الرئيسية / كتب / كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف والتشبيهات”

كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف والتشبيهات”

بقلم: ضياء الدين الأسود* — يُنسب كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف والتشبيهات” الصادر عام 2015 عن دار بريل في هولندا لأبي منصور الثعالبي النيسابوري (350-429هـ) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، وهو أديب عاش في نيسابور وضلع في النحو والأدب، وكتب جلّ أعماله بالعربيّة. لقب أبو منصور بالثعالبي لأن والده كان فرَّاءً يخيط جلود الثعالب ويعملها، عاش الثعالبي بنيسابور، وعُرف بجاحظ نيسابور. تنوعت كتبه بين اللغة والأدب والسير والأخبار والبلاغة. قال فيه الباخرزي: “هو جاحظ نيسابور، وزبدة الأحقاب والدهور، لم تر العيون مثله، ولا أنكرت الأعيان فضله، وكيف ينكر وهو المزن يحمد بكل لسان، وكيف يستر وهو الشمس لا تخفى بكل مكان”.
هذا الكتاب تعاهده بالتحقيق والنظر الأستاذان: د. بلال الأرفه لي، وهو رئيس قسم اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأمريكية في بيروت، وأستاذ محاضر فيها، متخصص في الأدب العربي والتصوف والدراسات القرآنية: و د. رمزي البعلبكي وهو أستاذ في الجامعة الأمريكية، ورئيس سابق لدائرة اللغة العربية في الجامعة ذاتها، حائز على جائزة الملك فيصل عام 2010 عن جهوده في دراسة النظرية النحوية العربية، وقد عمل في الحقل الأكاديمي أكثر من ثلاثين سنة. الكتاب نُشر في دار بريل_ ليدن وبوسطن سنة 2015.
يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب وملحق؛ أما الباب الأول فهو: التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ويتضمن اثنا عشر فصلًا، الفصل الأول: في الحث على مكارم الأخلاق، والثاني: في العلم والفضيلة، الثالث: في الحلم والأناة، الرابع في العفو، الخامس: في التواضع، السادس: في اصطناع المعروف، السابع: في السؤدد والمروءة، الثامن: في الجود والسخاء، التاسع: في القناعة والاقتصاد واليأس مما في أيدي الناس، العاشر: في كتمان السر، الحادي عشر في إطعام الطعام وآداب الأكل، الثاني عشر: في الأخوة في الله وحقوق الصحبة.
وأما الباب الثاني فهو: التزكي عن مساوئ الأخلاق ومقابح الشيم. ويحوي أحد عشر فصلًا، الأول: في مذمة سوء الخلق، الثاني: في مذمة الدنيا وحبها، الثالث: في ذم البخل، الرابع: في مذمة الرياء، في مذمة الكبر والخيلاء، السادس: في مذمة الكذب، السابع: في مذمة الحسد، الثامن: في مذمة الغضب، التاسع: في مذمة الغيبة والنميمة، العاشر: في النهي عن المزاح والضحك، الحادي عشر: في النهي عن كثرة الأكل وكثرة القول. وأما الثالث فهو: في بدائع الأوصاف وغرائب التشبيهات. ويضم أربعة فصول، الأول: في وصف الخط والبلاغة، الثاني: في وصف الربيع وآثاره وسائر فصول السنة، الثالث: في أوصاف الليالي والأيام والآثار العلوية، الرابع: في الغزل وما ينحو نحوه. ويُختتم الكتاب بملحق بالأمثال السائرة.
الغرض من الكتاب في بابه الأول هو الحث على مكارم الأخلاق كالصدق والحلم والتواضع، والتجمل بمحاسن الشيم، وأما في الباب الثاني فهو التحذير من مساوئ الخلال كالكبر والبخل والرياء وغيرها.
تحت كل فصل يجمع المؤلف ثلة من الأقوال تدعم الفكرة التي يعالجها. وتتنوع هذه الأقوال ما بين آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو أقوال للصحابة والتابعين الكرام، وأقوال لبعض الحكماء وأحيانا أبيات مفردة من الشعر. وتتميز شواهده بالإيجاز والوضوح؛ فهو يسقط متون الأحاديث، فلا يقول عن فلان عن فلان أو حدثنا فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يورد المتن مباشرة فيقول: قال رسول الله أو قال عليه السلام. فعلى سبيل المثال في الفصل الثالث من الباب الأول يقول: “قال عليه السلام: خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق.
أمّا الملحق فيذكر فيه الأمثالَ مُرتّبةً ترتيبًا ألفبائيًا، فيبتدؤه بالأمثال التي تبدأ بالهمزة ويُنهيه بالأمثال التي تبدأ بالياء. ولم يذكر في هذه الأمثال الشرح والإيضاح للكلمات الغريبة، ولا أين يُستعمل المثل، ولا لِمن يُضرب. اللهم إلا في الأمثال التي تبدأ بالهمزة والباء، فقد شرح بعضها، وذكر لمن تُضرب. كقوله:” إنّ مع اليوم غداً يا مَسعدة. يُضربُ في تنقّل الدول” وقوله:” إن الهوان للئيم مّرأمة. المرأمة: الرئمان، وهما العطف والرحمة” وقوله:” برقٌ لو كان له مطر. يُضرب لمن له رواء ولا معنى له”. والأمثال التي شرحها بعد ذلك أو ذكر لمن تقال تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة. ومن خلال نظرة عجلى يتبيّن أن كثيراً من مفردات هذه الأمثال تحتاجُ إلى شرح، بيد أنّه لم يفعل ذلك، فلعله كان على عجلة من أمره، فلذلك جعل هذا الباب مُلحقاً.
ذُكر على غلاف الكتاب أنه يُنسب للثعالبي، فهو مشكوك في نسبته، ومطالعة الكتاب وتصفح شواهده تعزّز هذا الشكّ، فقد ورد في فصل “أوصاف الليالي والأيام وأوقاتها والآثار العلوية” ص 159 وقال الثعالبي:
أما ترى اليوم مسكي الهواء وقد مدّت يدُ الشمس في حافاتها الكللا
كأنّما شمسه قد أبصرت قمري يربي عليهـا فغطّــت وجههــا خجـــلا
وفي فصل “الغزل وما ينحو نحوه” ص 170 وقال الثعالبي:
ثغرٌ كلمع البرق حُسْن بريقه يشفي عليل المستهام بريقه
قد بتُّ ألثمه وأرتشف المنى من درّه وعقيقــــه ورحيقـــــه
أقول هذا دليلٌ يُرجّحُ عدم نسبة الكتاب للثعالبي، فالمؤلف ينقل عن الثعالبي في هذين الموضعين، ولو كان الثعالبي ينقل قول نفسه لقالَ: “وقلت”. وبالطبع لا نستطيع أن نجزم بهذا من خلال هذا الدليل، وإنما نستأنس به، ولعل الثعالبي يستعمل هذا الأسلوب في كتبه.
افتتح المحققان الكتاب بمقدمة من عشرين صفحة باللغة الإنكليزية بينا فيها مصطلح “أدب” وما يندرج تحته من أقسام، ثم عن مكارم الأخلاق وصلتها بالأدب، وعمن كتب فيها. إنّ الجهد الذي بذله المحققان في الكتاب جلي، فقد نسبا كل قول لصاحبه، وخرّجاه من مصادر التراث القديم. والمؤلف اختار مجموعة من الأقوال في كل فصل وسردها سرداً دون شرح أو تحليل أو حتى إبداء رأي، ففي كل سطر تقريباً هناك قول، وعلى المحققين أن يوثقاه من مصادره، هذا بالإضافة إلى التعريف بكل صاحب قول، وهذا ما يزيد الصعوبة، ويقتضي جهداً مضاعفاً، وصبراً وطول أناة. وذيّل المحققان الكتاب بفهارس عامة ليسهل على الباحث الرجوع إلى كل قول.
من الملاحظ في شواهد الكتاب إكثار المؤلف من الاستشهاد بشعر ابن المعتز وخصوصاً في مجال الوصف، فلا يكاد يخلو فصلٌ من بيت أو أبيات له، ولعلّ مردّ ذلك إلى إعجاب المؤلف بشعر ابن المعتز، ومن الأمثلة على ذلك: في وصف الربيع وآثاره، قال ابن المعتز:
أما ترى الأرضَ قد أعطتكَ زهرتها مُخضرةً واكتسى بالنور عاريها
فللسمـــــــــــــــاءِ بُكـــــاءٌ في حدائقهــــــــا وللريـــاضِ ابتسامٌ في نواحيها
ولا غّرو في ذلك فابن المعتز شاعرٌ مُفلقٌ، ووصفه بديع، ومعناه حلو رشيق، وقد لُقّبَ بأمير الشعر الخيالي لإجادته في التشبيهات الفريدة، وهي مبسوطةٌ في كتب البلاغة؛ كتشبيهه الهلال بقلامة الظفر، أو بزورقٍ من فضّة حمولته من عنبر.

*كاتب سوري.

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

“حماس” والحكم: دخول النظام أم التمرد عليه؟

الكتاب: “حماس” والحكم: دخول النظام أم التمرد عليه؟ – تأليف: د. باسم الزبيدي – مراجعة: …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *