الرئيسية / مقالات / الإرهاب يدفع الجزائر والمغرب للتقارب

الإرهاب يدفع الجزائر والمغرب للتقارب

بقلم: توفيق المديني — تعيش منطقة المغرب العربي و بلدان الساحل الإفريقي ، في ظل تصاعد مخيف لتهديدات التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة العابرة للحدود،لا سيما منذ سقوط نظام العقيد القذافي في سنة 2011، وتحول ليبيا إلى بلد مصدر للإرهاب ،بحكم غياب الدولة ، وسيطرة الميلشيات الإسلامية المسلحة، و الحركات الإرهابية و التكفيرية على أجزاء كبيرة من الترتب الليبي .
ورغم أن الإرهاب يشكل تهديدا مباشراً لكل البلدان المغاربية من دون استثناء، فإن أهم بلدين كبيرين في منطقة الشمال الإفريقي ، وهما الجزائر و المغرب، غابا عنهما التنسيق الأمني الاستراتيجي لمحاربة الحركات الإرهابية.وضمن هذا السياق من الجو الأمني والدبلوماسي المشحون ،تأتي الزيارة التي قام بها المبعوث الخاص للملك محمد السادس، ناصر بوريطة، الذي يشغل منصب الوزير المنتدب للشؤون الخارجية، يرافقه مدير المخابرات المغربية،إلى الجزائر يوم 15تموز الجاري،حاملاً رسالة من العاهل المغربي إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،لتشكل منعطفاً مهماً انفراجياً في مسيرة العلاقات بين البلدين ، على الأقل فيما يتعلق بالملف الأساسي، ألا وهو الأمن المتردي في منطقة المغرب العربي والساحل، والتي بينت تحقيقات أجهزة الأمن الجزائرية، تورط جماعات مغربية فيها،ومكافحة الإرهاب، ولا صلة للزيارة بأية خطوات تطبيع تتعلق بفتح الحدود.
وكانت وكالة أسوشيتد برس الأميركية قد أشارت قبل الزيارة التي كانت مقررة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى الجزائر والمغرب -التي تم تأجيلها- إلى أن هدف الزيارة هو إصلاح العلاقات بين الجزائر والمغرب، التي شهدت تدهورا بسبب حرب التصريحات، مشيرة إلى أن واشنطن قلقة من تدهور هذه العلاقات «لانعكاسها سلبا على مخططاتها في مكافحة الإرهاب بدول الساحل».
وتأتي زيارة الوفد المغربي للجزائر لتحقيق هدفين ، الأول ، ويتمثل في تخفيف حدة انزعاج الجزائر من الموقف المغربي الرسمي من قضايا داخلية للجزائر، على غرار أحداث غرداية قبل عامين.و الثاني ، طلب المغرب من الجزائر لتكثيف التعاون الأمني معها على خلفية قلق أبلغته الجزائر للطرف المغربي عن طريق سفيره عبد الله بلقزيز قبل شهرين ، الذي استدعته وزارة الخارجية الجزائرية ، وأبلغته بقيام عدد كبير من الرعايا المغاربة بالتسلل بطريقة غير قانونية إلى الجزائر للعبور باتجاه ليبيا بزعم العمل، وأكدت أنها قامت بترحيل عدد منهم إلى المغرب، فيما سمحت لبعضهم ممن يحوزون على رخص للعمل في ليبيا بالعبور إلى هناك. لكنها أشارت إلى تخوّفها من أن يكون عدد منهم بصدد الانتماء أو الالتحاق بالمجموعات الإرهابية، خصوصاً تنظيم «داعش» الذي يتمركز في عدد من المدن الليبية وتحديداً في منطقة الشرق الليبي. وقد اطلعت تحريات أجهزة الأمن الجزائرية المغرب، بوجود خلايا متطرفة نائمة فوق أراضيه، تقوم بإرسال مقاتلين إلى ليبيا، مستغلة في ذلك سهولة التنقل جوا عبر الجزائر برحلات للخطوط الجوية الليبية، التي قررت السلطات الجزائرية تعليقها بعدما لمست عدم تجاوب من المغرب بهذا الشأن.
وما يعزز هذه الرأي، ما أعلنت عنه السلطات الأمنية المغربية مؤخرا، إذ قبضت السلطات الأمنية المغربية على 6 أشخاص للاشتباه بأنهم موالون لـ تنظيم « داعش» الإرهابي ، وأنهم «خططوا لاستهداف أماكن عمومية وسياحية ومؤسسات فندقية، ومراكز أمنية، وعناصر في مختلف الأجهزة الأمنية» ، في مدن أغادير وأمزميز وشيشاوة وآيت ملول والقليعة،و كانوا يسعون لتنفيذ أجندة ما يسمى بتنظيم «داعش». وسبق أن ذكرت السلطات المغربية أنها فككت أكثر من 150 «خلية إرهابية» منذ التفجيرات الإرهابية التي وقعت في مدينة الدار البيضاء في 2003.وبعد تمكنها من تفكيك خلية إرهابية مرتبطة تنظيم «داعش» الإرهابي ، وهو ما يشكل مصدر قلق للرباط، أصبح المغرب متخوفاً من التقارير الأمنية التي تفيد بأن أكثر من 700 عنصر في هذا التنظيم هم من المغاربة.
وكانت السلطات المغربية محل انتقاد لاذع من جانب الاتحاد الأوروبي ، ولاسيما إسبانيا التي تحوز على قوائم بأسماء إرهابيين في داعش يحملون الجنسية الإسبانية من أصول مغربية، ناهيك عن اللوم الذي تلقته السلطات المغربية من بلجيكا وفرنسا بعد الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت العام الماضي باريس وبروكسل موقعة مئات القتلى والجرحى. وضمن هذا المنظور، يأتي الحضور اللافت لمدير الاستخبارات المغربية (الإدارة العامة للدراسات والمستندات)، ياسين المنصوري، ليؤكد الطابع الأمني لهذه الزيارة، في ظل العمليات الأمنية والعسكرية التي يقوم بها الجيش الجزائري في الجنوب.
الحرص المغربي على تكثيف التنسيق الاستخباراتي من أجل مكافحة التنظيمات الإرهابية ، لم يكن مقتصرا على الجارة الجزائر ،بل إن ذات الوفد المغربي الذي زار قبل أسبوع الجزائر، كان زار نيجيريا من قبل ، واستقبل من طرف رئيسها محمد بوخاري، وهنا يتكرّس الرأي القائل بشعور المغرب بالقلق المتنامي إزاء تمدد نطاق نشاط جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في غرب إفريقيا، وتأكد علاقتها الوثيقة مع تنظيمي «داعش» و عناصر «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ،والإرهابي مختار بلمختار، زعيم جماعة «المرابطون»، الناشطون في في مالي والنيجر وموريتانيا وليبيا والجزائر، والذين ما يزالون يحصلون على أسلحة وذخائر من ليبيا . كما أن إياد اغ غالي زعيم جماعة «أنصار الدين المالية» لديه قاعدة في جنوب ليبيا.
غير أن الذي سرّع بعودة التنسيق الأمني بين المغرب و الجزائر، هو الهزيمة التي تلقاها تنظيم «داعش »الإرهابي في مدينة سرت،على أيدي قوات«البنيان المرصوص» التابعة لحكومة الوفاق الوطني بقيادة السراج،حيث تعيش البلدان المغاربية الثلاثة: تونس و الجزائر و المغرب، في حالة خطر ،من أن ينجح عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي الذين يفرون حاليا من معقلهم الرئيسي في مدينة سرت الليبية، لتشكيل قواعد إرهابية لهم في مناطق أخرى بليبيا، أو في دول شمال إفريقيا و الساحل الصحراوي ، لاسيما وأن العديد من هؤلاء العناصر طبقا للتقارير الأمنية الدولية ، ينحدرون من ليبيا وتونس والجزائر ومصر، وكذلك من مالي والمغرب وموريتانيا، وينتشرون في سرت وطرابلس ودرنة، وهو ما يعني أنه بإمكانهم التواصل مع هذه المناطق.
وفي ظل الضربات العسكرية القوية التي ألحقت بتنظيم «داعش» الإرهابي هزائم متتالية في كل من العراق وسوريا وليبيا، اضطرت عناصره الإرهابية الفارة من محاور القتال، بمن فيهم المقاتلين الأجانب، لتغيير مواقعهم، وإعادة التجمع في خلايا أصغر، وأكثر انتشارا جغرافيا، عبر ليبيا وفي الدول المجاورة، تونس و الجزائر و المغرب و مالي.علماً أن التقاريرالأمنية الليبية و الغربية تتحدث عن وجود 5000 مقاتل من تنظيم «داعش» في ليبيا، وأن العشرات من هؤلاء الإرهابيين عادوا إلى بلدانهم في تونس و المغرب ،و الجزائر، ومالي ،ويخططون لتنفيذ اعتداءات إرهابية ضد أهداف ومنشآت في بلدانهم الأصلية.
و الحال هذه ، يشعر المغرب أنه مستهدف في أمنه و استقراره من جانب إرهابيي «داعش» ، لا سيما بعد تضييق الخناق عليهم في سوريا والعراق وانتقالهم إلى ليبيا ومنها محاولة الوصول إلى بلدان الساحل الصحراوي الإفريقي ، حيث تصعب ملاحقتهم والقضاء عليهم بسبب الفراغ الأمني وغياب الدولة في كل من ليبيا وشمال مالي. وفي هذا السياق، يعكس التحرك المغربي الأول من نوعه، منذ فترة طويلة، تجاه الجزائر، مدى الضغوط التي تمارس على الرباط، ولاسيما من إسبانيا وفرنسا وبلجيكا، لتعزيز التعاون الأمني بين البلدين، مثلما تم الاتفاق عليه مع نيجيريا لإسقاط أي محاولة لضرب استقرار الرباط ومصالحها في دول غرب إفريقيا، لا سيما في ضوء الانتشار المقلق لأفكار تنظيم «داعش» المتطرفة، وهواجس من تعرضه لضربات تزيد من وضعه الاقتصادي والاجتماعي القائم تأزما، على غرار ما حدث في تونس.
كما أن هذا التنسيق الأمني بين المغرب و الجزائر «لم تفرضه واشنطن فحسب»،بل فرضته أيضا التزامات البلدين بالاتفاقيات الدولية الأمنية مع حلف شمال الأطلسي، والملحق الأمني في تفاهمات مجموعة 5+5 الذي يلزم الدولتين بتنسيق أمني بمعايير الاتحاد الأوروبي العسكرية والأمنية، فضلاً عن وجود نظام تبادل معلومات أمنيا يضمن التواصل بين الجزائر والمغرب حتى في أسوأ الحالات.
وتتخوّف الولايات المتحدة الأميركية من أن تستغل التنظيمات المتطرفة الخلافات الراهنة بين الجزائر والمغرب لصالحها ، ولهذا طالب الخبراء الأمنيون الأميركيون خلال اجتماع أمني و عسكري عقد بالجزائرمؤخراً ، الجزائر بضرورة العمل على زيادة مستوى التنسيق والتعاون الأمني مع المغرب، خصوصاً في ما يتعلق بمراقبة الحدود ورصد تنقّل العناصر المتطرفة، وتبادل المعلومات، بما يسمح بالكشف عن أية خطط لهذه التنظيمات لاستهداف أي من الدول المعنية..كما شدّد الخبراء الأميركيون على أن مسألة الحدود البرية المغلقة بين الجزائر والمغرب، لا يجب أن تحجب حقيقة وجود نشاط إرهابي في المنطقة، وإمكانية وجود تحالفات بين المجموعات الإرهابية وشبكات تهريب المخدرات والبشر التي تنشط بين الجزائر والمغرب، ولا يجب بحسب الأميركيين، أن تقوّض هذه المسألة إمكانية التعاون الأمني المشترك بين البلدين..
إن ظروف «الحرب الكونية على الإرهاب»، إضافة إلى وجود المخاطر الأمنية المشتركة التي تهدد أمن المغرب و الجزائر ،لا سيما على مستوى أمن الحدود، إضافة لما تفرضه أيضا الاتفاقات الدولية التي تربطهما بدول أخرى، في صدارتها الولايات المتحدة الأميركية، في إطار مكافحة الإرهاب الدولي، فرضت على هذين البلدين المغاربيين الكبيرين تجاوز الخلافات الحادة بينهما،و اعتماد سياسة واقعية تقوم على مقاربة عقلانية لإيجاد تعاون إقليمي يصبّ في متابعة الحرب على التنظيمات والحركات الإرهابية التي تُهَدّدُ أمن و استقرار كلّ دولة من دول المنطقة. علماً أن هذا التنسيق «قائم في ملفات عدة أهمها لجنة مختصة في ملاحقة الخلايا التي تعمل على تجنيد سلفيين للقتال في سوريا، بالتعاون مع دول غربية مثل إسبانيا وألمانيا وفرنسا»، وتبادل البلدان معلومات عن نشاط الشبكات الإرهابية الدولية التي تضم مواطنين أوروبيين من أصول مغاربية.كما توجد أيضا لجان ارتباط أمنية مشتركة في مجال الأمن البحري لمنع عمليات التهريب البحري و«تسلل الإرهابيين»، ولجنة أخرى من خلال تنسيق القوات الجزائرية المغربية في إطار اتفاقيات «مكافحة الإرهاب الجوي»، وضبط أمن الأجواء وحماية سلامة الملاحة الجوية، والطيران العالمي في الطرق الجوية التي تخترق البلدين.
كما أن الهواجس الأمنية للمغرب أو تونس ، أو الجزائر ، ليس لها صلة مباشرة بنشاط المجموعات الإرهابية في بلدان المغرب العربي فحسب ، وإنما من جراء تحول ليبيا ،منذ العدوان الذي شنه عليها حلف الناتو عام 2011 ، إلى حالة من الفوضى والانفلات الأمني ،التي أدت إلى انتشار الميليشيات والتنظيمات الإرهابية ومن بينها تنظيم «داعش» ،الذي تمكن من السيطرة على عدة مناطق في هذا البلد العربي ، وبعد أن استغل حالة الفوضى السائدة فيه خلال السنوات الأخيرة والتنازع على السلطة ليؤسس قاعدة خلفية له ، ويستولي على خليج سرت الغني بالنفط ،ويدرب المقاتلين الاجانب،الأمر الذي حوّل ليبياإلى بلد مُصَّدِرِ للإرهاب لحدود تونس والجزائر ، ومنطقة الساحل الصحراوي. وهنا تقع على الجزائر مسؤولية كبرى في حفظ الاستقرار في المنطقة،لا سيما بسبب حربها الطويلة ضد الإرهاب، وقدرة جيشها وخبرته، وهي ملتزمة بذلك مع كافة أطراف دول منطقة الساحل، التي ليس للمغرب أي حدود مباشرة معها، وإن كان من حقه التصدي لأي تهديد إرهابي يستهدفه.

المصدر: صحيفة تشرين

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ماذا فعل الصحفي الاميركي في بيروت ديفيد اغناتيوس وكيف يتصادف ما كتبه في ” الواشنطن بوست” مع بعض مواقف الحراك في لبنان

رصد/ بيروت نيوز عربية/ صحيفة الكترونية بداية شهر تشرين حضر الى لبنان صحفي امريكي شهير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *