الرئيسية / مقابلات / جورج قرم.. في حوار عن «الحصاد المر»: العرب اليوم في نفق طويل مظلم

جورج قرم.. في حوار عن «الحصاد المر»: العرب اليوم في نفق طويل مظلم

Goerge-Corm

بيروت – حوار: انديرا مطر – عن صحيفة القبس | انكب الباحث والخبير الاقتصادي والمالي والوزير اللبناني السابق، جورج قرم، في مؤلفاته على تحليل مسألة الاستعمار وتعدد الأديان وأنظمة الحكم، كما تناول أسباب الصراعات في دول الشرق الاوسط خارج إطار التفسيرات الدينية والمذهبية.
في حواره مع القبس ينقض قرم مقولة صراع الحضارات التي لا تتنازع فيما بينها بل تتفاعل وتتقارب، ساخراً من المقولات والسرديات الغربية التي يتلقفها اعلامنا العربي ويرددها.
ويعتبر قرم ان للغرب مصلحة في حشر الشعوب العربية في دين متشدد كي تنأى بنفسها عن الصراع مع إسرائيل. كما يقدم مطالعته لصعود التيارات الإسلامية بدعم غربي، فلم تسهم الا بمزيد من الخراب والحروب أينما حلت.

◗ كيف تنظر إلى تيارات الإسلام السياسي اليوم؟
– علينا أن نفرق بين تيارات الإسلام السياسي المتعددة. لكن حتى إذا فرزنا ما أصبح يسمّى إلى اليوم «التيارات المعتدلة» على خلاف التيارات الراديكالية التي تمارس العنف، سنرى انه حيثما أقيمت أنظمة إسلامية مستوحاة من الإسلام السياسي، لا يحدث تقدم يُذكر، على العكس لقد رأينا في العديد من الحالات تراجعاً كبيراً.
فلنأخذ السودان الذي انقسم إلى دولتين، علماً بأن ملهم الانقلاب الإسلامي في السودان، وهو حسن الترابي الذي رحل منذ زمن قليل، قد صنفته الولايات المتحدة ضمن تيارات الاعتدال، وتمت دعوته الى واشنطن مرات عديدة للقاءات في الكونغرس الأميركي.
في الجزائر، شاهدنا ما الذي حصل من فتنة ودمار حين نجحت جبهة الإنقاذ الإسلامي في الانتخابات عام 1992. وفي الصومال كذلك فوضى فتّاكة غير موصوفة. وها هي باكستان دولة شبه فاشلة بسبب العنف المتواصل من قبل تيارات إسلامية وانتشار العمليات الإرهابية شبه اليومية ضد الأقليات أو ضد أماكن عامة. هذا من دون أن ننسى ان دولة باكستان حضنت، بناء على ايعاز من الولايات المتحدة، نشوء حركة طالبان .
أينما ننظر نرى ان حصيلة الإسلام السياسي سلبية.
يصعب اليوم ألا يميل أي إسلام سياسي، إذا ما تسلم السلطة، إلى الاستفراد بالحكم، كما حصل في مصر مع وصول الإخوان إلى السلطة، وكما هو الحال في معظم الدول التي أعلنت إسلاميتها طمعاً بالأموال العربية، واعتمدت عقيدة «الصحوة الإسلامية» التي أتت كردّة فعل على العقيدة الخمينية في إنشاء الجمهورية الإسلامية في إيران. منذ ذلك الحين دخلنا في هذه «المعمعة» في العلاقات بين ايران والعالم العربي.

الإسلام التنويري
◗ ألم تنشأ الحركات الإسلامية كردة فعل على الطغيان والقهر والفساد الذي مارسته أنظمة تدعي العلمانية؟
– إذا نظرنا إلى تاريخ الحركات الإسلامية، مثل الحركة الإسلامية التي تأسست في نهاية السلطنة العثمانية أواخر القرن التاسع عشر بقيادة جمال الدين الافغاني، فاننا نجدها حركة منفتحة على الحداثة وحركة إسلامية ضخمة دخل فيها الأمير شكيب أرسلان وشقيقه عادل، وأحمد فارس الشدياق والعديد من المتنورين. حتى الامام محمد عبده والكواكبي كانا من اتباع جمال الدين الأفغاني. كانت حركة تنويرية عظيمة كسرت الجمود الذي فرضته السلطة العثمانية. اليوم الإسلام السياسي بات موضوعا آخر تماما. فهو يتنكر لكل الحركة التنويرية التي انتشرت من بدايات القرن التاسع عشر في عهد محمد علي إلى آخر عهد عبدالناصر.
بعد ذلك رأينا كيف تمّ تمويل الحركات الإسلامية في كل المجتمعات الإسلامية تقريباً مع تأثير المذهب الوهابي على هذه الحركات. الإسلاميون المصريون في الأربعينات أو الخمسينات كانوا أكثر اعتدالاً من المعتدلين في الحركات الإسلامية اليوم. تغيرت الصورة تماماً منذ الحرب الباردة، حيث راحت الولايات المتحدة تعمل مع حلفائها على نشر الإسلام المتشدد.

المحافظة الجديدة
◗ ولماذا يلتزم العرب بتنفيذ الأجندة الغربية كما تقول، وأين أفلت تلك الحضارة العربية التي كانت ذات يوم؟
– المشكلة الكبيرة في اعتقادي أن عدداً من المثقفين العرب، ومنهم أصدقاء لي ولهم مكانة كبيرة في بلدانهم، وقعوا في فخ نظرية هانتغتون. المفكر المصري الراحل أنور عبدالملك تحدّث عن صراع حضارات قبل هانتغتون، ومثله فعل المفكر الفلسطيني الأميركي إدوار سعيد، فمؤلفه الغني حول الاستشراق يصب في منطق صراع الحضارات. أما الاستعمار فلا يكترث للحضارة، جل ما يهمه الاستيلاء على نقاط جغرافية استراتيجية، وعلى المواد الأولية، وان يؤمّن حماية إسرائيل.
حتى المثقفون العرب الذين كانوا يساريين وتحولوا إلى مدرسة «المحافظين الجدد» على الطريقة الأميركية، ورأوا في الإسلام وفي النظام الإسلامي «مخزون هوياتي» أمام «الهجمة الحضارية الغربية»، وهي في الحقيقة هجمة عسكرية للهيمنة والسيطرة على الشرق الأوسط. هذا هو لب الموضوع والباقي كله إيهام وخيال.

◗ هل تعتقد ان فصل الدين عن الدولة هو الخيار الأنسب؟ ولماذا نجح الأوروبيون في اقامة هذا النظام وفشل العرب؟
– فصل الدين عن الدولة هو خيار مناسب للخروج من أزماتنا، ولكن لا ننسى أن المؤسسة الكنسية التي كانت موجودة في أوروبا، أي كنيسة روما، والتي أسميها أول نظام «ولاية فقيه» ليست موجودة في الدين الإسلامي. بابا روما كان يقوم بدور «الولي الفقيه» على كل السلطات المدنية في أوروبا، ولذا قامت الثورة البروتستانتية وأفرزت عدة كنائس مختلفة، مما حال دون إنشاء اعادة نظام كنسي واحد، وبالتالي فتح الطريق الى فصل الدين عن الدولة في غياب كنيسة واحدة جامعة تدّعي انها وحدها حامية الدين وفارضة بالقوة رؤيتها وشرعيتها.
في الدين الإسلامي مفهوم الكنيسة غير موجود. حتى في إيران رجال الدين لم يسيطروا سيطرة تامة على الحكم. في المجتمعات الإسلامية، الخليفة لم يكن رجل دين وانما رجل تقوى بالنسبة الى الخلفاء الراشدين فقط. كما ان الفقهاء لم يسيطروا على الحكم. في معظم الأحيان كان الحاكم المدني هو من يوجّه الفقهاء. جوهر العلمانية أن تؤمّن الحرية الإنسانية وحرية المعتقد التي تعني حرية التعامل بالنصوص المقدسة. الثورة البروتستانتية قامت لأن الناس رفضوا احتكار تأويل الأناجيل والعهد القديم من قبل الكنيسة، كما أصبحوا يرفضون محاكم التفتيش التي كانت تُدين أهل الهرطقة الدينية وتقوم بتعذيبهم وحرقهم في كثير من الأحيان وحرق العديد من النساء اللواتي كن يُتهمن بممارسة السحر والشعوذة.
ظهرت المسيحية قبل ألفيتين، ونجحت فرنسا في تطبيق فصل الدين عن الدولة بشكل كامل فقط في العام 1905. اذن الأمر ليس بهذه السهولة. الحضارة العربية الإسلامية في قرونها الأولى سمحت بحرية التعامل مع النص الديني وكان هناك عدة مدارس فقهية. يعدّد الأصفهاني في كتابه أكثر من 50 طريقة لتأويل القرآن. حرية الاجتهاد هي أم الحريات، لا يمكن أن نحلم بحرية رأي حقيقية وحرية سياسية في اختيار الحكام اذا لم تؤمَّن حرية الاجتهاد بالنص المقدس. هذا تصور لعلمانية متكيفة مع تاريخ الديانة الإسلامية وتناسب بالتالي الدول التي معظم سكانها من المسلمين، وهي تفتح الطريق لكل الحريات الأخرى.

التصحر والربيع
◗ في كتابك «نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط»، تخلص إلى ان النزاعات التي تعصف بالعالم العربي منذ استقلال كياناته هي صراعات مصالح وهيمنة، وليست صراعات دينية ومذهبية.كيف يتم توظيف الدين في هذه الصراعات؟
ـ في الحقيقة جميع أنواع الصراعات مصدرها دائماً البحث لدى معظم الحكام وأصحاب النفوذ في توسيع دائرة سلطانهم السياسية والجغرافية والاقتصادية، وهذا جزء من الطبيعة الإنسانية، خاصة لدى الشخصيات الطموحة عندما تتسلم مراكز سياسية قيادية. فوضع اليد على مزيد من الأراضي وخيراتها او على طرق المواصلات الاستراتيجية او على الثروات الطبيعية هي دائماً وراء إشعال الحروب والنزاعات. وما أسهل توظيف الدين لإعطاء شرعية الى أعمال القتل والتدمير ووضع اليد على ثروات الآخرين، واستقطاب التأييد الشعبي لهذه الممارسات التي تكون في معظم الأحيان مناقضة للتعاليم الدينية نفسها التي تهدف الى تهذيب الطبيعة الإنسانية وجعلها تتقيّد بمبادئ صارمة في احترام الإنسان الآخر.
أليس من الوصايا العشر التي أعطاها الله لموسى منع قتل الإنسان؟ أوليس الإسلام في أساسه وجوهره دين الرحمة والاعتدال الذي يدين الغلو في الدين، أوليست المسيحية أساساً هي دين السلام وجوهر تعاليمها محبة الإنسان لأخيه الإنسان؟ ومع ذلك فان دولا مسيحية غزت القارتين الاميركتين وقامت بإبادة معظم السكان الأصليين باسم الدين؛ كما نرى اليوم المنظمات المسلحة الإسلامية تمارس العنف الأعمى وتحتل أراضي واسعة في كل من العراق وسوريا، وذلك تحت شعارات دينية، ولا بد ايضا من ذكر سوء توظيف الديانة اليهودية اليوم في الاضطهاد المتواصل للشعب الفلسطيني واستيطان أراضيه؛ كما استيطان الجولان السوري وبعض الأراضي اللبنانية المحاذية واحتلال أراض شاسعة من الدولة اللبنانية، بما فيها عاصمتها بيروت، والضرب الوحشي الذي تحمّله لبنان براً وبحراً وجواً من قبل العدو الصهيوني على مدى 22 سنة (1978 – 2000) ومجدداً عام 2006.
اضف على ذلك الحروب الفتّاكة التي انفجرت في الماضي بين دول مسيحية الطابع والحروب بين كيانات إسلامية مختلفة، ومن أشهرها في عصرنا حرب العراقية – الإيرانية، من دون نسيان الحروب الفتّاكة بين السلطنة العثمانية والمملكة الفارسية ـ الصفوية.
ثورات وانتفاضات

◗ الثورات العربية التي قام بها شبان حداثيون مدنيون في تطلعاتهم ضد الطغيان والفساد، تعسكرت وتأسلمت وأفرزت تكفيريين وجهاديين.. هل السبب في هذا هو التصحر السياسي الذي مهدته الدكتاتوريات طوال 50 سنة؟ وغياب الأحزاب أليس سببه ذلك التصحر؟
ـ بالطبع، كانت انتفاضات علمانية مدنية حداثوية، اعتبرتها موجة عظيمة من استعادة الوعي الجماعي العربي الثوري، لا علاقة له بالدين. ثورة ضد أوضاع اجتماعية وفساد وبطالة فائقة في العالم العربي الذي يشهد أعلى معدلات البطالة من بين الدول الأخرى في العالم رغم ثروته الضخمة.
أقارن هذه الموجة بما حصل بعد تأميم قناة السويس، حين تعاطفت كل الجماهير العربية مع عبدالناصر إبان الهجوم العسكري الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي- البريطاني على مصر، وقد أطلقت حركات ثورية عربية عظيمة من الخليج الى المحيط آنذاك. غير انه توالت بعد ذلك أحداث ساهمت في إجهاض المدّ الثوري العربي كفشل الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961 والضربة العسكرية الإسرائيلية عام 1967 وسياسية الرئيس المصري أنور السادات الذي أعاد حركة الاخوان المسلمين الى النشاط في جميع الميادين، وبشكل خاص الجامعات والنقابات. وفي سوريا اليوم نحو 90 الف مقاتل من عدة جنسيات إسلامية، وهو ما اطلق عليه تسمية الجيش الأممي المتنقل، فبعد أفغانستان ذهب الى البوسنة والشيشان وأماكن أخرى من العالم. تونس وحدها أنقذت نفسها بفضل الحركة النقابية والحركة النسائية.
أما مقولة ان التصحر السياسي مهدت له الدكتاتوريات فهذه سردية نمطية. مصر على سبيل المثال بقيت في زمن الدكتاتورية مركزاً ثقافياً عربياً ممتازاً. سوريا كذلك أنتجت أنواعاً خصبة من الفنون والأدب تحت النظام البعثي. عندما بدأ عهد السادات يعيد الإخوان المسلمين إلى الحياة العامة تراجعت الحركة الثقافية والفنية في مصر وجرى اغتيال مفكرين ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ وتكفير نصر حامد أبو زيد واغتيال فرج فوده. أما سياسياً، فهناك العديد من الأنظمة السياسية العربية الأخرى التي مارست التصحّر السياسي والثقافي في آن معاً.

بإيجاز..
◗ نختم الحوار معك بسؤال حول مصير المنطقة العربية كما تراه؟
ـ بإيجاز، نحن في نفق مظلم طويل، طالما ان لا قدرات عربية ذاتية لنهضة جديدة ولا اتفاق وتعاضد بين الدول العربية لإخراج العالم العربي من الصراعات التي تسببها التدخلات الأجنبية وتدّخل بعض الدول العربية في شؤون دول عربية أخرى.

الإسلام وتفاعل الحضارات
◗ يقول المستشرق برنارد لويس: إن معظم المسلمين ليسوا أصوليين كما أن معظم الأصوليين ليسوا إرهابيين، لكن معظم الإرهابيين في عصرنا مسلمون، ويفخرون بوصف أنفسهم بهذا. ما رأيك؟
– كلام سخيف من مستشرق صهيوني. لسوء الحظ الأكاديميات العربية والإعلام العربي واقعان تحت تأثير المقولات الغربية، على مثال مقولة صموئيل هانتغتون عن صراع الحضارات التي يرددها المثقفون عندنا ونقضتها في كتاباتي.
الحضارات لا تتناحر ولا تتنازع، بل تتفاعل في ما بينها منذ بداية البشرية. اذا عدنا إلى ظروف الرسالة المحمدية والى الحضارة التي أسستها وكان بريقها من أعظم حضارات العالم، لوجدنا أنها كانت تتفاعل مع كل الحضارات الأخرى، الهندية والصينية والبيزنطية والسريانية.
العالم العربي كان منتِجاً للعلوم والفلسفة والشعر بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر الميلادي. عندما نقول ان أساس الهوية العربية هو أساس ديني ننسى ان هذه الهوية العربية عميقة في التاريخ قبل الإسلام وبعد الإسلام، في الشعر والبلاغة وحب اللغة والموسيقى.
الدول الغربية يناسبها ان ينشغل العرب بالدين المتشدد لكي يبتعدوا عن إسرائيل. الشبان العرب حاربوا في أفغانستان ثم توجهوا إلى البوسنة ثم إلى الشيشان، واليوم هم في سوريا ومن كل الجنسيات الإسلامية. «الجهاديون» موجودون في كل مكان في العالم والاهتمام بتحرير فلسطين أصبح هامشياً الى أقصى الدرجات.

المصدر: صحيفة القبس الكويتية

عن مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط مركز بحث وتفكير عربي

شاهد أيضاً

غادي أيزنكوت: حزب الله هو العدو الذي يقلقنا أكثر من أي عدو آخر

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط_ مقابلة حصرية مع رئيس الأركان غادي أيزنكوت_(الحلقة الأولى)_ يوآل زيتون وأطيلا شموفلبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *