الرئيسية / كتب / الشيعة السعوديون.. قراءة تاريخية وسياسية

الشيعة السعوديون.. قراءة تاريخية وسياسية

 

 قراءة: د. هيثم مزاحم – خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – 

 

يطرح كتاب الباحث السعودي ابراهيم الهطلاني”الشيعة السعوديون- قراءة تاريخية وسياسية” واقع الشيعة السعوديين في قراءة تاريخية وسياسية، حيث يرصد صورتين متناقضتين يكتنزهما كل من أهل السنة والشيعة عموماً وفي السعودية خصوصاً، عن الآخر.

ويوضح في مقدمته أن هذا البحث لا يهدف إلى إظهار عيوب أو طمس محاسن أو العكس، وكذلك لا يسعى إلى استرضاء جهات طائفية على حساب أخرى، وإنما هي محاولة لقراءة المساحة الفاصلة بين أهل الشرق السعودي وبقية الجهات الوطنية والرسمية، وتحديد العناوين الجامعة والمانعة للتعايش الوطني.

يؤكد الهطلاني أن الصورة القاتمة الي يختزنها أهل السنة في المملكة العربية السعودية عن مواطنيهم الشيعة هي المسيطرة في الذهنية السنية بشكل عام والسلفية بخاصة، وقد استمرت هذه الصورة خلال الفترتين الأولى والثانية من الحكم السعودي. أما الفترة المعاصرة فقد تأثرت سلباً وإيجاباً بحوادث تاريخية ومواقف سياسية وعسكرية منذ قيام المملكة العربية السعودية بدءاً بالتفاهم بين الملك عبد العزيز وأهل القطيف بعد هزيمة الحامية التركية وانسحابها من الأحساء وانضمام المنطقة إىل الدولة السعودية الثالثة عام 1913 وما تبعه من اندلاع الحركات المطلبية لأبناء المنطقة، ثم لعمال النفط المدعومة بتوجهاتها القومية واليسارية منذ أواخر الأربعينات وحتى منتصف السبعينات، مروراً بالثورة الإيرانية وتحريضها الشيعة السعوديين على الثورة الداخلية على الحكم السعودي والمصالحة بين المعارضة والنظام، وصولاً إلى تفجير الخبر عام 1996 وما تبع ذلك من أحداث في المنطقة الشرقية.

ويوضح الكاتب أنه في المقابل يوجد أيضا صورة نمطية وحادة رُسمت في الذهنية الشيعية منذ أربعة عشر قرنا عن أهل السنة، وغُذيت عقائدياً وتربوياً من خلال المراجع الدينية، واستخدمت في عدة مراحل تاريخية من جهات سياسية إقليمية، كما استخدمت الشعارات السنية كذلك ولنفس الأسباب.

ويشرح الهطلاوي أن أغلبية السعوديين السنة من غير الباحثين لا يعلمون أن هناك فوارق واتجاهات أصولية ومدارس فقهية متعددة داخل البيت الشيعي في السعودية، ويجهل كذلك كثير من السعوديين تعدد التوجهات السياسية والحزبية لدى مواطنيهم الشيعة، كما أن هناك تفاوتاً داخل المشهد الشيعي في الولاء السياسي الداخلي، كما يوجد تفاوت في الولاء الخارجي. فالواقع الشيعي – كما الواقع السني  – متنوع في اتجاهاته السياسية وتفريعاته الفقهية، وكذلك ينشط التيار الإصلاحي في الوسط الشيعي بذات الدوافع الوطنية التي تحرك الإصلاحيين في الوسط السني. وفي المقابل، يوجد الغلاة والتكفيريون في الواقعين السني والشيعي.

ويرى الهطلاني أن أي دراسة أو تناول للوضع الشيعي في السعودية تستبعد أو تتجاهل العوامل والمؤثرات التاريخية والدينية ستنعكس سلباً على دقة النتائج وواقعيتها وباالتالي ضعفاً في التحليل ومخرجاته.

ويشير إلى أن الحالة الشيعية السعودية قد شهدت تطوراً وانفتاحاً على المستوى الوطني حيث تمكنت شخصيات دينية واجتماعية شيعية من تحقيق خطوات جريئة ومتقدمة تجاه إعادة قنوات الاتصال مع بعض شركائهم في الوطن، ووجدوا تجاوباً إيجابياً مماثلاً أسهم في ترميم بعض الجسور المهدمة منذ قرون.

وهذا التطور لا يقتصر على ذلك بل هناك تطور لافت للوضع المعيشي لسكان المنطقة الشرقية، الذي كان يجب أن يتم منذ عقود، خاصة أن مصادر ومخازن الذهب الأسود تحت أقدامهم، ومن حقهم كبقية الشعب أن يتمتعوا بثروتهم وأن يعيشوا وفق الإمكانات الحقيقية للبلد.

أما في مجال الحريات والمشاركة في السلطة والثروة، وهي من المطالب المطروحة بقوة في المشهد الشيعي، فهي من ضمن الأزمات العامة والشعبية خارج الدائرة الحاكمة ولا تتعلق بطائفة بعينها، فهي مشكلة متوارثة ومكررة في كل بلادنا. ويرى الباحث أن الظلم والحرمان في السعودية لم يفرقا بين الشيعة والسنّة.

 

أصل التشيع

في الفصل الأول من الكتاب يحدثنا الهطلاني عن أصل التشيع، ومواقف المسلمين من القرابة والصحابة، ويتوقف عند صورة الإمام علي بن أبي طالب الرمزية الدينية والسياسية، ويروي أن لحظات الاحتضار السابقة لوفاة المصطفى الكريم (صلى الله عليه وسلم) كانت دقيقة وخطيرة لحاضر الأمة ومستقبلها على كل المستويات وخاصة السياسية والعقدية، لذلك توجه العباس بن عبدالمطلب حاثاً ابن أخيه علي بن أبي طالب على الدخول إلى رسول الله وهو على فراش الموت ليسأله عن أمر الخلافة، إلا أن علياً رفض المبادرة في هذا الأمر، وفضل انتظار الأمر أو الوصية النبوية إن وجدت، ولعله كان يتوقع أن السلطة ستؤول إليه طبيعياً بحكم القرابة، يروي الكاتب.

ويعرض الكاتب مسألة الخلاف بين المسلمين بعد وفاة النبي بشأن الخلافة، ثم يعرض الكاتب لتاريخ البحرين وإسلام أهله، وأخبار الردة بعد وفاة النبي محمد في السنة العاشرة أو مطلع الحادية عشرة من الهجرة (الموافق 632 ميلادية تقريبا)، حيث يقول إن البحرين التي كانت سابقاً تشمل القطيف والأحساء قد ارتد أهلها عن الإسلام وقاتلهم المسلمون حتى عادوا إلى الإسلام، وهي مسألة يشكك بها شيعة المنطقة الشرقية والبحرين.

ومن ثم يتناول الباحث مقتل عثمان بن عفان والفتنة التي وقعت بين المسلمين. ويوضح أن الخطاب الشيعي صرف معالم التقديس الموروثة لشخص الحسين بن علي، دون أخيه الحسن الذي تنازل عن (الحق الإلهي) في الخلافة والحكم وسلمها لمعاوية حقناً للدماء وحماية للأعراض برغم اعتراض وكراهية أخيه الحسين الذي تفرد برمزيته في الخطاب الثقافي والسياسي الشيعي حتى الآن.

ثم يتوقف عند تاريخ التشيع في منطقة الخليج والذي يرتبط بتداعيات وتغيرات سياسية وتاريخية شهدها الحكم العربي الإسلامي خلال الفترات التالية لاستشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان وحتى زوال خلافة بني أمية وتأسيس الخلافة العباسية، وما خلفتها من دويلات وحركات ثورية، إلا أنه وحتى تاريخه لم يتم الاتفاق بين المؤرخين بشكل عام ولا بين مؤرخ سني وآخر شيعي بشكل خاص على تحديد معين يؤرخ به الوجود الشيعي في منطقة الخليج العربي، وبالتالي مازال اللغط والاختلاف مستمراً في تاريخ التشيع والشيعة في السعودية الذي تعرض، كما تعرضت قضايا كثيرة من تاريخنا الإسلامي للمغالطات والافتراءات، إن لم نقل الكذب المتعمد بزيادة أو نقصان أو اختلاق لأسباب سياسية أو طائفية أو مذهبية.

ولا يغفل الهطلاني دعوة القرامطة ودولتهم في البحرين التي أسسها الحسن بن مهرام الجنابي عام 301 هـ والتي استمرت حتى عام 446 هـ. ودولة الأخيضريين التي أسسها محمد الأخيضر في اليمامة عام 253 هـ (867).

 

تأسيس الدولة السعودية والشيعة

في الفصل الثاني في الكتاب يتناول الباحث العصر الحديث حيث تم تأسيس الدولة السعودية الأولى، حيث كانت مواقف حكام إقليم الأحساء وأهلها الشيعة معادياً للدعوة الوهابية الجديدة منذ انطلاقتها في العيينة، وازداد ذلك العداء ليتحول من شكله السياسي والديني إلى المواجهة العسكرية مع تطور الدعوة إلى دولة وتوسع نفوذها وسيطرتها. ويتساءل الكاتب عن سبب عداء أهل الشرق لهذه الدعوة حتى قبل حصول أي نزاع أو مواجهة أو حتى لقاء مع أصحاب الدعوة في نجد. ويرى الكاتب أن أصداء التحولات الصارمة التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب في الحياة الاجتماعية والدينية في بلدته العيينة قد وصلت إلى حاكم الأحساء والقطيف سليمان بن محمد بن عريعر آنذاك. ويبدو أن المتضررين من ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته قد بعثوا إلى بن عريعر يطلبون تدخله لدى حاكم العيينة عثمان بن حمد بن معمر، فبعث إليه بخطاب يأمره فيها بإخراج المطوع الشيخ محمد من العيينة، مهدداً إياه بقطع الدعم المالي”الراتب” الذي كان يرسله ابن حميد، صاحب النفوذ الواسع في كثير من نواحي نجد، الى ابن معمر، الذي استجاب للتهديد وطلب من الشيخ محمد الخروج من العيينة.

توجه الأخير إلى الدرعية حيث انتهى به الأمر إلى البيعة لتي عقدت بينه وبين الأمير محمد بن سعود، حاكم الدرعية، والذي أصبح فيما بعد صاحب الدولة، وذلك عام 1158ه / 1745م، المشهورة باتفاقية الدرعية. 

وبعد وفاة سليمان بن محمد بن عريعر، تولى السلطة في الأحساء عريعر بن دجين بن سعدون، الذي بدأ يستعد لغزو نجد محاولاً القضاء على دولتها الناشئة. وتوجه على رأس جيش من مختلف الطيف المذهبي من الأحساء وبني خالد فحاصر الدرعية ورماها بالمدافع لمدة شهر، إلا أنه لم يتمكن من دخولها وعجز عن إخضاعها، مما جعله يجمع قواته ويرجع من حيث أتى.

وفي عام 1176ه، جهز محمد بن عبد العزيز لغزو الأحساء فظفر بقرية “المطيرفي” وقتل من أهلها سبعين رجلاً وغنم جميع ما فيها، وكذلك قعلوا في المبرز.

كان بنو خالد يدركون خطورة توسع آل سعود على نفوذهم في منطقة نجد بل على مركز حكمهم في الأحساء، ولذلك حرص حكام الأخساء على إضعاف حكام الدرعية والتصدي لقوتهم الناشئة التي تستهدف السيطرة على شبه الجزيرة العربية إسذا ما تم لها السيادة في نجد. وأصبح إقليم الأحساء مقصداً لقوات الدرعية بعد أن احتلوا الرياض عام 1187ه/ 1773م بشكل نهائي. وقد جاء التوجه السعودي الثاني ناحية الأحساء عام 1783م بهدف ضم المنطقة إلى سلطة الدرعية والتوسع ناحية الساحل الشرقي، وتمكن عبد العزيز بن محمد من ضم الجزء الجنوب من الأحساء فيما بقي الجزء المشالي في يد المنتفق يحكمه باسم الدولة العثمانية.

يروي المؤرخ النجدي ابن بشر في أحداث 1203ه/ 1788م أن سعود بن عبد العزيز سار بجيوشه إلى الأحساء ونازل أهل القرية المبرز ثم توجه نحو قرية الفضول شرقي الأحساء فأخذها وقتل من أهلها نحو ثلاثمئة رجل. ثم سار سنة 1206ه نحو القطيف فحاصرها تماماً حتى تمكن من الاستيلاء على منطقة سيهات ومن ثم منطقة القديح وما جاورها، ومن ثم منطقة عنك التي يكثر فيها سكان الخوالد، ومن ثم سار إلى منطقة العوامية فحاصرها تماماً.

وفي عام 1793 تمكن السعوديون من السيطرة على معظم إقليم الأحساء، لكن السيطرة الكاملة تمت بغد علم عبد العزيز بن محمد أن في الأحساء مجموعة من شخصيات المنطقة تجتمع سراً وتخطط لنقض الاتفاق مع الدرعية والثورة ضد سلطتها. وفي شهر ذي القعدة من عام 1210ه/ 1796م أرسل عبد العزيز بن محمد إليهم قوة عسكرية حاصرت المتمردين حتى تمكن من إخراجهم من الأحساء وهزيمتهم وتمت سيطرة آل سعود على الإقليم وعينوا أميراً عليه، وأزالوا جميع المظاهر التي تتعارض مع المعتقدات السلفية فيه. ثم سيطر آل سعود على القطيف وعينوا أميراً عليها بعد مواجهات عنيفة مع أهلها الشيعة.

يقول الكاتب إن الرايتين الدينية والسياسية كانتا متلازمتين طوال التحركات العسكرية لقوات الدرعية سواء التي قادها ائمة الدرعية شخصياً أو التي كلف بها قادة قبليون، وأن التشدد في مواقف قيادة الدولة السعودية حينها خلال مواجهاتهم السياسية أو العسكرية مع المستهدفين من التوسع كانت سياسة معتمدة ومبدأ عسكرياً تطبقه الدرعية داخل الجزيرة العربية بلا استثناء وبشكل صارم، سواء في المناطق الشمالية أو الجنوبية. وفي العرف القبلي لا بد من خضوع المغلوب للغالب بصرف النظر إن كان سنياً أو شيعياً. وكانوا يخضعونهم سواء أكانوا شيوخاً أو زعماء طائفة بالطاعتين الدينية عبادة وسلوكاً وفقاً للمنهج السلفي الوهابي، والطاعة السياسية لسلطة الدرعية.

وينقل الباحث عن باحثين شيعة قولهم إن الشيعة خلال عهد الدولة السعودية الأولى استهدفوا واضطهدوا بسبب مذهبهم وسفكت دماؤهم وهتكت أعراضهم ونهبت أموالهم وحاولوا إلغاء خصوصيتهم المذهبية بالقوة.

يرى الهطلاني، مستنداً إلى مصادر عدّة، أن إخضاع الدولة لمناطق الشيعة لم يختلف عما حدث من عمليات إخضاع في مناطق أخرى. وهذا يعني أنّ الشيعة لم يُستهدفوا أو يُضطهدوا بسبب مذهبهم بل لأنهم رفضوا الخضوع للسلطة. إنها قراءة معاكسة للقراءة التي قدمها عدد من الباحثين والمعارضين السعوديين الشيعة على رأسم حمزة الحسن صاحب كتاب «الشيعة في المملكة العربية السعودية». وقد استخدمه المؤلف كمرآة معاكسة لأطروحاته في الكتاب، متهماً إياه بتقديم انتمائه المذهبي على ما جرى من حقائق على الأرض، وبأنه جنح عن مسار البحث العلمي والموضوعي.

 وظلت العلاقة بين الشيعة والسلطة السعودية متأزمة تسودها مشاعر العداء والكره والتوجس، سواء كان الموقف هادئاً باتفاق أو هدنة أو مشتعلاً بمواجهة عسكرية أو سياسية حتى سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1818م وتدمير عاصمتها الدرعية على يد إبراهيم بن محمد علي باشا.

ويشير المؤلف إلى محاولة والي بغداد مساعدة أهالي الخساء والقطيف فأرسل جيشاً مرتين لتحريرهم من قبضة آل سعود وفشل في المرتين عام 1797 و1799م ثم تمت هدنة بينهما. وفي عام 1802م شن عبد العزيز هجوماً على كربلاء انتقاماً لمقتل عدد من السعوديين في العراق، وكان انتقامه دموياً كعادته وهدموا قبة ضريح الإمام الحسين وقتلوا من وجدوا في الطرق والأسواق وسرقوا المال والدهب.

كما واجه أهل الأحساء والقطيف الهجوم السعودي عليهم عام 1242ه بعد قيام الدولة السعودية الثانية بزعامة تركي بن عبد الله عام 1241ه ثم وقعت مواجهات عنيفة جرى على إثرها صلح مقابل مال يدفعونه له ثم انتقض الصلح بينهم.

 

الدولة السعودية الثالثة

بعد سقوط الدولة السعودية الثانية وانتهاء سيطرة آل سعود ولجوء عبد الرحمن بن فيصل وابنه عبد العزيز إلى الكويت، تمكن محمد بن عبدالله بن الرشيد من السيطرة على كل مناطق نجد واستمرت السيادة المطلقة لآل الرشيد من عام 1891 وعلى امتداد عقد من الزمن، حتى قرر عبد العزيز الخروج من الكويت مع مجموعته المؤلفة من ستين رجلاً والتوجه نحو الرياض عام 1902م حيث دخلوها برغم قلة عددهم وتسليحهم المتواضع. ثم تمكن تدريجياص من استعادة السيطرة على منطقة نجد بكاملها بعد انسحاب القوات التركية منها ومقتل زعيم آل الرشيد غبد العزيز بن متعب عام 1906. ثم بعد  عقدين سيطر عبد العيز على الساحلين الغربي والشرقي للجزيرة العربية وتمكن من إزاحة الشريف حسين عن ملك الحجاز عام 1924، وضم حكم المدينة المنورة إلى حكمه، وتمت السيطرة على الأحساء مجدداً عام 1913م.

وكان اهتمام عبد العزيز بإقليم الأحساء والقطيف يحركه ثلاثة أهداف هي: السيطرة على قبائل الشرق المتمردة والمثيرة للقلاقل في نظره، والتي تشكل خطراً على استقرار المنطقة وعلى حكمه مستقبلاً، والهدف الثاني هو خطوة استباقية لأي اتفاق بين تركيا وبريطانيا حول اقتسام مناطق النفود في الجزيرة العربية. والهدف الثالث هو الحاجة الى موارد مالية تغطي الاحتياجات العسكرية والسياسية.

فقد اشتهر إقليم الأحساء ببره وبحره بالزراعة والتجارة والأسماك، وتكثر فيه الخيرات وتتعدد الأعمال والحرف حتى أصبح مقصداً لأبناء الجزيرة العربية الباحثين عن الرزق والمعرفة.

وقد ابرمت اتفاقية بين حاكم نجد وأهل منطقة الأحساء في الكوت في منزل مفتي المنطقة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل ملا في أبريل 1913م حيث بايعوا عبد العزيز بن عبد الرحمن “على كتاب الله وسنة رسوله وعلى العدل والإحسان”.

في عام 1926 تعاهد مجموعة رؤساء الإخوان السلفيين الوهابيين في الرطاوية على نصرة الدين والجهاد وتقدموا بمطالب أبرزها إجبار شيعة الأحساء والقطيف على الدخول في دين أهل السنة والجماعة. وفي عام 1927  جمع عبد العزيز علماء نجد مع القيادات الإخوانية وبعد نقاش، أصدر علماء نجد فتوى نصت على أن يلزم الإمام الشيعة على الإسلام ويمنعهم من إظهار شعائرهم (الباطل) وإلزامهم بالبيعة على دين الله ورسوله، وترك دعاء الصالحين من أهل البيت، وتعيين أئمة ومؤدنين ونواب من أهل السنة لديهم وإرسال معلمين لتعليمهم وإلزامهم بشرائع الإسلام، ومنع الشيعة العراقيين من دخول الأراضي السعودية.

يرى الهطلاني أن الملك عبد العزيز كان في سياسته الداخلية يتعامل مع الشيعة السعوديين وفقاً للمصالح السياسية والاقتصادية، وأن فتوى العلماء شكلت ضغطاً عليه. ويشير الكاتب إلى أن الدولة السعودية كانت إيراداتها قبل اكتشاف النفط، تعتمد على الضرائب، وكان القسم الأكبر من الجباية المالية تأتي من المناطق الشيعية في الأحساء والقطيف. وكان الملك يساير الإخوان الوهابيين في تشددهم ضد الشيعة ما شكل ضغطاً عليهم سواء من ناحية تقييد حرياتهم الدينية أو ثقل الضرائب على وضعهم الاقتصادي والمعيشي، الأمر الذي أدى إلى احتقان شعبي بلغت ذروته عام 1930 خيث تمرد قسم من أهالي العوامية وسيهات على السطة المحلية وحرج كثير منهم باسلحتهم يطالبون برفع المظالم التي لحقت بهم. لكن الفريق الغالب من نخبة الشيعة على رأسهم القاضي الشيخ أبو عبد الكريم الحنيزي كان مع التهدئة والحوار مع المسؤولين حيث جرى التوافق مع الوفد المبعوث من الملك إلى القطيف على النظر في مطالب الأهالي، ومنها تخفيف الضرائب، وعزل عبد الرحمن ابن سويلم عن إمارة القطيف.

شيعة السعودية وحركة الرساليين

يتحدث الكاتب عن الحراك السياسي الشيعي في المنطقة الشرقية من الأرعينات ألى السبعينات والذي كانت توجهاته مطلبية وعمالية نقابية ويسارية وقومية، وعلاقة الثورة بالثروة في شرق السعودية، وعن تأسيس حركة “الرساليين الطلائع” في العراق عام 1967 والتي انتقل فكرها وتأثيرها إلى شيعة السعودية، وخصوصاً بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979.

ويشير إلى انتفاضة محرم عام 1400ه/ 1979 والتي تمثلت بخروج مسيرات عاشورائية قمعتها السلطة وسقط ضحايا من المتظاهرين، واسفرت عن خروج قادة المعارضة الشيعية الإسلامية، وخصوصاً حركة “”الرساليين الطلائع” إلى إيران، وتأسيسهم منظمات للمعارضة، أبرزها منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، بقيادة الشيخ حسن الصفار.

كما يشرح علاقة المعارضة السعودية الشيعية بإيران وخلافاتها مع القيادة الإيرانية للحركة “الرساليين الطلائع” المعروفين بالتيار الشيرازي، نسبة إلى مؤسسه عالم الدين محمد الشيرازي. ومن ثم تحقق المصالحة بين المعارضة والسطة وعودتها إلى الداخل السعودي بعد وعود بتحقيق بعض مطالبها الدينية والاقتصادية ووقف التمييز الطائفي ضد الشيعة.

 

“حزب الله الحجاز”

يتحدث الهطلاني عن “حزب الله الحجاز” (السعودي) الذي تأسس في شهر رمضان عام 1407 هـ (1987) والذي أكد في بيان له صدر في عام 1426 هـ (2005) عدم رضاه عن المصالحة التي تمت خلال عام 1993 بين الحكومة السعودية والمعارضة الشيعية، مؤكداً الاختلاف بين منهج حزب الله وبقية التوجهات الشيعية في داخل السعودية وخارجه، واستمرار استهدافه للمصالح الأميركية، وسعيه لتغيير النظام الملكي في السعودية وإقامة الدولة الإسلامية الكبرى (دولة الولي الفقيه).

ويبحث المؤلف دور تنظيم «حزب الله الحجاز» في عمليات استهدفت منشآتٍ وأهدافاً سعودية أهمها تفجير منطقة الخُبَر عام 1996.

كانت علاقات الشيرازيين بالثورة الايرانية قوية، بل كانوا جزءاً مهماً من هذه الثورة ولديهم آنذاك علاقات أكثر من جيدة مع الخميني. وعكر صفو الوجود الشيعي السعودي في إيران خلاف مهم بين نظرة الشيرازي للحكومة الإسلامية وأن يكون الحكم لتجمع من الفقهاء، بينما كان للخميني نظرة مختلفة تنص على أن الحكم لا بد وأن يكون للولي الفقيه الواحد. ومن هنا دب الخلاف ووجد الطلبة والعلماء السعوديون أنفسهم وسط جدل سياسي سيؤثر عليهم كثيراً فمعظمهم منتسبون للمدرسة الشيرازية.تطورت الخلافات ووقع أنصار الشيرازي من السعوديين في تجاذب حاد مع الإيرانيين؛ فإما أن يؤيدوا نظرة الإمام الخميني ويقلدوه سياسياً أو أن يواجهوا المتاعب.

وازدادت المصاعب بعد أن تسيد مشهد الخلاف الشيخ القريب من حوزة السعوديين في قم وهو آية الله حسين منتظري الذي خاض في خلاف حاد مع الخميني وبدأت الثورة الإيرانية تأكل صانعيها.

كانت الطامة الكبرى على التواجد الشيعي السعودي والخليجي في إيران وخاصة للشيرازيين هو الصراع المكشوف بين جماعة منتظري ومهدي هاشمي من جهة وبين الخمينيين من جهة أخرى.واستشرت النار حين ساعد مهدي هاشمي عبر الشيرازيين العرب في تسريب فضيحة إيران – كونترا للإعلام مما حول الصراع إلى دموي بإعدام مهدي هاشمي المتهم بأنه وراء تسريب المعلومات التي تتحدث بالوثائق عن أن إيران الخميني تشتري السلاح من اسرائيل في حربها ضد العراق.

لم يكن للشيعة السعوديين وخاصة الشيرازيين إلا النفاذ بجلدهم خاصة حينما بلغت الخلافات أوجها وعاد معظمهم إلى بلادهم وانتقل بعضهم إلى سوريا وبعضهم إلى لندن وبقي بعضهم في قم للدراسة الدينية في حوزاتها.

كان موقف المنتمين إلى حركة الطلائع الرساليين وفروعها كمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية أو منظمة العمل الإسلامي، موقفاً متمنعاً على الضغط الإيراني بالقيام بعمليات مسلحة وتفجيرات واغتيالات في السعودية خاصة بعد تجربة الانتفاضة التي قاموا بها نهاية عام 1979-1980، فاتجه الحرس الثوري إلى من بقي من تجمع علماء الحجاز في قم لعله يجد ضالته هناك، وهذا ما حدث، حيث أثمرت الاتصالات مع الحوزويين الباقين في انتقال بعضهم من قم إلى السيدة زينب في دمشق،  .

ففي 31 يوليو 1987 وقعت مواجهات بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية التي حاولت تريق مسيرة البراءة للحجاج داخل الحرم المكين فقتل 400 حاج إيراني، ما أدى إلى انقطاع العلاقات بين الدولتين وتوترها.

أضرت تلك الحادثة كثيراً بعلاقة السعوديين مع إيران وبدأ صراع علني شرس، زكانت أحداث الحج هي السبب الرئيس وراء إنشاء “حزب الله – الحجاز|. ومن الأسباب المهمة أيضاً رفض مسؤولي حركة طلائع الرساليين بمنظمتها الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية إنشاء جناح عسكري واعتماد الصدام العنيف مع السلطات السعودية.

وبدأ الحزب السعودي نشاطه بإصدار نشرات وبيانات عن السعودية ونظامها، متهماً الحكومة السعودية بأنها تقتل الحجاج وتسيء معاملتهم، وتسترت أدبيات الحزب وراء أسماء مستعارة منها فهد القحطاني.

فاجأ أحمد المغسل رفاقه في حركة |طلائع الرساليين| الشيرازية بالانتقال إلى “حزب الله الحجاز” كقائد لنشاطات الحزب العسكرية، وتم الانتقال بعد لقاء بينه وبين أحد المسؤولين العسكريين الإيرانيين في دمشق.

قام المغسل بعد الاتفاق مع الإيرانيين بمحاولات لاستقطاب كفاءات شيعية سعودية من مختلف القرى والمدن شرق السعودية. ووجد ضالته في بعض الشباب الذي كانوا يدرسون في الولايات المتحدة معظمهم من أعضاء منظمة الثورة الاسلامية مما أوجد خلافاً بين التنظيمين.فبدأت عمليات الحزب سريعاً مستغلة وجود عملاء لها ضمن منشآت النفطية السعودية.

حدث أول تفجير في اغسطس/آب عام 1987، رفضت الحكومة السعودية الإعتراف بأنه عمل أرهابي وقالت إنه حادث. وفي مارس/آذار 1988 قام الحزب بتفجير آخر في منشآت شركة صدف البتروكيماوية في الجبيل، وهو تفجير تبناه الحزب وصرح بأن أربعة من عملائه قاموا به وهم من جزيرة تاروت.

 وبعد تفجير صدف اكتشف حراس شركات البترول والبتروكيماويات في شرق السعودية العديد من المتفجرات وفي أماكن متعددة، في معمل التكرير في رأس تنوره، ورأس الجعيمة.

ولم يطل الوقت حتى تمكنت الحكومة السعودية من تفتيت خلايا متعددة لحزب الله الحجاز واعتقلت كثيراً من أفراده كما تم تنفيذ حكم الإعدام بالسيف بحق الأربعة المسؤولين عن تفجير شركة صدف.

بعد إعدام الاربعة بدأ الاعتراف المكشوف حيث أصدر “حزب الله الحجاز” ومن دمشق ومعه تجمع علماء الحجاز بيانين يسمون فيهما منفذي عملية صدف بالشهداء، وخرج وزير خارجية إيران آنذاك ليعلن عن عدم وجود علاقة لبلاده بالعملية أو منفذيها.

كما بدأ “حزب الله الحجاز” عمليات خارجية ضد دبلوماسيين سعوديين، وتخلل عام 1989 عمليات كثيرة تفجير وقتل ضد دبلوماسيين في سفارات سعودية عديدة من بانكوك إلى أنقرة.

وبعد وفاة الخميني في يونيو 1989 وغزو صدام حسين للكويت عام ،1990 تغيرت أوضاع “حزب الله الحجاز” حيث صدرت له أوامر إيرانية بالتهدئة وتجميد النشاطات نتيجة للتقارب السعودي – الإيراني، وزادت من حراجة وضع الحزب رغبة الرئيس الإيراني محمد خاتمي في فتح صفحة جديدة مع السعوديين.

بعد حرب الخليج الثانية، تنامى الحضور العسكري الاميركي في المنطقة، ونتيجة لخشية الإيرانيين من استمرار الوجود الاميركي، وجهت طهران “حزب الله الحجاز” ضد الأميركيين ومواقعهم العسكرية في المنطقة.

في 25 يونيو 1996 انفجر خزان كبير مملوء بأطنان من مادة تي أن تي بجوار مركز سكني في مدينة الخبر، كان فيه عسكريون اميركيون حيث قتل 19 اميركياً وأصيب مئات. بعد الانفجار قامت السلطات السعودية بالقبض على عشرات المنتمين لـ”حزب الله الحجاز”، بعد أن وجهت له أصابع الاتهام بتنفيذ الهجوم. بعد تحقيقات مطولة تسرب أن المتهم الأول هو أحمد المغسل قائد الجناح العسكري لحزب الله الحجاز، وهاني الصايغ، وعبدالكريم الناصر الذي يعد القائد السياسي للحزب، وجعفر الشويخات الذي تم القبض عليه في دمشق من قبل المخابرات السورية بطلب من السعوديين وعدد آخر من السعوديين. هرب الأربعة إلى إيران عبر سوريا، لكن الصايغ عاد الى سوريا ثم هاجر إلى كندا ليقبض عليه ويسلم للسعودية، بينما عاد الشويخات لسبب ما إلى سوريا ليقبض عليه بعدها. ووجد الشويخات ميتاً في زنزانته بعد ثلاثة أيام من اعتقاله وقبل انتهاء إجراءات ترحيله للسعودية. قيل أن سبب الوفاة هو انتحاره بصابونة غسيل.

ساعد على تعزيز العمل السلمي للمعارضة السعودية والهدوء في المنطقة اتفاق إيراني – سعودي في عام 2001 ينص على أنه فيما تمنع السعودية أي عمل عسكري اميركي ضد إيران من أراضيها توقف إيران دعمها لعمليات المعارضة الشيعية.

ويرسم الكتاب جغرافيا التشيع في السعودية، وخاصة في المدينة المنورة، مع توضيح لنشأة الإسماعيلية التي تنتسب إلى إسماعيل بن الإمام سجعفر الصادق، وهي إحدى فرق الشيعة. وتضم التركيبة السكانية لشيعة السعودية ثلاث فرق هي: الأولى هي الإمامية الاثني عشرية ومكانها في منطقة الإحساء والقطيف شرقاً، والمدينة المنورة غرباً، وهي الأكبر حجماً وتأثيراً. والثانية هي الإسماعيلية في نجران، والثالثة هي الزيدية المنتشرة في بعض مناطق الجنوب والغرب.

كما يتناول الكتاب نظرية ولاية الفقيه وأصولها الفقهية تاريخياً وتطورها مع الإمام الخميني.

 

 

اسم الكتاب: الشيعة السعوديون – قراءة تاريخية وسياسية”

المؤلف: إبراهيم الهطلاني

الناشر:  “رياض الريس للكتب والنشر” – بيروت – 2011

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

“المُسالمَة تاريخٌ مُتخيلٌ لاستشرافِ المستقبل /اورنيلا سكر / بيروت

” أورنيلا سكر / بيروت باحثة متخصصة بالصراع العربي – الاسرائيلي إن قراءة التاريخ يتطلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *