الرئيسية / مقالات / فلسفة ثورة 23 يوليو 1952 كما في مذكرات عبد الناصر

فلسفة ثورة 23 يوليو 1952 كما في مذكرات عبد الناصر

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر
الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر

 

بقلم: د. صالح محروس محمد* — تمر علينا الذكرى الرابعة والستين لثورة يوليو نرجع فيها لفلسفة أبرز قادتها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي سجلها في كتابة( فلسفة الثورة) .فرغم أنه يذكر في كتابه السالف الذكر أنه ليس أستاذاً للتاريخ لكتابة فلسفة هذه الثورة ويقول أنه تلميذ مبتدأ في كتابة التاريخ إلا أن كتابة عن ثورة 23 يوليو يعد مصدراً تاريخياً هاماً عن هذه الثورة . فيقول عبد الناصر أن ثورة 23 يوليو قامت لتحقيق الأمل الذي راود شعب مصر منذ بدأ في العصر الحديث يفكر في أن يكون حكمه بأيدي أبنائه وفي أن تكون الكلمة العليا له في تحديد مصيره .ويسرد محاولات الشعب المصري للتحرر . قام الشعب المصري بمحاولة لم تحقق له الأمل الذي تمناه يوم تزعم السيد عمر مكرم حركة تنصيب محمد علي والياً على مصر باسم شعبها في عام 1805 , وكذلك لم تحقق الثورة العرابية وثورة 1919 نفس الأمل هو حرية مصر من الاستعمار وأن يحكم مصر أبناء مصر .ويقول عبد الناصر ليس صحيحاً أن ثورة 23 يوليو قامت بسبب النتائج التي أسفرت عنها حرب فلسطين 1948م وليس صحيحاً أنها قامت بسبب الأسلحة الفاسدة التي راح ضحيتها جنود وضباط وكذلك أبعد عن الصحة أن تكون بسبب أزمة انتخابات نادي ضباط الجيش.ويقول لو كانت هذه هي الأسباب لم كان يستحق أن تقوم ثورة ولكن أقرب الأشياء إلي ذلك مجرد تمرد .ويقول كنا نحارب في حرب فلسطين ولكن كانت أحلامنا كلها في مصر .ويقول عبد الناصر في فلسطين كانت خلايا الضباط الأحرار تدرس وتبحث وتجتمع في الخنادق والمراكز فاجتمعتُ مع صلاح سالم وزكريا محيي الدين وكمال الدين حسين وقال له الأخير ذات مرة أن البطل أحمد عبد العزيز(1907- 1948 (قال له قبل استشهاده( أن ميدان الجهاد الأكبر هو في مصر) .ويقول أنه شعر بالحسرة من سيطرة الاستعمار البريطاني على مصر والذي ظهر في حادث 4 فبراير 1942م حادث محاصرة الدبابات الانجليزية لقصر عابدين وإجبار رئيس حزب الوفد مصطفي باشا النحاس على تشكيل الحكومة وهذا الحدث كما يقول عبد الناصر حرك في نفوس ضباط الجيش التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة .فكان على الجيش أن يفعل شئ ؟ويسأل عبدا لناصر هل كان يجب أن نقوم نحن الجيش بالذي قمنا به في 23 يوليو ؟ الجواب نعم ولم يكن هناك مهرب أو مفر؟ ويقول أن لكل شعب من شعوب الأرض ثورتين ثورة سياسية يسترد بها حقه في حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فُرض عليه أو من جيش معتد أقام في أرضه دون رضاه وثورة اجتماعية تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد,وثورتنا عاشت الثورتين في وقت واحد .ويقول أن ثورتنا الاجتماعية كان لابد أن تغضب من يعمل لغير صالح الوطن فقد أغضبنا كبار ملاك الأراضي هل كان يمكن أن لا نغضبهم وهم يملكون عشرات الآلاف من الأفدنة وفينا من لا يملك قطعة أرض يدفن فيها بعد موته ؟ وأغضبنا الساسة القدماء ولكن هل كان يمكن ألا نغضبهم ونترك الوطن فريسة لشهواتهم وفسادهم وصراعهم على مغانم الحكم . أغضبا عدد كبير من الموظفين فهل كان ممكن أن نعطى أكثر من نصف الميزانية مرتبات ولا نوفر أموال للمشروعات الإنتاجية .
و فلسفة الثورة كما رآها عبد الناصر أن تحقق لمصر الريادة في ثلاث دوائر هي الدائرة العربية والدائرة الأفريقية و الإسلامية ففي الدائرة العربية لقد أكدت الثورة على البعد القومي العربي لمصر , وعملت على تطوير وترسيخ فكرة القومية والعربية وأكد جمال عبد الناصر على هذه الفكرة في كل المناسبات والمحافل المحلية والدولية.
وأكد على عروبة مصر ليست مسألة سياسية ولا مسألة تكتيكية وإنما قدر وجود وحياة أمة , صف واحد . نضال واحد , ومصير واحد , وأعاد ليؤكد بأن الدائرة العربية هي أهم الدوائر وأوثقها ارتباطاً بنا فقد امتزجت معنا بالتاريخ وعانينا نفس المحن .
ولقد كانت قضية فلسطين من أهم القضايا التي شغلت بال عبد الناصر الذي لم يتوقف عن عرض القضية في كل محفل دولي واعتبرها قضية مصرية وعربية , وأكد هذا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1960 . .
دعم عبد الناصر ثورة الجزائر التي اندلعت من القاهرة عام 1954 , وتأييد عبد الناصر المطلق وبلا حدود للثوار , وما ترتب على هذا الدعم من غضب فرنسا وانجلترا وإعلان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وصمود عبد الناصر أمام هذا العدوان ورفضه التنازل عن دعم الثوار الجزائريين رغم كل الإغراءات التي قدمتها له فرنسا من دعم في السلاح , وتمويل للسد العالي . لكنه رفض إيمانا بالفكر القومي العربي , واستمر هذا الدعم للثوار رغم العقبات والمشكلات التي واجهها الثوار وكانت جهوده المخلصة لحل كل الخلافات حتى نالت الجزائر استقلالها في الأول من يوليه 1962 م وفى نفس الإطار واصل عبد الناصر الدعم للثوار في تونس والمغرب حتى نالتا استقلالهما عام 1956 م .
ساعد الرئيس جمال عبد الناصر أيضا الثورة في اليمن والعراق, هذا فضلا عن الدعم الناصري للثورة في ليبيا في الأول من سبتمبر 1969 م والتي اعتبرها عبد الناصر امتدادا لأفكاره , وكانت مصر أول دولة تعترف بهذا النظام الثوري , هذا فضلا عن اتجاه ناصر إلى قيام الوحدة المصرية السورية تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة , وهى أول دولة وحدة في تاريخ العرب الحديث في الثاني والعشرين من نوفمبر 1958 م والتي تحالفت القوى الغربية ضدها حتى تم الانفصال في سبتمبر1961 .
لم يقتصر دور عبد الناصر على الدائرة العربية ولكن امتد هذا الدور إلى الدائرة الثانية ويعنى الدائرة الأفريقية فكانت أزهى فترات العلاقات المصرية الأفريقية في عهد عبد الناصر حيث أدرك عبد الناصر أنه لا يمكن تجاهل القارة الأفريقية لأن القدر شاء أن تكون مصر فيها وكانت صرخة عبد الناصر في القضاء على الاستعمار وأعوانه قد وجدت صداها في ظل ربوع القارة خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء .
لقد نجح عبد الناصر في المساهمة في حركة التحرر الأفريقي وإذا كانت عدد الدول المحررة قبل قيام الثورة أربع دول فإنه بفضل الجهود المصرية تحررت ثلاثون دولة في عام 1963 , وكانت نواة لمنظمة الوحدة الإفريقية التي اتخذت من أديس أبابا مقراً لها .
وساعد عبد الناصر جميع حركات التحرر الوطني سواء في الجانب العربي أو الأفريقي , حيث ساهمت مصر في حركة التحرر الوطني في الصومال وكينينا , وغانا والكونغو الديمقراطية , بل وساندت كل الدول التي طالبت بالاستقلال حتى صارت أفريقية تنعم بحرية بعد الثورة المصرية .
نجح عبد الناصر أثناء انعقاد القمة الأفريقية الثانية بالقاهرة في عام 1964 م أن يحسم مشكلة الحدود التي صنعها الاستعمار في القارة الإفريقية وأن يحصل على قرار يضمن الاستقرار , وأن الحدود التي ورثناها هي حدود الدول المستقلة , وحتى لا يحدث صراعا دمويا بين دول القارة . وكان إنشاء مدينة البعوث الإصلاحية والتوسع في استقدام أبناء القارة للدراسة بالأزهر الشريف لخير دليل على إيمان عبد الناصر بأهمية القارة الأفريقية التي تعد العمق الإستراتيجي والحيوي لمصر العربية .
أما الدائرة الإسلامية باعتبارها من أهم محاور الاهتمام المصري الإسلامي خاصة وأن القاهرة هي بلد الأزهر الشريف وأقدم الجامعات الإسلامية .
لقد نالت الدائرة الإسلامية اهتماما من جمال عبد الناصر حيث ذكر أنه لا يمكن تجاهل عالم إسلامي تجمعنا معه روابط لا تقربها العقيدة الدينية فحسب , وإنما تشهد بها حقائق التاريخ حيث أن تلك الدوائر تمتد عبر قارات ومحيطات , وهى دائرة الأخوة في العقيدة والذين يتجهون مع مصر إلى قبلة واحدة , وتهمس نفس شفاههم الخاشعة بنفس الصلوات.
وحققت ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر العديد من الانجازات أولها استقلال مصر من الاستعمار البريطاني بمفاوضات شاقة مع انجلترا للجلاء عن مصر وكللت باتفاقية الجلاء في التاسع عشر من أكتوبر 1954 , وتمت آخر مرحلة منه وانسحاب أخر جندي بريطاني في الثامن عشر من يونيه 1956 . حققت الثورة الاجتماعية قدر من العدالة الاجتماعية من خلال قوانين الإصلاح الزراعي . كما أحدث نهضة صناعية ( مصانع الحديد والصلب في حلون ) وغيرها . كذلك بني السد العالي من أعظم المشروعات في مصر في تاريخها المعاصر وكذلك أمم شركة قناة السويس . وإن كان قد هزم في حروبه المختلفة وخاصة النكسة 1967 م إلا أنه لم يستسلم بل قاوم حتى آخر لحظة في حياته .ففلسفة ثورة يوليو كما رآها عبد الناصر هي التحرر من الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق الريادة لمصر عربياً وإفريقياً وإسلاميا.
 

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

خطاب الخريطة نصر الله بالموازين والاقدار…!/ محمد صادق الحسيني

محمد صادق الحسيني كنت قد عرضت على سماحته قبل مدة مشروع اقتراح جهة فلسطينية نافذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *