الرئيسية / دراسات / روسيا ومستقبل الأزمة السورية

روسيا ومستقبل الأزمة السورية

 بقلم: سفيان توفيق — أخفت ملامح الحيرة والإضطراب و التشوّش الوجه الروسي عن التواجد في ساحة الملعب العربية في ظل أزمات الربيع العربي المتلاحقة التي بدأت منذ عام 2011 في إطار ما سمي بالربيع العربي ، و إنما اكتفى الدب الروسي بالجلوس على منصة المراقبة ريثما تتضح الأمور له بشكل أكبر وتغدو محسومة ، وتغدو معها أيضا قادرة على اتخاذ قرارات صارمة وأن تتمكن بذلك من تحديد مواقفها بدقة . و قد لازمها هذا الموقف المضطرب في أزمة مصر ، اليمن ، وليبيا أيضا ، و اكتفت روسيا فقط بالمشاهدة و التشديد على أهمية أن تكون هنالك عمليات تغيير سلمي للسلطة في المناطق التي حصلت فيها ثورات ، وان موقعها من هذه الثورات وإزائها لن يكون إلا في صفحة النتائج ، فهي مع من يصل إلى السلطة في النهاية .

لكنها في سوريا الآن ، والشرارة قد وصلت إليها واستقرت فيها وعظمت ، وعلى خلاف غيرها من الثورات والحركات الاحتجاجية التي سبقتها والتي زامنتها ، فقد رأت روسيا أن موقفها وما حصل معها سابقا من تداعيات لمواقفها المضطربة ، والنتائج السلبية التي عادت عليها من جرّاء وقوفها موقف المراقب ، وعدم تدخلها ، خاصة في ليبيا التي ظهر الندم الروسي فيها إلى العلن جرّاء ما حصل فيها وما تكبدته روسيا من خسائر بسبب موقفها غير المحسوم فيها . كل ذلك ، أجبر الروس على الدخول إلى الأزمة السورية و انخراطهم فيها بقوة .

ففي 15 مارس 2011 ، علت أصوات الإحتجاجات الشعبية المطالبة بقمع الفساد وإزالة القمع العام وتحرير الحريات ، لتلقى هذه الإحتجاجات أثناء ذلك القمع بالرصاص من قبل قوات النظام ، مما دعا إلى إعلاء صوت هذه الاحتجاجات وانتشارها إلى مختلف المحافظات السورية . لكنه ، و بالمقابل فقد تصاعدت موجات النظام السوري القامعة لهذه الإحتجاجات بوحشية وعنف أكبر ، الأمر الذي ترتب عليه تحول هذه الإحتجاجات وتصاعد وتائرها حتى وصلت إلى مرحلة الصراع المسلح بين القوات المعارضة والنظام ، وتشكلت بالتالي عدة ميليشيات وفرق كان مصدرها الداخل والخارج ، وهي الآن كلها تقاتل في سوريا ، بعد أن حصلت هناك عمليات اخفاء للإحتجاجات التي ظهرت في البداية  ،وتم الإستعاضة عنها بهذه الفرق المسلحة التي تخدم مصالح الدول الكبرى في المنطقة والتي تسعى إن لم تكن إلى خراب الأرض السورية ، فهي تسعى إلى إزالة النظام القائم ممثلا بحكومة بشار الأسد وطائفته ،و ليقع الشعب السوري في النهاية وليكن هو الضحية الوحيدة لكل ما حصل وما يحصل بعد أن تحول الصراع إلى صدى صوت للأبواق الدينية فقط .

التفاعلات الروسية مع الأزمة السورية :

يبدو لنا الموقف الروسي والتفاعل الروسي مع الأزمة السورية موقفا متسما بالحزم والإرادة الكبرى على الحفاظ على الأرض السورية والنظام السوري طبقا لما يرتبط معها بمصالح كبرى عملت على هذا التفاعل الروسي الكبير في سوريا ، ويتضح لنا ذلك ب:

  • الموقف الوسط الذي تبنته روسيا في بداية الأزمة السورية كوسيط بين قوات المعارضة والنظام ، وهو ما استمر فترة قصيرة فقط .
  • ظهور التزام روسي واضح وحازم بضرورة المحافظة على نظام الأسد ودعمه ، سواء أكان الدعم سياسيا ، دبلوماسيا ، اقتصاديا ، أو عسكريا .
  • الدفاع الروسي عن النظام السوري ممثلا ببشار الأسد على المستوى الدولي ، والذي تمثل برفضها لقرارات الأمم المتحدة الصادرة عن مجلس الأمن التي تدين النظام السوري ،واستخدامها حق الفيتو وعدم السماح بتمريرها . فقد قامت كل من روسيا والصين مثلا بإفشال مشروعي قرار ، الأول في 4تشرين الأول2011 ، والثاني في 4شباط2012 باستخدامها حق النقض . لكنها وفي مقابل ذلك ، وافقت على القرار رقم 2042 بتاريخ 14نيسان2014 ، والذي نصّ على وقف إطلاق النار عبر بعثة من المراقبين غير المسلحين ، و أيضا القرار رقم 2043 المكمّل للقرار الأول رقم 2042، وكلاّ من القرارات رقم :,2118 ،2139،2156 وغيرها من القرارات التي تخدم المصلحة الروسية فقط في سوريا .[1]
  • وجود رفض روسي لأي تدخل دولي في سوريا ، وترى روسيا ذلك ما يعيدها ويقودها إلى إعادة السيناريو الليبي ، وما حصل فيه ، فضلا عن انتشار الدمار ، وذلك قد كان من وجود تصور روسي مفاده ان عمليات التدخل الدولي الداخلة تحت مسمى حقوق الإنسان والديمقراطية والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ، إنما كانت عبارة عن إطاحة واضحة لقوانين الأمم المتحدة .
  • وجود معارضة روسية واضحة لفرض أي عقوبات اقتصاديه غربية على سوريا .
  • أيّدت روسيا منذ البداية قلقها من حلول المجلس الانتقالي ووصوله إلى السلطة ، وتذرعت روسيا في رفضها له بأنّ هذا المجلس ما يزال غير قادر على النهوض بأعباء هذه الأزمة وقيادة سوريا نحو الإستقرار ، خاصة في ظل الجماعات الكثيرة من الإسلاميين الذين يقاتلون على الأرض السورية ، إضافة إلى أن هذا المجلس لا يضمن بالضرورة استمرارا للمصالح الروسية في المنطقة العربية .
  • وجود سعي روسي يعمل على القضاء على المعارضة ، لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن صرّح بأنّ المعركة التي تخوضها روسيا في سوريا هي للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ، وذلك عبر تصريحه : بأن ذلك هو الطريق الوحيد في الحرب على الإرهاب الدولي “. وترى روسيا أيضا حسب تصريح السفير الروسي في لبنان “الكسندر زاسيبكن “: أن روسيا تسعى إلى الوصول إلى تسوية سلمية في سوريا عن طريق الحوار الوطني ، وضرورة القضاء على الفوضى والمحافظة على الدول الوطنية.[2]
  • العمل على ردع التدخل الأمريكي او التحالف الدولي او القوات الإسرائيلية عن التدخل أو التواجد على الأراضي السورية ، وخاصة في المنطقة الساحلية التي كان فيها انتشار روسي عسكري مكثف بحرا ، برا ، وجوا .
  • نشر روسيا قوة عسكرية كبيرة تمارس عملها في الدفاع عن النظام والقضاء على المعارضة ومحاولة لإستعادة الأراضي السورية القابعة في أيدي المعارضة . ومن أبرز القوات الانسيابية الروسية (صواريخ كروز) البحرية ، والتي عملت على ضرب المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات المعارضة في محافظتي حلب وإدلب ، فضلا عن الطائرات المقاتلة من طراز “سو-30إس أم/فلانكر-سي” ، والمطاردات من طراز “سو-34فولباك ” ، إضافة الى المروحيات الهجومية من طراز “مي-24هايند” ودورها في حماية المهابط الجوية ، ومروحيات البحث والإنقاذ القتالية من طراز “مي-8/هيب” ، فضلا عن وجود طائرات بدون طيار ، وجامع استخبارات أيضا تابع لسلاح الاستخبارات “سيغيننت”من طراز “آي أل-22/كوت”.[3]

هذا إضافة الى القوات البرية من سلاح المشاة وناقلات الجنود والدبابات ، والقوات البحرية التي تشمل عددا من الوحدات البحرية العاملة على تعزيز الدفاع الجوي ، وتوفير الدعم في مجالي الاستخبارات والاتصالات .و وجود مركز عمليات مشترك بين إيران وروسيا وسوريا وحزب الله في دمشق ، ومركز استخبارات بين روسيا وإيران وسوريا والعراق في بغداد .[4]

وقد عملت هذه القوات بالتنسيق المشترك بين الدول السابقة على تقليص قوات المعارضة وتدمير مخازن أسلحتها ، وتحرير الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم ، ومنعهم من العودة إليها ، أو حتى تعزيز صفوفهم .

ومن ذلك ، أن بدأت الطائرات الحربية الروسية عملياتها ضد مواقع الإرهابيين في سوريا ، وأرسلت روسيا إلى سوريا أكثر من 50 طائرة ومروحية ، وبحسب إحصاءات مراكز الدراسات بأنه خلال الشهر الأول من الحملة البادئة في 30سبتمبر/أيلول 2015 ، نفذت الطائرات الروسية 1391 طلعة أسفرت عن تدمير 1623 موقعا تابعا للإرهابيين ، ومن بينها 249 مركز قيادة ، و 51 مركز تدريب ، و 35 مصنعا ، و 131 مستودعا للذخائر والوقود .[5]

أيضا وفي 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 ، كان هنالك أول مشاركة للسفن الحربية الروسية عملياتها في سوريا .[6]

  • تقديم روسيا أكثر من مشروع قرار للتصويت في مجلس الأمن ، منها مشروع القرار الخاص بالهدنة في حلب ، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى مختلف أنحاء سوريا ، وإحياء اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه روسيا والولايات المتحدة بسوريا في 9 سبتمبر/أيلول 2016 ، والذي ألغي بعد أسبوع من سريانه .[7]
  • إرسال قوافل المساعدات الإنسانية الروسية إلى سوريا .
  • المشاركة في محادثات جنيف ومفاوضات أستانة لتسوية الأزمة السورية .

 

المصالح الروسية في سوريا :

المصالح السياسية :

لم يلعب الروس لعبتهم في سوريا عن غير وعي منهم بمقدار ما تكن لهم سوريا ، وتعود عليهم بالمصلحة العليا ، مما يشكل لهم باب العودة إلى النفوذ ، وإلا لما انخرطوا في هذا النزاع الدائر منذ البداية ، هذا مع الفوائد الاقتصادية التي تجنيها روسيا من سوريا خاصة في وقت الأزمة ، وخاصة ايا من مبيعات الا السلاح الروسي ، إلا أن هنالك مجموعة من الأسباب والدوافع والمصالح الروسية لهذا التدخل العنيف في سوريا ، يمكن إيجازها بما يلي :

  • المياه الساخنة ، وهي عقدة الروس الأولى على مر التاريخ ، وهو الذي يتجلى في سوريا ، ويتمثل في ميناء طرطوس البحري ، والذي يعتبر آخر قاعدة لها في منطقة البحر الأبيض المتوسط ، والذي يضمن لها الوصول إلى المياه الدافئة .

وقد أنشئ هذا الميناء طبقا الاتفاقية عام 1971 بين البلدين . ويعتبر هذا الميناء بالنسبة لروسيا مرفقا استراتيجيا طويل الأمد ، ويقوم بأعمال الإمداد والصيانة للسفن الروسية ، وخدمة سلاح البحرية الروسية ، هذا مع عمليات التحديث والتوسيع التي وصلت بعد قيام الأسد بتحويل الميناء إلى قاعدة ثابتة للسفن الروسية النووية

  • يعتبر الموقف الروسي من أزمات الربيع العربي عموما ، وسوريا بشكل خاص ، عبارة عمن عمليات رد فعل على السلوك العسكري الأمريكي في المنطقة العربية . وقد ارتأت روسيا الدخول والتغلغل في هذه المنطقة ، لكونها تشكل قواعد النظام العالمي الجديد ، ووذلك حسب ما تقتضيه مساعي الدول الكبرى .
  • الرؤية الروسية المتنامية بوجود نوايا أمريكية ومساعي لتحجيم الدور الروسي وتقليصه في المنطقة ، وهو ما ترفضه روسيا بشكل قاطع ، وتنادي بالتوجه نحو عالم متعدد القطبية ، وهي أيضا بذلك تريد كسر مرحلة العزلة الدولية التي عاشتها من بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وهي أيضا تسعى بذلك إلى إضعاف العقوبات التي فرضت عليها من قبل الدول الغربية خاصة في أعقاب الحرب في أوكرانيا ، وذلك عن طريق توجهها نحو المنطقة العربية ، وهو ما ظهرت بوادره بشكل عام ومؤشراته واضحة ، خاصة بعد الزيارات المتعددة والمتكررة للرئيس الروسي فلاديمير بوتن إلى الدول العربية بشكل متكرر .
  • روسيا لا تريد أن تعيد تكرار السيناريو الليبي ، وهو ما أحست بعده بحجم الخسائر التي تكبدتها ، ومقدار التشوه الذي رافق صورتها لدى حلفائها في المنطقة .
  • تحدي الهيمنة الغربية على العالم ، وبالتالي كان موقعها في سوريا أيضا كردة فعل على ما حصل من استبعاد لها من المشاركة في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق .
  • الأمل الروسي الواضح بأن تدخلاتها في سوريا ، سيحمل النظام السوري ويجعله على أن يكون أكثر خضوعا للإرادة الروسية .
  • الخوف الروسي من وصول الإسلاميين المتشددين إلى السلطة ، وبالتالي تتم إثارة موجات الهواجس الداخلية لروسيا ومحيطها الإقليمي من ما يعتريه ويكتنفه من نزعات تحررية جهادية ، خاصة في ظل وجود عدة افتراضات بوجود مؤامرات أطلسية غربية تقف وراء ما يحدث من اضطراب في العالم العربي ، وبذلك سيتم التأثير حسب التصور الروسي على مستقبل آسيا الوسطى ، وخاصة في الدول الحليفة لها ، مثل : أذربيجان ، كازاخستان ، طاجكستان ، بيلاروسيا .[8]
  • تؤمن القيادة الروسية بأن معركتها في سوريا هي معركة وجود ، أكون أو لا أكون ، وبالتالي ترفض الإدارة الروسية الانصياع للمطالب الغربية بانسحابها من الأجواء السورية والتخلي عن النظام الأسدي ، إذ رأت في خسارتها لسوريا إجبار لها للعودة إلى ما وراء حدودها ، وتراجع نفوذها من الشرق الأوسط بشكل شبه كامل .[9]
  • أيقنت روسيا أن عدم تدخلها في المنطقة والمساهمة في الحفاظ على مصالحها بنفسها ، لن تتجاوز مصالح قرارها بذلك وفوائدها من أن تقوم بدورها وتضطلع بمهمة حماية مصالحها الخاصة بنفسها في المنطقة العربية .[10]
  • تحاول موسكو إيضاح أهدافها في المنطقة ، وبيان مقدار علاقات التعاون الراغبة فيها مع المنطقة العربية عبر إقامة علاقات اقتصادية و إستراتيجية وشراكات تهدف لتعزيز وجودها .

 

روسيا والقوى الكبرى في سوريا :

لا يزال التنافس والعداء الكامن موجودا بين كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية ، وخاصة على أرض المنطقة العربية ، وعلى الأرض السورية بوجه خاص في ظل الأزمة المعاصرة . حيث تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بمعارضة الوجود الأسدي في السلطة ، و دعم المعارضة ، ومحاولة فرض عقوبات اقتصادية على النظام ومحاولة استنزاف النظام وقدراته في الأزمة ، و أيضا إخراط روسيا و إنهاكها في سورية ورؤية الأزمة السورية عن أنها عبارة عن المستنقع الذي سيودي بحياة روسيا . هذا فضلا عن عدم الرغبة الأمريكية في الإنخراط في أي نزاع جديد في المنطقة العربية وغيرها .[11]

أما تركيا ، وهو ما نراه واضحا بشكل جلي بأن العداء على وتائر متصاعدة بينها وبين الروس ، خاصة بعد إسقاط الأتراك للطائرة الروسية في عام 2016 ، ومقتل السفير الروسي في تركيا ، وغيرها من الأمور مما ساهم في تفاقم العداء . الأمر الذي ترى فيه تركيا أن الحرب في سوريا هي حرب في تركيا أيضا ، وقد وقفت بالتالي ضد نظام الأسد ودعمت الثوار ، ودعت إلى انهياره ونبذ أعماله ووصفها بالإرهاب ، فضلا عن دعمها للمعارضة . هذا وأيضا مع العداء التركي الظاهر لروسيا  ألحليف الرسمي لسوريا ورفضهم لمشروع المسألة الكردية الذي تهدف إليه روسيا وتسعى إلى إنجازه والذي يشكل خطرا على مستقبل تركيا طبقا لتعددها الإثني والمذهبي ، وبالتالي سيقود الأكراد في الداخل التركي الى اثارة النزعة الإنفصالية لديهم والمطالبة بحكم ذاتي لهم وانفصال نهائي عن الدولة التركية .

كل ذلك أدى إلى إظهار التوتر و الإستياء التركي إلى العلن .وهو ما ظهر لدى تركيا بسعيها إلى مقاومة تمدد الفصائل الكردية و إعاقة حركتها في الشمال السوري . وعملت أيضا على القيام بعدة محاولات للقيام بإزاحة إستراتيجية لكل من إيران وروسيا من المنطقة العربية .

وبالنسبة لإيران ، فإنها ترى في الأسد حليفا استراتيجيا كبيرا يخدم مصالحها ومشاريعها في المنطقة العربية ، ويرافق ذلك السعي الإيراني للسيطرة على المنطقة ووقوفها ضد قوات المعارضة عبر إمداد الأسد بميليشيات إيرانية للقتال على الأرض السورية . وكل ذلك يندرج تحت رسم الخطوط شبه العريضة للمشروع الإيراني في السيطرة على المنطقة العربية ، والذي ينبني على أساس طائفي شيعي تسعى إيران إلى توسيع امتداده إلى المنطقة بالكامل .[12]

المخاوف الروسية و التهديدات ومستقبل الأزمة السورية :

وجدت روسيا في إيران حليفا داعما للأسد ، وواقفا إلى جانبه في معركته ضد القوات الثائرة ضده ، لكن روسيا أبدت مخاوفها من ان يصبح نظام الأسد ورقة لعب بيد إيران ، وهو ما شكل عقدة كبيرة للروس وورقة ضغط في عملية الصراع الدائر في سوريا . الأمر الذي أدركته روسيا و أدركت معه انه يهدم المصالح الروسية في المنطقة وهو ما ظهر خاصة بعد دعوة الروس لإدماج الميليشيات الإيرانية في قوات الأسد النظامية . و أيضا تبدى العداء من الجهة الإيرانية التي رأت ان المشروع الكردي يتعارض مع مصالحها ، وبالتالي فقد اشتركت إيران مع تركيا في هذه الرؤيا ، مما ساهم في التقارب الإيراني – التركي وتقوية العلاقات بينهما ، عبر الزيارات المتبادلة وتطور العلاقات الاقتصادية في مجال الغاز ، وذلك أيضا بعد العقوبات الاقتصادية من قبل موسكو على أنقرة ، وتصريح رئيس الوزراء التركي بأن : تركيا بوابة إيران إلى أوروبا ، وطهران بوابتنا إلى آسيا ، وهذا يضمن لنا إمكانيات استثنائية في مجال النقل والدعم اللوجستي “.[13]

 

أما بخصوص الأكراد ، والنوايا الروسية بإعطاء الأكراد كيانا مستقلا لهم في سوريا المستقبلية ، فإن ذلك قد تبعه تصريح حسن روحاني بأنه : ” إن بلاده لا توافق بالضرورة على أية خطوة تقوم بها روسيا ” ، وهو ما يظهر عدم متانة جدار الثقة بين البلدين .[14]

ولن نعود إلى الماضي لنذكر تداعيات وأسباب تخلخل جدار الثقة الذي يغطي الإيرانيين تجاه الروس ، خاصة في ظل مجموعة من المواقف الدولية التي ما تزال تطل برأسها إليهم كرادع أو مذكر لهم بحقيقة الروس وماضيهم معهم ، ومنها وقوف الروس إلى جانب العراق في حرب الثمانية سنوات مع إيران ، وموافقة الروس على العقوبات الأممية التي صدرت في الماضي على إيران من قبل مجلس الأمن .

. هذا إضافة إلى وجود رؤية أمريكية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية تقول بوجود تنافس روسي–إيراني كامن سيخرج إلى العلن قريبا ، وتجلي بداية هذا التنافس بالأحداث الجارية في سوريا وأرمينيا وأذربيجان ، وابرز مؤشراته أيضا هو التقارب الإيراني-التركي .[15]

هذا فضلا عن انه من الداخل السوري ، وبعد تصريح الرئيس الروسي بأهمية إجبار الرئيس السوري بشار الأسد على أهمية تضمين حكومته لإصلاحات سياسية أو الرحيل عن السلطة [16]، وفي ذلك تصريح على أن ما يهم روسيا هو البديل الذي سيحل مكان الأسد بعد خروجه الآمن كما تم التعبير في أكثر من موقف، وأيضا بوجود الانتظار الروسي فيما تتم عملية بلورة من ينوب عن النظام القائم بما يضمن مصالحها في المنطقة . إضافة أيضا إلى التأكيد المستمر من قبل الروس أن السياسة الخارجية الروسية والموقف الروسي لا يرتبط بأشخاص النظام السوري ، و إنما ما يهمها هو توجهات النظام القائم أو القادم فقط .[17]

 

الآفاق المستقبلية :

تتطلب الرؤية المستقبلية الاطلاع على كم كبير جدا من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، حتى يتسنى له رسم وتوقع ما قد تؤول إليه الأزمات.

ويمكن النظر إلى الآفاق المستقبلية طبقا للتفاعلات التي ذكرناها وحجم الانخراط الروسي العسكري في سوريا ، وما تقوم به روسيا من دفاع عن النظام السوري على المستوى الداخلي أو الخارجي وحق النقض الذي كان ردا على القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والتي أدانت النظام السوري بها ، ومنع تدخل القوى الدولية في سوريا ، و إضافة إلى ذلك حجم ما يربطها مع النظام السوري القائم ، وبكل ما ذكرنا يمكن النظر لآفاق والتوقعات المستقبلية للأزمة السورية كما يلي :

1 – الاحتمال المتنامي بظهور العداء الإيراني-الروسي إلى العلن قريبا ، خاصة في ظل وجود المشروع الكردي في عين السياسة الروسية ، وسعيها إلى تطبيقه ، وهو ما وجد معارضة من الإيرانيين والأتراك وسعوا إلى مقاومته ، ليلقى ذلك تهديدا يجمع كل من تركيا و إيران على نفس النقطة ، وخاصة أيضا في ظل التقارب التركي – الإيراني كما تحدثنا عنه سابقا .

2-الاحتمال بقيام الروس بالتخلي عن نظام بشار الأسد وإحلال من ينوب عنه في خدمة المصالح الروسية في المنطقة ، و أن يكون خاضعا لروسيا ، خاصة في ظل حالات الاشمئزاز والصورة المشوهة التي تنامت في المجتمعات العربية تجاه روسيا بسبب الموقف الذي تبنته في سوريا ، وهو الأمر الذي لا تبغيه روسيا وإنما تهدف إلى تحسين صورتها في المجتمعات العربية . ويضاف إلى ذلك حجم الخسائر البشرية وفي مجال العتاد والعدة التي تكبدتها روسيا جراء انخراطها في النزاع على الأرض السورية ، ويضاف أيضا إلى عدة تصريحات روسية بأن القاعدة البحرية الروسية في طرطوس لا تقوم بواجباتها على أكمل وجه ، وأن الخدمات التي تقدمها القواعد الروسية في كل من مالطا وفرنسا والجزائر تعد أفضل ، ومن حيث الجانب الاقتصادي أيضا ، يمكن القول إن سوريا قد تراجعت قدراتها الاقتصادية في ظل الأزمة ، و أصبحت غير قادرة على النهوض بمتطلباتها مما أثر على العلاقات الاقتصادية الروسية-السورية ، إضافة إلى أنها أيضا لا تعد الزبون الرئيسي للسلاح الروسي .

كل ذلك ، قد يدفع روسيا إلى انتهاج طريق آخر يعيدها إلى لعب الدور الذي تطمح إليه عالميا ، وأفضل سبيل لها في ذلك ضمن الأزمة السورية هو خلع الأسد و إيجاد من ينوب عنه في المنطقة ، وهو ما قد لاحظناه من التصريحات الروسية التي أوردناها سابقا بخصوص عدم ارتباط القيادة الروسية بأشخاص النظام السوري ، و إنما بتوجهات النظام القائم والقادم ، وهو الأمر الذي يمكن أن تتعارض معه أيضا مع إيران بخصوص ارتباطها بشخص الأسد  .

وقد يمكن القول أن التعب الروسي قد بدا يبدو واضحا في القبول الروسي لكل من محادثات جنيف ومفاوضات أستانة ، والتي صرح فيها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن الهدف منها هو وقف إطلاق النار .[18]

وكل ذلك يشي أيضا بأن المنطقة العربية بشكل عام ، وسوريا بشكل خاص لن تسلم من تعاظم نيران هذا الخريف الذي يوعد بسقوط الدول والأنظمة الواحد تلو الآخر ، فضلا عن استمرار النزاع إلى مدى أبعد مما يقول به بعض المراقبون خاصة في ظل تصارع الدول الكبرى على الأرض العربية .

وبالتالي وبعد كل هذا ، لا يسع النظام السوري إلا أن يحاول أن يخرج من البوتقة الروسية ، وهو ما نجده صعبا بسبب ضخامة الإمداد العسكري الروسي وهو كما صرح أحد الضباط العسكريين التابعين للنظام بأن “روسيا ومن خلال تواجدها العسكري في سوريا قد أكملت احتلالها لسوريا بالكامل “[19] . الأمر الذي ينبني عليه محاولة خروج الأسد من هذه الشباك قبل أن تتخلى عنه هي نفسها ، وفي نفس الوقت أن يحذر من الأطماع الإيرانية التي تحيط به من الجانب الآخر أيضا .

وإذا ما حصل وذهب الأسد ونظامه ، فباعتقادي أننا سنشهد إحياء لجورج أورويل ومزرعة الحيوانات خاصته ، ولن تكون الأمور غير ذلك .

 

 

الهوامش

 

[1] http://www.un.org/ar/sc/documents/resolutions/

[2] مؤتمر روسيا والعالم العربي في معهد عصام فارس بالجامعة الأمريكية.. http://www.beirutobserver.com/2016/05/issam-fares-institute/

.

[3] [3] جيفري وايت:استراتيجية روسيا العسكرية في سوريا تتضح مع انخراط قواتها في القتال … http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/russias-military-strategy-in-syria-becoming-clearer-as-its-forces-engage-in

[4] تضم روسيا وايران ..غرف عمليات مشتركة في بغداد ودمشق… http://www.orient-news.net/ar/news_show/90864

[5]استراتيجية روسيا العسكرية في سوريا تتضح مع انخراط قواتها في القتال .مرجع سابق.

انظر أيضا :نبذة عن الحملة الروسية في سوريا… https://arabic.rt.com/news/814842-نبذة-الحملة-الروسية-سوريا/

[6] http://www.aljazeera.net/knowledgegate/newscoverage/2016/1/7/تدخل-روسيا-بسوريا-حصاد-مئة-يوم

[7] https://arabic.rt.com/news/844519-القرار-الروسي-القرار-الفرنسي-وجها-لوجه/

[8] تساؤلات عدة حول الموقف الروسي من الثورات العربية… http://www.aleqt.com/2011/09/09/article_578096.html

 

[9] جورج سمعان:موسكو في حساباتها السورية…والسورية… http://www.alarabiya.net/views/2012/01/30/191561.html

 

[10] الشيخ ، نورهان،2014،روسيا والتغيرات الجيوستراتيجية في الوطن العربي، التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية.مجموعة من المؤلفين.ط1.بيروت:المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،بيروت .ص310.

[11] عبدالله التركماني : معطيات المشهد السوري وتداعياته2-3… http://www.all4syria.info/Archive/281954

 

[12] معطيات المشهد السوري وتداعياته2-3.مرجع سابق.

[13] . http://www.annahar.com/article/379844-روسيا-وايران-اين-الربط-واين-الفك-في-سوريا

[14] المرجع السابق .

[15] نفس المرجع.

[16] عبدالحافظ الصاوي.. http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2011/12/25/الأزمة-السورية-والاقتصاد-الروسي

 

[17] موسكو في حساباتها السورية..والروسية . مرجع سابق .

[18] http://www.akhbaralaan.net/news/arab-world/2017/1/17/لافروف-هدف-مفاوضات-آستانة-تثبيت-وقف-النار

[19] http://orient-news.net/ar/news_show/124934/0/تعرف-على-مناطق-انتشار-القوات-الروسية-وآفاق-وجودها-في-سوريا

 

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

دور المرأة في البرلمان: دراسة مقارنة بين مصر وألمانيا

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – إعداد: نوران أسامة عبدالوهاب محمد — المقدمة: شهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *