الرئيسية / ترجمات / انتصار الجهل

انتصار الجهل

بقلم: برنار إنري لوي* — الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي لم ينتصر فيه الشعب، بل التملق للشعب. ليس الديمقراطية بل الديماغوجية. هذا انتصار لليمين المتطرف على اليمين المعتدل، واليسار المتطرف على اليسار الليبرالي. هذا انتصار لكراهية الاجانب في المعسكرين، الكراهية التي تشتعل منذ وقت طويل تجاه المهاجر والخوف الى درجة الهستيريا من العدو الداخلي.

هذا هو انتقام اولئك الذين لم يستطيعوا تحمل التفكير بأن اوباما، أولاند، ميركل وآخرون يُسمعون مواقفهم حول موضوع يعتقدون أنه يخصهم فقط، واعتقدوا أنهم الوحيدون الذين يقدرون على اتخاذ القرار بشأنه. بكلمات اخرى، هذا هو انتصار السيادة الاكثر فسادا للقومية المتطرفة والاكثر غباء.

هذا هو انتصار بريطانيا المنغلقة على بريطانيا المنفتحة على العالم، المرتبطة بماضيها الفاخر ارتباطا شجاعا. هذه هي هزيمة “الآخر” أمام “الأنا”، هزيمة الوضع المركب في وجه سطوة السطحية والبساطة.

هذا هو انتصار مؤيدي نايجل فارج على “الاعلام السياسي” و”النخب الدولية” التي تبدو وكأنها “تأخذ الاوامر من بروكسل”. في خارج بريطانيا هذا هو انتصار دونالد ترامب الذي كان من الاوائل – اذا لم يكن الاول – الذين أيدوا وباركوا نتائج التصويت التاريخي. وفلادمير بوتين الذي هذا هو حلمه منذ زمن طويل – ويجب تكرار ذلك بصوت مرتفع في احيان متقاربة – إن حلمه هو تفكيك الاتحاد الاوروبي.

في فرنسا هذا انتصار اولئك من اليمين وأشباههم من اليسار الذين يحلمون بخروج فرنسا، وفي المقابل لا يعرفون أي شيء عن الحكمة، البطولة، الراديكالية أو منطق الثقافة التي يعيشون فيها. في اسبانيا هذا انتصار حركة بودموس وانديادوس، أما في ايطاليا فهو انتصار حركة النجوم الخمسة والمتهكمون الذين يقودونها.

في وسط اوروبا هذا انتصار لاولئك الذين بعد أن أدخلوا الى جيوبهم اموال الاتحاد الاوروبي، مستعدون الآن لتفكيكه. هذا انتصار اولئك الذين ينتظرون في كل مكان فرصة الانسحاب طالما أن ذلك يلائمهم، وهكذا تبدأ عملية الانهيار التي لا يعرف أحد كيف يمكن وقفها.

هذا هو انتصار الزمرة من “متروبوليس” لـ باريس لانغ على “حفلة البحارة” لـ رنوار.

هذا انتصار اليساريين الاغبياء والمدمرين لمحلوقي الرأس السكارى والمتمردين الجهلة والنازيين الجدد.

هذا انتصار من ينتظرون دونالد الذي يقول: “سنحول امريكا من جديد الى كبيرة” في الوقت الذي تبدو فيه باروكته مثل اللاسو، والذين يحلمون باقامة جدار يفصل بينهم وبين المسلمين.

هذا انتصار سيطلب فيه الناس لانفسهم، بكل اللغات، جدل ولهجة محلية. هذا انتصار سيعلنونه على الملأ ويضربون رؤوسهم ويديرون ظهورهم للآخرين ويدفعونه مجددا الى البحر ويمنعونه من العودة، وسيقولون طول الوقت بعجرفة “يا سيدي، أنا انجليزي” أو اسكتلندي، أوفرنسي أو الماني أو أي قومية اخرى.

وفي كل مرة سيكون ذلك انتصارا للجهل على المعرفة. في كل مرة سيكون ذلك انتصارا لصغائر الامور على الامور الكبيرة وانتصارا للبهيمية على الثقافة.

لأنني، يا اصدقائي البريطانيين، لا أقصد البيروقراطيين ولا أقصد أصحاب الحقوق الزائدة، حيث أن كل شخص في بلادكم وفي أي مكان آخر كان يرغب في وضع رؤوسهم على عصا.

الكبار هم الوكلاء الحقيقيون لأي شعب. الوكلاء هم من أوجدوا هذا الحلم الرائع المملوء بعبقرية دانتيه، غوتيه، ادموند، هوسرال وجان مونيه. الحلم الذي يسمى “اوروبا”. هؤلاء هم الكبار الذين تسيئون لذكراهم. هذه هي اوروبا التي تذوب بسبب كراهيتكم.

لا شك أن لاوروبا دور في موتها. لا شك أن هذه الهزيمة الغريبة هي ايضا هزيمة الكيان الذي سخر من روحه، ومن التاريخ الذي كان ينتظرها. لا شك أن اوروبا التي نقوم باعدامها تحتضر منذ سنوات. لقد تميزت بوجود قادة رماديين، خطأهم التاريخي كان أنهم آمنوا بأن نهاية التاريخ قد جاءت وأن من حقهم النوم، شريطة أن يتذكروا تشغيل رشاشات الري الاوتوماتيكية. كل ذلك هو حقائق.

مسؤولية الكارثة تقع ايضا على اكتاف القادة السياسيين الذين فضلوا – بعد التشاور مع علماء الاجتماع – تجاهل العواصف التي تقترب وتغطي الحوار الجديد الذي يفرض الصمت أكثر من حديث الحقيقة. هؤلاء ايضا واضحون بنفس الدرجة.

لكن لا يجب علينا السماح للاغلبية البريطانية التي أيدت “الخروج” أو اولئك الذين باركوا النتيجة، أن يقولوا لنا إن نواياهم الحقيقية كانت العمل من اجل الفكرة الضبابية “اوروبا للناس” وهذا لأن الخروج لا يرمز الى انتصار “اوروبا اخرى” بل يرمز الى “بدون اوروبا كليا”. ليس هذا فجر الاعمار والبناء مجددا بل تراجع خطة طموحة لانشاء مبنى اجتماعي واقتصادي متقدم.

واذا لم نأخذ مصيرنا في أيدينا، فان نتائج يوم الخميس الماضي ستكون اعطاء العالم لأعداء الحضارة، والأعداء الأبديين للديمقراطية وحقوق الانسان.

لا شك أن اوروبا لم تكن جديرة بنفسها. زعماءها كانوا جبناء. كانوا غارقين في المناصب. لكن ما جاء بدل هذه الروضة لعائلة بنتسي كونتيني، هو فراشة كونية يمكن فيها نسيان أنه كان ذات مرة شخص باسم ميخائيل أنجلو، لأنهم يعتبرونه في الوقت الحالي مجرد قزم حديقة.

هناك من يخضعون وهم مستعدون للسماح للعالم بأن يتعفن في مزبلة الترامبية لامريكا الكبيرة التي تُشهر المسدسات، أو أن يُسحروا بالبوتينية التي تعيد اكتشاف لغة القمع أو – منذ صباح يوم الجمعة – ضائقة بريطانيا الكبرى التي تدير ظهرها لعظمتها. بين اولئك الذين يعيشون الواقع الحالي وبين المكان الذي خرجت منه الشياطين الاكثر تخويفا لاوروبا في السابق، يفصل فقط عمر مخلوق انساني واحد.

لهذا فان الاختيار واضح. اذا لم يستغل الاوروبيون الفرصة فان الاستفتاء الشعبي الذي أجري في المملكة المتحدة سيتم تذكره على أنه طقوس التعميد للحلف الجديد للفرسان الظلاميين من رد الفعل الجديد – التعميد الذي لم يتم في مياه نهر الاردن بل على شواطيء التمزة.

إما أن نخرج بمساعدة الكلمات القوية التي ترافقها افعال مصممة من الازمة التي ليست لها سابقة في السبعين سنة الاخيرة، وإما أن يعود القمع وكراهية الآخر. وهذه هي المراحل الاكثر سوءً في تاريخ الانسانية.

*كاتب إسرائيلي

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ترامب منفتح على “اتفاق جديد” لاحتواء إيران

تناولت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير لها اليوم محادثات الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والفرنسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *