الرئيسية / مقالات / مرايا الأمراء في إسلام العصر الوسيط

مرايا الأمراء في إسلام العصر الوسيط

بقلم: محمد حلمي عبدالوهاب — حتى مطلع السبعينات من القرن العشرين لم تكن المصادر المتاحة في أصول الفكر السياسي الإسلامي، خصوصاً تلك المتعلقة بتصورات الدين والدولة والأمة والجماعة، تتجاوز حدود «الأحكام السلطانية» للماوردي و «السياسة الشرعية» لابن تيمية وفصولاً من «مقدمة ابن خلدون»، أما اليوم، فقد تعدت إلى عشرات المصادر، إن لم نقل المئات، بفضل العديد من التحقيقات الجادة التي قام بها علي سامي النشار، وناجي التكريتي، وفؤاد عبدالمنعم، ورضوان السيد. في كتابها «فلاسفة الحكم والإدارة في العصر الإسلامي الوسيط» (الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2013)، تتناول الدكتورة نجاح محسن الصيغَ الثلاث التي يمكن تقسيم التراث السياسي والإداري الإسلامي إليها، ألا وهي:
الصيغة الأولى: من وضع الفلاسفة، وهي صيغة تدين بالكثير للفلسفة اليونانية، وتوحِّد بين الإمام والملِك والفيلسوف، وتنبني قاعدتها الرئيسة على «الاستقامة والمعرفة» أكثر مما هي التزام أحكام الدين القويم أو تحري العدالة. وضمن هذه الصيغة نصادف كتباً تحمل عنواناً واحداً هو «السياسية»، لأبي نصر الفارابي المتوفى سنة 339 هـ، وأبي القاسم الحسين بن علي المغربي (الوزير) المتوفى سنة 418 هـ، والشيخ الرئيس ابن سينا المتوفى 428هـ.
الصيغة الثانية: من وضع رجال الإدارة، وأصحاب كتب المواعظ والتوجيهات/ النصائح للملوك والولاة، والتي تعرف بمرايا الأمراء، وتقابل مثيلاتها في المؤلفات الغربية التي تؤكد الحق الإلهي للملوك، وتهتم بالناحية العملية في الحكم بأكثر مما تهتم بالجوانب النظرية المؤطرة لفلسفة السياسة. وتمتاز كتابات هذه الصيغة بمحاولة المزج بين قواعد الحكم الإسلامي من جهة وبين جملة الأعراف والتقاليد الفارسية «الساسانية» في المُلك من جهة أخرى، ما نتج عنه محاولات توفيقية يعِنُّ لكثيرين من نقادها وسْمَها بـ «التلفيقية».
والقاعدة الأساسية المبنية عليها كتابات هذه الصيغة تتمثل في: تحقيق العدالة أكثر من التزام الأحكام الدينية، وأبرز أمثلتها: «سراج الملوك» للطرطوشي، و «قوانين الوزارة» و «تسهيل النظر وتعجيل الظفر» للماوردي، و «الشُّهُب اللامعة في السياسة النافعة» لابن رضوان المالقي، و «الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء» لابن الجوزي.
الصيغة الثالثة: من وضع الفقهاء، وهي أقرب الصيغ الثلاث للأحكام الدينية، وتنبني قاعدتها على عدد من الآيات القرآنية المتعلقة بالفكر السياسي والسنة النبوية ثم ما جرى العمل به أيام الجماعة الأولى (السلف الصالح)، ومن الأمثلة الدالة على هذا النوع من الكتابات: «الأحكام السلطانية» للماوردي المتوفى 450 هـ، والعنوان ذاته لأبي يعلي الفرَّاء المتوفى 458هـ، و «الإمامة» لأبي عبدالله القلعي المتوفى 630هـ، و «السياسة الشرعية» لابن تيمية، و «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» لابن جماعة المتوفى 733هـ، و «حسن السلوك الحافظ لدولة الملوك» لمحمد بن عبدالكريم الموصلي المتوفى 749هـ.
ضمن هذه الصيغ الثلاث يتنزل كتاب «فلاسفة الحكم والإدارة في العصر الإسلامي الوسيط»، فقد اختارت المؤلفة خمسة مفكرين يمثلون هذه الصيغ، منفردة أو مجتمعة، وهم: الجاحظ والثعالبي ونظام الملك الطوسي وابن جماعة وابن الأزرق (صاحب كتاب «بدائع السلك في طبائع الملك»).
والناظم المشترك لكل هؤلاء الأعلام هو موضوع كيفية إدارة شؤون الدولة في كل المجالات، أو ما يسمى علم الإدارة، حيث يترادف مصطلح «الإدارة» مع المضمون الحقيقي لمصطلحات مثل: «تدبير الممالك»، و «سياسة الملك» اللذين يعدان بمثابة ترجمة نظرية لما أورده فلاسفة السياسة في الإسلام من خطوات عملية ضمّنوها مؤلفاتهم من أجل تحقيق المجتمع السياسي الأفضل.
على أن المؤلفة حرصت أشد الحرص في مقدمة كتابها على أن توضح بما لا يدع مجالا للشك، أنه من المستبعد جداً أن يكون هدف الكتاب هو تأكيد ضرورة المزج بين السياسة والدين، بل إن الهدف منه أبعد ما يكون عن ذلك، بل ويصب في الاتجاه المضاد تماماً، ألا وهو ضرورة الفصل التام بين المجالين، بين الثابت والمتغير، السماوي والأرضي، استناداً إلى خبرة هؤلاء الأعلام، الذين انطلقوا في تنظيراتهم من الواقع وانتهوا إليه أيضاً.
ضمن هذا الإطار العام انتظم الكتاب في فصول خمسة، أولها: «إشكاليات الفكر السياسي عند الجاحظ»، حيث تم التأكيد على ضرورة العناية بهذا الجانب المهمل في الكتابة عن الجاحظ، خاصة وأنه عايش المشكلات السياسية الكبرى التي كانت ابنة عصره، وأبرزها مشكلة «الإمامة» وتحولها من الاختيار والشورى إلى الوراثة، بالإضافة إلى عنايته الخاصة بمشكلة «الشعوبية»، والتي كانت بحق من أخطر الظواهر السياسية والاجتماعية في عصره. ومن هنا اهتمت المؤلفة بدراسة قضية «الإمامة» وموقف الجاحظ منها، وذلك من خلال العناصر التالية: وجوب الإمامة، وحدة الإمامة، رفض الجاحظ شرط النسب (القرشية)، إمامة المفضول مع وجود الأفضل، طرق عقد الإمامة، آداب السياسة. ثم انتقلت للحديث عن «الدعائم الأخلاقية للدولة الإسلامية» في فكر الجاحظ، حيث تستند فكرة الدولة/ الخلافة عنده إلى دعامتين أخلاقيتين مهمتين، هما المساواة والعدالة.
في الفصل الثاني «الفكر السياسي عند الثعالبي»، ترصد المؤلفة عناية الثعالبي بالناحية العملية من السياسة بصفة خاصة، حيث عمل على صياغة الخطوات العملية التي تضمن انتظام عملية الحكم واستقرارها. ومن ثم لم يهتم الثعالبي فقط ببناء نسق نظري مثالي/ يوتوبي يصعب تطبيقه في الواقع، بقدر ما اهتم بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وطبيعة المؤسسات الإدارية للدولة وأقسامها، ووظائفها، وطريقة التعامل مع كل منها عند مخالفة النظام، والعلاقات الخارجية وكيفية ضبطها… إلخ.
واتساقاً مع ذلك الإطار العام، بدأت المؤلفة بتعيين مفهوم «السياسة» أولاً عند الثعالبي، ثم أوضحت «ضرورة السلطة» عنده من خلال التعرض لأبرز أدلته العقلية والنقلية على وجوبها، ثم أفردت قسماً كبيراً من الفصل للحديث عن «طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين»، فأوضحت أولاً واجبات الحاكم تجاه الرعية، وفي مقدمها: تكوين الجهاز الإداري للدولة، دعم أهل العلم والأدب والفن، توفير الأمن الداخلي والخارجي، توزيع الوظائف على أساس التكافؤ في الفرص ومراعاة الفروق الفردية، رعاية الحاكم لموظفيه في أثناء الخدمة وبعدها، وأخيراً تدبير المال اللازم لإدارة شؤون الدولة. وفي المقابل، هناك جملة من الواجبات المتعلقة بحقوق الحاكم على الرعية، وفي مقدمها: طاعة الحاكم المجمع عليها، والتي تقترن بطاعة الله تعالى!
في الفصل الثالث المخصص لنظام الملك الطوسي، تركز المؤلفة على دراسته من خلال كتابه «سياست نامه» الذي كتبه تلبية لرغبة السلطان ملكشاه سنة 484هـ. وقد ركز الطوسي في كتابه على بيان حقوق الرعية، خاصة ما يتعلق بتأمين أرزاق موظفي الدولة، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية.
أيضاً أكد الطوسي في كتابه المنزع العام لدى أغلب كُتَّاب «مرايا الأمراء»، ألا وهو: بيان الأسس الدينية والأخلاقية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وفي مقدمها: قوة العامل الديني في حفظ الدولة واستقرارها، والعدل الذي يقوم عليه بنيان المملكة، والشورى التي يعدها لازمة في سبيل الحفاظ على الملك، والعلم بوصفه من أهم الدعائم التي تقوم عليها الدولة الإسلامية «حين يشع سنا الإشراق الإلهي على الملِك، وتكون له مملكة دعائمها العلم، فإنه يفوز بسعادة الدنيا والآخرة».
في الفصل الرابع المخصص للبحث في «نظم الحكم والإدارة عند بدر الدين بن جماعة»، بحثت المؤلفة أفكاره السياسية التي قدمها على أسس دينية في ما يعرف باسم «السياسة الشرعية»، بعيداً من التبعية للفلسفة السياسية اليونانية. وقد حاولت المؤلفة الوقوف على ذلك الإسهام من خلال خمسة محاور رئيسة تتمثل في رؤيته لكل من: قضية الخلافة/الإمامة، وطبيعة العلاقة بين الحاكم «رأس الهيكل التنظيمي» والمحكومين، وطبيعة النظام الإداري، وكيفية التعامل مع الخارجين على القانون، وطبيعة العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين داخل الدولة الإسلامية.
أخيراً خصصت المؤلفة الفصل الخامس للحديث عن موضوع «الرعية في علاقتها بالحاكم عند ابن الأزرق»، وذلك نظراً إلى محورية مفهوم «الرعية» في المجال السياسي الإسلامي، وعند ابن الأزرق بصفة خاصة، ولإبراز أوجه الاختلاف الواضح بين تصور الرعية داخل نسق السياسة السلطانية من جهة، وتصورها داخل نسق السياسة الشرعية من جهة أخرى. وصولاً إلى ترجيح كون الخطاب السياسي السلطاني عند ابن الأزرق يدور حول «مفهوم الرعية» مهما تعددت مواضيعه وتنوعت أهدافه.
وأخيراً: يعد هذا الكتاب إضافة مهمة لدراسة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي، ليس فقط بسبب المساحة الزمنية الطويلة التي اشتغل عليها (من الجاحظ المتوفى 255 وحتى ابن الأزرق المتوفى 896هـ)، وإنما لاشتماله على نماذج رصينة، منها ما يدخل في باب الأدب السياسي ومنها ما يقع في القلب من الفلسفة السياسية، ومنها ما يحسب ضمن ما يسمى بالسياسة الشرعية. أيضاً يتسم الكتاب بالوضوح المنهجي، حيث تجنب فخ الخلط الواضح بين هذه الأنواع من الكتابات، على نحو ما يفعل الكثيرون ممن يضعون الفارابي وابن تيمية تحت عنوان واحد! ومن ثم، فهناك «السياسة الشرعية» التي تعتمد على المصادر الدينية الأصلية للشريعة، وهناك «الأدب السياسي» الذي يمزج بين التراث الإسلامي وغيره من الثقافات الأخرى، وهناك «الفلسفة السياسية» التي تعتمد عالم ما وراء الطبيعة/ الميتافيزيقا، وتدخل في قضايا غير قابلة للتحقيق، كما في نظرية الفيلسوف والنبي لدى الفارابي على سبيل المثال.

المصدر: صحيفة الحياة

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

بيان 11 آذار 1970 وإنسانية القومية العربية- بقلم: معن بشور

بقلم : معن بشور مفكر قومي عربي في كل مرة يحاول المشككون بالمضمون الإنساني للحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *