جمع إلى فضائله حُسن الخط…”.
ولم يُخفِ أسامة بن منقذ فضوله حينما سأل والده عن عدد الختمات التي نسخها “…وكان يكتب خطًا مليحًا (أي الأمير مرشد بن منقذ)…فلما حضرته الوفاة قال: في ذلك الصندوق مساطر، كتبتُ على كل مسطرة ختمة، ضعوها (يعنى المساطر) تحت خدي في القبر فعددناها، فكانت ثلاثاً وأربعين مسطرة، فكان كتب بعدتها ختمات، منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب…وكتب ختمة أخرى بالذهب مجردة من التفسير…”.
ولم يقتصر اهتمام الأمير مرشد على نسخ القرآن وقراءاته وإنما نسخ أيضًا بعض كتب التفسير، فكتب ختمة كبيرة “…كتبها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن، قراءاته، وغريبه، وعربته، وناسخه ومنسوخه، وتفسيره، وسبب نزوله وفقهه، بالحبر والحمرة والزرقة، وترجمة بالتفسير الكبير…”.
وأشار ابن عساكر إلى نسخ الأمير مرشد بن منقذ ما يقرب من 70 ختمة للقرآن بخطه المليح، وأنه كان ينسخ مُصحفًا وهو يتذاكر مع أبنائه مهاجمة البيزنطيين لشمال الشام عام 531هـ/1137م فرفع المصحف ودعا الله أن يقبض روحه قبل مهاجمتهم شيزر. وقد تُوفي قبل مهاجمة البيزنطيين لشيزر532هـ/1138م، كما نسخ الأمير مرشد بعض أشعار أهل عصره ودونها بخطه الذي تغنى به بعض الشعراء، من ذلك قول الحصفكي:
ألم ترَ أن المزن فاضت فنولت رباب وأروى منه حلي الكواعب
بأبيات نظم أفحمت كل شاعر وآيات نثر أعجمت كــل خاطـــــــــب
وغر معان أعجزت كل عالم وأسطر خط أرعشت كـــــل كاتـــــــــــب

كما حصل ابن العديم أيضًا على مجموع آخر نسبه إلى أهل شيزر عامة ولم يحدد كاتبه، وهو على الرغم من ذلك يُعد تأكيدًا لسيادة الاهتمام بعملية النسخ على وجه العموم. ونقل ابن العديم بعض تراجمه في بغية الطلب عن مجموع شعري بخط أحد أبناء أسامة بن منقذ وقد رجح نسبته إلى الأمير مرهف الذي خلف أباه أسامة في الاهتمام بالآداب، وهو مجموع فيه شعر لشعراء من معرة النعمان. واهتم أمراء آخرون بنسخ الكتب التي تخدم اتجاهاتهم العلمية والأدبية، بحيث ارتبط معظم ما نقله ابن العديم عن خط الأمير أسامة بن منقذ باهتماماته الأدبية والتاريخية، ويرجح قيام أسامة بن منقذ بنسخ بعض كتبه بخطه؛ إذ قدم ابن العديم إشارة صريحة تتحدث عن نقله عن كتاب يُسمى “أزهار الأنهار” بخط أسامة بن منقذ، على حين أورد الأصفهاني رسالة للقاضي الفاضل موجهة إلى أسامة بن منقذ ذكر فيها وقوفه على كُتب بخط أسامة أو ابنه مرهف في حلب، وأكد الصفدي رؤيته نسختين من “ديوان أسامة” بخط يده وأنه نقل عن إحداها، ولا غرو في أن وجود نسختين بخط يد أسامة تُرجح بقوة نسخه مؤلفاته أو بعضها على الأقل بيده.
ونسخ علي بن مرشد صاحب الخط المليح بعض كتب الحديث الذي توفر على سماعه في بغداد، ونقل ابن العديم عن كتاب بخط علي بن مرشد يسمى “البداية والنهاية في التاريخ” وأشار جمال خطه الذي نقل عنه أكثر من 18 رواية، أما منقذ بن مرشد – وهو الابن الثالث للأمير مرشد – الذي شغف بدراسة التاريخ فإنه دون كتاباته بخطه الجميل واعتمد عليها ابن العديم في أكثر من موضع، وأقر له ابن عساكر بأنه “…سمع الحديث الكثير وكتب، وحصل من كتب الحديث قطعة صالحة”، وعليه فإنه يمكن ترجيح قيام أمراء بني منقذ نتيجة لحُسن خطهم وجماله ودراستهم للخط على يد نساخ مشهورين بنسخ مؤلفاتهم بأيديهم أو بعضها على الأقل سواء المؤلفات الدينية أم اللغوية والتاريخية وما سواها.
وقد جمع بعضهم إلى جانب النسخ بعض فنون الخط الأخرى كالتذهيب وتزيين المصاحف “…بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورءوس السور ورءوس الأجزاء…”، ناهيك عن براعتهم في فن التجليد. ولا ريب في أن نقل ابن العديم وغيره عن مؤلفات بخط بعض الأمراء بعد مرور أكثر من قرنين من ظهور تلك الأسرة على مسرح الأحداث وبعد مرور أكثر من قرن على انتهاء نفوذها السياسي ما يرجح أن أمراء بني منقذ قدموا أعمالاً قيّمة في مجال النسخ وظلت نسخهم متداولة في أيدي العلماء اللاحقين.

المصادر والمراجع:
أولًا : المصادر:
 ابن الأثير (ت:630هـ/1232م) علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري:
1- الكامل في التاريخ، عنى بمراجعة أصوله والتعليق عليه نخبة من العلماء، ط5، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ/1985م.
2- التاريخ الباهر في الدولة الاتابكية بالموصل، تحقيق: عبد القادر طليمات، القاهرة 1963م.
 أسامة بن منقذ الشيزري (ت: 584هـ/1185م):
3- الاعتبار، تحقيق: فيليب حتى، برنستون، 1930.
4- لباب الآداب، تحقيق: أحمد شاكر، القاهرة، 1354هـ/1935م.
5- ديوان أسامة، تحقيق: أحمد بدوى، وحامد عبد المجيد، المطبعة الأميرية، القاهرة 1953م.
6- العصا، تحقيق: عبد السلام هارون، في نوادر المخطوطات، وأخرى من تحقيق: حسن عباس، هيئة الكتاب، فرع الإسكندرية، ط2، 1981م.
7- المنازل والديار، تحقيق: مصطفي حجازي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1994م.
8- البديع في نقد الشعر، تحقيق: احمد بدوى وحامد عبد المجيد، القاهرة، 1960م.
9- مختصر سيرة ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، مكتبة دار الفكر العربي (د.ت).
 المقريزي: التاريخ المقفى الكبير، تحقيق: محمد اليعلاوى، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991م

ثانيا: المراجع
• أحمد قدري الكيلاني: أسامة بن منقذ، دمشق، 1997م.
• أحمد كمال ذكي: أسامة بن منقذ، القاهرة، 1968م.
• جرجس مخول: “شيزر وبنو منقذ، مجلة البحث التاريخي”، عدد 1، 1977م
• حسن عباس: أسامة بن منقذ، جزءان، الهيئة العامة للكتاب، الإسكندرية، 1981م.
• طاهر الغساني: أسامة بن منقذ، أو شيزر وأل منقذ، المكتبة الوطنية، حماة، د.ت.محمد عدنان قيطاز: أسامة بن منقذ، دمشق، 1998م.
• علي إبراهيم عبد الفتاح كيلاني: “الغربة في شعر أسامة بن منقذ”، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، جامعة مؤتة، الأردن، مجلد 8، عدد 2، ربيع ثان 1414هـ/ أيلول 1993م.
• فيليب حتى: “درس في حياة أسامة بن منقذ وكتاب الاعتبار”، مجلة المجمع العلمي العربي، مجلد10، 1930م.
• محمد أحمد حسين: أسامة بن منقذ؛ صفحة من تاريخ الحروب الصليبية، القاهرة، 1946م.
• محمد جاسم: إمارة بني منقذ العربية، بغداد، 1985م.
• محمد محمد مرسي الشيخ: الإمارات العربية في بلاد الشام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، الإسكندرية، 1980م.
• محمود عبد الله الجفال: أسامة بن منقذ، حياته وشعره، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة القاهرة.
• يعقوب صروف:
1- “كتاب لباب الآداب”، مجلة المقتطف، جـ12، مجلد32، ديسمبر، 1907م، شوال 1325هـ.
2- “نوادر من لباب الآداب”، مجلة المقتطف، جـ6، مجلد33،يونيه 1908، جماد أول، 1326هـ.

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

أهمية معركة الغوطة الشرقية والسيناريوهات المُحتملة

بقلم: نسرين عبود* — عادت الغوطة الشرقية لتكتسب أهمية على شاشات الإعلام الغربي والعربي، فكثرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *