الرئيسية / دراسات / الشرق الأوسط الجديد والأهداف الأميركية – الإسرائيلية

الشرق الأوسط الجديد والأهداف الأميركية – الإسرائيلية

بقلم: د. محمود محمد خلف * — يرى بعض الباحثين المعاصرين أن الواقع الذي نعيشه هو امتداد للماضي بتفاعلاته وتعقيداته، وأن التفاعلات الدولية التي تشكل جزءاً من الظاهرة السياسية ترتبط ارتباطًا لا يمكن تجاهله بالماضي وترسباته. فالمشكلات والقضايا السياسية التي نشهدها في الوقت الحالي هي نتاج لتراكمات تاريخية، ومن ثم يصبح لزامًا استدعاء الماضي أو الرجوع إليه لتفهم وتحليل أي ظاهرة سياسية واستيعاب أبعادها.

  بل إن البعض يذهب في تأييده لتبني هذا المنهج التاريخي إلى حد الربط بين علم العلاقات الدولية كعلم تحليلي وبين تاريخ العلاقات الدولية كعلم يرتبط بدراسة التاريخ القديم والمعاصر، إلا أني رغم الإقرار بأهمية التاريخ بدراسة الظواهر السياسية، فإني بالطبع لا أميل إلى الربط بينهما لدرجة التوحد، حيث أن مهمة التاريخ تنحصر في وصف أو تطور الظاهرة السياسية، بينما تنصب مهمة التحليل السياسي على تفسير هذه الظاهرة والتنبؤ بمجرياتها.

   ولبيان أهمية المنهج أو المدخل التاريخي يكفي الإشارة إلى أن ما يشهده العالم من توتر وخاصة منطقتنا العربية هو نتاج لمحاولة تخليق كيان يستند على أسطورة تاريخية، وهي أسطورة أرض الميعاد التي قامت عليها فكرة المشروع الصهيوني المبني على محاولة استحضار الماضي لاستملاك الحاضر تحت زعم ما يسمى بالتواصل التاريخي لما يسمى بالشعب اليهودي على أرض فلسطين([1]).

     ومن ثم يصبح المدخل التاريخي هذا من أهم المناهج التي يجب وضعها في الاعتبار عند التعرض للصراع العربي – الإسرائيلي خاصة وأن الطرف الصهيوني يعمد إلى تزييف حقائق التاريخ بغرض تغيير الواقع الجغرافي.

   إلا أن من المهم ـــ بل يجب على الباحث ــ حينما يسلك هذا المنهج ألا يوظف التاريخ توظيفًا خاطئًا بغرض فرض وجهة نظره. فالتاريخ سلسلة من الحلقات ويحمل عدة جوانب، فلا يجب تجاهل الجانب الذي لا يخدم فرضية الباحث والاكتفاء بالجانب الذي يؤيده، بل يجب تحليل كل الجوانب حتى يتسم البحث بالموضوعية والواقعية، هذا مع ضرورة الأخذ في الاعتبار الطبيعة الديناميكية والحيوية للظواهر السياسية والتي قد لا تتوقف على ثوابت التاريخ.

   ومن هذا المنطلق، ولفهم الواقع لا بد من الرجوع قليلًا إلى الماضي كي نفهم طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ومن ثم أستطيع تفسير هذه المصطلحات وفقًا للمفهوم التاريخي والواقع السياسي.

أولًا: الأهداف والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط:

      قبل الحديث عن الأهداف والعلاقات المشتركة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وأهدافهما في منطقة الشرق العربي، يحسن بي المقام أن أُلقي الضوء سريعًا على أمرين مهمين، كان لهما أكبر الأثر في تغيير مجريات الأحداث في المنطقة، أولهما: اتفاقية سايكس بيكو 1916م؛ تلك الاتفاقية السرية التي وقعت بين فرنسا وبريطانيا، ثم عرضت على روسيا للموافقة عليها، ووقعت خلال الحرب العالمية الأولى 1914م؛ وسميت بهذا الاسم نسبة إلى سايكس مندوب وزارة الخارجية البريطاني، وبيكو مندوب وزارة خارجية فرنسا. وظلت هذه الاتفاقية سرية حتى أوائل سنة 1918م حيث كُشف عن مضمون هذه الاتفاقية من قِبل البلاشفة حكام روسيا الجدد. ولكن بريطانيا أنكرت ذلك وادعت أنها دعاية شيوعية.

أما الهدف من عقد هذه الاتفاقية، فكان البحث والاتفاق على تقسيم أملاك الدولة العثمانية بين دول الحلفاء فرنسا، بريطانيا، وروسيا. ثانيهما: وعد بلفور؛ وهو وعد وتصريح تاريخي من قِبل وزير خارجية بريطانيا ( بلفور) عام 1917م بالنيابة عن الحكومة البريطانية، التي وعدت بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مستقبلًا والعمل على حل ضائقتهم السياسية والتاريخية، ولكن بشرط عدم المس بالحقوق الدينية والمدنية للطوائف غير اليهودية، وكذلك عدم المس بالحقوق الدينية والمدنية والسياسية للجاليات اليهودية في دول العالم.

     بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وخروج الحلفاء منتصرين بفضل الحليف القوي الذي ظهر على مجريات الأحداث والذي استطاع أن ينهي المعركة لصالحة، أعني بذلك الولايات المتحدة الأميركية، بدأ القادة الإسرائيليون يفكرون بقوة في التحول من جانب بريطانيا التي صار في المركز الثاني إلى العملاق الجديد، ألا وهو الولايات المتحدة الأميركية، ثم سرعان ما ظهرت  المصالح المشتركة بين الطرفين.

      إن توضيح الأهداف والمصالح الأميركية في الشرق العربي هو خطوة أساسية وأولية لفهم العلاقة القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، فلأميركا مصالح مهمة في الشرق العربي، كما أن لها ارتباطات تاريخية وعلاقات دينية وتبشيرية سبقت قيام الدولة الإسرائيلية والعطف الهائل بل الدعم الأميركي الكامل لهذه الدولة.

    إن إطار السياسة الأميركية على الصعيد العالمي يحدده هدفان رئيسيان وهما سياسة الحصر للمد الشيوعي وسياسة الحفاظ على الاستقرار، وهذا الهدفان بدورهما يحددان النغمة والوسيلة التي تتبعها أميركا في سياساتها مع بلدان ومناطق العالم. أما على صعيد الشرق العربي فالأهداف الأميركية تبدوا أكثر وضوحًا وإن كانت الوسائل في كثير من الأحيان يشوبها بعض الغموض والتضارب. وأول هذه المصالح يتعلق بأهمية منطقة الشرق العربي الاستراتيجية، ولاعتبار هذه المنطقة من وجهة النظر الأميركية مهمة للدفاع عن المصالح الغربية عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، بالإضافة إلى مركزها المتوسط بين قارات العالم القديم، آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتسيطر هذه المنطقة على جزء كبير من شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي، بالإضافة إلى قناة السويس ووجود البترول بكميات هائلة في هذه المنطقة، فالبترول العربي هو المصدر الرئيس للطاقة الصناعية في أوروبا الغربية التي تستورد ستين بالمائة من بترولها من منطقة الشرق العربي. ويمكن أن أضيف إلى ذلك، هدفًا رابعًا وهو الدعم الأميركي الكامل للكيان الإسرائيلي والمحافظة على استقلال هذه الدولة التي ينظر إليها كثير من أبناء الشعب الأميركي بعين العطف وعلى أنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تعتمد الديمقراطية كأساس في الحكم. وقد اتخذ الدعم الأميركي لهذا الكيان منذ قيامه صور وأشكال عدة كالدعم السياسي والاقتصادي والعسكري([2]).

   ويمكن أن نخلص إلى أن الدعم الأميركي يهدف بالواقع إلى سيطرة أميركا على العالم العربي؛ فإسرائيل تقوم بدورها كأداة في خدمة أهداف السيطرة الأميركية على العالم العربي، أي أن إسرائيل تقوم بدور الحارس وتعمل كمخفر متقدم للمصالح الأميركية.

   ومن أجل تحقيق هذه الأغراض(الأهداف)، فإن السياسة الأميركية في الشرق العربي تقوم على الادعاء برغبتها في تشجيع تطور أنظمة دول هذه المنطقة نحو الديمقراطية وتحقيق الحرية السياسية ونظام الاقتصاد الحر داخليًا. ويبدو من الواضح أن هذا الهدف ـــ أيضًا ـــ كالأهداف الأخرى لا يسعى إلى تحقيق الديمقراطية ونظام الاقتصاد الحر بقدر ما يسعى نحو تحقيق أنظمة تكون أكثر مراعاة، لا بل موالاة وتفاهمًا مع النظام الأميركي نفسه.

ثانيًا: وسائل السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط:

  ترتكز السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق العربي على اعتبارات مهمة عدة؛ منها: استعراض القوة العسكرية؛ فوجود الأسطول السادس الأميركي في مياه البحر المتوسط والذي يحقق أهدافاً عدة في آن واحد. فبالإضافة إلى كونه امتدادًا لحلف شمال الأطلسي فهو حاجز أمام الاتحاد السوفيتي وكل من يعارض سياسة أميركا في المنطقة.

   وثمة وسيلة أخرى اعتمدتها السياسة الأميركية هي هيئة الأمم المتحدة، وهذه وسيلة مثالية بالنسبة لأميركا إذ أنها بنفوذها ورصيدها الضخم في هذه الهيئة تتمكن من إقرار السياسة التي تشاءها دون أن تظهر هي على السطح. ويمكن أن يضاف إلى ذلك، أن أميركا قد تستخدم الضغط المباشر على بعض دول المنطقة أو مناصرة بعض الدول في المنطقة دون غيرها، واستعمالها هذه الوسيلة لإحداث انقسام في سياسة موحدة تكون هذه الدول قد اعتمدتها. وما نراه حاليًا من سياسة أميركا مع بعض الدول العربية من الشواهد هو الدليل الكافي لاعتمادها هذا النوع من السياسة([3]).

          ومن أجل فرض مزيد من السيطرة على منطقة الشرق العربي، فقد اتخذت الولايات المتحدة الأميركية من خلال نفوذها في الأمم المتحدة ووسائل الإعلام المختلفة عدة مصطلحات ، كثيرًا ما تترد في وسائل الإعلام المختلفة، من أمثال : الشرق الأوسط الجديد ، والشراكة الأوسطية ، والعولمة؛ وكلها مصطلحات قد وضعت في الأساس لخدمة المصالح الأميركية / الإسرائيلية، ولا بأس أن أُلقي بعض الضوء على هذه المصطلحات، وأثرها على المنطقة العربية.

أ‌- العولمة:
       ولنبدأ بأهم وأخطر هذه المصطلحات بل وأقدمها ظهورًا ، وهو العولمة.

     إن كثير من المفكرين الغربيين من أمثال هانس بيتر مارتين وهارالد شومان ذوي الاتجاه الليبيرالي قد أكدوا أن العولمة ما هي إلا نتيجة حتمية خلقتها سياسات معينة بوعي وإرادة الحكومات والبرلمانات التي وقعت على القوانين التي طبقت السياسات الليبرالية الجديدة وألغت الحدود والحواجز أمَام حركات تنقل السلع ورؤوس الأموال وسحبت المكاسب التي حققها العمال والطبقة الوسطى وانتهاءً بالتوقيع على اتفاقية منظمة التجارة العالمية المعروف باسم” الغات”.

ومع تسارع عمليات العولمة سوف تسقط مصطلحات شغلت مساحة الفكر والعمل كثيرًا مثل العالم الثالث والتحرر والتقدم والتنمية الاقتصادية مع تجاهل خطير لمشكلات البلاد النامية وخاصة القارة الأفريقية، وذلك استنادًا إلى أن نموذج الحضارة الذي ابتكره الغرب صالح لبناء مستقبل لمجتمعات قادرة على النمو والانسجام مع البيئة وتحقيق التوزيع العادل للثروة في ضوء الحضارة التي أفرزتها الاتجاهات الحديثة الليبرالية في سعيها لتحرير الأسواق المالية، بعيدًا عن سيطرة سلطة المؤسسات النقدية المحلية في ضوء القوانين والسياسات التي شجعتها وأقرتها حكومات الدول الصناعية الكبرى تبعًا لرؤيتهم بأن الديمقراطية تتطلب السوق كما أن السوق تتطلب الديموقراطية.

   وتبعًا لهذه التوجهات التي تحملها الليبرالية الجديدة ورؤيتها بأن الديمقراطية الأميركية هي النهج الصحيح للتغير في اتجاه العولمة، وذلك من خلال برنامج كامل وضع من أجل السيطرة الأميركية وجعل سياسة الاحتواء من قِبل أميركا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ولا ينام حكامها، وقد استمرت سياسة الاحتواء هذه بعد سقوط الشيوعية حيث استخدمتها أميركا خلال حرب الخليج([4]).

     وهكذا يتضح لنا أن العولمة كمرداف لمفهوم الأمركة أو القطبية قد ترتبت عليها سعي الولايات المتحدة الأميركية اعتمادًا على العولمة كأداة أيديولوجية جديدة تساند الإمبريالية في نشر نظم الحكم الديمقراطية بمؤسساتها التعددية في دول العالم النامي( الثالث) مستفيدة في ذلك من عدم وجود منافس ومن امتلاكها القوة والسيطرة سعيًا في نشر مبادئ الدولة عبر الكونية الجديدة وإقامة مؤسسات ديمقراطية تعددية وأملًا في تحقيق الأمة الكونية والديمقراطية الكونية.

   ويمكن القول إنه بالرغم من فشل هذه السياسيات أحيانًا كما حدث في الصومال ونجاحها أحيانًا أخرى كما حدث في حرب الخليج، إلا أنه قد ترتب على هذه السياسات الجديدة تغييرات طارئة على مفهوم السيادة للدولة القومية ثم شرعية ممارسة السلطة وبناءاتها الراعية في علاقتها من خلال مؤسسات المجتمع المدني القائمة بداخلها مثل الأحزاب، ونقابات واتحادات مهنية وجمعيات أهلية ومتطلبات الدفاع ومناصرة الحقوق([5]).

ولم يقف الأمر عند حد تعطيل مؤسسات الدولة في ظل السياسات الليبرالية الجديدة التي تفرضها نظرية العولمة في جانبها السياسي على التنظيمات والمؤسسات السياسية القائمة في واقع دول العالم الثالث(النامي)، بل فرض على هذه المؤسسات ضرورة إعادة بناء وهيكلة بناءاتها سياسيًا واقتصاديًا من خلال برامج إصلاح تلتزم مؤسسات الدولة حيالها بالتنفيذ، وليس لها أية قرارات سيادية تجاهها سوى الالتزام بتطبيق قواعد مؤسستي صندوق النقد والبنك الدولي، وهما مؤسستان جديدتان تم إنشاؤهما في ظل النظام العالمي الجديد.

يهدف البنك الدولي للإنشاء والتعمير إلى تمويل عمليات تعمير الدول التي مزقتها الحروب وتعزيز النمو الاقتصادي في الدول النامية، على أن يكون لصندوق النقد دور رقابي مكثف يُمَكنّه من رصد السياسات المتعلقة ليس لأسعار الصرف لدى الدول الأعضاء فحسب، بل يمكنه رصد السياسة الاقتصادية الداخلية التي تؤثر على أسعار الصرف في دول العالم الثالث( ومنها دول الوطن العربي).

ويترتب على ذلك أن تصبح نظم الحكم القائمة في واقع هذه الدول في ظل هذه السياسات الليبرالية والعالمية مطالبة بأن تعيد هيكلة بناءاتها السياسية والاقتصادية بغض النظر عن معتقداتها ومنطلقاتها الايدلوجية التي تتعارض في جوهرها مع إمكانية تحقيق سياسات تنافسية وتطبيق مضمون المد الديموقراطي أو في توفير مناخ الحرية الذي يضمن للتعدد الاستمرار في الوجود.

أ‌- الشرق الأوسط الجديد:
فإذا انتقلتُ إلى مصطلح الشرق الأوسط الجديد ، فإننا نجد الرئيس الأميركي جورج بوش( الإبن)، ووزيرة خارجيته كوندوليسا رايس، هما أول مَن استخدم هذا المصطلح في خضم حرب الإبادة، والتدمير، وسياسة الأرض المحروقة الأميركية، والإسرائيلية على لبنان في حرب تموز يوليو 2006م. وهو مصطلح صهيوني- استعماري النشأة، والأصل، والتخطيط، لخدمة أهداف الصهيونية، والإمبريالية الأميركية، وجاء من أوروبا، والولايات المتحدة، فهو خارجي، وغريب عن المنطقة، ويخدم مصالح القوى التي وضعته على حساب مصالح، وأهداف شعوب المنطقة، ويقضي على تحقيق الوحدة العربية، ويهدف إلى تغيير هوية المنطقة العربية الإسلامية، ونهب ثرواتها، ومحاربة العروبة، والإسلام، وتصفية قضية فلسطين، وتفتيت الدول العربية والإسلامية على أُسس طائفية، ومذهبية، وعرقية، ومحاولة تدمير أكبر ثلاثة جيوش عربية في سورية، ومصر، والعراق، وإعادة تركيب المنطقة لإقامة إسرائيل العظمى الاقتصادية من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.

ب‌- الشراكة الأوسطية:
      أما آخر هذه المصطلحات وهو الشراكة الأوسطية، فهو عبارة عن مبادرة الشراكة الأميركية الشرق أوسطية المعروف باسم” ميبي” تقع في مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية. تقدم مبادرة الشراكة الأميركية الشرق أوسطية تمويلاً لدعم الجهود الرامية إلى توسيع مشاركة سياسية، وتعزيز المجتمع المدني وسلطة القانون، وتمكين النساء والشباب، وتطوير فرص اقتصادية وتعليمية، والتشجع على الإصلاحات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويقع مكتب “ميبي” في القنصلية الأميركية العامة في القدس المحتلة، ومن أبرز مهامه أن يراقب كل البرامج التي تقام في الضفة الغربية والقدس وغزة، بما في ذلك المنح التي تدار من واشنطن والمنح المحلية وبرامج التبادل الثقافي.

   إن الباحث في التاريخ يستطيع أن يلحظ بوضوح أنه مع بداية تسعينات القرن الماضي بدأت آثار هبوب رياح التغير واضحة على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في العالم الثالث خصوصًا في وقت الأزمات التي تدخل فيها هذه الدولة في صراعات مع الولايات المتحدة(دولة العالمية). ويتضح ذلك بانتهاك سياسة الدولة وشرعية مؤسساتها وقدرتها على سياساتها الاقتصادية والاجتماعية في العراق بعد حرب الخليج في ضوء سياسة العولمة والنظام العالمي الجديد، فقد قيدت حركة مؤسسات الدولة السيادية في سيطرتها على أراضيها ووضعت القيود من خلال التدخل العسكري على حركتها سياسيًا واقتصاديًا، ثم تم تقسيمها إلى مناطق حظر شمال وجنوب بهدف أضعاف سيادتها ووضعها تحت المراقبة العسكرية من قِبل الطائرات الأميركية.

خلاصة

     إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تواجه الأمة العربية تلك التحديات العظمى في ظل العجز الذي نعانيه؟!

     وهذا السؤال ـــ في الحقيقة ــ من أصعب الأسئلة التي تواجه الباحث في حقل الدراسات التاريخية والمعرفية، لكن لا بد من بناء مشروع حضاري عربي يكون نقطة التركيز في الحوار الذي ينشأ بين دول وشعوب المنطقة العربية، ويقوم على بساطة السياسات المترابطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والإعلامية والأمنية التي ينبغي أن تصاغ بشكل منهجي منسق، وبناء قاعدة حديثة من البيانات والمعلومات الموثقة لإعداد جيل مثقف واعي يستطيع مواجهة التحديات العالمية([6]).

    إن العالم المعاصر بحكم تعمق الثورة العلمية والتكنولوجية من ناحية، وانهيار الشيوعية من ناحية أخرى، وأزمة الدول القومية من ناحية ثالثة، وظهور التكتلات الإقليمية الكبرى، في ظل ثورة اتصالات كونية لا سابقة لها في التاريخ البشري، وقضية السيادة الوطنية على اتخاذ القرار في ظل عالم كوني متداخل، تزداد فيه ضغوط الدول العظمى، والهيئات الدولية كالبنك الدولي والشركات المتعددة الجنسيات. كما أن لدينا مشكلة إدارة العلاقات مع الكتل الإقليمية الكبرى في العالم وكيفية تحييد الآثار السلبية لسياستها على الاقتصاد القومي. كل هذه القضايا (التحديات) وغيرها، تحتم علينًا أن نقف صفًا واحدًا أمام كل هذه الأخطار وإلا ستكون العاقبة وخيمة والأخطار جسيمة.

([1])  د. جمال سلامة علي: السياسة بين الأمم، النظرية السياسية وقضايا الفكر السياسي، دار النهضة العربية، القاهرة، (ب ــ ت)، ص 58.

([2])  د. كامل أبو جابر: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م، ص 15 وما بعدها.

([3])  د. كامل أبو جابر: نفس المرجع، ص 21 وما بعدها.

([4]) د. جمال محمد أبو شنب( وآخرين): الاجتماع السياسي، النشأة والتطور، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2003م، ص182 وما بعدها.

([5])  د. جمال محمد أبو شنب( وآخرين): نفس المرجع، ص 194.

([6]) السيد يسين:  الكونية والأصولية وما بعد الحداثة، أسئلة القرن الحادي والعشرين، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1996م، ص 307.

   * عضو اتحاد المؤرخين العرب.

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

في البحث عن كنفوشيوس

بقلم: د. لبنى الأمين* — يجيبني كثيرون، ردّاً على قولي إنّني أدرسُ الفكر الكنفوشيوسيّ السياسيّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *