الرئيسية / مقالات / هل للسياسة الأميركية أبعاد دينية؟

هل للسياسة الأميركية أبعاد دينية؟

بقلم: وسام فايز الموسوي* — هل للسياسة الأميركية أبعاد دينية؟ هذا التساؤل المهم قد لا يلتفت أليه البعض منا، وقد يستغربه الكثير أيضاً، خصوصاً ونحن في عالم أو فلك تتحكم به ولو ظاهرياً الديمقراطيات الليبرالية الكبرى. بسياساتها ومؤسساتها الإعلامية الهائلة بإمكانياتها ومديات تأثيرها، والتي ترفع شعارات مضللة لكنها قوية التأثير ومدعومة بخطاب أعلامي وثقافي وسياسي قوي للغاية ومعزز بأطقم مهولة من المؤسسات والماكينات الاعلامية اولأجهزة المخابراتية، بل وحتى بعض الشركات العملاقة وسياستها الترويجية لمصالحها الممتدة على مستوى العالم أجمع .
إن الدور الذي لعبته الثقافة (اللاهوتية المتطرفة) بشكل خاص في ظهور ثوابت الرؤى الجيوسياسية الأميركية الحديثة والمعاصرة والمنشبكة بعلاقة الغرب المسيحي بالذات والآخر، وكذلك علاقته بإسرائيل والمناؤين لها، لمسألة مهمة ومركزية في غاية التأثير على طبيعة المجريات والأحداث الكبرى في عالمنا المعاصر .
ففي كتاب مثير للاهتمام للباحث اللبناني محمود حيدر بعنوان “لاهوت الغلبة- التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأميركية”، يبيّن لنا فيه مدى تأثير الحركات المسيحية ذات العصبية الدينية المتطرفة في الثقافة الغربية وبالخصوص في الثقافة ألأميركية وأبعاد هذا التأثير على الصُعد الاجتماعية والدينية والسياسية، وعلاقة الأمة الأميركية مع الآخرين من غير ألمسيحيين، فمن جانبنا نرى أن هذا له دور كبير في ظهور الأفكار السياسية الأميركية ومشاريعها الجيوسياسية في العالم والمنطقة العربية والإسلامية تحديداً . وقبل هذا يثبت الكاتب بالأدلة والشواهد بأن الولايات المتحدة الأميركية هي دولة (دينية) من حيث الجوهر، يظهر هذا بشكل واضح احياناً، وخفي أحياناً أخرى، في الخطابات السياسية لرؤساء ومثقفين أمريكيين، وقد ترسخت بفضل جهود هذه الحركات، “فكرة” أو “أسطورة” (العناية الإلهية)، أو المباركة ألإلهية أي أن أميركا تمثل الوعد والخلاص الإلهي لشعبٍ “مختار”، قد أوكلت إليه رسالة إلهية لنشر القيم الاميركية المستوحاة من المسيحية، وبأن أميركا هي “أكبر هبه من الله إلى هذا العالم” كما يقول الكاتب والفيلسوف الأميركي إمرسون. فالإنسحار الأميركي بالنفس لا يعود إلى النجاحات التي حققتها أميركا لتصير دولة عالمية وحسب، وانما أيضاً وأساساً إلى الينبوع الميتافيزيقي الذي يرفد مثل هذا الإنسحار ويغذيه ويمنحه القوة والدوام كما يعبر محمود حيدر. ويشير إلى هذا المعنى أيضاً، أي أثر اللاهوت في الفكر السياسي الأميركي المعاصر، المتخصص في الشؤون الأميركية غسان غصن، إذ اعتبر غصن أن الفكر اللاهوتي قد جعل من أميركا ..”مدينة الله” .
قد يتفاجأ البعض من هذا المعنى، بما إننا نتكلم على “أميركا العلمانية”، فإن كان هذا الأمر ظاهراً (أي علمانية أميركا)بالنسبة للشخص العادي الموجود في العالمين العربي والإسلامي، فأن هذا الفكر اللاهوتي الغارق في ذاتيته وأساطيره، لم يكن فكراً سطحياً، أو عابراً في مراحل تطور الأمة الأميركية، كما يتوقع البعض، بل هو ما تأسست عليه حضارة هذه الأمة، أُسست على فكر لاهوتي سياسي له أمتداداته الأصولية والأيديولوجية . “أميركا هي العالم، والعالم هو أميركا..هذه ليست مجرد أطروحة للإستخدام الايديولوجي. كما يقول محمود حيدر، إنها الايديولوجيا الاميركية في حدها الأقصى. فأن عالمية أميركا هي قضية عقائدية، من قبل أن تكون شأناً متعلقاً بالحاجة إلى الإنتشار الجيو-استراتيجي ، حيث يتوحد الدين والقومية، وتتوثق هوية الاستيطان على أرض الميعاد. ومن لا يرى هذه الحقيقة عليه أن يتذكر مقولة الكاتب الأميركي هرمان ملفيل التي رفعت بارانويا الاستعلاء، والقوة، وتقديس الذات حد الجنون إذ يقول: ” لا نستطيع أراقه قطرة واحدة من الدم الأميركي من دون أن يراق دم العالم كله. دمّنا أشبه بطوفان الأمازون. أنه دم مؤلف من مئات التيارات النبيلة المترافدة في مجرى واحد. نحن لسنا أمة، بمقدار ما نحن عالم. فما لم نكن قادرين على أن نزعم أن العالم كله هو لأبينا وسيدنا(يقصد الرب يسوع)، مثل ملك أبراهيم، يبقى نسبنا ضائعاً في الأبوة الكونية الشاملة”. هذه المفاهيم التي تحولت إلى ضرب من الاعتقاد الديني، سوف تفضي إلى مفارقات ذات دلالات عميقة في تأسيس الجمهورية الأميركية.
وهذا ما تؤكده أيضاً الباحثة البريطانية كارين آرمسترونغ في كتابها (النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام). إذ حين كُتب الدستور الأميركي عام 1787-1788م تعالت النبرات المقدسه له، فقالوا أن هذه الجمهورية الجديدة هي “إنجاز الله”، وأن التاريخ لم يشهد تدخلاً ألهياً مباشراً كهذا في الدستور الاميركي إلّا مع أسرائيل في مصر القديمة.
وهذا يفسر لنا بعض خصائص الفكر السياسي الأميركي وشوفينيته الاستعلائية، ونظرياته التحديثية التي يرى أنها النموذج الأمثل لنقل القيم الأميركية إلى باقي العالم. ويفسر لنا أيضاً سر العلاقة الوثيقة والمثيرة للدهشة بين الولايات المتحدة والصهيونية العالمية. إذ أن الأنجيليين (وهم الغالبية من بين الجماعات البروتستانتية المسيحية)، قد طالبوا المسؤولين الأميركيين منذ القرن التاسع عشر بتوفير ملجأ آمن في الأراضي المقدسة لأيواء المضطهدين اليهود من قبل أوروبا والأمبراطورية العثمانية. إذ تنظر الانجيلية الدينية في الولايات المتحدة الأميركية بشكل مميز وفريد إلى دور الشعب اليهودي في العالم الحديث، فهم متصهينون أكثر من اليهود أنفسهم . إذ يؤمن هؤلاء الانجيليون بأنه ما زال للشعب اليهودي دور في “خطة الله” للبشرية. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ظهرت دراسات معمقة للنبؤات الواردة في الكتاب المقدس، أقنعت هؤلاء بأن اليهود سوف يعودون إلى الأراضي المقدسة قبل العودة المظفرة للمسيح. ويؤمن العديد أو أغلبية الأنجيليين وكذلك غيرهم، بأن الوعود الواردة في سفر التكوين لا تزال قائمة، وأن رب إبراهيم سيبارك الولايات المتحدة اذا ما باركت الولايات المتحدة اسرائيل. وهم يرون أن في ضعف وفقر العالم العربي دليلاً واضحاً على اللعنة التي أنزلها الله على أولئك الذين يلعنون أسرائيل.
وهكذا يترسخ في وعي اللاهوت السياسي الأميركي الجديد، أن العالم الذي يكره إسرائيل فأن مثاله كالرجل المنحط، الذي يكره الله وشعبه المختار. ويشعر هؤلاء بل ويعتقدون بشكل جازم، بأن وقوفهم إلى جانب أسرائيل إنما يقفون إلى جانب الله، وهو أمر هم على استعداد القيام به ولو واجهوا العالم بأسره. وأن أي ازدياد للتهديد قد تتعرض له إسرائيل لا يقوي حماسه هؤلاء في نصرتهم لإسرائيل وحسب، بل عزز من وجودهم وتأثيرهم في الحياة السياسية الأميركية.
مهما كانت بعض المواقف الفردية والاجتهادات والتيارات الاميركية الدينية وغير الدينية ذات طابع انتقادي لإسرائيل، فذلك لن يؤثر في الواقع على جوهرية النشأة الاسرائيلية التوراتية للإطروحة الأميركية. لقد تلبست “فكرة إسرائيل” جوهر ” فكرة أميركا”، وصاغت شكلها، ولقد بات من المسلمات أن الأمة الأميركية هي أقرب من الإسرائيليين الأوائل من أي شعب آخر على وجه الأرض. إذ ثمّ امتداداً ميتافيزيقياً عبر الزمن بين الفكرتين الأميركية والإسرائيلية، ولكن يمكن القول أن كلتا الفكرتين تنطلقان من لاهوت الاختيار الإلهي لكل منهما، ومن حتمية المصير ألانتصاري الذي ينتظرهما في نهاية التاريخ أو نهاية العالم.
إذ يفسر كل هذا ذلك التماهي المشهود للفكر السياسي الاميركي مع الصهيونية وصراعها مع العالمين العربي والإسلامي . وبالنتيجة يظهر أن لهذا اللاهوت البراغماتي بكل ما للكلمة من معنى، إلهاً متماهياً ومنحازاً أنحيازاً لا حدود له مع شوفينية وعنصرية هذا الفكر اللاهوتي المتطرف، ولا وجود بالنتيجة عند هذا (الإله) المفترض لأي من القيم الأخلاقية والعدالة الإنسانية ! فكل من يكون غير مسيحي “متطرف” أو غير أسرائيلي، أو على الأقل غير محب ومنحاز إليهما، فهو أذاً كافراً خاطئاً همجياً آثم في نظر هذا الإله ونظر شعوبه المختارة .
وما نراه اليوم من ثورات الربيع العربي كما يعبرون والدور الذي لم يعد خافياً الذي لعبته العديد من الأجهزة المخابراتية والحركات المرتبطة بها بشكل من الأشكال، سواء بشكل واعي أو غير ذلك،وما تبعها من أحداث دموية ممنهجة عصفت بدول المنطقة وظهور تيارات ومنظمات مشبوهة التنظيم والتمويل والأهداف، وآخرها أحداث العراق وتعرضه للهجمة الهمجية المتمثلة بداعش ومن وراءها، ماهي إلّا أمتداداً ومصداقاً حياً لتلك الجهود المدفوعة والمعززة بالفكر اللاهوتي المتطرف والمؤطرة بأهداف جيوسياسية معلنة وغير معلنة من قبل أميركا وأسرائيلها. وكما يبدو أن حلقات هذا المسلسل الأسطوري الأميركي الإسرائيلي لم تكتمل بعد، بل من المنتظر أن تؤدي هذه الأحداث بالمنطقة الى خلق فوضى عارمة لا تبقي ولا تذر، منهكة بذلك أي نوع من أنواع الممانعة للمشروع اللاهوتي الأميركي المتمثل بحكم العالم بأسم الرب ذات الصبغة الأميركية !!!
 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

امريكا سترد على اسقاط الطائرة ولكن/ د.عمران زهوي – كاتب وباحث سياسي

د.عمران زهوي/ بيروت كاتب وباحث سياسي في ظل حدة التوتر الاعلامي والعسكري والتهديدات من قبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *