الرئيسية / ترجمات / عقيدة الأمن القومي وموقع الجيش في المجتمع الإسرائيلي

عقيدة الأمن القومي وموقع الجيش في المجتمع الإسرائيلي

يوآف غلبير –  – ترجمته عن العبرية: يولا البطل .- نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية-  
عندما وضعت حرب الاستقلال [1948] أوزارها، كانت إسرائيل دولةً صغيرةً،فقيرة،
بناها التحتية مدمّرة، معتمدة كلياً على استيرادرؤوس الأموال والسلع الأساسية،
محاطة ببيئة رافضة لوجودهاوالاعتراف بسيادتها،واستوعبت في غضون أربعة
أعوام عدداً من السكان [الهجرةاليهودية] غير المتجانسين بلغ أكثر من ضعفي عدد
سكانها. وقد تبلورت عقيدتها الأمنية من صميم هذا الواقع استناداً بادئ بدء إلى
المعطيات الجيوسياسية التي كانت قائمة في نهاية حرب الاستقلال [1948]. ومع أن
هذه العقيدة الأمنية لم تتم صياغتها في وثيقة ملزمة، إلا أنها عبّرت عن طريقة
التفكير لدى قيادة الجيش الإسرائيلي وكذلك لدى القيادة السياسية،وهو ما انعكس في
تركيبة الجيش وأهدافهومخططاته. وهذه العقيدة مبنية أساساً على فرضيّتَيْن :
1) أن حدوددولة إسرائيل (الخط الأخضر) من الصعب الدفاع عنها، بل ان
الدفاع عنها من شبه المستحيل عملياً. ونسبة مساحة الدولة (20,500 كلم مربع) إلى
طول حدودها البرية (988 كلم) تعني أنه ليس لديها عمق [جغرافي واستراتيجي] أو
حتى حيّز مكاني للمناورة بالمفهوم التكتيكي. وغياب العمق معناه أن الخطر على

إسرائيل سيكون أشد بسبب عدم وجود عوائق طبيعية على امتداد خط الحدودالبرية
الطويل .
2) كان معظم السكان ضمن معطيات الخط الأخضر، في مرمى مدفعية العدو .
وحتّمت هاتان الفرضيّتان استخلاص الاستنتاجَيْن الأساسيين التاليين:
1) ينبغي على إسرائيل أن توجد العمق الذي تفتقر إليه من خلال إدارة المعركة
إلى في ماوراء الحدود، في أرض العدو. وترجم هذه المبدأ في البداية بمصطلحات “نقل
الحرب إلى أرض العدو في أقرب وقت ممكن”،ومن ثم “الهجوم الاستباقي المضاد”،
ولاحقاً “الحرب الوقائية” التي تعني عملياً المبادرة إلى شنّ الحرب .
2) يجب أن يكون سلاح الجو الذي تنشئه إسرائيل قوياً إلى حدّ يمكّنه من
الدفاع عن القوات البريّةوعن السكان، من خلال التصدي ليس فقط لأسلحة الجو
المعادية،وإنما لمدفعية العدو،وعملياً، الحسم السريع للمعركة البريّة .
لقد استُمدت عقيدةُ إسرائيل الأمنية من هذين الاستنتاجين،ومن محدودية الموارد
البشريةوالمالية التي أَمْلت بناءَ جيش نظامي صغير الحجم مدعوم بميليشيا كبيرة
من قوات الاحتياط. وحدّدت هذه العقيدة هيكلية الجيش الإسرائيلي وحجمه،والتوازن
بين مكوّناته اخملتلفة،وعقيدته القتالية،وتخطيطاته العملانية. وطُبّقت هذه العقيدة
جزئياً إبان حرب سيناء [1956]،وبالكامل إبان حرب الأيام الستة [1967].
أفضت حرب الأيام الستة إلى تغييردوافع الدول العربية لخوض حرب أخرى مع
إسرائيل،فقد كانت هذه الدول حتى ذاك الحين منخرطة في النزاع بحكم التضامن مع
الفلسطينيين، أوبسبب مصالحها في أرض إسرائيل [فلسطين]. وأضحى النزاع (ولا
يزال بالنسبة لسورية) نزاعاً على السيادة،وعلى وحدةوسلامة أراضيهاوكرامتها
الوطنية بالنسبة لمصروسورية (الوضع بالنسبة للأردن مختلف). وعلى عكس ما
توقّعته إسرائيل، لم تؤد هذه الحرب إلى إفاقة الدول العربية (بالمفهوم الإسرائيلي) من
الوهمالفلسطيني،وقبولها الواقع الذي أعقب حرب الاستقلال [1948]،فإسرائيل
اعتقدت آنذاك أنها انتصرت في الحرب، في حين أن العرب اعتقدوا أنهم خسروا معركةً .
وكانت التغيرات الجيوسياسية تقتضي إعادة تفحّص العقيدة الأمنية التي تبلورت في
مطلع خمسينيات القرن الماضي من أساسها بهدف تكييفها مع الواقع المستجد. لكن
هذا الأمر لم يتم. فبقي الجيش الإسرائيلي وإسرائيل معتمدين على عقيدةأمنية صيغت15
في الخمسينيات من خلال الواقع الذي أعقب حرب الاستقلال، مع أن ذلك الواقع شهد
تغيّراً ملحوظاً. وإذا كان ثمة “تقصير” حدّدنتائج حرب يوم الغفران [1973]،فهذا
كان هو التقصير. فقد خاضت إسرائيل حرب 1973 وكأنها تخوضها من حدودالخط
الأخضر،وما ينطوي على ذلك من تهديدات: من داخل خطوط غير مرنةومن دون
استغلال العمق الجغرافي لإدارة معركة الدفاع حيث كان من الممكن استغلاله،ومن
خلال الاعتمادالكبير على سلاح الجو من دون أخذ محدودياتهوسلم أولوياته في
الحسبان،ومن خلال السعي إلى نقل الحرب في وقت مبكر إلى أرض العدو على حساب
الجهوزية الكاملة الملائمة للدفاع واستيعاب الهجوم الأول في الظروف التي اندلعت
فيها الحرب .
وطرأت تغيرات إضافية اعتباراً من حرب يوم الغفران: استقرت علاقات إسرائيل
بالدول العربية،ونتيجة لذلك عادالفلسطينيون إلى صدارة النزاع. وظهر الإسلام
الأصولي الذي يهدّدالاستقرارالعالمي والإقليمي. لم يعد العدودولاً بل بات تنظيمات.
وطرأت تغيرات عديدة على ميزان القوى العالمي بعد سقوط الاتحادالسوفياتي. ولم
يعد الخطاب الغربي خطاب “البقاء على قيد الحياة” ولكنه صار خطاباً متمحوراً حول
“الحقوق”. وبرزت المنظمات غير الحكومية (NGOs) والمقاربة القانونية للعلاقات
الدولية،وثورة المعلومات- وكل هذه الأموروفّرت لدولة إسرائيل بيئة مختلفة كلياً .

أساسيات الوضع الجيوسياسي الحالي هي التالية:
1) تقليص تدريجي لمساحة الدولة منذ التوقيع على الاتفاقات المرحلية في
أعقاب حرب يوم الغفران. ولا تزال الحجة التي تساق حول تراجع أهمية المساحة
[العمق الجغرافي] في ضوء المعطيات التكنولوجيةوالعسكرية في فترة “ما بعد
الحداثة”، تحتاج إلى برهان على صحتها؛والركون إليها في عملية أخذ اخملاطر من
قبيل اجملازفة؛
2) إسرائيل مرتبطة بمعاهدات سلام مع كل من مصروالأردن؛ولديها حدود
معادية مع كل من لبنان والسلطة الفلسطينيةوحركة حماس في قطاع غزةومع
سورية؛والمشكلات على هذه الحدودوكذلك على الحدودالمصرية، هي مع تنظيمات
وليست مع جيوش نظامية.16
3) امتد نطاق العدائية الفاعلة إلى [جبهةدول] الطوق الثاني، العربية
والإسلامية: العراق، إيران، ليبيا، السودان،وإلى حد معين أيضاً، تركيا؛
4) تغيّر العالم فأضحى أحادي القطب.وإسرائيل مرتبطة بتفاهم استراتيجي
أساسي مع القوة العظمى الوحيدة، لكن ليس واضحاً إلى متى يستمر هذا الوضع على
حاله،وإلى أي حد يمكن الاعتماد على هذه القوة العظمى في المستقبل إذا تغيّرت
مصالحها أو حدثت فيها تغيرات داخلية؛
5) تحوّلت الولايات المتحدة اعتباراً من العام 1974 من دولة راعية لإسرائيل
إلى وسيط بينهاوبين الدول العربيةوالفلسطينيين؛
6) توسّع إنتاج الأسلحةالنووية،والكيميائية،والبيولوجية،وأسلحة الدمار
الشامل،ووسائل [منظومات] إطلاقه آخذ في التوسع.
وهذه المعطيات جعلت إسرائيل عرضةً للتهديدات العسكرية التالية :
1) الإرهاب الداخلي ضد المراكز السكانيةوالطرق الرئيسية في دولة إسرائيل.
وتجلى التأثير المتنامي والمتراكمللإرهاب الموجّه ضد اجملتمع الإسرائيلي في أوقات
اللاحرب إبان الأعوام الأخيرة. ومن شأن التغطية الإعلامية التي تحظى بها العمليات
الإرهابيةومفاعيلها السيكولوجية، أن تزدادإبان الحرب، إذيفضّل المراسلون تغطية
الحوادث الإرهابية ضد الجبهة الداخلية على الاكتفاء بتغطية القتال على الجبهة؛
2) انتفاضة جديدة مسلحة،وحرب عصابات يشنّها الفلسطينيون ضد الجيش
الإسرائيلي، في محاولة للسيطرة على المنطقة (ب) أو منع دخوله إلى المنطقة (أ)؛
3) حرب أهلية بين الفلسطينيين والمستوطنين في المنطقة (ج)؛
4) حرب تقليدية ضددولة عربية على جبهةواحدة أوأكثر؛
5) حرب ضد الجبهة الداخلية، على غرار حرب الخليج في 1991، أو كما جرى
إبان حرب لبنان الثانية،وضد المستوطنات المحيطة بقطاع غزة “بعد الانفصال”؛
6) تضافر كل المذكورأعلاهوصولاً إلى حرب شاملة تتحقق فيها جميع
التهديدات المذكورة عملياً .
وتُضاف إلى التهديدات العسكرية سلسلة من التهديدات غير العسكرية لا تقل خطورة
عنها،وهي :17
1) حرب اقتصادية، على غرار تجديد المقاطعة الاقتصادية؛ومحاولة إغلاق
طرق الملاحة البحريةوالجوية الدولية، أو على الأقل، تهديدها مما يستوجب حمايتها
لضمان سلامتها؛
2) حرب سياسية بهدف عزل إسرائيل دولياً استعداداً للحرب، أوتوظيف نجاح
هذه الحرب من أجل قطف ثمارها في السياسية؛
3) حرب سيكولوجية – دعائية للتخويف و/أوالتخدير- من خلال استغلال
وسائل الإعلام العالميةوالمحلية؛
4) تخريب داخلي، عربي ويهودي، يخدم الحرب السياسيةوالسيكولوجية من
الخارج .
في مواجهة بعض هذه التهديدات أو كلها مجتمعةً، على إسرائيل أن تحدّث عقيدتها
الأمنيةوتبني قوتها استناداً إلى هذه العقيدة المحدّثة. وبمعنًى ما، عدنا إلى المعطيات
الجيوسياسية للعام 1949،وبتعبير آخر: عادالسكان ليعيشوا في مرمى الصواريخ
هذه المرة بدل المدفعية في ظل انعدام العمق الجغرافي في مواجهة التهديدات غير
التقليدية .

الردود على التهديدات اخملتلفة تنقسم إلى أربعة :
1) منع تنفيذ التهديدات بوسائل سياسية من خلال تجنيد الحلفاءوتفعيلهم،
و/أوالموافقة على تقديم تنازلات على أمل، أواعتقادأوافتراض أن ذلك سيؤدي إلى
تقليص دوافع الطرف الثاني لتحقيق تهديداته (مثل الانسحاب من لبنان أوالانفصال
عن قطاع غزة)؛
2) إعدادردود تحبط التهديدات الملموسة، مثل برنامج “حيتس” (آرو)،و”القبة
الحديدية”،و”العصا السحرية” بهدف إحباط التهديدات ضد الجبهة الداخلية، بالإضافة
إلى الخط الأزرق الفاصل على الحدوداللبنانية،والجدار العازل في الضفة الغربية،
والسياج الحدودي الفاصل مع شبه جزيرة سيناء؛
3) تعزيز القدرة على استيعاب الهجوم من أجل إضعاف أثر التهديدات اخملتلفة
والتمكّن من التصدي لها؛18
4) إنشاء تهديدات مضادة تؤدي إلى ردع الطرف الثاني عن تنفيذ تهديداته في
اجملالات العسكرية،والاقتصادية،والتآمرية،وإحباط أوتشويش قدرته على تنفيذها
أوإعاقتها .
إن تعددالتهديدات وتنوعها يستوجبان منظومة مؤسساتية منسَّقة لمعالجة جملة
التهديدات مجتمعةً على مستوى الأمن القومي، لأن الجيش والوزارة المسؤولة عنه لا
يوفّران الردالمناسب على بعض هذهالتهديدات. فالإرهاب، على سبيل المثال، تهديد لا
يستطيع الجيش بتركيبته الحالية التصدي له حتى في أوقات اللاحرب؛ علماً بأن هذا
التهديد يتفاقم إبان الحرب. وبمقدورالجيش ومن واجبه حقاً، المساعدة على التصدي
له، لكن ليس عليهقيادة المواجهة؛وهذا ينسحب أيضاً على الانتفاضةوالحرب
الأهلية،ولا سيما أن الجيش معدّ للرد على تهديدات الحرب التقليدية المحدودة أو
الشاملة،والنظامية أوالصغيرة. وانشغال الجيش في مواجهة التهديدات الأخرى يتم
على حساب استعداده للحرب، كما أن كفاءات رجال الجيش هي أولاًوقبل كل شيء في
اجملال العسكري. وهنا ينبغي إشراك مجلس الأمن القومي. وهناك مبررات أخرى
لإنشاء هكذا مجلس .
إن البيئة الجديدة (ليست جديدة تماماً) تستدعي إعادة معاينة من الأساس لعلاقات
القيادة السياسية بالجيش،ولمفهوم القائد الأعلى للجيش،ولمكانة رئيس الحكومة
النسبية،ومكانةوزير الدفاع والحكومة مجتمعةً، تجاه الجيش والأجهزة الأخرى، سواء
الأمنية أوالمدنيةذات الصلة بالأمن في حالات الطوارئ.
فالجيش الإسرائيلي هو الجيش الوحيد في العالم الذي تتكوّن قيادته العليا من فريق
مؤلف من أكثر من 20 شخصاً،وهذا يعني أنه لا يوجدقائد أعلى للقوات المسلحة
(على غراررؤساء جمهورية كل من الولايات المتحدة،وروسيا،وفرنسا، أو ملكة إنكلترا
التي تمنح صلاحياتها في أوقات الطوارئ لرئيس الحكومة).وهذا الوضع يولّد نقاط
ضعف في أوقات اللاحرب،ويمكن أن يصبح حرجاً إبان الحرب .
إن التوافق الشخصي بين وزير الدفاع ورئيس الحكومة هو ركيزة أساسية في هيكلية
السلطة لدولة إسرائيل،وهو يكفل مصدراًواضحاً للصلاحيات وعنواناً لتحمل
المسؤولية. وفي كل مرةتشغل هذين المنصبين شخصيتان مختلفتان تنشأ مشكلات
في أوقات الطوارئ (مثلاً: بين شاريت ولافون،وشاريت وبن غوريون،وإشكول19
ودايان،وغولدا مئيرودايان،ورابين وبيرس في أثناء عملية عنتيبي [أوغندا]،وبيغن
وإريك [أريئيل] شارون أثناء اجتياح لبنان سنة 1982)، حتى لو كان يبدو ظاهرياً أنه
في الأوقات العادية هناك ميزات لشغل المنصبين من قبل شخصين مختلفين (وزير
بدوام كامل لشؤون الدفاع). وتكمن جذور المشكلة في ضبابية مصدر الصلاحيات
وفي قدرة رئيس هيئة الأركان العامة على المناورة بين رئيس الحكومةووزير الدفاع،
وبينهوبين الحكومة مجتمعةً (على غرار مافعلهدودو[دافيد أليعيزر] في يوم الغفران
وموتي [مردخاي] غور في عنتيبي، أوقضية العلاقات بين باراك وأشكنازي).
فمن أجل أن يتمكّن رئيس الحكومة من استخدام صلاحياتهوتحمّل مسؤولية الأمن
القومي،فإنه يحتاج إلى مجلس للأمن القومي بالمعنى الواسع للمفهوم، أي مجلس
قادر على التعامل مع مجمل التهديدات المذكورة آنفاً،ويتمتع بصلاحيات التنسيق
والإشراف على جميع المنظومات والأجهزة المعنية بمسائل الأمن القومي،والتي تقع
المسؤولية عنها على عاتق الوزارات اخملتلفة. وهذا ليس حال مجلس الأمن
القومي الحالي.
إن الردالمطلوب على التهديد الصاروخي والإرهابي ضد الجبهة الداخليةوعلى أشكال
القتال غير العسكرية، لا يمكن أن يقدّمه إلا مجتمع متأهب. ولا يكفي لذلك جيش
متأهب وردودتكنولوجية،والفجوةبين خطورة التهديدات والوضع الحالي للمجتمع
المطالَب بمواجهتها، هي المسألة الرئيسية التي ينبغي أن يعالجها صائغو عقيدة
الأمن القومي. وتتجلى هذه الفجوة بالتالي :
1) التهديدوجودي،وعلى الجماعة بكاملها،والكل عرضة له.ويعرّضسلامة
الجميع. لكن اجملتمع في المقابل يشهد مسارات فردانية تؤدي إلى انفراط عقده،
وينصب اهتمام اجملتمع على الفرص واخملاطر الشخصية التي تواجهالأفرادوأسرهم .
2) إن مواجهة جملة التهديدات التي تواجه الدولة تقتضي مقاربة براغماتية،
مرنةومتوازنة؛ لكن اجملتمع في غالبيته،وفي طرفي الطيف السياسي، مستغرق، في
أحد طرفيه، في “مشيحانية” ساذجة غافلة عن الواقع والتهديدات المكتنفةفيه،وواثق
في العناية الإلهية أو، في الطرف الثاني، ما يوازيها- أي في السلام .
3) إن الاستعداد لمواجهة التهديدات يكلّف ضحاياوأموالاً اجملتمع غير مستعد
لبذلها. وعليه،فهو يكبت الوعي بأن غياب الجاهزية يكلف في نهاية المطاف أكثر
بكثير من الاستعداد، ضحاياودماء مسفوكة .20
4) يقتضي التصدّي للتهديدات رصَّ الصفوف في حين أن اجملتمع يتفرّق إلى
مجموعات من أصحاب المصالح،والطوائف والعشائر. وتحت الضغط، مثلما حدث إبان
حرب الخليج الأولى، ينشأوضع يكون فيه “كل رجل مسؤولاً عن نفسه”.
5) تنساق قيادة زمن الانتخابات المبكرة [للكنيست] خلف هذا الوضع وتذعن
له إرضاءً لقاعدتها الانتخابية .

في هذه الظروف يتحو ّل مفهوم جيش الشعب من مصدر قوة إلى مكمن ضعف
إن التهديدات في معظمها تهديدات كامنةوليست آنية. ويستغرق تحولها من تهديدات
بالقوة إلى تهديدات بالفعل فترة زمنية معينة. وفي غضون ذلك، يروق للجمهور
الاعتقادبأنه مادام الأمر كذلك فلديه متسع من الوقت للتأقلم مع الوضع الجديد.
ولكن، هل سيكون لدينا الوقت الكافي لتكييف أنفسناوالانتقال من التهديد بالقوة إلى
التهديد بالفعل؟وبتعبير آخر: هل سيكون لدينا إنذار استراتيجي في الوقت المناسب
(على افتراض أنه إذا حدث إنذارفإنه سيؤثرفينافعلاً).
بعد حرب الأيام الستة [1967]، بقيت عقيدة إسرائيل الأمنية التقليديةولا تزال تستند
إلى ثلاثة ركائز:
1) الردع، أي ردع العدو كي لا يبادر إلى تنفيذ تهديداته بسبب ما سيصيبه من
أذى من جراءذلك. ويكمن ضعف هذا المبدأ في أنه صالح فقط إذا ما ارتدع العدو. ومن
السهل أن نجد أنفسنا في وضع يكون فيه الردع مجردوهم، مثلما حدث في السنوات
التي سبقت حرب يوم الغفران [1973] .
2) الإنذار [الاستراتيجي] الذي ينبئ بأن العدو لم يرتدع وأنه ينوي تنفيذ
التهديد الكامن،ويسمح هذا الإنذاربالاستعدادقبل موعد تنفيذ التهديد.
3) الحسمالسريع، عن طريق إلحاق هزيمة ساحقة بالعدوتؤدي إلى تدمير
قوته القتاليةوروحه المعنويةوعزيمته على مواصلة القتال. ويكمن ضعف هذا المبدأ
في أن تقديرنا لقوةوإرادة العدوالقتالية ليس دائماً مطابقاً لتصوّرات العدو. فمن كل
الحروب التي خاضتها إسرائيل،وحدها حرب الاستقلال [1948] انتهت بحسم
عسكري فرض على الطرف الثاني تسوية سياسية،وكان ثمن هذا الحسم باهظاً .21
سقطت هذهالركائز الثلاث في حرب يوم الغفران [1973]: خسرنا الردع دون أن ندري
ذلك،وبعبارة أخرى، خسرنا أيضاً الإنذار الذي يتيح لنافترة كافية للتصرف. ولم
تتجاوز مدة الإنذارالفعلي عن حرب وشيكةفترة 10 ساعات. ولم تفضِ الحرب إلى
حسم سريع،واضطرت إسرائيل إلى إبقاء جيشها في حالة تأهب طيلة أشهر بعدوقف
إطلاق النار. وعلى مقياس أصغر بكثير، سقطت المبادئ الثلاثة أيضاً في حرب ذات
طابع مختلف داخل الحزام الأمني في [الجنوب] اللبناني.
إن نقطة الضعف الرئيسية في عقيدة الركائز الثلاث هي مركزية مكانة الإنذار
الاستراتيجي،والانتقال المباشر منه إلى الحسم السريع. وتعلمنا تجربة الماضي أن
التهديدات يمكن أن تتحقق (وهي تتحقق بصورة عامة) من دون أن يكون هناك إنذار
عن قرب تحققها. فالفحوى الحقيقية للإنذارالاستراتيجي ليست معرفةاستخباراتية
ملموسة،ولكنها عملية معقدة من الحصول على المعلومات المنذرةوإدراك مغزاها
واستخلاص الاستنتاجات الملائمةواتخاذالقرارات الصائبة المطلوبة. ولا وجود
لإنذاراستراتيجي في غياب كل هذهالأمور. وبناءً على تجربة الماضي وعلى جميع
المواجهات التي لم يبادئها الطرف اليهودي في النزاع اليهودي- العربي اعتباراً من
1920، يمكن إثبات أن فرص إحراز هكذا إنذار شامل مستقبلاً شبه معدومة.
كما تعلمنا تجربة الماضي مدى صعوبة تشخيص تحولات أساسية أكثر، تسبق تحقّق
التهديد،والتي من الحيوي إدراك معناها لغرض تلقي الإنذار الملموس بالدلالة
الموضحة أعلاه. وفي الحالتين، إن الاعتماد على الإنذار المبكر، الطويل أوالقصير
الأمد، من الممكن أن يظهر لاحقاً كرهان خطرذي فرص قليلة منذ البداية. ففي
التهديدات المحدودةوالمحلية يكون الثمن خسائر بشريةوهزائم مؤقتة إلى حين
استقرار الوضع وعودته إلى سابق عهده، أوإحراز مكاسب توازي مكاسب الخصم. لكن
إذا تحقّقت التهديدات الشاملةفقد يكون الثمن ذا أبعادوجودية.
إن البديل عن الإنذارالاستراتيجي هوقدرة استيعاب الهجوم. والمعطيات الجغرافية،
والديموغرافية،والاقتصادية لدولة إسرائيل تؤدي إلى خفض قدرتها على امتصاص
الضربة بدرجة كبيرة،وأي تنازل عن مساحة من الأرض يترتب عليه تقليص إضافي
لهذه القدرة. بيد أن القدرة على استيعاب الهجوم مرتبطة بتماسك اجملتمع ومناعته
وبالانضباط العام وإطاعة السلطة بماقد يعوّض النقص بالمفهوم الجغرافي22
والديموغرافي. لكن قدرة الاستيعاب- وربما أيضاًقدرة الردع- متضررةومتأكلة منذ
سنوات من جراء الخلافات الأيديولوجيةوالاجتماعيةوالسياسية المتفاقمة .
وعليه، يطرح السؤال حول ما هو عملي أكثر: هل هو إعادة عجلة التطورات الاجتماعية
إلى الوراء، أوالاستعدادالمناسب لمواجهة الواقع الجديد؟،وإذا استقرّ الرأي على
الاحتمال الثاني،فينبغي معاينة الفرضيات الأساسية التي حُدّدت في ظل ضرورات
الأيام الأولى من عمر الدولة،وملاءمتها لدولة تبلغ من العمر 66 عاماًوهي على
مشارف سنّ التقاعد. فالبنى القيميّةوالديموغرافيةوالاقتصاديةوالتكنولوجية لدولة
إسرائيل والجيش الإسرائيلي منذذلك الحين قد تغيرت تماماً. وينبغي أن تنعكس هذه
التغيرات على إعادة معاينة مكوّنات الجيش الثلاثة بموجب قانون الخدمة العسكرية
الإلزامية،وسائر مكونات الأمن القومي .
الجيش النظامي: إن المهمة الأصلية لنواة الجيش النظامي في القوات البرية كانت
تدريب الجنودالذين يؤدون الخدمة الإلزامية،وإعدادهمقبيل خدمتهم في قوات
الاحتياط،والمحافظة على إطارات ثابتة من تشكيلات الاحتياط من أجل تمكينها
عندما تقتضي ضرورةاستدعائها من الدخول في القتال بسرعةفائقة؛وبسبب
طبيعة سلاحي الجووالبحر الخاصة،فقد استندا من البداية إلى الجيش النظامي
بدرجة أكبر سواء في اجملال العملاني أوالإداري. وبصورة عامة كان رجال
الجيش النظامي يخدمون حتى عمر الأربعين، ثميُسرّحون فيتابعون مسيرة
مهنية ثانية في مجالات الإدارةوالاقتصادالعام والدبلوماسية،ولاحقاً في قطاع
الأعمال والتجارةوالأكاديمياوالسياسة.
أما في الظروف الاستراتيجيةوالاجتماعية الماثلة أمامنا،فسيضطر الجيش
النظامي إلى أن يكون أساس القوة،وليس فقط نواة القوة المحترفة المشرفة على
تدريب جنودالخدمة الإلزامية،وسيكتّل حولهقوات الاحتياط. وهذا التغيير
الأساسي في مهمة الجيش النظامي سيؤثر في حجمه،وفي إطار مهام القيادة
والتحكم،وفي المهام اللوجستيةوالمتخصصة التي ستوكل إليه،وهذا إطار أشمل
بكثير من السابق .
وفي ظل ظروف القرن الحادي والعشرين، سيتوجب تغيير تصور المهنتين، بسبب
حاجات التدريب المهنية العسكرية التي ستكون أطول بكثيروتستدعي إطالةفترة23
خدمة الضباط في المناصب القياديةوتكريس وقت أطول للدورات [التعليمية
ص فرص المهنة
والتدريبية] واستكمال التحصيل المطلوب؛وأيضاً، بحكم تقلُّ
الثانية من جراء النمو الداخلي في فروع الاقتصادوالأجهزةالمتعددة .
إن بناء جيش محترف كبير يقتضي تخطيطاً شاملاً للتدريب العسكري
المتخصص واستكماله الأكاديمي على مدى المسار الوظيفي من ضمن منظور
بناءقدرات الضباط على المدى البعيد، بينما المنظور السائد اليوم هو شروط
الخدمة [توصيف الوظائف العسكرية]،وهو يركّز على جاذبية الخدمة في الجيش
النظامي،والتحضير للتسريح من الجيش [التقاعد] ومزاولة مهنة ثانية .
إن المهنة الثانية تلحق ضرراً بالغاً بالمستوى الاحترافي للجيش، إذيستغرق
إعداد ضابط في الجيش الإسرائيلي على افتراض (غير صحيح دائماً)، أنه اجتاز
بنجاح دورات تأهيل الضباط، كدورات قادة السراياوالكتائب [في القوات
البرية]،ومدرسة القيادةوالأركان،فترة عامين، من أصل فترة خدمة (للعقيد في
الجيش) تراوح بين 20 و25 عاماً. وتجدر الإشارة إلى أن إعداد كولونيل في جيش
غربي يستغرق خمسة أعوام في الولايات المتحدة،وثمانية أعوام في الجيش
البريطاني،وتسعة في الجيش الفنلندي،وعشرة في الجيش الألماني من أصل 35-
40 عاماً في الخدمة. كما أن فرص تطبيق الإعدادالأساسي للضباط من خلال
أعمال التدريب وبرامج الاستكمال ضئيلةقياساً بجيوش أخرى. وبيت القصيد هو
التالي: إنه جيش من الهواة .
إن تجربة الحروب التي خاضها الجيش الإسرائيلي أخفت في الماضي، إلى حدّ ما،
التأهيل السطحي والتدريب، لكن هذا الأمر انعكس أيضاً في الثمن الذي تكبدناه
في هذه الحروب. إن جيشاً يرتكز إعداده بشكل مفرط على التجربة سيكون
بالتأكيد مستعداً لخوض الحرب على منوال آخر حرب خاضها،وتمرّس بها .
وهناك سبب آخر للعزوف عن المهنة الثانية هو تضاؤل الفرص المتاحة حالياً.
ففي أولى مراحل بناء الدولة، تهافتت المؤسسات وفروع الاقتصادالجديدة
والمزدهرة على توظيف الضباط المتقاعدين. أما اليوم،فتشهد هذه المؤسسات
والفروع نمواًداخلياًولم تعد تستوعب الضباط المسرحين من الجيش النظامي
الذين يعانون من صعوبة الحصول على وظائف ملائمة بعد تسريحهم،فيتوجهون24
إلى الانخراط في الحياة السياسية. وهذا لا يماثل وضع الضباط في حرب
الاستقلال [1948] الذين بدأوا مسيرتهم في الحقل السياسي ثم استأنفوها بعد
انتهاءفترة خدمتهم في السلك العام للجيش الإسرائيلي، بل همأشخاص ينتقلون
من الجيش إلى الحقل السياسي،ولا يبدوأن المهارات الخاصة التي اكتسبوها
خلال إعدادهموتجربتهم في الجيش ذات فائدة في هذا الحقل.
كما أن تركّز المهنة الثانية للنخبة العسكرية في الحقل السياسي له تداعيات
خطرة على صعيد علاقات القيادات العسكريةوالسياسية من زاويتين: أ) قد يرى
السياسيون في الضباط الكبارتهديداً لمكانتهمأو مصدردعم لهم في المستقبل،
مما يؤثر في طريقة التعاطي معهم خلال خدمتهم في السلك العام للجيش،وفي
اعتبارات صناعة القرار؛ ب) إن الضباط الذين يتطلعون إلى مستقبل في السياسة،
يشرعون في تمهيد الأرضية لهذا المستقبل في مراحل مبكرة من خدمتهم في
السلك. والتشريعات الحالية [التي تنص على أنه على ضباط الجيش برتبة لواء
ومافوق الانتظارفترةثلاثة أعوام بعد تقاعدهمقبل الترشح لانتخابات الكنيست
أوتعيينهم كوزراء] لا تشكل حلاً لهذه المشكلة .
إن الانتقال من جيش المهنتين إلى جيش المهنة الواحدة هو مسار شامل وعميق
أكثر بكثير من مسألة مدة الخدمة،ومسارتولي المناصب القيادية،وفترةالإعداد
والتأهيل. إن وتيرة إرهاق الذين يخدمون في الجيش النظامي ينبغي أن تتغيّر مع
كل ما ينطوي عليهذلك على صعيد عبء العمل،والعلاقات الإنسانية،وأسلوب
الحياة في الجيش بعامة،وفي الوحدات الميدانية بخاصة،والمنظومة التي ترهق
رجالها عبر استنزافهم خلال 20 عاماً ثم تسرحهم من الخدمة بشروط تقاعد
مريحة لينخرطوا في مهنة ثانية، تختلف جوهرياً عن منظومة تأخذ في الحسبان
أن رجالها سيبقون في الخدمة النظامية العسكريةوسيضطرون لأداء المهام
الموكلة إليهمفترة زمنية مضاعفة .
2) جيش الخدمة الإلزامية: كان معداً في الأصل لجميع الذين بلغوا سن التجنيد
الإلزامي وليشكل معبراً إلى الجيش الدائم (لقلة منهم) وإلى قوات الاحتياط
(أكثريتهم). ولكن على مر السنين فقد شموليته بسبب زيادة حجم الأعدادوتوسيع
نطاق الإعفاءات. وانخفض عددالذين يؤدون الخدمة العسكرية الإلزامية تدريجياً25
وبات يقترب من نصف الذين هم في سنّ التجنيد،وليس فقط بسبب إعفاء تلامذة
اليشيفوت من الخدمة الإلزامية .
تسببت زيادة مدة الخدمة العسكريةالإلزامية، بالإضافة إلى مسارات اجتماعية
عامة، في جعل الجيش الإلزامي ميليشيويّ الطابع (التزام جزئي من جانب
التنظيموالفرد) أكثر مما هو عسكريّ (التزام كامل من قبل المؤسسةوالفردالذي
يخدم فيها). ويتجلى ذلك بتدخل الأهالي ووسائل الإعلام في الحياة اليومية في
الجيش (علاقات القادةبالجنود، مشكلات الانضباط وشروط الخدمة)،وبغياب
الدعم في مواجهة هذه التدخلات،وبنقل التباينات الاجتماعيةوالاقتصادية التي
هي من شأن اجملتمع المدني إلى داخل الجيش،وبتنفيذ الخدمة الإلزامية في مكان
قريب (من بيت اجملند)،وما إلى ذلك. وقد أثّرت هذه الأمور بدرجة أقل في
الوحدات الميدانية، لكن يمكن ملاحظة تأثيرذلك أيضاًفيها.
ينبغي السعي في المستقبل لتقصير مدة الخدمة الإلزاميةوالتركيز على تدريب
يكون بمثابة تأهيل إلى الجيش النظامي وقوات الاحتياط لكن على نحو مختلف
كثيراً عماقبل. وتستدعي تشكيلة المهام الأوسع بكثير الالتزام بأداء الخدمة
العسكرية لفترة محددة بشروط الجيش النظامي، كشرط للتدريب المحترف على
هذه المهام، على شاكلة ما هو متبع في دورات الطيران،والنقباءوالضباط منذ
سنوات عديدة.
إن الخدمة العسكرية الإلزامية بوصفها بوتقة صهر اجتماعية،وأداة تربوية،
أضحت منطوية على مفارقة تاريخية منذ مدة طويلة،وينبغي الاعتراف بذلك.
ويترتب على هذا الاعتراف التخلي عن شمولية الخدمة الإلزاميةواختيار
الأشخاص الملائمين فقط. وتؤدي هذه السياسة إلى إلغاء أنظمة الدعموالرعاية،
التربوية،والاجتماعية،والطبية، للشرائح السكانية الضعيفة أوالحالات
الإشكالية، مما يستدعي نقل معالجتها إلى القطاع المدني، في إطار الخدمة القومية
وليس العسكرية. وبذا يصبح النظام في جيش نخبوي كهذا، عسكرياًوليس
ميليشيوياً،ومن ليس أهلاً لذلك يتمّ إخراجه .
3) الجيش الاحتياطي [قوات الاحتياط]: في الماضي كان الجيش الاحتياطي هو
عمادالقوات البرية،وعليه استند مدماك الحسم في عقيدة الأمن القومي. لكن في26
ظروف التهديد الذي يطال الجبهة الداخلية، تحتاج هذه العقيدة إلى تحديث. إن
التغيير في شمولية الخدمة العسكرية الإلزامية ينعكس بصورة أكثر بروزاً في
الجيش الاحتياطي،فمن أصل 1,600,000 ونيف من الرجال اليهود من عمر 18
حتى 50 عاماً من مواطني دولة إسرائيل، خدم في قوات الاحتياط في أواخر
تسعينيات القرن الماضي ما يقارب ربع مليون شخص فقط،والعدداليوم أقل
بكثير. إن انفتاح العالم،وخروج المسرّحين من الخدمة الإلزاميةوالتحاقهم
بالمعاهدوالكليات أو سفرهمإلى الخارج يسلط الضوء أكثر على عدم شمولية
الخدمة في قوات الاحتياط .
وعليه،ولأسباب عمليةوسيكولوجية في آن معاً، ينبغي تقليص الاعتماد على
قوات الاحتياط في حسم المعركة. فمنذفترة طويلة أضحت الخدمة في قوات
الاحتياط وفي المهام الميدانيةوالمهنية، نضالاً متواصلاً ضد تأكل القدرات
والحوافز. وبحكمالظروف التي تتطلب حرفيةً متزايدةً في تشغيل منظومات
الأسلحة،وبحكمالتكنولوجيا المتقدمةوالمتغيّرة في ساحة القتال وخلفها،
يصعب الاعتماد مع مرور الوقت على قوات الاحتياط. فبعد التقليصات التي
استمرت فترة طويلة،والتي طالت تدريبات وحدات الطوارئ الاحتياط، انخفضت
كفاءة هذه الوحدات على مستوى الفردوصعوداً حتى مستوى قائد الفرقة. وتجلى
مستوى التدريب المنخفض في سقوط الكثير من ضحايا إبان الحرب. ونتيجة كل
ذلك ينبغي تقليص المهمات [القتالية] لجندي الاحتياط،وتعيينه، بعد أن يكون
قد خدم بضع سنوات في الفرق اخملصصة للقتال في الخط الدفاعي الأول، للدفاع
عن الجبهة الداخلية ضد التهديد الإرهابي والصاروخي،ولتشغيل أنظمة الصيانة
والإدارة في الجبهة الداخليةوفي خطوط الاتصالات ( Lines of
Communication) في أوقات الطوارئ.
وفي ظروف جيش محترف كبير الحجم،وجيش خدمة إلزامية لا تشمل الجميع،
وقوات احتياطية يخدم فيها عدد متناقص من السكان، ينبغي اعتماد مقاربة
مختلفة تماماً لمكافأة من يخدم في كل من الجيش النظامي لفترةقصيرة،
والجيش النظامي لفترة طويلة،والخدمة الإلزامية،والجيش الاحتياطي. ينبغي أن
تكون المكافأة مادية لأنها اللغة الوحيدة المتعارف عليها، لكن ليس فقط مادية.
يمكن التفكيرفيها بمفهوم الحراك الاجتماعي [الارتقاء إلى درجات أعلى على27
السلمالاجتماعي]،وحتى بمعطيات مدنية/مواطنية- سياسية: على سبيل المثال،
إعطاء من يخدم في السلك حقّ الإدلاء بصوتين في الانتخابات الوطنية العامة .
إن كلفة القوة التي يتمبناؤهاوفقاً لماذكرناه سابقاً، ستكون بالتأكيد مرتفعة
في بعض مكوناتها، لكنها تنطوي أيضاً على توفير كبير في مكونات أخرى.
ويستدعي ميزان التكاليف بحثاً أساسياً على المستوى القومي الكلي (بما في ذلك
الانعكاسات على الناتج المحلي الإجمالي،وميزانية الضمان الوطني،وكلفة
الخدمة العسكرية الإلزامية)، بهدف تقييمالتكاليف الإضافية في مقابل حجم
التوفير .
تُساق حجة شائعة ضد التوقعات “السوداوية” [سيناريوات التهديد] المبيّنة أعلاه
بقصد التملص مما تستوجبه [من ردّ على التهديد]،وهي تزعم أن تسوية سلمية
ولو مقابل تقديم تنازلات عن أراض أو سواها من التنازلات، تؤدي إلى خفض
التهديدات أكثر من تدابير التأهب والاستعداد لمواجهتها،وتلغي الحاجة إلى بعض
هذه التدابير. وعملياً، يتطوّر هنا مفهوم أمني جديد مفاده أن قوات دولية
واتفاقات دولية تشكل بديلاً من الردع والحسم،وفي الدرجة الأولى من الحاجة
القاهرةالتي تلقى معارضة كبيرة، ألا وهي تعزيز القدرة على استيعاب الهجوم.
إن الفرضية الأساس أوبالأحرى الوهمالأساس الذي يقوم عليه هذا المفهوم
الأمني الجديد، هو أن العالم العربي لا يقبل واقع وجوددولة إسرائيل فحسب،
وإنما يقبل شرعيتها.
رداً على هذه الحجة ينبغي القول إنه لا توجد حرب إلا وسبقتهافترة سلام. فقد
تؤدي التنازلات المطلوبة لعقد اتفاقات سلام إلى إرجاء تحقق التهديدات لفترة
زمنية غير معروفة، لكنها لن تلغيها بل على العكس قد تفاقمها .
لا سبيل على ما يبدوإلى إلغاء التهديدات. وينبغي أن نتعلمالعيش معها من خلال
إدارتها بشكل صحيح قدر الإمكان بهدف منع انتقالها من الكمون إلى الفعل – من
خلال استعداد ملائم لا من خلال أحلام حلّ سحري غير متوفر. وبتعبير آخر:
ينبغي الخروج من جنة الحمقى التي نعيش فيهاوالعودة من الواقع الافتراضي
إلى الواقع الحقيقي؛ التخلص من وهم أننا نعيش في منطقة الغرب الأوسط
[الأميركي] Midwest،والقبول بحقيقة أننا لا نزال نعيش في منطقة الشرق
الأوسط (Middle East) مع ما يترتب على ذلك من عواقب.

المصدر: منتدى هرتسليا لبلورة عقيدة الأمن القومي، معهد السياسةوالاستراتيجيا  –  أوراق سلسلة ؛ السياسة والاستراتيجيا؛ “تأملات في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلية”، من إعداد أليكس مينتس وشاؤول شاي؛ورقة البحث رقم 3، أيار/مايو 2014.
يوآف غلبر كاتب ومؤرخ وأستاذ التاريخ في جامعة حيفا، ّ أرخ تاريخ الجيش الإسرائيلي،وهو معروف بعدائه للمؤرخين الإسرائيليين الجدد من أمثال إيلان بابِه. 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

بومبيو للسعودية: توقفوا عن حصار قطر واليمن.. لقد طفح الكيل

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن صبر واشنطن قد نفد في ما يخص النزاع بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *