الرئيسية / كتب / تفسير العجز الديموقراطي في الوطن العربي

تفسير العجز الديموقراطي في الوطن العربي

 

بقلم: د. هيثم مزاحم – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – 

 

الكتاب: تفسير العجز الديموقراطي في الوطن العربي

 

مجوعة مؤلفين

تحرير: إبراهيم البدويّ وسمير المقدسيّ

 

الطبعة الأولى- بيروت – كانون الثاني/يناير 2011

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربيّة –394 صفحة

 

تقديم الباحث الدكتور فوّاز جرجس

على الرغم من النموّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ اللافت في الوطن العربيّ في العقود الستة الماضية، تبقى معظم الأنظمة السياسيّة العربية تتّسم بأشكال ودرجات متفاوتة من الأوتوقراطيّة أو العجز الديمقراطيّ، وذلك مقارنةً بالتلازم الإيجابيّ بين التنمية والديمقراطيّة، في مناطق أخرى من العالَم. وهذا الكتاب، يهدف إلى تحديد العوامل الرئيسة التي تقف وراء هذه الظاهرة، وهو يتبنّى طريقة ثنائيّة تجمع بين التحليل الكمّيّ والنوعيّ من ناحية، ودراسة عابرة للبلدان، تشمل معظم البلدان العربيّة، وتستند إلى نموذج موسَّع لمفهوم الحداثة، ودراسات معمَّقة لحالات ثمانية بلدان عربيّة(الأردن ولبنان وسوريا والخليج العربيّ والجزائر والعراق ومصر والسودان) تتّخِذ من هذا النموذج نقطة انطلاق، من ناحية أخرى.

يتخطّى الكتاب التفسيرات الثقافية الفكريّة المبسّطة، فيشخّص الدورَ الهامّ للنزاعات والنفط، كما يوضح تأثير القيادة السياسيّة والتدخّلات الأجنبيّة واستيعاب النخبة من قِبل السلطة كعوامل معيقة لعمليّة الدمقرطة في المنطقة، وذلك على الرغم من تقدّمها الاجتماعيّ والاقتصاديّ اللاّفت.

ويقع الكتاب في ثلاثة أقسام: إطار التحليل الذي يستند إلى البحث المفهَوميّ والعابر للبلدان؛ وحالات البلدان العربيّة التي تنقسم إلى بلدان المشرق والبلدان المعتمِدة على النفط وبلدان وادي النيل؛ وملخّص جامع لقضيّة الديمقراطيّة في الوطن العربيّ.

 

 

مقدمة

لم تُحرز البلدان العربية استقلالَها إلا بعد الحرب العالَمية الثانية، ولم تبرز الديمقراطية كقضية سياسيّة إلا كمسألة محتمَلة بعد نيل الاستقلال. ومع ذلك، وباستثناء لبنان وحالات مبكرة منعزلة للمحاولات الديمقراطيّة التي لم تستمرَّ طويلاً، فإن النظم السياسيّة العربية، منذ استقلالها، تميـزَت عمومًا بأشكال مختلفة من الحكم الاستبداديّ، على الرغم من النمو الملحوظ في متوسط الدخل الفرديّ والتعليم.

شجب مفكّرون ومجموعات عربية مدافعة عن الإصلاح السياسيّ الحقيقيّ، في هذه الفترة، الاستبدادَ وغياب الديمقراطيّة في الوطن العـربيّ. كما أنَّ التنكّرَ للحقوق السياسيّة الكاملة للمواطنين، وفرضَ القيود على الحريات المدنيّة- وبالتالي افتقاد الحكومات التمثيليّةَ والقابلةَ للمساءلة والمحاسبة؛ اعتُبِرَا مسؤولَين عن فشل النظم العربيّة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعيّة المستدامة والعادلة، أو مواجهة القضايا الكبرى المطروحة حاليًّا أمام الوطن العربيّ، بما فيها القضيّة الفلسطينية.

الهدف الأساسيّ لهذا الكتاب معالجةُ لماذا عانى الوطن العربيّ بشكل عامّ ما أصبح يعرَف بـ”العجز الديمقراطيّ”، وما الذي يفسّر استمراريّة هذا العجز على مدى عقود منذ الاستقلال؟

ولتحديد العوامل التي تفسّر استمرار العجز الديمقراطيّ في الوطن العربيّ، كان اعتمادُ التحليل الكمّيّ والتحليل النوعيّ: بحث عابر للبلدان(cross-country work) تتبعه دراسات مكثّفة لبلدان عربيّة مختارة تنطلق منه(intensive country case studies).

يستند البحث العابر للبلدان إلى نموذج انحدار للديمقراطية،كما يقيسها مؤشّر نظام الحُكم(polity IV index)، المستخدَم على نطاق واسع. ويسبق هذا البحث تحليلٌ لأزمة الديمقراطية في الوطن العربيّ يرسم إطارًا سياسيًّا لنزوع الطبقة الأوتوقراطيّة العربيّة إلى التمسّك بالحُكم.

وبعد التحكّم بمجموعة من المتغيرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتاريخيّة، إضافة إلى الدين، يتبقّى أثرٌ محدَّد خاصّ بالمنطقة العربيّة سلبيّ وهامّ بدرجة عالية، وهو ما نشير إليه بالمتغيّر الدمية العربيّ “Arab Dummy”. ويتبيّن من هذه النتيجة، أنه حتّى النظريّة الموسّعة للتحديث تعجز عن تفسير الطبيعة المتواصلة للعجز العربيّ في حقل الديمقراطيّة/الحرّيّات. وما نتوصّل إليه هو أنَّ النفط، وبدرجة أهمّ، صراعات المنطقة، هي العوامل الكبرى التي تفسّر هذا المتغيّر الدمية السلبيّ، كما يبدو.

الأكثر لفتًا للنظر أنه حالما يتداخل الأثر المباشر للمتغيّر الدمية العربيّ مع متغيّر صراعات المنطقة، فإنّه لا يختفي فحسبُ، بل يكون تأثير تداخله سلبيًّا وهامًّا بدرجةٍ عالية في حين أنَّ الأثر نفسَه إيجابيّ وهامّ في المناطق الأخرى النامية من العالم. في هذا المجال؛ يبرز استنتاجان مهمّان: النفط، والجَندَرَةُ(أي جنس المرء) المحدِّدان للديمقراطية؛ لهما تأثيرات متماثلة لا تختلف من منطقة إلى أخرى.

ومع ذلك؛ بينما قادت الصراعات، إلى عمليّة دمقرطة لاحقة في جميع المناطق الأخرى من العالم، فإنها لم تؤدِّ إلى ذلك في المنطقة العربيّة. الفكرة الأساسيّة لمشروع البحث هي أنَّ النفط والصراعات هما العاملان الأساسيّان لتواصل العجز الديمقراطيّ في الوطن العربيّ.

تمّ اختيار ثماني دراسات حالات وَضَعَهَا عدد من الاقتصاديين وعلماء السياسة في شأن بلدان عربيّة، بهدف التوصّل إلى العوامل التي تفسّر تواصل عجزها الديمقراطيّ، وهي: الجزائر ومصر والعراق والأردن ولبنان والسعودية وسوريا ومنطقة الخليج. وقد تمّ اختيارها وفق أحد المعايير الثلاثة التالية، أو مزيج منها: بلدان عربيّة مهمة في المنطقة، و/أو بلدان مهمّة منتجة للنفط؛ وبلدان معنيّة بالصراع العربيّ-الإسرائيليّ أو شهدت حروبًا أهليّة؛ وبلدان مستقطبة أو منقسمة اجتماعيًّا بدرجة عالية.

كان ثمّة عددٌ من الدراسات، داخل الوطن العربيّ وخارجه، عن مميِّزات المجتمعات العربية المعاصرة، وكيف ترتبط بطبيعة النظم غير الديمقراطيّة السائدة في الوطن العربيّ. إنَّ عدم المساواة بين الجنسَين(الذي يتناول جوانبه المتعدّدة أدب نسويّ واسع ومتزايد)، والعلاقات العلائليّة، والزبائنيّة أو القبليّة، والدين، في بعض الحالات، كلُّها طرِحت كتفسير للطبيعة غير الديمقراطيّة المتأصّلة داخليًّا للمجتمعات العربيّة. وفي هذا السياق، قدّمت المناهج الثقافيّة بشكل خاصّ كتفسيرات بديلة لتواصل الأوتوقراطيّة العربيّة.

وفي الواقع، هناك مجتمعات نامية أخرى ذات مميِّزات اجتماعيّة مماثلة للمنطقة العربيّة، ولكنها تحوّلت إلى الديمقراطيّة، رغم ذلك. وهكذا، ومهما يكن تفسير هذا التحوّل في بعض المجتمعات، وغيابه في المنطقة العربيّة، فإنَّ تواصل العجز الديمقراطيّ العربيّ ما زال يشكّل قضيّةً نشعر بأنها في حاجة ماسّة إلى التحليل.

ربّما هناك إجماع واسع على أنَّ مفهوم الديمقراطيّة يشمل نظامًا سياسيًّا يَعتبر فيه الأفراد أنفسَهم متكافئينَ سياسيًّا، ويحكمونَ بصورةٍ جماعيّة، ويمتلكونَ جميع الطاقات والموارد والمؤسّسات التي يحتاجون إليها لحكم أنفسهم. وتترسّخ النظم الديمقراطيّة(أي لا تحاول أيّة قوّة سياسيّة هامّة إسقاطَها) حين تصبح الدَّولة، بين أمور أخرى موثوقة وجديرة بالاعتماد والقبول، ويغدو المجتمع المدنيّ فعّالاً، وتتعزّز المؤسّسات السياسيّة والاقتصادية التي تحمل القِيَمَ الديمقراطيّة.

ومع أنَّ الليبراليّة والديمقراطية مفهومان متميِّزان، فإنَّهما يميلان إلى التقارُب؛ فالنظم الدِّيمقراطيّة المعاصرة نظم ليبراليّة بشكل عامّ، رغم أنه كان هناك بعض الحالات القليلة التي وصلت فيها إلى السلطة، عن طريق الانتخابات الحرّة، أحزاب أصوليّة غير ليبراليّة أو غيرها من الأحزاب اللاديمقراطيّة. وتفرض هذه الظاهرة تحديًّا هامًّا على آفاق التوافق المستمرّ بين الليبرالية والديمقراطية، وخاصّة(ولكن لا حصرًا) في البلدان النامية، حيث تمتلك الحركات الأصوليّة قوى كامنة ويمكنها الوصول إلى السلطة بطريقة ديمقراطية. ومهما تكن هذه الآفاق، فإنَّ الخوف من هذه الحركات ليسَ حجّةً بتاتًا، مع أنَّ بعض الكتّاب يحاول تسويقَها لتعزيز استمرار النظم الأتوقراطيّة. وبدلاً من ذلك، لا بدّ من تشجيع تحقيق المزيد من الحقوق السياسيّة والمدنيّة للجميع؛ وفي ما يخصّ الوطن العربيّ، يتطلّب الأمر ضرورة حلّ النزاعات القائمة في المنطقة بصورة عادلة، وبخاصّة القضيّة الفلسطينيّة.

يكمن ردّ الأسباب الجذريّة لصعود الأصوليّة في المنطقة العربيّة إلى ثلاثة عوامل متداخلة: عدم استعداد الفئات الحاكمة للدمقرطة بسبب خشيتها من فقدان السيطرة السياسيّة، مع جميع الامتيازات التي ترافقها؛ والدعم الغربيّ القويّ لموقف إسرائيل الذي لا يقِرُّ بالحقوق الفلسطينيّة المشروعة؛ والدعم الغربيّ للنُّظم العربيّة الأوتوقراطيّة بسبب الاعتقاد بأنَّ هذا الدعمَ سيحمي مصالح الغرب النفطيّة وغيرها في المنطقة العربيّة.

وثمّة فجوة كبيرة بين الفهم النظريّ للديمقراطيّة وتحقيقها الفعليّ في أغلب الأحوال، وبخاصّة في البلدان النامية. ولكن حتّى في ما يسمّى النظم الديمقراطيّة الناضجة، توجد فوارق متميِّزة في هذا الصّدد. فمثلاً، إنَّ تأثير الشركات الرأسماليّة الكبرى في العمليّة الديمقراطيّة، بما في ذلك السيطرة على وسائل الإعلام، أكبر في بعض البلدان الغربيّة ممّا في غيرها، أو إنَّ درجةَ العدل الاجتماعيّ أو نوعيّة التغطية الاجتماعيّة(في ما يخصّ حقوق المواطنين الاجتماعيّة)، إضافةً إلى الحقوق المدنيّة والمشاركة السياسيّة قد تختلف من بلد إلى آخر. فوارق تجعل بعض هذه البلدان أكثر ديمقراطيّة من غيرها.

ينبغي لأيّ مقياس للديمقراطيّة أن يعترف كلِّيًّا بالحقّ الشامل في المشاركة السياسيّة. مؤشّر نظام الحُكم لا يحتسِب بشكل صريح لحقّ المرأة في الاقتراع. لهذه المشكلة أهميّة بالنسبة إلى المقاييس التي تحاول تعريف التحولات إلى الديمقراطيّة.

حقّ الاقتراع جزء من قضيّة المساواة بين الرجل والمرأة، التي لا يتضمّنها بشكل صريح مؤشّر نظام الحُكم(كما هو شأن مؤشِّرات أخرى للديمقراطيّة). كما أنَّ النضال من أجل حقوق المرأة قاد إلى مشاركة أوسع للمرأة في الحقول السياسيّة والاقتصاديّة. وتعكس الاعتراف بأنَّ الديمقراطيّة الحقيقيّة تتضمّن المساواة بين الجنسَين.

نواقص مؤشر نظام الحُكم لا تؤثّر كثيرًا في تحليل نظام الحكم في دراسات حالات البلدان العربيّة في هذا الكتاب، لأنَّ التحليل يركّز على تفسير تواصل نظمها الأوتوقراطيّة، لا على التحوّل من الحالة الأوتوقراطيّة إلى الحالة الديمقراطيّة. ولبنان هو استثناء من حيث أنه منذ استقلاله، يتمتّع بشكل خاصّ من الديمقراطيّة(المقيَّدة)، التي لم تتطوّر بعدُ إلى ديمقراطيّة حقيقيّة.

ما زال ثمّة إشكال ودرجات من التمييز بين الجنسَين في كلّ الأقطار العربيّة، وهو ما يُعطي إشارة إضافيّة إلى الطبيعة غير الديمقراطيّة للنظم السياسيّة القائمة.

وما يهمّ هو أن تواصل النُّظم الأوتوقراطيّة في جميع البلدان التي يدرسها هذا الكتاب(مع استثناء لبنان كديمقراطيّة مقيَّدة) يذهب إلى أبعد من قضيّة حقّ الاقتراع الشامل أو المساواة بين الجنسَين بشكل عامّ؛ فالدول التي أدخَـلت في وقت مبكِر حقَّ المرأة في الاقتراع ظلَّت غير ديمقراطيّة، رغم الإصلاح السياسيّ المحدود اللاحِق.

فمع أننا نعتمد على مؤشّر تجريبيّ للديمقراطيّة يُستعمَل على نطاق واسع، أي مؤشّر نظام الحكم، فإنّنا، في البحث العابر للبلدان ودراسات الحالات الفرديّة معًا، كنّا مدرِكينَ تمامًا نواقص ذلك المؤشّر منهجيًّا وتعريفيًّا معًا، إلاّ أنّه يمتلكُ قواعد التصنيف الواضحة والمفصّلة. فاستعمالُه الواسع من قِبل الباحثينَ يجعله مفيدًا للتقييمات التجريبيّة المقارِنة للوضع الديمقراطيّ في مختلَف البلدان والمناطق.

تأكّدت متانة النتائج الأساسيّة في شأن دور النفط والصراعات، باعتبارهما العاملَين الأساسيَّين للعجز الديمقراطيّ العربيّ، حينما تمّ اختبار نموذج الديمقراطيّة باستعمال مؤشّر دار الحريّة ومؤشّر فان هانن كمتغيّرات تابعة. وهذا يعزّز صحّة مؤشّر نظام الحُكم.

نلاحظ أنَّ النظم الأوتوقراطيّة العربيّة ثابرت على الاعتماد على أشكال مختلفة من القمع، بما في ذلك كسب الشرعيّة بتغييب الآخرين، وهندسة سياسة الأزمات، وذريعة احتواء الحركات الأصوليّة، وهو شكل للقمع تطوّر مؤخّرًا. ثمّة وفرة في الأدلّة على أنَّ الحقوق السياسيّة والمدنيّة في البلدان العربيّة تعرّضت لانتهاكات خطرة بشهادة تقارير مختلف منظّمات حقوق الإنسان العربيّة والدوليّة. وهذا كلُّه يؤيّد التقييم التجريبيّ القائل إنَّ ظلالاً مختلفة من الحُكم الأتوقراطيّ كانت قائمةً في البلدان العربيّة منذ استقلالها، باستثناء لبنان، وإنَّ اللَّبرَلة السياسيّة المحدودة التي تبنّاها بعض البلدان العربيّة في أوقات مختلفة لم تغيّر هذه الصورة كثيرًا.

وهكذا؛ ما زال التغلّب على العقبات التي تعترض تقوية الدَّمَقرَطَةِ في الوطن العربيّ أمرًا قائمًا.

 

 

Cover_ajz

 

العجز الديمقراطيّ… طيَّ “كلام الثقافة”(عبد الوهّاب الأفنديّ)

يرى الباحث عبد الوهاب الأفندي أن الاستناد إلى الثقافة كمتغيّر أو محدّد تفسيريّ للتغيّر الاجتماعيّ والسياسيّ، له تاريخ طويل يمتدّ إلى الفكرة الشهيرة لماكس فيبر (Max Weber) عن “الأخلاق البروتستانتيّة” كقوّة محرِّكة للرأسماليّة الحديثة. وقد تراجع منهج الثقافة السياسيّة “political culture approach” في السنوات الأخيرة أمام المناهج المنافسة. يراهن أنصار هذا المنهج على الزعم القائل “إننا يُكمن أن نحدِّد التوزيعات المتميِّزة والثابتة نِسبيًّا للقيم السياسيّة والمعتقدات والمدارك لدى السّكّان” التي يمكِنُها أن تتصرّف كمتغيّرات تفسيريّة مستقلّة للسلوك السياسيّ. وفي هذا الصدّد، فإنَّ المواقف الثقافيّة المحدَّدة يمكن أن تجعل الديمقراطيّة تزدهر، بما في ذلك تحقيق قدر من الفرديّة والاعتدال والبراغماتيّة والثقة المتبادَلة بين النّخبة، مع “إساءة ظنّ ذكيّة بالزّعماء”.

من البديهيّ القول إنَّ ثقافة مجتمع ما تحدِّد كيف يتصرّف الأفراد والمجموعات في هذا المجال، وبخاصّة عند تعريف الثقافة السياسيّة باعتبارها “المعتقدات السائدة لدى الناس ومواقفهم وقيمَهم ومُثُـلَهم وعواطفهم وتقييماتِهم للنظام السياسيّ في بلدهم، ودَور شخصيّة الفرد في ذلك النظام”.

ونظرًا إلى كثرة الاعتراضات التي تواجه هذا الفرضيّات، فإنَّ انبعاث منهج الثقافة السياسيّة أخيرًا لم يطرح دعاوى متواضعة، رافضًا تمامًا، على أسُس نظريّة وتجريبيّة، الأطروحةَ التي ترى حتميّة تأثير الثقافة في السياسة. كما أنَّ المذهب الحتميّ(determinism) يتمّ رفضه كذلك على أسُس معياريّة، لأنَّ الاعتقادَ بجمود الثقافة وبالعلاقة السببيّة ذات الاتّجاه الواحد من شأنه أن يحكُم على المجتمعات بكاملها بالافتقار الدائم إلى الديمقراطيّة.

إضافةً إلى ذلك، يريد أنصار هذا المنهج المعدَّل للثقافة السياسيّة أن ينظروا إلى الثقافة كـ”تاريخ ذي طبقة جيولوجيّة”، حيث تتعايش الطبقات المتنافسة في التقليد الثقافيّ، وحيث لم تلغِ السِّمات المهيمِنة، الأحدث، المَوروثات السابقة بشكل تامّ، أو تحلّ محلَّها. وبعبارة أخرى، يسعى هذا المنهج إلى تحقيق المزيد من الإضعاف للموضوعة الأصليّة من خلال دعوة الباحثينَ إلى “تجزئة الثقافة السياسيّة: أي النظر إلى الثقافات الفرعيّة(الأفقيّة والعموديّة)، وإلى ثقافات النخبة وثقافة الجماهير”. كما يدعوهم إلى فهم الثقافة السياسيّة كـ”ظاهرة ذات طبقات متعدِّدة، وبالتالي طيّعة للدراسة “الجيولوجيّة”: أي النظر إلى الأيديولوجيّات الرسميّة(أي القائمة على “السطح”)، ومن ثَمّ إلى الآراء(التي يمكن أن تتغيّر بسهولة)، ثُمّ إلى المواقف(القابلة للتغيّر لكن بدرجة أقلّ)، وأخيرًا محاولة فحص البُنية العميقة للقِيَمِ والتوجّهات الجماعيّة الراسخة”.

الدراسات المَيدانية الأخيرة للتحوّل الديمقراطيّ(democratic transition) “تستبعد بشكل صريح أهميّة الإجماع المسبَق على القيم الديمقراطيّة بالنسبة إلى التحوّل”، وتؤكّد، بدلاً من ذلك، الانشقاقات داخل النُّظم الاستبدادية وتقدير كل مجموعة أنَّ “مصالحَها تقدَّم بأفضل صورة من خلال الليبراليّة(أو أنَّ مخاطرَها تكونُ أقلَّ ما يُمكن)”. أمّا قبول المعايير الديمقراطيّة، فيأتي في مرحلة لاحقة نتيجةً للتسويات والصفقات التي يتمّ التوصّل إليها بين الأعداء السابقينَ. وبمعنى ما، يمكن القول، بمعزل عن التزام النخبة بالإجراءات الديمقراطيّة(التي قد تكونُ انتهازيّة في البداية)، إنَّه قد لا يكونُ هناكَ أيّة شروط مسبقة محدّدة للديمقراطيّة. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ الكثير من المتطلِّبات المذكورة كشروط مسبَقة للديمقراطيّة يمكِن، في الواقع، أن تأتي كنتائج للديمقراطيّة.

فرغم أنَّ المعايير والهويّات الثقافيّة تضبط بالضرورة ردودَ الأفعال على التحديات السياسيّة، فإنَّ الوقائع السياسيّة تؤثّر في الثقافة كذلك؛ فالثقافة كعمليّة لخلق المعنى، “تتضمّن عمليّة اجتماعيّة يعيد الناس من خلالها إنتاج شروط القدرة على الفهم التي تمكّنهم من إدراك عوالمِهم”. فمثلاً، تعتمد الطريقة التي تتطوّر وتتغيّر بها الهويّة الإثنيّة(حتّى ضمن المجموعات المتشابِهة) على العوامل المحيطة، إضافةً إلى الخيارات الواعية.

 

ثقافة سياسية عربيّة… والطبقة البرجوازيّة المفقودة

ويُكمل الأفنديّ تقييمَه في هذا المجال حيث يرى أن منهج الثقافة السياسيّة قد بلغ ذروة إشكاليّاته عند تطبيقه في النطاق العربيّ- الإسلاميّ ضمن سياق “كلام الثقافة”، وهي أطروحة “تتضمّن أنَّ لكلَّ ثقافة جوهرَها الملموسَ الذي يعرفُها، ومِن ثَمَّ يفسّر تفضيلاتها السياسيّة كنتيجةٍ لذلك الجوهر”. وترِد هذه الأطروحة في نسختَين: تنظر النسخة الأولى إلى الشعوب، التي هي في مرحلة ما قبل الحداثة(pre-modern peoples)، على أنها تنتظر التحديث؛ وتصوّر النسخة الثانية الشعوب السابقة للحداثة كشعوب معادية للحداثة. وفي حِين تشجّع النسخة الأولى العلاقات القائمة على الإحسان، فإنَّ الثانية تولّد الخوف وعملاً استباقيًّا بوليسيًّا أو عسكريًّا.

ومع ذلك تنظر كلتا النسختَين إلى الثقافة، وبخاصّة الثقافة الإسلاميّة، باعتبارِها “بلا تاريخ، وبلا سياسة، ومساجلات”. وفي الحالتَين، “يبدو التاريخ وكأنّه تحجّر في قالب خال من الحياة لأناس قُدامَى يعيشونَ على أراضٍ قديمة”. هذا الموقف يقول إنَّ صدام القِوى الغربيّة مع العَرَبِ والمسلمِين هو صدام حضارات. هذه الشعوبُ غير جديرة بالاهتمامات السياسيّة. هؤلاء “البرابرة” سيبقَون على عدائهم للغَـرب.

وتعرِّف الأطروحة “عالَم الجهاد” و”عالَم ماكدونالد”؛ “عالَم ماكدونالد” التجاريّ ذو النزعة الاستهلاكيّة العالية والسعي وراءَ الرِّبح على مستوى العالَم كلِّه، هو “التتويج الطبيعيّ لعمليّة التحديث(westernization)” وتجسّد الثقة التي أودعَها عهدُ التنوير بالعقل، وتعلّقها بالحريّة، وافتتانها بالسيطرة.

وفي المقابل، فإنَّ الجهادَ يرمز إلى “الخصوصيّة العقيديّة والعنيفة” التي تسعى إلى “ردّ وإنكار ورفض وصدّ الحداثة حيثُ وجدتها”. وليس من داعٍ إلى القول إنَّ عالَم ماكدونالد يهيمِن في الغرْب الذي تمّ تحديثُهُ، والذي ترمز أميركا إليه؛ فـ”أميركا هي مثالَه، ونموذجُهُ الرسميّ.. وهو يتعلّق بالثقافة كسلعة، والكساء كأيديولوجيّة”. أمّا الجهاد، في المقابل، فمكانُه خارجَ الغـرب، أو جيوب صغيرة ضمن محيطِه.

المعروف أنَّ الأصوليّة ظاهرة نشأت في معظم التقاليد الدينيّة، “إلاّ أنَّ الاتجاهات الأصوليّة تؤدّي دورًا مركزيًّا في الإسلام فحسبُ، كما يبدو”.

يحاول الباحث الأميركي مايكل هدسون معالجة القضيّة عن طريق تقسيم الدراسات التي تستعمل منهج الثقافة السياسيّة في تناول السياسة العربيّة إلى فئتَين: التبسيطيِّينَ(reductionists) والتجريبيّين. أمّا التبسيطيّون فهم مجبولون على “التعميمات الواسعة”، وأمّا التجريبيّون فيبقَونَ أكثرَ “في طرح الأسئلة ممّا هم في تقديم الإجابات”.

هدسون يرى أنَّ من الصعب، إذا أردنا فهمَ “قضايا معيَّنة كالشرعيّة والليبراليّة والديمقراطيّة، إهمالَ الثقافة.. حتّى ولو كمتغيَّر متبقٍّ بعد العوامِلِ الهيكليّة، والاقتصاديّة، والخارجيّة”.

أمّا ليزا أندرسن، فهي تتّهمُهم بعنصريّة مترسِّبة وبأنهم يتّخذون مواقفَ سلبيّة جدًّا من موضوع دراستِهم؛ مثلاً لَوم الإسلام والأفكار الغيبيّة عن حاكميّة الله(والفشَل في ترك ما لقيصر لقيصر)،

 

والمتاهة في دهاليز الثقافة القبليّة، والمجتمَع الأبَوِيّ(patriarchy) والزبائنيّة(patrimonialism)، وعدم رسميّة أنماط المرجعيّة…

إنَّ القول، مع هدسون: “إنَّ من الصعب جدًّا الحُكم في مواجهة جمهور عدائيّ، ومتمرِّد، ومشكِّك” ينطوي على إهمال فكرة “أنَّ معظم الناس في الوطن العربيّ من حقّهم تمامًا إبداء الغضب والتمرّد والتشكيك بالسياسة”. وعليه؛ فإنَّ فحص التغيّر السياسيّ “من خلال عدسات الثقافة السياسيّة، لا من خلال بُنيَة المجتمَع، قد لا يكونُ أنجعَ  سبيل”.

إنَّ طبيعة النظم السياسيّة في الوطن العربيّ، يمكن فهمها بأفضل ما يمكِن كانعكاساتٍ للاقتصاد السياسيّ للبلدان المعنيّة، وبخاصّة نمط تكاملِها في الاقتصاد العالميّ.

إنَّ الموقف الذي يحاول الربطَ بين الاقتصاد السياسيّ والثقافة يعتقد أنَّ ضِيق أفُق تفكير “عالَم الجهاد” ومقاومته للديمقراطيّة والتحديث هما دالّة لعدم كفايةِ تطوّر الطبَقة البرجوازيّة، أو عدم استقلالِها عن سيطرة الدولة. وهذا هو، كذلك، السّبب الذي يفسِّر نفور البلدان العربيّة والإسلاميّة من الليبراليّة، نظرًا إلى أنَّ الليبراليّة كانت مرتبطة تاريخيًّا بظهور الطبقة البرجوازيّة. إنَّ ظهور البرجوازيّة المحلّيّة وقيامَ “ثورة برجوازيّة” أمرٌ ضورويٌّ لتطوّر الليبراليّة والديمقراطيّة في البلدان الإسلاميّة.

وفي غياب مثل هذه الثورة، فإنَّ الديمقراطيّة في المناطق التي تُهيمِن عليها قوى الجهاد الضيقة الأفق تميل إلى التحوّل إلى “ديمقراطيّة غير ليبراليّة”، وربَّما تحتّم تجربة انتشار الليبراليّة من دون ديمقراطيّة.

وعند تأجيل الدِّمَقرَطة إلى أنْ تتطوَّر الليبراليّة أوّلاً، فإنَّ شكلاً من أشكال الوصاية(schemeguardianship ) (التي يمكن للمرء أن يسمِّيها حتّى “ولاية الليبراليّ”]وصاية الليبراليّ[ مقارَنةً بـ”ولاية الفقيه ]وصاية رجل القانون[“) سيكونُ ضروريًّا لتوجيه المجتمعات المهنيّة نحوَ الليبراليّة والديمقراطيّة.

إنَّ مبادرة مجموعة الثمانية(G-8) في حزيرانَ/يونيو 2004 لتشجيع الديمقراطيّة في العالَم العربيّ، إنما هي بمثابة وصاية دوليّة رخوة قد تساعد على تحويل النُّظم الاستبداديّة في المنطقة إلى أوتوقرايّات شبه ليبراليّة. ولكن بعد الكوارث التي وقعت في العراق، والنجاح الذي أحرزه الإسلاميّون في مصر وفلسطينَ، أواخر 2005 وأوائل 2006، تمّ التخلّي عن هذا الهدف المحدود.

وإنَّ عقد الآمال على البرجوازية الناشئة هو مِن قبيل التسليم، كما يبدو، بقضيّة لم يتمَّ إثباتُها بعدُ، حيثُ لا تسمحُ “دولةُ الثقوب السوداء” للمجتع المَدنيِّ بأيِّ دَور، وحيثُ “ما زالت القطاعات الخاصّة الناشئة في معظم البلدان العربيّة بمثابة “زبون تابع” للدولة إلى حدٍّ بعيدٍ، أو أنّها تبقى، بخلاف ذلك، قطاعات “غير رسميّة” أو تعمل في الخفاء”.

 

الفشل… البُعد “الدينيّ”

ويقارِب الأفنديّ العجزَ الديمقراطيّ في العالم العربي من بُعدِه الدينيّ… من حيث أن تحوّلَ الراديكاليّين السابقينَ نحوَ الديمقراطيّة تصادَف مع الصحوة الإسلاميّة التي زادت الحاجة المتجدِّدة إلى الديمقراطيّة تعقيدًا، وأكّدت أنها سوفَ “تعمل أكثر على تفـريق، لا توحيد، أصحاب الرؤى العلمانيّة والدينيّة واستقطاب حكوماتهم ومجتمعاتهم”.

المناقشة المتعلِّقة بالحُكم في الوطن العربيّ على عتبة الحداثة أصبحت، متشابكةً مع المناقشة حول شكل الحُكم المطلوب إسلاميًّا؛ تأثـرّت بتطوّرات معيَّنة كالثورة الدستوريّة في إيران سنة 1905-1906. فنجاح إيران السريع في إقامة مَلَكيّة دستوريّة على أساس الدستور البلجيكيّ أصبح مَطمَحًا للمفكّرين الإسلاميِّينَ الحَدِيثِينَ.

تمخّضت تلك المناقشة عن سَيلٍ من المقترَحات لأشكال من النظام “الإسلاميّ” للحُكم، التي جَمعت عادةً بينَ فكرةِ حكومة منتخَبة مع أوصياء مفترَضِينَ، لضمان عدم تجاوُز الكيانات المنتخَبة للشريعة.

أصبحت رؤى الإسلاميّين للدولة عقبة في طريق الديمقراطيّة من ناحيتَين: أصبح الاستقطاب الإسلاميّ-العلمانيّ هو الأكثر حدّة في السياسة العربيّة، وهو ما ظلّ يعوق تكوين إجماع ديمقراطيّ؛ كذلك، مالت الأفكار والممارسات الإسلاميّة نفسها إلى أن تكونَ معاديةً للديمقراطيّة، وساهمت ممارسات الحُكم الإسلاميّ في إيرانَ والسودان، في بناء تيارات معادية للديمقراطيّة وحمل الديمقراطيين على التشكيك في التزامات الإسلاميّين الديمقراطيّة.

إنَّ “صياغات الولاية” الإسلاميّة تبقى صياغات إشكاليّة بسبب عدد من الفرضيات التي يتعذّر الدفاع عنها وتشكّل أساس تلك الصياغات. الصياغات تفترض أنَّ الحُكم هو عمليّة قانونيّة أساسًا، فيها يمارس الحاكم دَور رئيس محكمة، يتولّى إصدارَ القواعد حول مدى الالتزام بالقانون. وهذا التوصيف للحكم ضيّق أكثر من اللاّزم؛ فالحُكم يشتمل على أكثر من مجرّد فرض القانون، ويتضمّن التفاوض المتواصل حول مطالبات ومصالح ومدارك متعارضة. ولا تقتصر المهارات المطلوبة على تلك المتعلّقة بتحديد مدى التوافق مع القانون.

ولكن حتّى لو قبِلنا بهذا التوصيف، فإنَّ من الصعب تسويةَ التناقض الأساسيّ بين فرضيَّتَين مركزيَّتَين كامنتَين في هذه النماذج. فمن ناحية، يفترض التعامل مع الحاكم كرئيس محكمة أنَّ قانون الشريعة بات واضحًا بالفعل، وأصبحَ جاهزًا بدرجة كافية لتجعل القاضي يتمكَّنُ من تطبيقه. ولكن في هذه الحالة، لا يبقى هناك أيّة حاجة إلى قائد تقيّ وفقيه لكي يساعد في تحديد القانون(والمساحة الواسعة من حرية التصرّف الممنوحة له). فالحاجة إلى مثل هذا الخبير تفترض أنَّ القانون غير واضح ويتطلّب إرشادًا خاصًّا لحلّ ألغازِه. ولكن إذا كان القانون غير جاهز بالفعل، يبرز عندئذٍ السؤال عمّا إذا كان قيام فرد واحد(أو مجموعة صغيرة من الخبراء) بتحديد القانون وتفسيره أفضل أم لا، من دائرة أوسع من الناس؟، وهو السؤال الذي يعكس جوهر الوصفات المعادية للديمقراطيّة التي يطرحها أنصار ذلك النموذج.

كما أنَّ الزعم أنَّ فردًا واحدًا أو مجموعة من الأفراد هم في وضع أقدر من المجتمع ككلّ على حلّ قضايا الخلاف والتنازع يخالف عقيدة إسلاميّة أخرى: وهي رفض إعطاء دَور مميَّز لطائفة من “القساوسة” و”رجال الدين”(اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح عيسى ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمّا يُشركونَ- التوبة: 31).

يتّضح مما تقدَّم أنَّ التعاليمَ الإسلاميّة لا تنسجم مع الديمقراطيّة فحسب، بل تتطلّبها كذلك، وإنَّ الفرضيّة القائلة إنَّ الدولة التي يقودها رجال دين، كما يصفون أنفسهم، ضروريّة لتوجيه المجتمع الإسلاميّ نحو الفضيلة، إنّما تسرق المجتمع استقلاله الذي يتعذّر على هذا المجتمع أداءُ وظيفته الدينيّة من دونه وتغتصب مرجعيّة الله ذاتها على حدٍّ سواء.

أصاب “وينز” حينما كتَب يقول: “ما يندر الاعتراف به هو أنَّ الأصواتَ ذات الميول الاستبداديّة للأصوليّين الدينيّين المعاصرِينَ كانت في مواجهة لِعقود مع القوى المؤثّرة للأصوليّة العلمانيّة التي سعت إلى تصفيتها. وتتمثّل إحدى نتائج ذلك في إسكات الأصوات الدينيّة المؤثّرة للتحديثيّين الإسلاميّين عن طريق استقطابهم من قِبل الأصوليّين العلمانيّين”.

وبينما ينبغي للإسلاميّين، بالتأكيد، إصلاحُ ممارستهم لتقديم مساهمة إيجابيّة لبناء الديمقراطيّة، فإنَّ أحد العوائق الرئيسة أمام الديمقراطيّة في الوطن العربيّ هو ما يسمّى “الاستئصاليّين”(eradicationists)، أي النخَب المتشبِّثة بالسلطة في بعض البلدان، كالجزائر وتونس ومصر وسوريا، التي تعتقد بضرورة “استئصال” الإسلاميّين بالقوّة، فتسدَّ بذلك كلّ طرق العمل المدنيّ باسم مواجهة الحركات الأصوليّة.

 

بانوراما “نُظُمِ الفشل…”

خلاصة كلام الأفنديّ هي أن الأسباب الهيكليّة للسياسة المختلّة للمنطقة تنبع من طابعها “المسكون”، مقارنة بطابعها “المتحرِّر من الخوف أو الوهن”. هذا يرتبط بالخيارات السياسيّة الواعية إلى حدّ بعيد. فالنظم المستبدّة المتشبّثة بالسلطة هندسَت بصورة مقصودة (وعن غير قصد، أحيانًا) أنماطًا من الاستقطاب من شأنها أن تجعل طرقَها الاستبداديّة كما لو أنها آخر معقل ضدّ التفكّك التامّ لبلدانِها. ففي سعي هذه النُّظم إلى البقاء في السلطة، اجتهدت حتّى “التقدّميّة منها”(بما في ذلك النظامان البعثيّان في العراق وسوريا وحتّى النظام الشيوعيّ السابق في اليمن) في رعاية وإحياء الولاءات القبليّة أو الطائفيّة، وعبّأت مجموعةً ضدّ أخرى.

تصرّفت الولايات المتّحدة وإسرائيل وكلّ المتدخّـلِين الآخرينَ بالطريقة ذاتها. وبدلاً من التقدّم نحو الفضاءات المفتوحة للثورة البرجوازيّة، فإنَّ النظم المستبدّة تعيد الآن خلقَ النظام “القديم”، وهذا يعني أنَّ مقاصل الإعدام مقبلة بلا ريبَ.

إنَّ نظام الاستبداد في الوطن العربيّ ليس انعكاسًا للتفضيلات الثقافيّة للمنطقة. فلو كان الأمرُ كذلك، لمَا كانت هناك حاجة إلى العنف الشديد الذي تمارسه تلك النظم للمحافظة على قبضتها على السلطة.

فمن نابوليون إلى بوش، مرورًا بالحكّام المستبدِّين المحلّيّين الكثر، فإنَّ الدولة الحديثة في الوطن العربيّ(وحلفائها وخصومها، بمن فيهم إسرائيل كذلك) في حالة حرب مع الشعب. وكلّما تصاعدت المقاومة لهذه الدولة، عمدت هي كذلك إلى زيادة قدرتها القمعيّة، التي تتجلّى ذروتُها في “دولة الثقب الأسوَد” التي لا تطيق أيّة معارضة وأي مجتمع مدنيّ أو حقل اقتصاديّ مستقلّ. وتوظّف النظّم المستبدّة القسم القوّي من المعارضة الراديكاليّة لإقناع النخبة بأنَّ استمرارها هو أهوَنُ الشرَّين، ولتأمين الدعم الأجنبيّ ضدّ التهديدات المتصوَّرة لـ”التطرّف” والفوضى.

ومع ذلك، فهناك علامات إيجابيّة، بأن قد برزَت تحالفات ناشئة بين الديمقراطيّين، وبضمنهم الإسلاميون المعتدلون، مصمّمة على تحدّي النظم الاستبداديّة. هذه الحركات تزداد قوّة، وهناك كثيرون يحذون حذوها. وفي هذا يكمُن مستقبل الوطن العربيّ.

 

تفسير العجز الديمقراطيّ بالنفط والصراعات: دراسة للباحثين إبراهيم البدويّ وسمير المقدسيّ وغاري ميلانت

لقد تمّ تعريف العجز الديمقراطي من خلال متغيّر دمية هامّ وسلبيّ للبلدان العربيّة في نموذج شامل للديمقراطيّة، مستمَدّ من نموذج “ليبسيت”، الذي يتحسّب للمتغيّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتاريخيّة التي يفترَض، في الأدبيات الجارية، أنّها مرتبطة بالدِّمَقرَطة بصورة إيجابيّة. وهذا الدليل ينسحب على مؤشّر نظام الحُكم للوضع الديمقراطيّ، إضافة إلى مجموعتَي مؤشّر دار الحريّة للحقوق السياسيّة والحريات والمدنيّة. إنّ ثبات متغيّر الدمية العربيّ بمختلف الصياغات البديلة يشير إلى أنَّ نظريّة التحديث وحدَها لا تستطيع تفسير العجز الديمقراطيّ في الوطن العربيّ.

إنّ العوامل الخاصّة بالمنطقة، النفط والحروب، لها أهميتها في تفسير ذلك العجز. النفط يرتبط بغياب الديمقراطيّة ارتباطًا قويًّا، وإنَّ الحروب العربيّة تفسّر بعضًا من العجز الديمقراطيّ العربيّ.

وتشير النتائج إلى أنَّ الاعتماد العربيّ على النفط شكّل عقبةً أمام الديمقراطيّة في المنطقة، وهو ما يؤكّد استنتاجات عدد آخر من الباحثِين. كذلك؛ إنَّ العجز الديمقراطيّ العربيّ مرتبط بالصراع العربيّ-الإسرائيليّ. وإنّه مع أنَّ جزءًا من العجز الديمقراطيّ العربيّ يمكن ردّه إلى الاعتماد الواسع على النفط والمشاركة الضئيلة للنساء في الاقتصاد(وبالتالي في الحقل السياسيّ). هذه العوامل ليست خاصّة بالوطن العربيّ، فالبلدان ذات الاعتماد الكبير على النفط، والمشاركة المحدودة للنساء في الاقتصاد، تتميَّز بدرجات نظام حُكم متدنّية. أخيرًا؛ فالأدلّة المتعلّقة بالعوامل الاجتماعيّة-الدينيّة والثقافيّة تشير إلى أنَّ الأطروحات الثقافيّة لتفسير فشل نظام الحكم العربيّ بتوسيع الحقوق الديمقراطيّة لا تصمد أمام الاختبار الصارم لتحليلنا التجريبيّ.

إنَّ “الطابع الاستثنائيّ” الوحيد للوطن العربيّ في شأن تواصل عجزه الديمقراطيّ يرتبط بالصراعات، ويترتّب على ذلك أنَّ الحلّ العادل والدائم للصراعات المسلّحة في المنطقة، وبخاصّة العربيّ-الإسرائيليّ، من شأنه تعزيز قضيّة الديمقراطيّة في المنطقة.

العمليّة القصيرة المدى نسبيًّا المرتبطة بفعل الدِّمقرطة يتمّ تعريفها من خلال متغيّر دمية هو “الديمقراطيّة التي حدثت أخيرًا” في السنوات العشر الأخيرة. ونجد، بخلاف مستوى الديمقراطيّة الطويلة المدى، أنَّ صراعات المنطقة والنفط لا تمتلك صلة متينة بالدمقرطة الناجحة. وبدلاً من ذلك، فإنَّ مستويات الدخل الأعلى في البداية، أو معدّلات النموّ العالية على صلة متينة بالدمقرطة الناجحة. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الدول الماضية حديثًا على طريق الدمقرطة أو تلك الدول التي اختارت الدمقرطة من خلال خطوات أصغر وأكثر، يحتمل أن تحقِّق معدَّلات أعلى من الدمقرطة الناجحة.

لذلك؛ فالأدلّة يمكن أن تشير إلى أنّه، رغم أنَّ احتمال قيام البلدان العربيّة بمحاولة الدمقرطة هو احتمال ضئيل بسبب النزاعات الإقليميّة القائمة، فليس هناك أيّ سبب كامن فيها يمنعها من تحقيق الدمقرطة الناحجة حينما تباشر هذه العمليّة.

أمّا في خصوص مضامين الدمقرطة بالنسبة إلى عمليّة النموّ؛ فينبغي العلم بأنّه يتمّ تطوير متغيّر-مؤشِّر “الدمقرطة الناحجة” الذي يقوم على تغيّر إيجابيّ هامّ في درجات نظام الحُكم يقود إلى نموّ إيجابيّ صافٍ خلال فترة من عشر سنوات وبدون ارتدادات هامّة بعد ذلك. كذلك؛ إن الدول التي حقّقت الدمقرطة الناجحة نَمَتْ بمعدّل أسرع من تلك الدمقرطة، ولكن ما لبثَت أن ارتدَت عنها أو تلك التي لم تختَر الدمقرطة. أخيرًا؛ ضمن نموذج عامليّ للنموّ، إنَّ الدمقرطة الحديثة والناحجة تحفّز النموّ.

وبالنسبة إلى الوطن العربيّ؛ فإنَّ سببًا أساسيًّا لانهيار النموّ الاقتصاديّ في الوطن العربيّ كان القدرةَ المحدودة للبلدان العربيّة على معالجة النزاعات عقب الصدمات الخارجيّة التي تعرّضت لها. إنَّ فرضيّة الدمقرطة الطويلة المدى في الوطن العربيّ ستساهم في تحقيق نموّها الاقتصاديّ على المدى الأبعد، وذلك من خلال تمكينها من مواجهة الصّدمات على نحو أفضل.

هناك حجّة اقتصاديّة قوّية لصالح الدمقرَطة في الوطن العربيّ. في الواقع، فإنّ التنويع الأكبر للاقتصادات العربيّة، المرتبط بالنموّ المتسارع، من شانه أن يساعد على تقليص تأثير الصدمات الخارجيّة، وتقليل الضغط على البلدان العربيّة إلى أقلّ حدّ ممكن في سعيِها إلى معالجة الصراعات الاجتماعيّة المحليّة وتوفير التكاليف الاقتصاديّة.

 

 

بلدان عربية نماذجَ عجزٍ ديمقراطيّ(نفط… صراعات)

 

الأردن… مَلَكيّة مُعيقة للإصلاحات السياسيّة(دراسة طاهر كنعان وجوزيف مسعد)

الأردن، مثل معظم البلدان العربيّة، عانى استمرار الحكم الأتوقراطيّ. النظام لم يأتِ بجديد في مسار حكمه الأوتوقراطيّ، رغم أنه كان هناك بعض الخطوات التي أقدم عليها في مناسبات معيّنة في اتجاه اللبرلة السياسيّة. وهذا يؤيّد الموضوعة الرئيسة لتحليل الباحثين البدويّ والمقدسيّ وميلانت لـ”نقص الحـريات” في الوطن العربيّ، من حيث أنَّ الصراع العربيّ-الإسرائيليّ، مع ما يرافقه من تدخّل القوى الخارجيّة، قد أثّر سلبًا بشكل واضح في العمليّة الديمقراطيّة في الأردن.

إنَّ غياب التقدّم الديمقراطيّ الحقيقيّ يرتبط بقدرة المَلَكيّة الأردنيّة على إعاقة الإصلاحات السياسيّة الحقيقيّة من خلال حوافز ووسائل متعدّدة، ومموَّلة إجمالاً بالإيراد العامّ الرَّيعيّ(غير الضريبيّ) ومن خلال اختيار النخبة والطبقة الوسطى، وكذلك بالاعتماد على القوى الغربيّة(بريطانيا أوّلاً ثمّ الولايات المتّحدة) بالنسبة إلى الدعم الماليّ والسياسيّ والعسكريّ الذي خدم بدوره مصالح تلك القوى في المنطقة، بما في ذلك دعمها لإسرائيل. إنَّ الانفتاح الديمقراطيّ الضئيل الذي عرفه الأردن لأقلّ من بضع سنين، في بداية التسعينيّات قد انتهى عمليًّا. وفي الواقع، فإنَّ زيادة التأثير الأميركيّ كان عاملاً كبيرًا جدًّا في المحافظة على نظام الحكم الأوتوقراطيّ في الأردن.

جرّب النظام عددًا من الاستراتيجيّات لإضعاف حركيّة المواطنين وتعاضدهم. تضمّنت حملات دعويّة مثل “الأردن أوّلاً”، قادت إلى نزع الشرعيّة عن أيّ احتجاج للتضامن مع الجيران الفلسطينيّين والعراقيّين على أساس أنَّ ذلك يجعل الأردن بلدًا مستهدفًا يهدّد استقراره؛ وعدم تقيّد النظام بالروح الديمقراطيّة للدستور كما هو وارد في الميثاق الوطنيّ؛ واستمرار العمل بالقانون الانتخابيّ غير الديمقراطيّ والذي عمل على تغذية الولاءات والمصالح المحلّيّة والقَبَليّة والجِهَويّة الضيّقة وتفضيلها على الاهتمامات السياسيّة الوطنيّة، وهو ما قاد إلى تعميق الانقسامات وإضعاف المعارضة السياسيّة. “قانون محاربة الإرهاب، الرقم 55 لسنة 2006” الجديد يفسح المجال لتصاعد حدّة القمع من خلال الفقرات التي توسّع نطاق حريّة التصرّف في إدارة الأمن بطُرق يمكن أن تسبّب للمواطنين متاعب جدّيّة، وأن تؤثّر سلبًا في شؤونهم ومصالحهم، أو حتّى أن تسيءَ إلى أصول تطبيق أحكام القانون.

إنَّ تجزئة المجتمع الأردنيّ(وعلى نحو خاصّ في شكل فلسطينيّين مقابل أردنيّين) سهّلت خلق أجواء المكيدة والتآمر السياسيّ. هذا حيّد بشكل فعّال الطبقة الوسطى المتعلّمة، التي توسّعت بسرعة مع النموّ المستدام، وأبعدها عن أن تكونَ المتغيّـر الذي يعمل من أجل الدمرقطة التي تتنبّأ بها نظريّة الحداثة لدى “ليسبيت”.

لقد تضافرت هذه العوامل الخارجيّة والمحليّة لإدامة المبادلة بين حريّة وديمقراطيّة أقلّ مقابل أمن وطنيّ أكثر.

 

لبنان… تنوّع مذهبيّ وديمقراطيّة جزئيّة… وحاجة إلى نظام تنافسيّ

(دراسة سمير المقدسيّ وفاديا كيوان وماركوس ماركتانر)

إنَّ الاستقطاب الطائفيّ في لبنان ونظام الحكم الإقليميّ(آثار الجوار من النظم الأوتوقراطيّة المحيط بلبنان) تضافرا للنَّيل من الوضع الديمقراطيّ اللبنانيّ. ولكن، من ناحية أخرى، عمِلت الحرّيّات المدنيّة والحقوق السياسيّة التقليدية في لبنان على صدّ هذا الاتجاه، والمحافظة على مستوًى معيّن من الممارسة الديمقراطيّة. ومؤشّرات نظام الحُكم تصنّف النظام السياسيّ القائم في لبنان بالديمقراطيّة الجزئيّة.

وإذا أخذنا في الاعتبار التنوّع المذهبيّ في لبنان، فإنَّ نموذج الديمقراطيّة التوافقيّة اللبنانيّة، المتّفق عليه عشيّة الاستقلال، كان يهدف إلى ضمان درجة عالية من الممارسات الديمقراطيّة. ولكنِ اللاعبين السياسيّين الكبار(وهم ذوو توجّه طائفيّ في الغالب) فشلوا في بناء مؤسّسات وطنيّة قابلة للاستمرار وذات تطلعات إلى المستقبل. ونتيجةً لذلك، تعرّضت الحياة السياسيّة لهزّات كبيرة مزعزعة للاستقرار الداخليّ، غذّاها التداخل بين الطائفيّة والمؤثّرات والتدخّلات الخارجيّة الداعمة لعدم الاستقرار.

وهكذا، فإنَّ التحدّي الأساسي أمام لبنان اليوم هو كيفيّة تطوير مؤسّساته السياسيّة لتعزيز الممارسات الديمقراطيّة وتقوية الاستقرار وتشجيع النموّ الاجتماعيّ-الاقتصاديّ العادل. ويتطلّب الإصلاح السياسيّ، تطوير النموذج التوافقيّ القائم، عن طريق إزالة طابعه الطائفيّ، تمهيدًا لقيام نظام ديمقراطيّ علمانيّ وتنافسيّ يؤمّن الشروط الضروريّة للاستقرار الطويل المدى والتنمية المستديمة. إنَّ اتّفاق الطائف يتضمّن الإطار الذي يمكِّن من مباشرة السَّير على هذه الطريق.

 

 

سوريا… نظامُ أربعة عقود مُجهِز على المعارَضة(دراسة رائد صفديّ ولورا مونرو ورضوان زيادة)

يظلّ النظام الأوتوقراطيّ في سوريا راسخًا(رغم بعض الإصلاحات السياسيّة المحدودة). إنّ نظام البعث الذي أمسك بالسلطة واستولى على الدولة في أوائل السبعينات من القرن الماضي ما زال يحكم سوريا بقبضة قويّة لفترة أربعة عقود تقريبًا. وقد تمكّن من ذلك من خلال نظام القيادة والتحكّم، الذي تتعرّض مِن قِبَله أيّة معارضة مسيئة له لأشدِّ العقوبات.

نجح النظام في استيعاب قطاع الأعمال الذي قرّرت قياداتُه العملَ بالقواعد التي وضعها النظام بدلاً من المخاطرة، إن لم يفعلوا ذلك، بفقد أعمالهم و/أو مواجهة الاضطهاد.

وقد مكّن النّفط وصراعات المنطقة، وبخاصّة الصراع العربيّ-الإسرائيليّ من إيجاد بيئة مساعِدة لسيادة الحُكم الأوتوقراطيّ. وقد أدّى نقص الحريات الاقتصاديّة دورًا هامًّا في إعاقة الإصلاحات الاقتصاديّة في سوريا.

من الممكن خدمة قضيّةُ الديمقراطيّة في سوريا من خلال خطوات إضافيّة من الإصلاحات المؤسسيّة والاقتصاديّة. فينبغي التركيز على الإصلاحات التي تخدم الأقسام الواسعة من السكان، عِلمًا أنَّ هذه الإصلاحات لا بدّ من طرحها وتطويرها داخليًّا.

للدول الغربيّة أن تشجّع العمليّة الديمقراطيّة من خلال دعم المؤسّسات الداخليّة وبرامج الإصلاح الاقتصاديّ ذات النفع الواسع، بدلاً من فرض العقوبات أو محاولة إعاقة دخول سوريا إلى المنظمات الاقتصاديّة الدوليّة.

 

دول الخليج… حُكم أوتوقراطيّ أبعدُ من النفط!(سامي عطا الله)

لقد رُبط تواصل الحكم الأوتوقراطيّ في بلدان الخليج بالنفط إلى حدّ بعيد. فوجود أكبر الاحتياطات العالميّة من النفط في هذه البلدان منحها القدرةَ على شراء سكوت سكّانها مقابل برامج الرَّفاه، وكذلك قمع المعارَضة عن طريق نَفيِهَا وترحيلها. ومع أنَّ نظريّة لعنة الموارد الطبيعيّة تلتقط حالات قطر والعربيّة السعوديّة والإمارات، فإنَّ الكويت لا تندرج ضمن الفئة نفسها بسبب وجود برلمان منتخَب منذ سنة 1962، ولو مع سلطات محدودة.

جذور تواصل نظام هذا الحُكم تعود إلى السنوات التكوينيّة لبلدان الخليج. فكلّما كانت هذه البلدان أقرب إلى الهند البريطانيّة، كان احتمال تدخّل بريطانيا في شؤونها أكبر لتأمين مصالحها الاقتصاديّة. وهذه كانت حالة عمّان والبحرَين والإمارات وقطر بشكل خاصّ. ولكن الكويت والعربيّة السعوديّة كانتا، في البداية، أقلَّ عرضةً للتأثير البريطانيّ لكونهما أبعد إلى ناحية الشمال. ولذلك، كان نظام الحكم فيها نتاج العوامل المحلّيّة إجمالاً.

إنَّ فهم طبيعة نظام الحُكم الأوتوقراطيّ في منطقة الخليج يتطلّب الذهاب إلى أبعد من النفط وأنواع محدَّدة من الصراع مع كل تأثيراتها السلبيّة.

إنَّ الخلفيّة السياسيّة-التاريخيّة لبلدان الخليج تتيح رؤيةً مهمّة ومكمِّلة تساعد على توضيح أسباب تواصل نظام الحُكم الأوتوقراطيّ فيها، رغم التنمية الاجتماعيّة-الاقتصاديّة الهامّة التي تحقّقت فيها منذ الحرب العالميّة الثانية.

 

الجزائـر… “صفقة استبداديّة” للنخبة السياسيّة لترسيخ الأوتوقراطيّة(بلقاسم العبّاس/عمّار بوحوش)

جرى صوغ النظام السياسيّ الجزائريّ الحاليّ في أثناء حرب التحرير القاسية(1954-1962). وبعد الاستقلال مباشرة، أزاح بن بلّة الحكومة المؤقّتة وكان يتمتّع بدعم الجيش. تعزّز وضع الاستبداد بحكم بو مديَن(1965-1978) الذي ركّز على بناء الدولة من خلال تنفيذ خطّة تنمية اجتماعيّة-اقتصاديّة طموحة، قام تمويلُها على الريوع النفطيّة والدَّين الخارجيّ بشكل رئيسٍ. ورغم النموّ الاقتصاديّ الصحي والتنمية الاجتماعيّة القويّة التي تحقّقت أثناء حقبة بو مديَن، فإنَّ الإدارة السياسيّة والاقتصاديّة البيروقراطيّة غير الكفؤة، والتركيز على الصناعة الثـقيلة، سبّبا عجوزًا ضخمة في أسواق السلع الاستهلاكيّة والسَّكَن، وكان هناك غياب في الحريات المدنيّة والحقوق السياسيّة.

كان النظام الحاكم بطيئًا في مواجهات التراجع الاقتصاديّ بسبب غياب الإجماع بين المجموعات الرئيسة للنظام على ماهيّة الإصلاح الذي ينبغي إدخالُه. وقد تطوّر السخط الشعبيّ بسرعة وبلغ ذروته في 5 تشرين الأوّل/أكتوبر 1988 حينما نزل الشباب إلى الشارع، وحطّموا الممتلكات العامّة، وهاجموا الرَّموز الحكوميّة. وقد حمل نجاح الإسلاميّين المتشدِّدين في الانتخابات الجيشَ على التدخّل ووقف العمليّة السياسيّة سنة 1992. وأطلق هذا القرار عشر سنوات من الصراع الأهليّ كلّف خسائر بشريّة هائلة. ورغم استئناف العمليّة الانتخابيّة سنة 1995، فقد استُبعد الإسلاميّون المتشدّدون. وبالنسبة إلى الزيادة(التحسّن) المسجّلة في درجة نظام الحُكم سنة 2004، فهذه كانت انعاكسًا لعمليّة انتخاب شكليّة أكثر ممّا هي حقيقيّة.

وتبيِّن نتائج الانحدار الذي أجري في هذه الدراسة، أنَّ تأثير التنمية الاقتصاديّة، كان يقيسُها متوسّط الناتج المحلّيّ الإجماليّ للفرد، في نظم الحُكم، لم يكن قـويًّا.

إنَّ تباطؤ تغيّر نظام الحُكم، وقفزاته الحادّة والمتقطّعة، يعكِسان حقيقةَ أنَّ النخبةَ الحاكمةَ كانت تستجيب على نحو بطيء لضغوط الدِّمقرطة. وفي الواقع، فإنَّ النخبة أبرمت “صفقة استبداديّة”، جرى فيها تبادل المنافع الاقتصاديّة مقابل الحرّيّات السياسيّة والاقتصاديّة.

يُعتقد أنَّ الريوع النفطيّة والصراعات الداخلية هي الدوافع الرئيسة للصفقة، التي دعمت، في نهاية المطاف، النظريّة التي طوّرها البدويّ-المقدسيّ-ميلانت لتفسير العجز الديمقراطيّ في الوطن العربيّ. ويتحوّل نظام الحُكم بصورة إيجابيّة عند هبوط أسعار النفط هبوطًا حادًّا. وفي هذه الحالة، الصراعات الداخليّة تزداد بشكلٍ حادٍّ، وهو ما يحمِل النظام الحاكم على إعادة ترتيب صفقة الاستبداد. ولم يساهم الصراع الخارجيّ والحرب العربيّة-الإسرائيليّة في بقاء النظام الحاكم إلاّ بقدْر يسير. والزيادة الحادّة في الرّيوع النفطيّة، تخفِّف من الصراعات الداخليّة، ولكنّها لم تقلب عمليّة الدِّمقرطة؛ بل هي تحافظ على الوضع الراهن.

ومنذ نهاية الثمانينيّات باشرت الجزائر إصلاحات سياسيّة في بيئة من العنف وبُنْية فقيرة جدًّا من المؤسّسات. ومال كلا هذين العاملَين إلى إضعاف آفاق تحقيق المزيد من الدِّمقرطة. وفي الواقع، فإنَّ الزيادة المثيرة في الريوع النفطيّة والهبوط المرافق في مستوى الصراع الداخليّ في السنوات القليلة الماضية سيساعدان النخبة على تعزيز الوضع الراهن لصفقة الاستبداد، من خلال السماح لها بتخفيف مشكلة السكَن ومعالجة مسكلة البطالة، إلى جانب الاحتياجات الأخرى للسكّان بشكل عامّ.

هذا الاتجاه يتمشّى مع استنتاج وَحدة المعلومات في مجلّة “Economist”، وهو الاستنتاج القائم على مؤشِّرِها العالميّ للديمقراطيّة لسنة 2008، الذي لاحظ أنَّ العالَم يمرّ بنوع من “الانكماش الديمقراطيّ”، فلم يتحقّق سوى تقدّم ضئيل في عمليّة الدِّمقرطة في مختلف البلدان.

الوضع الاقتصاديّ مريح حاليًّا في الجزائر، ما لم تقلّبْه القلاقل العالميّة الحاليّة، وعدم وجود دَين خارجيّ تقريبًا، والاحتياطات الكبيرة من العملات الأجنبيّة، وضآلة أو انعدام الضغوط الغربيّة، وما هو أهمّ، عدم رغبة النُّخبة الحاكمة في دفع عمليّة الدمقرطة إلى الأمام، فإنَّ الانكماش الديمقراطيّ في الجزائر قد يستمرّ فترة طويلة.

إنَّ مفتاح العمليّة الحقيقيّة للدِّمقرطة في الجزائر، الذي يمكن أن يقلب هذا الاتّجاه، يكمن في وقف عمليّة المواجَهة بين النخبة والمواطنين. وهذا سيتطلّب أن تكون التنمية في خدمة الديمقراطيّة، وذلك بشكل رئيسٍ من خلال تقليل تأثير الريوع النفطيّة في الاقتصاد عبر استئناف النموّ غير النفطيّ من الاقتصاد، وبناء المؤسّسات السياسيّة والاقتصاديّة القويّة والجديرة بالثقة، لمحاربة الفساد وتهدئة الإضطراب بين النخبة والمواطنين. التنمية لن تكون في خدمة الديمقراطية إلا في حالة وجود إصلاحات سياسية أساسية وسلمية.

 

العراق… تأثيرات النفط والحرب والصراعات(دراسة بسّام يوسف وإيرِك ديفيز)

يشير أحد جانبي نظرية الدولة الريعية إلى أن الإستقلال المالي للدولة يحميها من المساءلة والمسؤولية بينما يؤكد الجانب الآخر القدرة الكبيرة للدولة على رشوة خصومها أو قمعهم. وهذا الأمر يطرح التساؤل عما إذا كان بوسع أي من هذين الجانبين لنظرية الدولة الريعية أن يفسر تدني مستوى الدمقرطة في العراق.

إرتفعت الإيرادات النفطية، بشكل كبير بعد الخمسينيات رافقت ذلك سلسلة من المفاوضات بين شركات النفط والحكومة العراقية تمخضت، سنة 1952، عن إتفاق أكثر ملاءمة للدولة، تحصل بموجبه على 50% من أرباح الشركات النفطية سنوياً. كنتيجة لذلك، إزدادت الإيرادات النفطية كثيراً وارتفعت الموارد الحكومية من النفط من 10% في الفترة 1946 – 1950 إلى 54% في الفترة 1951 – 1955، وبقيت على مستويات عالية في ما بعد. تمّ، في سنة 1950، تأسيس مجلس تنمية مستقل لاستثمار الإيرلدات النفطية. ومع الوقت، باتت الإيرادات النفطية تمول معظم أو جميع النفقات الجارية تقريباً وجميع النفقات الرأسمالية. وللوهلة الأولى، كان الإتجاه العام في فترة ما بعد منتصف الخمسينيات إتجاه إيرادات نفطية متزايدة كحصة من الإيرادات الكلية- وما يتيحه ذلك من الإستقلال المالي الواسع والقدرة الكبيرة للحكومة على الرشوة أو القمع- التي تبدو مرتبطة بمحصلة ديمقراطية متضائلة.

… إلى ذلك؛ إنَّ الحرب العراقية- الإيرانية أطول حرب عرفها العراق وأعلاها تكلفة، فلا بدّ أن نجد لها تأثيرًا ما في الديمقراطية، إذا كانت الحرب الإقليمية تمتلك القوة التفسيرية، مثلما يفترض نموذج البدوي والمقدسيّ. لا تدعم نتائج مؤشر “هيومانا” وجود علاقة ما (في أي إتجاه كان) بين الحرب العراقية- الإيرانية والمحصلات الديمقراطية؛ هذا يشير، مرة أخرى، إلى الحاجة إلى وضع فرضية “الحرب الإقليمية” ضمن سياق تاريخي محدد.

استنتاجات مؤشر “هيومانا” لا تدعم فرة كأن النظام البعثي وظف لحرب مع إيران لتعزيز سلطته وتوسيع قاعدته الإجتماعية. في المقابل النظام كان قد حقق بالفعل، قبل اندلاع الحرب، ما كان ضرورياً لتعزيز وضعه، مقارنة بقوى المعارضة. وفي الواقع فإن آخر تحدٍّ حقيقي لسلطة البعث حدث سنة 1973، حينما قام مدير الأمن العام، ناظم كزار، بمحاولة الإنقلاب على النظام. ورغم النجاح الكبير للانتخابات التشريعية في العراق ما بعد صدام حسين عام 2005، فإن الحكومة العراقية يسودها الفساد الواسع والشفافية الضئيلة وتطبيق القانون المتقطع. فما لم يخضع المسؤولون العراقيون للمساءلة والعقوبات عند انتهاك القانون، فإن العراق يبقى بعيداً عن الانتقال إلى الديموقراطية.

 

مصـر… مصالح رجال الأعمال والخوف من الإسلاميّين دعامة للأوتوقراطيّة

(دراسة جودة عبد الخالق ومصطفى السيد)

ثمّة عجز ديمقراطيّ عربيّ متواصل رغم النموّ الملحوظ في دخل الفرد في المنطقة، والتحسّن الملموس في مستويات الصحّة والتعليم في المتوسّط. ويكشف فحص الإجراءات الاقتصادية والسياسيّة في مصر خلال 1960-2005 أنَّ اللبرلة الاقتصاديّة استدامت، وبخاصّة منذ سنة 1968، في حين كانت اللبرلة السياسية تتقلّب ضمن اتجاه صاعد، ولكنه متواضع.

والغريب أنَّ صادرات الطاقة لم يكن لها أثر كبير في نظام الحُكم في مصر، مع أنَّ الثروة النفطيّة للمنطقة ربما كان لها تأثير سلبيّ غير مباشر. إنَّ إهدار تصنيع مصر بقوّة منذ أواخر السبعينيّات يقدّم تفسيرًا إضافيًّا للدمقرطة المعوَّقة في البلاد خلال الفترة محلّ الدرس.

وهذا يختلف عن حالة كوريا الجنوبيّة التي كانت ظروفها الابتدائيّة مشابهة لظروف مصر. ولكنّها نجحت في اجتياز التصنيع العميق والواسع الذي صحبتْه عمليّة دمقرطة في مرحلة تالية. وبينما تغيّر هيكل الاقتصاد في كوريا الجنوبيّة في اتجاه تكوين مقدار أكبر من الأصول الكثيفة رأس المال، فإنَّ حالة مصر تميّزت بأنَّ الزيادة في دخل الفرد ارتبطت بتكوين مقدار أقلّ من الأصول الكثيفة رأس المال، ومقدار أكبر من الأصول الكثيفة الموارد والخدمات.

كما أوجد إهدار التصنيع في مصر مَيلاً إلى تركيز التشغيل في قطاع الخدمات، حيث تتدنّى الإنتاجيّة ويكثر العمل غير المنظَّم إجمالاً.

فبما تطلع حالة مصر عن شروط الانتقال الديمقراطيّ في بلدان الجنوب؟

تُثبِت حالة مصر أنَّ المستويات الأعلى لدخل الفرد، ومستويات المعيشة بشكل أعمّ، لا تتماشى بالضرورة مع عمليّة الدمقرطة. ويمكن أن تؤخَذَ اللبرلة السياسيّة القليلة التي حدثت في البلاد لدعم المحاجّة القائلة إنَّ المستوى العالي من التنمية يرتبط مع الديمقراطيّة في الغالب. وهذه هي، في الواقع، حالة العديد من البلدان المتطوِّرة حديثًا؛ فالتقدّم على مسار التنمية الاقتصاديّة سبق الانتقال إلى نُظُم أكثر ديمقراطيّة في بلدان شرق آسيا مثل كوريا الجنوبيّة وتايوان. ولأنَّ مصر لم تصبح حتّى دولة مصنِّعة حديثًا، فربّما ليس مستغربًا أنها لم تنتقل بسرعة على مسار الدمقرطة.

إنَّ علاقات المصلحة المتبادَلة بين مجموعات رجال الأعمال والمسؤولينَ الحكوميّينَ أمر هامّ كوسيلة لمراكمة الثروات والمحافظة عليها. فهذه المجموعات هي جزء من النخبة السياسيّة في العديد من البلدان العربيّة. وفي مصر، ينشط أقارب الشخصيات الكبرى من النّخبة الحاكمة في حقل الأعمال. وفي ظلّ هذه الظروف، لا يحتمل أن تضغطَ مجموعات الناشطين من أجل الديمقراطيّة. فلماذا ينبغي لهم تغيير نظام سياسيّ ليسوا هم من كبار المستفيدينَ منه فقط، بل هم ممثِّلوه البارزون كذلك؟

إنَّ الخوفَ من الإسلاميّين يرد كسبب للامتناع عن الضغط من أجل اللبرلة السياسيّة. فالإسلاميّون برزوا كأكبر مجموعة معارِضة. وإنَّ الخوفَ من آثار وتداعيات قوّتهم المتزايدة لا يقتصر على أعضاء النخبة الحاكمة، بل يشمل أقليّات غير المسلمِين، وأقسامًا واسعة من الطبقة الوسطى المتعلّمة ومجموعات الأعمال.

إنَّ تلك الاحتمالات تعتمد إلى حدّ بعيد على قدرة المدافعينَ عن الديمقراطيّة على تعبئة الدعم الجماهيريّ الذي سيتيح لهم، من خلال الإجراءات الدستوريّة، الضغط على النخبة الحاكمة للتحرّك في اتجاه دولة ديمقراطيّة حقيقيّة.

 

السودان.. ترسّبات استعمارِ الحُكم الثنائيّ.. والشعب “رعايا”(دراسة عليّ عبد القادر عليّ وعطا البطحانيّ)

إنَّ العجز الديمقراطيّ المشاهَد في السودان يمكن فهمه أكثر من خلال تجربة السودان الاستعماريّة الفريدة، التي كانت وراء نشوء مجتمع مدنيّ في ظلّ الحُكم الثنائيّ(condominium rule) الذي مارستْه بريطانيا ومصر كقـوّتَين استعماريّتَين متنافستَين.

كما أنَّ الاحزاب السياسيّة التي نشأت في ظل الحُكم الاستعماريّ، مع تقاليدها في التعامل الطائفيّ والسياسة المشخصنة، تواصلت في فترة ما بعد الاستعمار، وظلّت تهيمِن على الحياة السياسيّة في البلاد.

في ظل الاستعمار، كانت غالبيّة الشعب “رعايا” للدولة الاستعماريّة، وكانت أقليّة صغيرة فقط “مواطنينَ”.

 

خلاصة(إبراهيم البدويّ وسمير المقدسيّ)

على الرغم من ارتفاع مستوى التنمية الاجتماعيّة الاقتصاديّة في الوطن العربيّ على نحو لافت، فإنَّ المنطقة ما زالت تعاني “عجزًا ديمقراطيًّا”(بحسب “مؤشّر نظام الحُكم”). إنَّ دَور الصراعات والنفط هامّ جدًّا في تفسير هذا العجز، مقارَنة بالمجموعات الأخرى من البلدان التي تتمتّع بالمستوى نفسه من التنمية الاجتماعيّة-الاقتصاديّة.

وإنَّ الدراسات القُطْريّة تبيِّن أنَّ التأثير الدقيق للنفط والصراعات هو مستر تطوّريّ تابع(Path Dependant) تحكمه ديناميّة السمات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة المميِّزة للبلد المَعنيّ والمؤسسات السياسيّة الكامنة خلف تلك السِّمات. والثروة النفطيّة العربيّة والصراع العربيّ-الإسرائيليّ هما أساس “الصفقة الاستبداديّة” التي تتحكّم بالوطن العربيّ حتّى الآن. تتأثّر هذه الصفقة، بدرجات مختلفة، بالعوامل المكمّلة التاريخيّة والسياسيّة والمجتمعيّة الخاصّة بكلّ من البلدان العـربيّة.

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

صدور كتاب “الرئيس والكونغرس” للباحث صباح عبد الرزاق كبة

صدر حديثاً عن دار الرافدين في بيروت كتاب “الرئيس والكونغرس والقرار السياسي الخارجي الأميركي” للباحث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *