الرئيسية / كتب / قصة صعود دونالد ترامب

قصة صعود دونالد ترامب

قراءة: هادي نعمة* —

“شجون عربية” — في حزيران – يونيو 1988؛ تعرَّف الصحافيّ الأميركي ديفيد كاي جونستون، الحائز على جائزة بوليتزر للصحافة، على الرئيس الأميركي المنتخَب دونالد ترامب. يريد جونستون، مؤلف كتاب “صناعة دونالد ترامب”، من أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة، أن يبيّن للقارئ جانبًا مفاجِئًا من شخصية الرئيس الجديد، غيرَ ما تُوحيه صورة الملياردير الشهير في وسائل الإعلام. يقدّم جونستون، في الكتاب، استـشرافًا ضِمنيًّا لما قد تكون عليه سياسة الرئيس ترامب الخارجية والداخلية، عطفًا على الباع “الغريب” الذي عهده الصحافي جونستون في ترامب على مدى ثلاثين عامًا.

هدف ترامب الشهرة… لا الرئاسة!
يقول الكاتب إنه عندما طرح ترامب ترشيحه للرئاسة الأميركية في العام 2012، كان هدفه الحقيقيّ زيادة أرباحه وشهرته، من خلال برنامجه التلفزيونيّ: “المتمرِّن الشهير” (The Celebrity Apprentice)، الذي يُعرض على شبكة “إن بي سي” (NBC) الأميركية. عندما سحب ترامب ترشيحه للرئاسة آنذاك؛ قال إنه مهما كانت بلادُه في حاجة إليه ليكون في البيت الأبيض، فإنّ برنامجَه التلفزيونيّ كان في حاجة أكبر إليه!
اعتبر الصحافيون حينها أنّ ترشيحه كان مجرّد مزحة غريبة. لذا، فإنّ الصحافة لم تولِ أهمية لإعلان ترامب ترشيحه الجديد للانتخابات الرئاسية للعام 2016.
ويلفت الكاتب إلى أنّ الصورة اللامعة لدونالد ترامب في الإعلام، كانت وليدةَ دراسة المليادير الشهير للأعراف الصحافية، وممارستِه عبقرية نوعية في استثمارها لصالحه أمام الرأي العام، بخلاف واقع شخصيّته وأفكاره الباهتة في كثير من الأحيان—بحسب معرفة الكاتب الطويلة به.
ويجزم الكاتب، في بداية الكتاب، بأنّ الحشود الغفيرة من الشباب، التي حيَّـت ترشّحَ ترامب للرئاسة، في قاعة “برج ترامب” في العام 2015؛ كانت بمعظمها مؤلّفة من ممثّـلينَ دُفِعَ لكلّ منهم خَمسون دولارًا للتصفيق للملياردير الذي أهانَ، في خطابه وقتها، المهاجرينَ المكسيكييـنَ إلى الولايات المتحدة، والمسلمينَ ووسائل الإعلام.

شخصية انتقاميّة ساديّة
في العام 2005؛ زارَ ترامب ولاية كولورادو الأميركية، حيث كانت تُقام ندوة إرشادية تحفيزية لجماهير يرنون إلى النجاح في عالم الأعمال. يقول الكاتب إنّ الخطباء المحفّزين عادةً يعمدون إلى رفع معنويات الجمهور المستمِع، من خلال تهذيب خطابهم على نحو منمَّق يستحسِنه المتـلقّي؛ فهم يهدفون إلى إرشاد المستمعين إلى أساليبِ تجاوزِ المثـبّطات النفْسيّة، ليتمكّنوا من إخراج مكنوناتهم المهاريّة والإبداعيّة لتحقيق أهدافهم في العمل.
ثـمّ يستدرك الكاتب أنّ أسلوب ترامب الخطابيّ، لم يكن كشيءٍ ممّا يُعهَـد به لدى المرشدين! قال ترامب في خطابه: “عليّ أن أحدّثكم عن الفاشلين… إنّي أحبّ الفاشلين، لأنّهم يجعلونني أشعر بالرضا عن نفسي الناجحة”(!)… ويقول الكاتب إنّه مهما كان كبيرًا مقدار المكافأة المالية لترامب يومها، على خطابه أمام الجماهير؛ فإنّه لم يحدو ترامب على تهيئة رؤوس أقلام حتّى لخطابه، يكون احترامًا للجمهور الذي دفع المالَ ليلقى ما يشجّعه… فكثيرون من الجمهور يومها قالوا إن لا شيءَ من كلام ترامب بدا لهم ذا فعّالية أو رافعًا للمعنويات.
ونصح ترامب الجمهور يومها بأن لا يثـق بأحد، لا سيّما الموظّفين المجتهِدينَ! ويعزو ترامب السبب في ذلك إلى أنّ هؤلاء المجتهدين “سيحاولون تجريدكم من كل ثمين تتمتّعون به في عملكم”. إنّ مالكي المصالح التجاريّة المعروفين بعدم الكذب وبالثـقة بمن يخدمونهم، غالبًا ما لا يتعرّضون لأيّ دعاوى قضائيّة في المحاكم؛ إلّا أنّ ترامب، بحسب الكاتب، قد خضع لأكثر من 3500 دعوى قضائيّة… بعضها يـتّهمه بالاحتيال المدنيّ.
إلى ذلك؛ نصح ترامب جمهوره الحاضر بأن يلجأ إلى الانتقام على نحو سياسة تجاريّة. فقال: “إذا تلقّيتم أذًى من أحدهم، فعليكم أن تردّوا لهم الأذى بعشرة أضعاف.. هكذا ستشعرون برضًى ذاتيّ حيال الأمر… فأنا حتمًا أشعر به عندما أثأر”.
وبعد سنتين من خطابه غير التحفيزيّ لجمهور كولورادو؛ أصدر ترامب كتابه “فكر أكبر” (Think Big)… وكان الفصل السادس من الكتاب، تحت عنوان: “الانتقام”. يقول الكاتب إنّ ترامب وظّف مرّة إحدى النساء اللواتي كنّ يعملنَ في وظيفة حكومية، وكان ترامب لا يرى لها تطوّرًا مهنيًّا في وظيفتها. فعيّنها في مركز مهمّ في مؤسّسته التجارية… ومع الوقت أصحبت هذه المرأة ناجحةً في مجال العقارات. وعندما حلّت بترامب مشاكل مالية في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، طلب من تلك المرأة الاتصال هاتفيًّا بصديق مقرّب منها، ذي مركز نافـذٍ في أحد المصارف الكبيرة، والذي كان ليستجيبَ لطلبها حالَ سؤالها إيّاه. إلّا أنّ المرأة رفضت طلب ترامب، معتبرةً أنّ طلبه منافٍ لأخلاقيات المهنة. يقول الكاتب إنه بدل أن يحترم ترامب موقف تلك المرأة، عمد إلى طردها من العمل!… فأسّست مصلحة تجارية بمفردها، لكنّها لم تجنِ منها أرباحًا… فكتب ترامب في كتابه حيالَ تلك المرأة، أنه شعر “بالسعادة العرامة لفشل مشروع تلك المرأة التجاريّ”. وأردف ترامب أنّه على مدى السنوات، طلب أناس كثُـر أن يبدي رأيه المهنيّ بتلك المرأة، فكان كلّ مرّة يبدي رأيًا سلبيًّـا تجاهها، ما قلّل من احتمالات اعتمادها شريكة لمصالح تجارية. وشدّد ترامب على أنّه قام بما في وسعه ليجعل حياتها جحيمًا!
ويضيء الكاتب على تناقضات ادّعاءات ترامب مع أفعاله؛ فيشير إلى ما قاله الملياردير أثناء حملته الرئاسية، من أنه لا أحدَ يقرأ الإنجيلَ أكثر ممّا يقرأه هو. إنّ الإنجيل يحذّر من الثأر، ويأمر المؤمنين بأن يتركوا أمر الثأر إلى تدبير الله تعالى.
ويزيد الكاتب أنّ ترامب قال مرة لمحاوِر له على الراديو، إنه رجل متـديّن. فسأله المحاوَر أيّ مقاطع من الإنجيل يفضّل ويعتمد في حياته العملية. فأجاب ترامب: “ثمّة الكثير ممّا أعتمد في حياتي من الإنجيل… فمبدأ ’العين بالعين‘ هو أساس لي في الحياة”. لكنّ ترامب لم ينتبه إلى أنّ الإنجيل يقول: “لا تصدّنّ امرؤًا شـرّيرًا؛ فإنّ صفعك أحدهم على خدّك الأيمن، أدِرْ له خدّك الأيسر”.

صداقة ولاء ضدّ الحقّ!
يقول الكاتب جونستون إنّ من أوّل علاقات دونالد ترامب المهنية، علاقتَه بالمحامي السّيّء الصيت، “روي كُـون”. أصبح كُون مرشدًا مهنيًّا لترامب وبمثابة أبٍ له. وقد تجذّرت صداقتهما إلى حدّ عرّف كُون ترامب على مؤسّسات تجارية مقاوِلة تديرها المافيا، في حين كان المقاولون الآخرون يشكون أمر المافيا إلى مكتب التحقيقات الفيديراليّ (FBI).
ثـمّ عرّف كُون ربيبَه المهنيّ، ترامب، على نادي (لو كلوب) “Le Club” الذائع الصيت في مدينة نيويورك. فاحتكّ ترامب بأنجح رجال الأعمال وأجمل نساء العالم؛ فعمدَ إلى دراسة شخصية الأثـرياء ورجال الشهرة، واكتسب منهم خصائص وظّفها في حياته المهنية.
ويقول الكاتب إنّ ترامب قد وكّل روي كُون في صيف العام 1972 ليقاضي الحكومة الفيديرالية الأميركية. فقد استقصت الحكومة حول شكاوى ذات علاقة بالتمييز العنصريّ، في ما يخصّ عددًا من مشغّلي منازل التأجير، ومن بينهم ترامب، في حيّ بروكلين.
أجرت الحكومة سلسلة اختبارات ميدانيّة، عمدت خلالها إلى فحص مدى تناسق حيثيات التأجير مع “قانون الإسكان العادل” الذي أقرّه الكونغرس بُعـيد اغتيال مارتن لوثر كينغ. بعثت الحكومة بأشخاص ذوي بشرة سوداء إلى مركز تأجير يديره ترامب؛ وعندما قيلَ لهؤلاء إنه لا شققَ متوفّرة للإيجار، أرسلت الحكومة أشخاصًا ذوي بشرة بيضاء يمتلكون ذات المعلومات التي يمتلكها أولئك السُّود، حول حيثياتهم المهنية ومدخولهم الشهري… فوجدت الحكومة أنّ المشرف في مركز التأجير قَبِلَ أن يستأجر الأشخاص البيض فيما رفض قَبْـل ذلك أن يؤجّر للأشخاص السُّود.
رفعت وزارة العدل دعوى قضائية ضدّ ترامب، بسبب “رفضه أن يؤجِّر منازل لأشخاص ينتمون إلى عِـرق أو لون معيَّن”. كانت هذه الدعوى القضائية، في العام 1973، أكثر الدعاوى الرفيعة المستوى من بين الدعاوى التي قُـدّمت في أعقاب “قانون الإسكان العادل”.
عمد معظم مالكي العقارات إلى إيجاد تسوية، قضائيًّا، تجنّبًا للسمعة السيئة، قابلينَ بشروط ضامنة لحقوق ذوي الأعراق والألوان المختلفة. لكن عندما سأل ترامب صديقه روي كُون عمّا ينبغي أن يفعله في قضية التمييز العنصريّ؛ قال الأخير له: “قل لهم أن يذهبوا إلى الجحيم، وخُضِ المعركةَ القضائيّة وتحدَّهُم ليثبتوا، إن استطاعوا، أنك ميّزت عنصريًّا”، مضيفًا أنّ لترامب أن يرفض تأجير أيّ شخص لا يرغب في تأجيره، سواء من البيض أم السُّود.
فاتهم ترامب وزارة العدل الأميركية بفبركة قضية لمجرّد إجباره على التأجير لأشخاص كيفما كان. وقدّم روي كُون دعوى قضائيّة ضدّ الحكومة، مطالِبًا بمئة مليون دولار مقابل أضرار. يقول الكاتب إنّ هذه الحادثة كانت بمثابة تجربة جوهرية في حياة ترامب المهنية، فقد تعلّم عندها أن يبادر بالهجوم بقوّة ردًّا على الجهة التي تطاله، وهذا ما فعله بالضبط أثناء حملته للرئاسة الأميركية في العام 2016. لكنّ ترامب في النهاية وجد تسوية مع الحكومة، قضائيًّا، لأنّ الحقائق على الأرض والقانون كانا ضدّ ادّعائه. وأصدرت يومها الحكومة بيانًا بشّرت فيه بنجاحها ضدّ ترامب “في أصعب تسوية توصّلت إليها” لإنهاء التمييز العنصري في الإسكان.
علّق ترامب على موقف كُون حيال الدعوى القضائيّة الخاصّة بالإسكان، قائلًا إنّه حتى لو لم تكن الدعوى لصالح كُون، أو لو كان كُون غير موافق على المضيّ فيها؛ فإنه يظلّ مصمّمًا على الدفاع عن ترامب في وجه القانون والآخرين. فالولاء أهمّ بالنسبة إلى ترامب من كل الذين يدّعون المُثُـل العليا في التعاطي مع الأمور، ولا ولاءَ عندهم، بحسب فهم ترامب، لأصدقائهم. ويقول الكاتب إنّ هذه صفات شخصية نجدها عند رجال المافيا والديكتاتوريين!

دعوى قضائيّة “رائعة”
يقول الكاتب إن مغامرة ترامب في عالم كرة القدم الأميركية، تقدّم نموذجًا عن حياته المهنية المليئة بمخالفة القوانين وتجاهلها واختراع البعض منها! ففي العام 1983؛ اشترى ترامب فريق كرة القدم “نيو جيرسي جينيرالز”، وهو أحد فِرَقِ الدوري الأميركيّ لكرة القدم، الحديث العهد.
وكان المستثمر ديفيد نيكسون قد استحدث هذا الدوريّ، ليُمكّن أشخاصًا ذوي ثروة متواضعة غير كافية لشراء فريق من دوريّ NFL الأميركي للمحترفين؛ كأمثال ترامب، من الاستثمار في الرياضات التجارية.
لقد رمى ترامب بمقامرة عالية المخاطر، أدّت في النهاية إلى تدمير الدوري الأميركي الحديث العهد. فإلى جانب إرسال فتيات مراهقات جميلات باسم الفريق الذي اشتراه، إلى ملاهٍ ليلية بُغية الترويج للفريق، واستغلال الثّملينَ في الملهى لهؤلاء الفتيات؛ فقد أقنع ترامب في العام 1984، بعد انتهاء موسمه الأول مع الفريق، نظراءَه المالكينَ لفرقٍ في الدوري الحديث العهد، بأن يرفعوا دعوى قضائيّة ضدّ دوري المحترفين NFL، بزعم أن الدوري هذا يحتكر التغطية الإعلامية لصالحه، ويحجبها عن الدوري الحديث العهد. فقالت الدعوى القضائية إنّ دوري NFL لا ينبغي أن يُبرم عقدًا مع أكثر من قناتينِ تلفزيونيتين من بين القنوات الثلاث التي تنقل الرياضة.
قدّم المحامي روي كُون، صديق ترامب وأستاذه، الدعوى القضائية ضدّ دوري NFL. وادّعى ترامب أنّ مفوّض دوري المحترفين حاول إغراء ترامب بأن يملّكه فريقًا من دوري NFL، في مقابل تخلي ترامب عن الدعوى القضائية التي قدّمها وكيله كُون. إلّا أنّ مفوّض دوري المحترفين نكر ادّعاء ترامب.
قرّرت هيئة المحلفين أن دوري NFL فعلًا احتكر التغطية الإعلامية في سوق كرة القدم في الولايات المتحدة الأميركية. فمُنِحَ تعويضٌ للدوري الحديث العهد، بقيمة لا تتجاوز الثلاثة دولارات، بدل أضرار! كان لهذا القرار مدلول لجهة الاعتراف والقبول باحتكار دوري المحترفين NFL للتغطية الرياضيّة.
لقد خسرت الاستراتيجيا التي اعتمدها ترامب لدعم الدوري الحديث العهد. وظلّت القنوات التلفزيونية تمتنع عن نقل مباريات هذا الدوري. وكان قرار المحكمة بمثابة توبيخ لترامب الذي حاول أن يكسب قضائيًّا ما لم يكن عازمًا على كسبه من خلال الصبر وتسخير الوقت والمال الكافيَينِ لرفع مستوى الدوري الحديث العهد، وبالتالي استقطابه للجماهير.
بعدها بسنوات؛ ظهر ترامب في وثائقيّ على قناة ESPN الرياضية، بعنوان: “مَن قتَـل الدوري الحديث العهد؟”… وتضمّن الوثائقيّ خلاصة ترامب عن تجربته مع الدوري الحديث العهد، قائلًا: “كانت تجربة جميلة… ولقد كانت دعوى قضائيّة رائعة”(!)

دونالد ترامب الذي يسعى للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية 2016 خلال مؤتمر صحفي في بالم بيتش بولاية فلوريدا يوم الثلاثاء. تصوير: سكوت أوديتي – رويترز.

دعم ماليّ مشبوه
يقول الكاتب إنّ من بين المجرمين الذين عقد ترامب معهم مصالحَ تجاريّة لأكثر من ثلاثين عامًا؛ رجلٌ مهرّب للمخدرات، اسمه جوزيف ويشسلبوم. قدّم ترامب خدمات غير اعتيادية لهذا المجرم! فقد خاطر ترامب مرارًا بأملاكه التجارية لمساعدة مهرّب مخدّرات، لأسباب لا تزال، بحسب الكاتب، غامضة!
كان ويشسلبوم معروفًا في مدينة ميامي حيث يختلط مهرّبو المخدرات بمجرمي المال والأعمال. لقد تعرّف ترامب على ويشسلبوم في فترة كان الأخير قد مرّ قبلها بمحاكمات قضائية لجرمه في السرقة والاختلاس.
شرع جوزيف ويشسلبوم مع أخيه، في العام 1982، في مصلحة خدمات جوية (بطائرات هيليكوبتر) في ولاية نيو جيرسي الأميركية. وأمّنت مصلحة الأخوين ويشسلبوم الطائرةَ الشخصية لترامب.
كانت شركتهما تحت اسم “دامين للطيران”… وقد أعلنت إفلاسها مرتَينِ. وبعد المرة الثانية، شرع الأخوان فيها تحت اسم “التجارة الأميركية للطيران”. يتساءل الكاتب عن سبب استمرار ترامب في دفع آلاف الدولارات شهريًّا، مقابل خدمات طيران من شركة غير مستقـرّة ماليًّا إلى حد بَعيد؛ في حين كان يقدر على أن يعتمد خدمات أيّ من منافسي الأخوَين ويشسلبوم، الأكثر احترافًا والأفضل حالًا ماليًّا. ثـمّ يسأل الكاتب ما إذا كانت ثمة خدمات قيّمة (مشبوهة) أخرى يقدّمها ويشسلبوم لترامب.
لقد تورّط جوزيف ويشسلبوم، بقوّة، في تهريب المخدرات في فلوريدا وأوهايو وكنتاكي وتينيسّي، بحسب قرار الاتهام الفيديراليّ الذي طاله في سينسيناتي، في العام 1985.
ويقول الكاتب إنّه كان أمام ترامب كل الأسباب التي ينبغي أن تحدوه على ترك التعامل مع مجرمين ذائعي الصيت كأمثال ويشسلبوم؛ إلّا أنه ساعد في المحافظة على استمراريّة شركة “التجارة الأميركية للطيران” التي يديرها ويشسلبوم، وظلّ يعتمدها في خدمات الطيران لنقل الزوّار الأثرياء من وإلى كازينوهاته، ولتأمين طائرته الشخصية.
إلى ذلك؛ يقول الكاتب إنّ ترامب أجّر شقّة يملكها في “ترامب بلازا” في منهاتن، بنيويورك؛ للأخوَين ويشسلبوم. كانت حيثيات التأجير غير اعتياديّة… فقد كان الأخوان يدفعان مبلغ 3000 دولار شهريًّا، نقدًا، ويسدّدان باقي قيمة الإيجار من خلال خدمات الطيران لترامب! يستغرب الكاتب ممّا قد يكون سببًا في دفع ترامب إلى أن يقبل بمثل هذه الترتيبات في تسديد بدل الإيجار، ويجزم أنّ السبّب بقي بلا تفسير!
ويقول الكاتب إنّ ترامب أخيرًا اختار إجراء تجارة مع سارق أعمال فنيّة مُدان، كما مع ابن زعيم مافيا روسية، وهو رجل ذو تاريخ عنفيّ… ويشير الكاتب إلى أنه ثمّة فيديو يوثّق جرم الرجل.

جامعة ترامب… مهزلة!
اقترح مستشار في الإدارة ورجل أعمال اسمه مايكل سيكستن على ترامب، في العام 2004، أن يرخّص لترامب حصته من موقع إلكتروني يعطي دروسًا حول مهنة العقارات. أعجِب ترامب بالفكرة إلى حدّ أنه لم يسجّل اسمه للترخيص فحسب، بل اشترى المؤسّسة كلّها.
وفي فيديو ترويجيّ لخدمة التعليم، في العام 2005؛ قال ترامب: “في جامعة ترامب، نعلّمكم كيفية النجاح… سيكون لدينا أساتذة من الطراز الرفيع المستوى… سيكون لدينا أساتذة هم الأفضل في المهنة… جميعهم قمت أنا باختيارهم بنفسي”.
يقول الكاتب إنه لم يكن شيء ممّا قاله ترامب في الفيديو الترويجي صحيحًا. فإنه لم يكن ثمّة جامعة بالمعنى المعهود أصلًا؛ لا من ناحية الحيثيات التعليمية ولا من ناحية الترخيص بحسب القوانين المرعية الإجراء.
كان مركز “جامعة ترامب” في مبنًى يملكه ترامب في شارع معروف بأنه مقصد المبتـزّين ماليًّا والنصّابين، في نيويورك.
وبعد أسبوع من إعلان “جامعة ترامب” بدْءَها الخدمة، أمر السؤولون الحكوميون في نيويورك بأن يكفّ ترامب عن استعمال كلمة “جامعة” لوصف خدمته المزعومة.
يقول الكاتب إنّ الجامعة المزيفة التي روّج لها ترامب، لم تكن تحوي أساتذة في مجال العقارات والأعمال، بل كانوا رجال مبيعات يعملون بالتكليف… وكثير منهم لم يكن لديهم خبرة حتى في مجال العقارات! فأحدهم، بحسب الكاتب، كان يدير مطعمًا، واثنانِ آخران من “الأساتذة” في الجامعة، كانا في طور الإفلاس، في حين كانا يتلقّيان الأقساط الدراسيّة من أشخاص طامحين إلى تعلّم كيفية التحوّل إلى أثرياء!
ويقول الكاتب إنّ ترامب لم يحافظ حتى على تعهّده باختيار الأساتذة بنفسه. ففي العام 2012؛ عندما تمّت مقاضاة ترامب بتهمة الاحتيال المدنيّ؛ قرأت محامية الادّعاء أمام ترامب أسماء أساتذة الجامعة واحدًا بعد الآخر… لم يقدر ترامب على التعريف بأيّ منهم. فعندما طلبت المحامية من ترامب أن يسمّي لها واحدًا من الأساتذة في “جامعة ترامب”، كان جوابه: “أنا لا أعرف الأساتذة”!
ويشير الكاتب إلى أنه من المضحك أن يدّعي أحد ان “جامعة ترامب” كانت تقدّم مستـوًى من التعليم أرفع من جامعات التجارة المعروفة. فقد اعترف ترامب بنفسه بأن مايكل سيكستن، الذي عيّنه هو لإدارة الجامعة، لم يكن يمتلك خلفيّة معتَــبَــرة وموثوقة في عالم العقارات.
وعندما سألت المحامية ما إذا كان شخص لا خبرة له في مجال العقارات، مخوَّلًا أن يقدّم دروسًا في المجال مقابل عشرات آلاف الدولارات… أجابها ترامب: “لا يمكنني الإجابة… لا علم لي بخلفيّته العلمية والعَمَلية… أنا فعلًا لا أعرف”.
ويقول الكاتب إنّ دعويَينِ قضائيتينِ رُفعتـا ضدّ ترامب وجامعته، ادّعتـا أنّ مشروعَ ترامب هذا هو عبارة عن محض دَجَـل.
وقال محققو “حماية المستهلك” إنّ ما قدّمته “جامعة ترامب” لا يرقى إلى حداثة المادة المعلومية التي ينبغي إيصالها إلى الدارسين، وإنه غير مطابق للمعايير المعرفية الخاصّة بالعقارات تحديدًا، وإنه عمومًا غير ذي قيمة عَمَلية.

جون بارون هو دونالد ترامب!
لسنوات؛ كان دونالد ترامب يجري مكالمات هاتفية مع صحافيين معتمدًا اسم “جون بارون” للتعريف عن نفسه. لقد ساعد هذا في إضفاء مصداقية على أخبار أراد ترامب ذياعها لدى الرأي العام. فباستعمال اسم “جون بارون”، أذاع ترامب لوسائل الإعلام خبرًا ساخنًا عن فريق كرة القدم “نيو جيرسي جينيرالز” الذي يملكه… ثـمّ باستعمال اسمه الحقيقيّ، صدّق ترامب الخبرَ الذي أذاعه “جون بارون”؛ ما حدا الصحافة على نشر المعلومة.
لكنّ ترامب لم يعتمد الأسماء الوهميّة للترويج لأعماله فحسب؛ بل اعتمد كذلك أسلوب التهديد والتخويف لردع أعدائه.
لقد تمّ عرض وثائقيّ لاذع، بعنوان “ترامب: ماذا هناك؟”، أخرجته صانعة الأفلام “ليبي هاندروز”، في العام 1991؛ لمرّتينِ فقط. فبسبب تهديد ترامب بمقاضاة وسائل الإعلام التي تبثّه، عَـدَلَ الموزّعونَ ووسائل الإعلام عن عرضه.
لكن بعد إعلان ترامب حملتَه الرئاسية في العام 2016؛ نشرت هاندروز المَشاهد الترويجية لفيلمها اللاذع عن ترامب، على الإنترنت. شاهده مليون شخص. ثمّ عمدت هاندروز إلى نشر الفيلم ذي الثمانينَ دقيقة بكامله على “يوتيوب”، فشاهده نصف مليون شخص.
يقول الكاتب إنّ ترامب توقّف عن استعمال اسم “جون بارون” بعد أن فضَح الوثائقيّ استعمالَ ترامب اسمًا وهميًّا (“جون بارون”) أمام بعض الصحافيين في نيويورك، الذين وقعوا ضحيّة الاسم الوهميّ من قَبل. ثم تحوّل ترامب بعدها إلى استعمال اسم “جون ميلر”!

يحرص على صورة لامعة
يقول الكاتب إنّ دونالد ترامب يعتمد استراتيجيتين لإدارة صورته الباهرة لدى الرأي العامّ، التي استغرق عقودًا في خلقها وتلميعها وترويجها. استراتيجيته الأولى هي أنه يهدّد بمقاضاة الصحافيين الذين ينتقدونه، فيضمن بذلك حذر وسائل الإعلام والناشرين من الدعاوى القضائية الباهظة الثمن. وهذا يضعف مستوى الإلمام الصحافي بحيثيات أعمال ومغامرات ترامب.
ولقـد أمضى ترامب سنتينِ في مقاضاة المؤلّف تيم أوبراين والدار الناشرة لكتابه، لأنه كتب أن ثروة ترامب ليست على الأرجح بالمليارات، بل تقدَّر بمئات الملايين من الدولارات. أوضح ترامب جليًّا أنه أراد بذلك مضايقة وإزعاج أوبراين فحسب، لا أن يكسب بدل أضرار بالدعوى القضائية بالضرورة. وقال ترامب إنه أراد أن يجعل حياة أوبراين تعيسة، وأنّ هذا ما كان فعلًا يسرّه… هي فلسفة الثأر عند ترامب!
أما استراتيجيته الثانية؛ فإنه يشوّه المعلومات ويناقض نفسه، ويصدّ الاستفسارات التي يقدّمها صحافيون والمحامون المدّعون ضدّه.
ففي صبيحة يوم جمعة، يقول الكاتب، اتصل ترامب ببرنامج “ذا توداي شو” “The Today Show” الذائع الصيت. وكان قبل ذلك اليوم بخمسة وعشرين عامًا، البرنامج قد أذاع خبرًا عن علاقة عاطفيّة بين ترامب وكارلا بروني (عارضة الأزياء التي تزوّجت بعدها بأعوام عدّة الرئيسَ الفرنسيّ السابق نيكولا ساركوزي)؛ معتمدًا على خبريّة أذاعها ترامب بنفسه للإعلام معتمدًا اسمًا وهميًّا.
ومع ترشّح ترامب للانتخابات الرئاسية للعام 2016، برزت قصة خبر علاقته ببروني في الإعلام من جديد. وكانت جريدة “واشنطن بوست” The Washington Post، قبل اتصال ترامب ببرنامج “ذا توداي شو” بيوم واحد؛ قد نشرت تحقيقًا عن استعمال ترامب لأسماء مستعارة، هي “جون بارون” و”جون ميلر”. وقد نشرت الصحيفة على موقعها الإلكتروني تسجيلًا صوتـيًّا يعود إلى العام 1991، يبرز فيه صوت “جون ميلر” يتحدث إلى مجلة “بيبول” People. فسألته مقدّمة البرنامج الصباحي، سافانا غوثري: “هل هو صوتك في التسجيل؟”… فأجاب ترامب: “لا؛ لا علم لي مطلقًا بالموضوع… فأنتِ تخبرينني به للمرة الأولى”.
يقول الكاتب إنّ ترامب كذب بقوله ذلك؛ إذ إنّ جريدة “واشنطن بوست” كانت قد سألته عن الموضوع عينه قبلَ نشرها للتحقيق في اليوم السابق.
وأكمل ترامب متحدثًا إلى غوثري: “لا يبدو الصوت صوتي في التسجيل بتاتًـا… وإن ثمّة الكثير من الأشخاص الذين يحاولون تقليد صوتي؛ ولا غرابة في ذلك”.
ثـمّ وبّخ ترامب الإعلامية غوثري لسؤالها عن التسجيل الصوتي؛ بقوله: “كان ذلك منذ 25 عامًا… أنتَ تنحطّينً بسؤالك لي عن شي حدث منذ 25 عامًا!”.
يقول الكاتب إنّ ترامب لا يريد للصحافيين أن يخبروا الرأي العام، لا سيّما المقترعين في الانتخابات منهم، عن أي شيء في ماضيه ممّا في يلطّخ الصورةَ اللامعة التي يجتهد في ترويجها عن نفسه في الإعلام.

هادي نعمة كاتب لبناني
الكتاب: The Making of Donald Trumpالمؤلف: David Cay Johnstonالناشر: Melville House Publishingسنة النشر: آب – أغسطس 2016
المصدر: الميادين نت

عن مركز بيروت

شاهد أيضاً

كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف والتشبيهات”

بقلم: ضياء الدين الأسود* — يُنسب كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف والتشبيهات” الصادر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *