الرئيسية / مقالات / عندما نطق الجهاد الإسلامي بالألمانية

عندما نطق الجهاد الإسلامي بالألمانية

بقلم: أمين نصر* — قال الفيلسوف اليوناني أرسطو ذات مرة، بأن للشرق سحره الخاص في ابتلاع الرجال وسرقة أحلامهم. جملته بقيت راسخة في أذهان تلامذته ولا سيما الإسكندر الذي عرف لاحقاً بالمقدوني الكبير والذي تاه في أسرار وعجائب هذا العالم ]الشرقي[ الغريب والتي أوصلته الى أن يتطبع بطابع شرقي في ملابسه وطعامه وثقافته وصولاً الى زواجه.
بقي الشرق موضع تساؤل وحيرة للدول والامبراطوريات الغربية، ومع ازدهار عوالم المسيحية والإسلام والإحتكاك الحضاري بينها، بدأت مرحلة جدية في العصور الوسطى بعد الحروب الصليبية تحديداً لإكتشاف “الجوهرة الثمينة”. ومنذ القرن الخامس العشر ميلادي بدأت حركة جدية لفهم كل ما يدور في هذه البقعة من العالم على الصعيد الديني والثقافي واللغوي والفكري والإجتماعي، عرفت لاحقاً بمصطلح الإستشراق.
مع إشتداد هذه الحركة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتصاقها التصاقاً وثيقا بالنَهم الكولونيالي وصراع إمبراطوريات أوروبا الغربية، ولا سيما بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا، صراعات وصلت شرارتها الى السلطنة العثمانية، وكون تلك السلطنة هي مركز خلافة المسلمين، وقع هذا الدين فريسة الإستغلال السياسي ووظف في أمور ومسائل بعيدة كل البعد عن كونها دينية.
بعد العام 1871 توحدت ألمانيا وأصبحت أكبر دولة أوروبية من حيث القوة الصناعية والعسكرية والمساحة وعدد السكان. وكنتيجة، استعرت سياسة الأحلاف بين دول أوروبا، فألمانيا لم تكف عن محاولتها تبوأ زعامة العالم والوقوف بوجه القوتين الجبارتين، فرنسا وبريطانيا.
كانت ألمانيا على الرغم من معرفتها بعدم جدوى تحالفها مع السلطنة المتهالكة متحمسة على عكس جميع الدول الأوروبية وذلك لأسباب اقتصادية وسياسية، فكلا البلدين لديهما مصالح مشتركة. السلطنة العثمانية كانت بحاجة إلى توسعة “قطار الشرق السريع” والذي يربط القسطنطينية مروراً بباريس الى لندن وجعله يمتدد جنوباً نحو الأناضول وبغداد. وكان قد بدء العمل على سكة حديد بغداد عام 1903 وأجهض المشروع لاحقاً. وبذلك يعزز اتصال السلطنة بالدول الأوروبية الصناعية. المشروع الذي كان تحت رعاية وتمويل ألمانيين يعزز أيضاً فرص ألمانيا في الوصول الى الهند وأسواقها كما يسهل الإتصال بالمستعمرات الألمانية في شرق إفريقيا وبناء مرفأ تجاري عند الخليج الفارسي، أي بمعنى أوضح، إحداث خرق ألماني لممتلكات بريطانيا في الشرق.
قُدرت حجم المصالح الألمانية التجارية والاستثمارية داخل السلطنة بالضخمة، مما فرض عليها الوقوف إلى جانبها. بالنسبة للدولة العثمانية كانت حاجتها للإصلاح والتحديث السبب الرئيس بالتطلع إلى ألمانيا لتكون حليفتها والإستفادة منها في الميدان الإقتصادي والعسكري والتجاري. واعتبرت زيارة القيصر ويليام الثاني الاولى الى السلطنة في العام 1889 بداية عهد حلف ألماني -عثماني تعزز في الزيارة الثانية في العام 1899 بحيث شمل زيارة مناطق عدة جديدة فزار القدس و”دخلها في سلام عكس الفرنجة الذين دخلوها بالسيف” على حد تعبيره ونزل في بيروت قبل الإنتقال الى دمشق حيث زار قبر صلاح الدين، واصفاً اياه “بالمجاهد الباسل” ثم عاد للتخييم في هياكل قلعة بعلبك، وبدأ عامة الناس يطلقون عليه لقب “الحاج ويليام”.
كان الألمان مهتمين جداً بدراسة الثقافة الشرقية والعالم الإسلامي مما ساعد على نشر دراسات الإستشراق وبعثات التنقيب الأركيولوجية. إحدى نقاط ألمانيا القوية أنها كانت بلا ماضٍ استعماري في البلدان الاسلامية ولا تحكم أي بلد إسلامي بإستثناء مدينة زنجبار في شرق إفريقيا، فرأت في التقارب مع الدولة العثمانية سلاحاً فعالاً في صراعها مع بريطانيا وفرنسا. ولخدمة لهذا المشروع الإستعماري أسس في العام 1908 المعهد الكولونيالي “Kolonialinstitut”– جامعة هامبورغ حالياً- لتقديم المساعدات اللازمة للمستشرقين والنشاط الإستعماري الألماني تحت إشراف المستشرق كارل هاينريش بيكير، والذي أسس في العام 1910 مجلة تعنى بالشؤون الثقافية والتاريخية للشرق الأوسط اسماها الإسلام “Der Islam”.
في العام 1914 وقع الاتفاق العسكري بين ألمانيا والسلطنة العثمانية وأرسل ليمان فون ساندرس على رأس البعثة العسكرية الألمانية الى السلطنة العثمانية للإشراف على تدريب وتنظيم الجيش العثماني حيث بدا واضحاً التأثير الألماني على الجيش التركي.
عندما إستهلت العمليات الحربية في أوروبا بعد أزمة تموز يوليو، أسس في برلين “مكتب إستخبارات الشرق Nachrichtenstelle für den Orient” التابع لمكتب وزارة الخارجية الألمانية والذي كان هدفه نشر الفوضى والتحريض على الإنقلاب ضد البريطانيين ومستعمراتهم تحت إشراف المستشرق والأركيولوجي الداهية ماكس فون أوبنهايم والذي اكتشف في العام 1911 بقايا مدينة تل حلف في شمال سوريا. ولكونه صاحب خبرة طويلة في الإستشراق وبالعالم الإسلامي، قدم أوبنهايم نصيحته لوزارة الخارجية، إذ أدت دراسات أوبنهايم الى الوصول الى إستنتاجات عدة في فهم علاقة الدين بالسياسة والمجتمع، وكيف يمكن لأي موضوع ثقافي أو إجتماعي بسيط وبمجرد تغليفه بالغلاف الديني أن يكون لديه تأثير كبير بين الشعوب الناطقة بـ”الشهادتين”.

شدد أوبنهايم على ضرورة أن تعلن السلطنة الجهاد المقدس لتأجيج مشاعر المسلمين وتأليبهم ضد فرنسا وبريطانيا وروسيا، اعتبرت نصيحته النواة الأولى لإستغلال الإسلام وتوظيفه في خدمة السياسة واستغلال فكر الجهاد كأيديولوجيا سياسية. صبيحة الرابع عشر من نوفمبر تشرين الثاني 1914 وقف شيخ الإسلام مصطفى خيري أفندي في اسطنبول معلناً الجهاد لإسلامي ضد أعداء الإمة، روسيا وفرنسا وبريطانيا، فقد نفذت السلطنة ما طلب منها بالضبط.

كيف حصل ذلك؟
آمن أوبنهايم بتأثير الحملات الدعائية في تعبئة الشعوب الإسلامية ضد بريطانيا وفرنسا، فبدأ بترويج الشائعات عن إعتناق القيصر وليام الثاني للإسلام، وبأن فرنسا تخطط لنبش قبر الرسول(ص) وهدم الكعبة ونقل “الحجر الأسود” إلى اللوفر. وإستكمالاً للمشروع الجهادي الألماني، بُني في العام 1915 في ضاحية فونسدورف-زوسن، مسجد تابع لمعسكر اعتقال أطلق عليه معسكر نصف القمر Halbmondlager في دلالة واضحة على شعار الإسلام “الهلال” يشبه الى حد كبير قبة الصخرة في القدس. وقيل بأن هذا المسجد تم بناؤه من مال القيصر ويليام الثاني الخاص، كي يصلي فيه الأسرى المسلمون الذين عوملوا بإستحسان وإهتمام كبيرين لتشجيعهم على القتال الى جانبهم. وتولى الشيخ التونسي صالح الشريف مسؤولية النشاط الدعوي الإسلامي وتم إصدار صحيفة ناطقة باللغة العربية بعنوان برّاق هو “الجهاد”.
لم يكن الألمان الوحيدين الذين عملوا على بث الدعايات بل ساهم بعض علماء المسلمين أيضاً بنشر أحاديث تشير إلى أن هناك ملكاً قوياً سوف يدخل الإسلام وينصر المسلمين، فهو بالظاهر مسيحي لكن لديه رغبة جامحة في إدخال الإسلام الى قلب شعبه في الوقت المناسب فاعتُبر وليم الثاني هبة الله للشعوب الإسلامية.
إستخدمت ألمانيا الجهاد الإسلامي بطرق عدة ونشرتها في جميع الأمم الإسلامية يعاونها عليها مجموعة من الجواسيس والعسكريين، كان أهمها بعثة نيديرماير-هنتيغ الدبلوماسية الى كل من بلاد فارس وأفغانستان والهند بين عامي 1915-1916 والتي قادها ضباط ألمان وأتراك وأمراء هنود ،هدفت لتأجيج نفوس الشعوب الفارسية والأفغانية لإقامة انتفاضة شعبية ضد الإنكليز وطردهم من شبه الجزيرة الهندية. وقاد الحملة في بلاد فارس فيلهلم فاسموس والذي لقب “بلورنس بلاد الفرس” وعاونه على مقاومة الإحتلال البريطاني لبلاد فارس متمرد شيعي يدعى رئيسي علي دلفاري.
برغم كل هذا المجهود الفكري الإستشراقي والدعوي ومع جميع القلاقل والإضطرابات التي أحدثها النشاط الجهادي الألماني، الإ أنها فشلت بجميع أشكالها، وانتصر المشروع الإنكليزي التي كان عرابه “لورنس العرب”. ويُعتقد بأن سبب فشل الحملة كان في مراهنة ألمانيا على الحماس الديني لدى المُسلمين أكثر منه على وعودهم لهم بالإستقلال. وهذا ما اثبتت بريطانيا براعة فيه، فأغدقت المال والوعود بالإستقلال والحرية على الأمراء العرب للتخلص من الهيمنة العثمانية من دون صرف جل انتباهها الى العامل الديني الذي لم يكن لديه تأثير كبير بين العرب آنذاك مثل العامل القومي.
فككت الحرب الكونية الأولى التحالف الألماني/العثماني بل أدت الى إنهيار الإمبراطورية الألمانية بالكامل. أما السلطنة العثمانية فقد أصيبت “بكارثة” إلغاء الخلافة التاريخية للإسلام ودخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها كمال أتاتورك والعلمانية. أما الجهاد الإسلامي فلم يأفل نجمه بل إنتقل الى رقعة جديدة ومسرح أحداث جديد وإدارة جديدة كانت هذه المرة أميركية بحيث ظهر واضحاً إسلامية مصطلاحات مستشار الأمن القومي الأميركي زبغيو بريجينسكي عندما خطب في جموع المجاهدين الأفغان المحتشدة على حدود باكستان – افغانستان وأكد لهم بأن الله الى جانبهم ووعدهم بأن أرض الجهاد ملك لهم بجوامعها وأراضيها وسوف يعودون إلى الصلاة فيها كما في السابق.
الفرق بين “الجهاد الألماني” في السلطنة العثمانية و”الجهاد الأميركي” في أفغانستان بأن العالم الإسلامي لم يكن متحمساً للدين بقدر حماسه للقوميات في السابق، في حين أنه اليوم يعتبر “الجهاد” بكل أشكاله عابر للقوميات وحدود الدول محاولاً محوها، هذا الجهاد الذي كان مطلوباً يوماً ما أصبح اليوم يشكّل عبئاً ويحمل صفة الإرهاب وعدو الإنسانية.

*كاتب لبناني.

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

الوصايا العشر لحجاج بيت المقدس المسافرين بالطريق السينائي كما دوّنها رحالة يهودي

بقلم: د. مصطفى وجيه مصطفى* —   تركت رحلة حجاج بيت المقدس الأوروبيين المسافرين لمصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *