الرئيسية / مقالات / المذاهب الإسلامية ورسالة الإسلام

المذاهب الإسلامية ورسالة الإسلام

Islamic-Art

بقلم: عمر مسقاوي* — تعقيباً على مقال زياد الدريس في «الحياة»–  إن القلق حول الوحدة الإسلامية وما يعتريها من نزاعات بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث، وبعضها استرسل الى نزاع مسلح في بعض البلاد الإسلامية، انتهى في معيار السياسة الدولية للشرق الأوسط، الى اعادة رسم خرائط الحدود الدينية والثقافية والاجتماعية للمنطقة وفق تعبير الأستاذ زياد الدرس.

فالمذاهب الفقهية الإسلامية التي حفلت بها الحضارة الإسلامية هي سجل احداث التاريخ الإسلامي لكن الأمة اضحت رهينة عناوينها حين غاب عنها الاسلام الجامع لشمولية الرسالة في زمن الفراغ الفكري والروحي.

من هنا لا بد لنا ان نحدد المشكلة بحيث ننفي عن اطارها مشكلات المذاهب الاسلامية والمذاهب السياسية والملل والنحل التي اوسع الشهرستاني تفاصيلها ونضعها في مسار المأساة المستحكمة في ضعف المسلم وتخلف العالم الإسلامي وقياداته وحكوماته وعلمائه عن ادراك دوره كمسلم أولاً وأخيراً في مسيرة العصر حين غدت عناوين المذاهب لعبة الأمم.

فالمشكلة تتطلب وعياً وتداولاً بين فرقاء العصر الحاضر الذين يتبعون المذاهب الإسلامية او السياسية او الفلسفية حول دورهم في حيوية التراث الإسلامي في بناء الوحدة الثقافية وترابط اتصالها بالحقيقة العلوية.

ان طرح المشكلة من هذه الزاوية يحتم علينا ان نحدد الأسس الرئيسية في ايماننا الديني في النقاط التالية:

أولاً: الإسلام كحقيقة كونية علوية سابقة على المذاهب الإسلامية ومتقدم عليها.

ثانياً: الحضارة والثقافة الإسلامية هما من فعل أجيال الحضارة الإسلامية تتمحوران حول الأساس الجامع وهو القرآن والسنة وقد شكلتا نسيجاً جامعاً انطبع على الحياة والفنون والنمط الواحد.

ثالثاً: ان واقع المسلمين في ظل العصر الحديث هو واقع المأزق النفسي والاجتماعي الذي افتقد الإرادة الحضارية وبالتالي فإن الخلاف بين المذاهب الاسلامية في العصر الحديث يتشابك مع طبيعة هذا المأزق النفسي بمعنى أن الإسلام في أزمة بالمسلم وليس المسلم في أزمة بالإسلام وتفرعاته المذهبية وهنا لا بد ان نؤسس المبادئ التالية:

أولاً: الإسلام كحقيقة علوية

يحدد القرآن الكريم مفهوم الدين كحقيقة وقيمة علوية يعبر عنها بالصراط المستقيم وصولاً إلى المثل العليا «ولله المثل الأعلى» النحل 60. «فادعوه مخلصين له الدين «غافر 65.

والمسلم في مبادراته اليومية يدعو في كل صلاة مع سورة الفاتحة «اهدنا الصراط المستقيم» الفاتحة 6. لذا فإن سلوك المسلم في حياته ومماته لا بد له في محاكمته للأمور ان يترسم مثله الأعلى «الصراط المستقيم».

وإذا نحن اعطينا لهذا المفهوم بعده الرياضي اتضح لنا ان عقيدة المسلم تتجه دائماً الى حقيقة مجردة من الزمان والمكان باعتبارها مفهوماً كونياً لا بديل عنه ولا تحريف فيها لأنه مسلمة كمسلمة الخط المستقيم اقرب مسافة بين نقطتين، كما قال تعالى:» وإذا سألك عبادي عني فإني قريب» البقرة.

فالمسلم يطرح استناداً الى مثله الأعلى علاقة رياضية تخاطب عقل الإنسان وروحه انها الفطرة كحقيقة كونية فالله «فاطر السموات والأرض» والإسلام دين الفطرة «فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله» سورة الروم 30. ولأن الصراط المستقيم مقياس تجريدي غيبي ناتج من تجربة الإنسان فقد يغيب برهانه عن رؤيته في خضم الحياة ولذا فقد تكفل الله سبحانه وتعالى بيانه عبر الرسل.

ومسيرة الرسل والأنبياء قد اتجهت رسالتها الى تجريد يضبط السلوك حتى لا يغرق في الجانب الشكلي دون جوهر قيمة الرسالة «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر» البقرة 177.

من خلال هذا المفهوم فالقرآن الكريم حين يرشد الناس الى الله الواحد الأحد لا يطرح فكرة مستحدثة بل يذكر بحقيقة ينبئ عنها النظام الكوني الواسع والبصر المتأمل والنفس المستكينة في الضمير والفكر المستعلي على حدود العادات والتقاليد» فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر» الغاشية 21-22، أي إنه فكرة تمسك بحقيقة محورية واحدة يتوازن فيها السلوك.

من هنا يبدو الإسلام في منطقه الإلهي اسلوب رؤية ووسطية تفكير تهدف الى شمولية مستمدة من الإيمان بالوحدة، وحدة الخالق والوحدة الكونية التي استقامت للفطرة التي هي سابقة على التجربة الإنسانية.

ثانياً: الحضارة والثقافة الإسلامية هما من فعل أجيال

الحضارة الإسلامية التي تمحورت حول الأساس الجامع وهو القرآن والسنة ولذا فالاختلاف بين المذاهب هو اختلاف اجتهاد وفهم لمرجعية واحدة وقد انتهى دور هذا الخلاف التاريخي من جانبه السياسي وبقي الإسلام تراثاً جامعاً في المفهوم الحضاري والعودة الى اصول هذا الخلاف مشكلة تخلف روحي واجتماعي وأخلاقي.

أ- مكونات الحضارة الإسلامية حول مرجعية النصوص. إن ما أوجزناه في اساس العقيدة الإسلامية لوحدة تستقطب المذاهب والمعتقدات الإسلامية جميعاً فالنص القرآني يؤكد هذه الحقيقة «وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» الأنعام 153،

فالقرآن الكريم في نصوصه يشكل خلفية الاعتقاد والعقيدة عند المسلمين جميعاً على اختلاف مذاهبهم وهي خلفية تهدف الى استجلاء الصراط المستقيم في مفهومه القرآني لكننا من ناحية اخرى نرى الباحث الاجتماعي يرقب مسيرة التاريخ وإنجازه الفاعل عبر سعي الإنسان هذا المتصل بنمط دوافعه الروحية ومشاعره العميقة والموروثة، من هذا الجانب يقول المستشرق الإنكليزي «جيب»:

«ان معرفة الدين ودراسته يتيحان للإنسان ان يفهم العالم والكون لكن دراسة الأديان وتاريخها يتيحان للفكر البشري ان يفهم الإنسان».

من خلال هذا الفصل بين حقائق العقيدة ووقعها في مسيرة التاريخ نستطيع ان نميز بين مجالين من الدراسة:

1-دراسة النص الديني ووسائل فهمه وهذه تتصل بالمجال العلمي والفكري والتنظيري القائم على الاجتهاد.

2-دراسة الإنسان الذي تعامل مع تلك النصوص في اطار حياة مجتمعية.

فالدين مصدره الحقيقة العلوية وبالتالي فهو اذن موقف الحقيقة العلوية من سعي الإنسان.

انها حقيقة «المحجة البيضاء ليلها كنهارها» كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.

لكن المعتقدات هي موقف الإنسان من تلك الحقيقة العلوية وبالتالي فإن حضورها الفاعل يـتـصل بـسعـي الإنسـان وحـده دون ســواه وهــو سعي قــاصر دائماً عن إدراك الحقيقة العلوية.

الإنسان هو الذي يفسر تلك النصوص من خلال علم رواية الحديث وانعكاسه الفلسفي بين الأشاعرة والمعتزلة مثلاً ومع ذلك يبقى السمع والبصر والفؤاد لا معقب له في فطرة الهداية كما يقول الفيلسوف محمد إقبال. لذا فالمذاهب المختلفة نشأت مع مؤسسيها في مراحل متباعدة عن العهد الأول وهي عهود ارتبطت بمفهوم السلطة والخلافة كالعصر الأموي والعصر العباسي وما حمل من تطورات وتداخل ثقافات وفي مساحات السنين لذا كان الاختلاف بين المذاهب والملل والنحل يعبر عن طبيعة الفكر البشري المستجيب للبيئة في كل عصر في فهمه لمرجعية النص الذي لا خلاف حوله لذا كانت تقرن اجتهادها بتعبير «الله اعلم».

ولهذا التعبير الفقهي دلالته الاجتماعية في معايير استنباط الأحكام فالفطرة الإنسانية تتماهى مع حكمة النص الإلهي لكن حينما يخرج الوعي الإنساني الى الإطار الاجتماعي تصبح الأحكام الشرعية في مرجعية النص بمثابة استـعـادة لتـوازن المجتمع ضمن معـايـيـر الزمان والمكان وهذا هو المقصود بمحدثات الفجور.

من هنا يبدأ الحديث عن قضية الثقافة كإطار اجتماعي سكبته روح الإنسان فناً وإبداعاً وتناسقاً فالإنسان يتكيف للثقافة والتراث الاجتماعي كما يتكيف للمناخ وغيره من مظاهر البيئة الطبيعية.

فالاختلاف بين المذاهب الإسلامية سوف يبقى في هذا الإطار اختلاف مقاربة في طبيعته وليس اختلاف سداد للحقيقة المطلقة ومن هنا اصبح قصوراً ولوداً أثرى الفكر الإسلامي حيوية العلم الذي امتازت به الحضارة الإسلامية استناداً الى قول الرسول صلى الله عليه وسلم «فسددوا وقاربوا» فالصراط المستقيم باعتباره غاية ينزع اليها عمل المؤمن فإنه يسعى اليها بيد تعمل وعين تبصر وفكر يباشر الربط بين الأشياء ويسعى في مناكب الأرض عبر تصور أسدلت أمامه حجب الغيب ومطالع الغد وانطلاقاً من عزيمة خالطها إطار اجتماعي مؤثر ومتأثر بنشاطه ولذا يصاحب كل اجتهاد ومنحى فكري او فلسفي تطلع الى الحقيقة التي هي في علم الله، فالله اعلم، وحينئذ ينتهي الجدل الى وحدة الخضوع لغيب المعرفة العلوية.

ومن خلال هذا المفهوم اختلفت منطلقات الحضارة الإسلامية بصورة جذرية عن منطلقات الحضارة المعاصرة التي برزت منذ عصر الأنوار اذ مع عصر الأنوار اتجه العقل الى بناء الصلة بين الأمور الحسية بناء على قاعدة «ما ليس محسوساً ليس معقولاً» وهكذا اتجه الفكر نحو حدود الظاهرة والتعامل مع حركتها وطبيعتها استناداً الى طاقة العقل في مواجهة اسرار الطبيعة.

لكن الحضارة الإسلامية باشرت العلم كطريق لإدراك المنهج العلوي «الصراط المستقيم «توصلاً لانتظام أرضي ولذا كان العلم على اختلاف موضوعاته جزءاً من العقيدة والسلوك الذي يتردد بين الخوف والرجاء وكلاهما معيار تواضع بينما الحضارة المعاصرة باشرت العلم تحت شعار القوة والصراع.

فالدكتور عبدالله دراز الأزهري الذي استحق لقبه العلمي من السوربون في نهاية الأربعينات يشير في أطروحته الشهيرة «الأخلاق في القرآن» إلى ان فلسفة القرن التاسع عشر الأخلاقية انطلقت بتأثير عصر العقل من السؤال التالي «ماذا يفعل المجتمع؟ لا كما اتجهت آلية الفكرة الدينية» ماذا على المجتمع ان يفعل؟ وإذا كنت فهمت اشارة الفقيه دراز فإن الفرق بين السؤالين يتلخص بأن مهمة العلم في عصر العقل هي الجواب عن السؤال الأول أي تفسير الظاهرة الكونية في اطار البحث العلمي والظاهرة الاجتماعية في اطار المنهج العلمي الاجتماعي باعتبار ان الظاهرة الاجتماعية هي وليدة العقل المشترك الذي يبحث عن توازنه تلقائياً عند فلاسفة القرن التاسع عشر وبالخصوص عند دوركايم ومدرسته.

لكن الجواب عن السؤال الثاني «ماذا على المجتمع ان يفعل؟ يتصل بصميم الحضارة الإسلامية التي ترى في العلم بناء القيمة الاجتماعية طبقاً للمثل السابق على التجربة الإنسانية ومن خلال هذا المفهوم يصبح تفسير القوانين الطبيعية بعيداً عن فكرة الظاهرة لأنها مرتبطة بالجواب الإلهي» الله خلق كل شيء وهو على كل شيء وكيل» الزمر 62.

فالظاهرة تفرض حضورها على التفسير العلمي وهي تدعو الى البحث في ادراكها والسيطرة عليها بغير ضابط بينما ادراك اسباب الظواهر ومصادرها الإلهية يفرض حضوره على السلوك الذي ترعاه العقيدة عبر الإيمان بالغيب ويربط الإنسان بنظام يضع المكتشفات العلمية تحت سلطة القيمة العليا التي عبر عنها القرآن الكريم بالصراط المستقيم تلك القيمة التي تتعامل مع الطبيعة بقدر خدمتها لاستمرار الحياة كما يقول القرآن الكريم: «إنا كل شيء خلقناه بقدر» القمر 49.

وهذا المعيار الاجتماعي والثقافي للتعامل مع الطبيعة قد انقلب مع حضارة العصر المسيطر وخرج عن معادلة نظام البيئة الكونية التي تجعل العلم وسيلة لخدمة الحياة الإنسانية في نظم البيئة الطبيعية.

ومن هنا نجد ان مفهوم القيمة في الفكر الإسلامي هو مفهوم تجريدي يتكيف مع الحاجة ليمنح العطاء الإنساني جماليته الاجتماعية تلك الجمالية التي امتدت الى مختلف القيم الثقافية التي اتخذت مفهوم الإحسان حيث يتجه صدق الأداء واتقانه نحو الله نزوعاً نحو الاتقان الأسمى في الخلق والإبداع «صنع الله الذي أتقن كل شيء» النمل 88.

من هنا وعلى رغم اختلاف المذاهب الإسلامية فإن النمط الجامع قد بقي محافظاً على إطاره ومناخه وأسلوبه في تاريخنا الحضاري ونحن اذا تتبعنا رحلتي ابن بطوطة وابن جبير اللتين جرتا في عهود الركود نرى انهما كلاهما يتحدثان عن النمط الجامع بين الأندلس والمشرق في ظل المناخ الإسلامي، فالمذاهب الإسلامية اختلفت في تفسيرها للنص لكن مناخ النص قد تجاوزها الى تأسيس وحدة ارتبطت بالأرض والإنتاج والفنون وقد تسربت الى ذلك معايير من الوحدة هي حصاد الإيمان الإنساني في جمالية شبكة علاقاته مع البيئة.

من هنا فإن الحضارة باعتبارها المحيط الذي يوفر الأمن الاجتماعي فإنها تطرح الوحدة كأسلوب اجتماعي تختلف في اطاره المعتقدات لكنها تمسك جميعاً بصفحة واحدة تخط عليها إنجازها المتناغم والمشترك انها تطبع على صفحة التاريخ نماذج من اسلوبه في مواجهة المشكلات.

ب – افتقادنا كوارثين لتراث الحضارة الإسلامية فاعلية الحضور المعاصر أدى الى تفتيت الوحدة المجتمعة.

ان ظاهرة التنازع بين المذاهب العقدية والسياسية والنزوع الى السلطة والحكم هما روح العصر وأمارة الانهيار. والتفتت الذي يتولى كبره اليوم في لعبة الأمم على مسرح الحدث اليوم.

فالقرآن الكريم يربط بين التنازع ومتانة البنية المجتمعية وتأثيرها في صناعة التاريخ «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» الأنفال 46.

فالتنازع هو تبديد الطاقة التي تبنى عليها شبكة العلاقات الاجتماعية والفشل هو نتيجتها وافتقاد دورنا في المحيط العالمي هو سكون ريح الشراع في سفينة المسيرة وقد ابتعدت عن شاطئ العهد الأول وهو بالتالي يؤدي الى حتمية الفشل فالحكمة الإلهية حكمة كونية تتصل بقانون الكون الذي يستسلم لنظامه صفاء العقيدة فالإسلام هو النظام الاجتماعي لأمن الحضارة الإنسانية.

 

 

* نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

صاروخ ايران.. ترامب ..قوة الحق/ بسام ابوشريف

بسام ابو شريف يتحدثون عن الجيل الخامس ، وسرعة الاتصال والوصول في هذا الجيل هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *