الرئيسية / مقالات / زيارة محمد بن سلمان لواشنطن تهدف لرسم شكل العلاقة المستقبلية مع أميركا

زيارة محمد بن سلمان لواشنطن تهدف لرسم شكل العلاقة المستقبلية مع أميركا

Bin-Salman-Obama

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب*–

انزعجت السعودية في الفترة الماضية من أن الولايات المتحدة أطلقت يد إيران في المنطقة حرصاً على تمرير الملف النووي، وأطلقت يد روسيا بسبب الملف الأوكراني من أجل استنزاف دول المنطقة، لكنها في المقابل رسمت أهداف لكل دولة لا تسمح لها بتجاوز مما رسمته لها، مما خلق صراعاً دامياً اتسعت دائرته امتد حتى أوروبا، ويمكن أن يمتد إلى الولايات المتحدة.
كما شهدت العلاقات الأميركية الخليجية فتوراً في الفترة الماضية بسبب تصريحات للرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث قال في سلسلة من المقابلات المطولة نشرت في مجلة اتلاتنيك، إنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة مواصلة التقيّد بالسياسة الخارجية لواشنطن عن طريق تقديم الدعم التلقائي للسعوديين وحلفائهم، معتبراً أن المنافسة بين إيران والسعودية أدت إلى حروب بالوكالة وإلى الفوضى من سوريا إلى العراق واليمن، واعتبر أن الوقوف إلى جانب دول الخليج سيجبر الولايات المتحدة على استخدام القوة العسكرية لتعديل النتائج، ويطالب أوباما السنة والشيعة التوصل إلى طريقة فعالة للتعايش وحسن الجوار وتأسيس نوع من السلام البارد.
رد عليه السفير السعودي السابق في واشنطن تركي الفيصل قائلاً بأن أميركا هي المستفيد الأكبر من السعودية وليس العكس، وأكد بأن السعودية ليست من يمتطي ظهور الآخرين لتبلغ مقاصدها، وأكد بأن السعودية تقود في المقدمة وتعترف بأخطائها وتصححها وتستمر في اعتبار الشعب الأميركي حليفاً.
وهذا ما فرض على السعودية القيام بتشكيل تحالفات خليجية وعربية وإسلامية ودولية وسط زيادة حدة التوتر في التحالف الأميركي – السعودي، إذ أطلقت السعودية ائتلافين عسكريين في الأشهر الخمسة عشر الماضية واحد يتألف من تسع دول عربية للقتال في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران، والآخر يتألف من 34 دولة بهدف مكافحة الإرهاب.
اتضح هذا التوتر عندما أقر مجلس الشيوخ الأميركي في 17 مايو 2016 مشروع قانون يتيح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 مقاضاة السعودية من أجل الحصول على تعويضات هددت السعودية مباشرة بسحب إيداعاتها في الخزانة الأميركية، على اثر هذا التهديد هدد البيت الأبيض بالاعتراض على مشروع القانون، وقال مدير المخابرات المركزية الأميركية جون بريتان إنه يتوقع نشر 28 صفحة سرية من تقرير الكونغرس الأميركي حول هجمات 11 سبتمبر 2001 تبرئ السعودية من أي مسؤولية عن هذه الهجمات.
أما التوتر الآخر بين السعودية وأميركا فكان في وضع الأمم المتحدة دول التحالف العربي” في الحرب اليمنية على القائمة السوداء بسبب انتهاكات لحقوق الأطفال نتيجة الضربات الجوية التي يقوم بها التحالف في اليمن ضد الحوثيين، لكن نتيجة الضغط السعودي بأن الأمم المتحدة لم تبنِ تقريرها على إحصاءات دقيقة، فتم رفع دول التحالف من القائمة.
زيارة وزير الدفاع السعودي إذن تهدف إلى تحسين العلاقات المتوترة مع واشنطن والترويج لخطته الرامية لإنهاء اعتماد السعودية على عائدات النفط ما جعل السناتور الجمهوري بوب كوركر الذي يرأس لجنة العلاقات الخارجية يقول: “أعرف أن هناك تحديات ثقافية هائلة سيتعين عليه(الأمير محمد بن سلمان) أن يتغلب عليها لكن إذا نجح 50 في المائة فسيكون قد حقق شيئاً”.
فقبل يوم واحد من زيارة ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة بيوم واحد أرسل رئيس الاستخبارات الأمريكية برينان إشارات حسن نوايا بالتأكيد أن لا علاقة للسعودية بأحداث 11 سبتمبر.
والحملة ضد السعودية كان يقودها أعضاء نافذون في الكونغرس وفي لجنة التحقيقات التي تبحث في ملابسات هجمات 11 سبتمبر، مستغلة البرود غير المسبوق بين السعودية والولايات المتحدة لأكثر من ثمانية عقود، باعتبار أن الغالبية العظمى من منفذي الهجمات من السعودية.
ةقد بذلت السعودية جهوداً قبل الزيارة في غلق ملف الادعاءات ضد السعودية.
تكتسب زيارة الأمير محمد بن سلمان أهمية كبرى في طريق تعزيز الشراكة العتيقة بين الرياض وواشنطن، بعد ملامح الفتور في جدية الإدارة الأمريكية التي تقترب من أشهر الوداع في قضايا الشرق الأوسط، وخصوصاً في تعاملها مع إيران والأزمة السورية، وذلك كون الحليفين القديمين يعدان اللاعبين البارزين في المنطقة يستطيعان تغيير مجريات الأمور بفعل دبلوماسية ووضع اقتصادي واستقرار كبيرين.
يمكن تعزيز شراكة القرن ال21 من خلال ثلاثة ملفات هي السياسة والأمن والاقتصاد التي هي على طاولة المفاوضات في تلك الزيارة، لأن المنطقة العربية ستكون مسرحاً لدور فاعل ولعلاقات أكثر تنسيقاً واستقراراً بين السعودية والولايات المتحدة.
وتشكل زيارة الأمير محمد بن سلمان محور اهتمام بالغ، بعدما قالت بعض مراكز الأبحاث الأميركية بأن واشنطن تفقد ثقة السعودية يوماً بعد آخر في إدارة أوباما، إذ كانت إدارة أوباما تتخذ موقفاً غير مرحب من قبل السعودية بشأن الأحداث في مصر خاصة بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين، وتلكؤه في توجيه ضربة للنظام السوري بعد اتهامه باستخدام الأسلحة الكيمائية. وزاد التوتر بين البلدين بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران على حساب دول المنطقة، وبالفعل شجع الاتفاق النووي نشاط إيراني في المنطقة.
الخلافات بين السعودية وواشنطن برغم أن الدولتين تتفقان على أن لا مكان للرئيس السوري بشار الأسد في مستقبل سوريا، لكن السعودية تصر على رحيل الأسد عبر تسوية سياسية أو عملية عسكرية، وأنه “لا يمكن فصل الإرهاب عن حل الأزمة في سوريا”.
تأتي الزيارة على إيقاعات مختلفة من كشف وكالة المخابرات الأميركية عدم ضلوع السعودية في أحداث 11 سبتمبر في تأكيد على أن السعودية تحارب الإرهاب، وتعمل بشكل قوي في تجفيف منابعه، فيما كشف التقرير عن قصور في الدور الاستخباراتي داخل الولايات المتحدة، أي أن السعودية أصبحت في موقع ثقة بقدراتها بالتحالف مع بقية دول الخليج في مجلس التعاون لحفظ الأمن والاستقرار وحماية الإقليم من التهديدات الإيرانية.
وقد بدأت الإدارة الأميركية في استيعاب خطورة التهديدات الإيرانية المستمرة، حيث جاءت قمة الرياض الخليجية الأميركية التي استضافتها الرياض في أبريل 2016 التي غلب عليها الملف الأمني وطغى عليها ملف التدخلات الإيرانية، حيث أبدى أوباما في نهاية تلك القمة عن قلقه من سلوك إيران التي اتهمها بأنها تدعم الجماعات الإرهابية متعهداً بمراقبة سفن نقل الأسلحة في المنطقة. وسبق هذه القمة لقاء تاريخي في كامب ديفيد بين الرئيس أوباما وقادة دول الخليج، ولكن بغياب الملك سلمان احتجاجاً على الاتفاق النووي، ورغم ذلك خرج الاجتماع بنتيجة أن أميركا ودول الخليج سيعملون معاً للتصدي لأنشطة إيران التي تزعزع أمن المنطقة.
هناك أسباب كثيرة وراء أهمية هذه الزيارة في ظل الاضطرابات السياسية التي تمر بها المنطقة خصوصاً وأن الدولة حريصة على إظهار السعودية ليس فقط كقوة دينية، وإنما كقوة عسكرية أيضاً، ويتواكب ذلك مع تشجيع إدارة أوباما للسعوديين بالاعتماد على أنفسهم في حماية أمنهم. وسيكون الجانب الأكبر في المناقشات مع كبار المسؤولين الأميركيين هو الأزمة السورية وكيفية دفع البيت الأبيض إلى تبني خطة تقود خروج الأسد وإمدادات جماعات المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات لمحاربة قوات الجيش السوري النظامي.
في ظل هذه الأوقات الصعبة فقد حان الأوان أن تكون العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية أكثر تقارباً وتعاوناً لمكافحة الإرهاب، فمنذ 2003 عملت السعودية مع الولايات المتحدة في مكافحة مخططات تنظيم القاعدة التي شنت هجمات مباشرة داخل السعودية، ونجحت السعودية في مكافحة الإرهاب وإحباط عدد من الهجمات الإرهابية، إضافة إلى دور الرياض كشريك أساسي في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الحركات الإرهابية. وخلال السنوات الماضية ثبت أن السعودية كانت شريكاً لا غنى عنه في مكافحة القاعدة والآن في مكافحة تنظيم داعش، حيث ما زال هناك كثير من الواجب القيام به في مجال ومواجهة الأفكار والأيديولوجيات المتطرفة وقطع الأموال عن الجماعات والتنظيمات التي تروّج لأفكار التطرف العنيف.
الزيارة لها أصداء واسعة داخل أروقة المؤسسات الأميركية ليلتقي بعدد كبير من أعضاء وقادة الكونغرس الأميركي شملت الكثير من قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ورؤساء وأعضاء بارزين في لجان الشؤون الخارجية والشؤون العسكرية في كل من مجلسي الشيوخ والنواب.
وجرى الحديث مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال مأدبة الإفطار الذي عقده ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع كيري في منزل الأخير في حي جورج تاون في وسط العاصمة واشنطن، لها عدد من الاعتبارات، وتم في اللقاء مناقشة الملف السوري، والوضع في ليبيا واليمن، إضافة إلى سبل تعزيز مكافحة الإرهاب.
وحينما سئل كيري عن تلك المحادثات نفى وجود خلافات بين الجانبين حتى أنه قال “إذا سألتموني إذا ما كان هناك فارق فلسفي كبير بين السعودية والولايات المتحدة حيال كيفية المضي قدماً على أرض الواقع في سوريا فالجواب هو لا”. حتى أن كيري قال إنه لولا الدور السعودي لما وجدت المجموعة الدولية لدعم سوريا، والتي تضم نحو 20 دولة، وتسعى لإيجاد حل سياسي للنزاع السوري، ولولا القيادة السعودية لما كان الاجتماع الأول لجماعات المعارضة في ديسمبر 2015 في الرياض، وقد كانت السعودية منذ البداية مع الولايات المتحدة وروسيا وتركيا تعمل لتحريك هذه العملية إلى الأمام.
كما تؤسس زيارة ولي ولي العهد السعودي لعلاقة اقتصادية تشاركية استراتيجية بين البلدين حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين 45.3 مليار دولار عام 2015، ولن تقتصر الشراكة على المجالات التقليدية كالبترول مثلاً، بل هي شراكة استراتيجية بعيدة المدى ذات عمق، حيث تشمل العمليات الاستثمارية الرئيسية إنشاء شركة صدارة الكيمائية، وهي مشروع مشترك بين شركة داو للكيماويات وشركة أرامكو السعودية، قدرت تكاليفه بأكثر من 20 مليار دولار وهو أكبر مشروع بتروكيميائي يشهده العالم.

*د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ في جامعة أم القرى في مكة

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

لبنان على اعتاب ازمة مالية..تحت أعين الغرب.. التضييق على حزب الله/ الكسندر نازاروف/ موسكو

ألكسندر نازاروف / موسكو المحلل السياسي. يقف لبنان اليوم على أعتاب أزمة مالية طاحنة، لكنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *