الرئيسية / تحقيقات / سمرقند وأسطورة “الحشاشين”

سمرقند وأسطورة “الحشاشين”

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط – بقلم: محمد يسري* — ها هو شهر رمضان الكريم على الأبواب ، ومع اقترابه يستعد صناع الدراما التاريخية العربية للنزول بأعمالهم الجديدة لحلبة السباق، أملين أن تستحوذ تلك الأعمال على رضا وإعجاب المشاهد العربي المتلهف من الخليج إلى المحيط. وكعادة كل عام تكون الإعلانات الترويجية للمسلسلات الرمضانية دليلاً على أن هناك أعمالاً معيّنة سوف تستحوذ على القدر الأكبر من المتابعة والمشاهدة.
مسلسل “سمرقند” هو أحد تلك الاعمال المنتظرة، فبطل المسلسل الممثل السوري عابد فهد المتمرس في الأدوار التاريخية رجع إلى مضماره المفضل هذا العام بعد أن غاب عنه لأعوام عدة قضاها في أداء أدوار الرومانسية والحركة والتشويق. في هذا العام يعود عابد فهد بمسلسل “سمرقند” الذي يبدو من الإعلان الترويجي الخاص به أنه سوف يلفت انتباه جميع المشاهدين بما يحمله من جو غامض مثير وروح شرقية مستمدة من بلاد فارس الساحرة وعبق تراثي يخرج من أقبية القصور وساحات المساجد وشرفات البيوت القديمة.
يتناول المسلسل قصة “الحسن بن الصباح” مؤسس حركة الحشاشين في إيران في نهايات القرن الخامس الهجري، تلك الحركة التي عُرفت واشتهرت بالاغتيالات وتدبير المكائد لأعدائها حتي اشتق من اسمها لفظة “assassins” الغربية التي تعني القاتل المحترف.
الجو الأسطوري الذي أحاط بإبن الصباح وحركته منذ القدم، جعل من تلك الحركة أرضاً خصبة مباحة أمام أقلام المبدعين والمؤلفين والشعراء سواء كانوا من المسلمين أم من غيرهم، ولذلك نجد أن كاتباً غربياً من سلوفينيا مثل فلاديمير بارتول قد ترك كل ما قد يكتب عنه في بلاده وقارته العجوز واختار أن يكتب رواية (ألموت) عن ابن الصباح ، وكذلك قام الكاتب اللبناني العالمي الشهير أمين معلوف بكتابة رائعته “سمرقند” عن نفس الأحداث.
اللافت للنظر أن جميع من تعرضوا لحركة الحشاشين قد تطرقوا لثلاث قصص أسطورية الطابع في تاريخ تلك الحركة، برغم أن تلك القصص الثلاث قد ثبت بالتحقيق التاريخي عدم صوابها وزيفها. إلا أن الرواية الشعبية النمطية قد أقحمتهم في الأحداث التاريخية بشكل لم يعد من الممكن معه أن تروى أحداث قصة الحشاشين من دون أن تذكر معها تلك الأساطير الثلاث.

الأسطورة الأولى: الأصدقاء الثلاثة

واحدة من أشهر القصص، التي ارتبطت بتاريخ الحسن بن الصباح، قد وقعت له فى نيسابور أثناء دراسته، وذلك أن الكثير من المؤرخين والباحثين قد أشاروا إلى أن الحسن قد تعرف في مدرسة نيسابور على اثنين من الدارسين وهما الوزير نظام ملك والشاعر عمر الخيام، وأن الأصدقاء الثلاثة قد أخذوا العهود والمواثيق على بعضهم البعض بأن من يقدر له أن يبزغ نجمه، فإنه لا ينسى صاحبيه وأن يأخذ بأيديهما حتى يعلو شأنهما.
وتكمل تلك القصة بأن نظام الملك بعد أن وصل إلى كرسي الوزارة في الدولة السلجوقية، ساعد عمر الخيام بأن وفر له الأموال، وأنه عرض على الحسن بن الصباح أن يتولى إدارة إحدى ولايات الدولة السلجوقية. ولكن الحسن رفض ذلك العرض وطلب أن يتم إلحاقه للعمل بديوان السلطان ملكشاه. وهناك بدأ فى السعي للتقرب من السلطان والتعريض بالوزير نظام الملك، فاضطر الوزير للعمل على عزله من منصبه خوفاً من الاطاحة به.
ويرى أكثر الباحثين في هذه القصة أنها قصة مختلقة وأسطورية ولم تحدث فعلاً، وذلك لأن مولد نظام الملك كان فى حدود عام 408هـ/1018م وكانت وفاته عام 485ه. أما الخيام فكانت وفاته عام 517هـ، وتوفى الحسن بن الصباح عام 518هـ، ومعنى ذلك أن نظام الملك كان أكبر سناً من عمر الخيام والحسن بن الصباح بدرجة كبيرة، بحيث يكون من المستحيل –تقريباً- أن يتزامن الثلاثة في الدراسة في فترة واحدة.

الأسطورة الثانية :-حيلة ديدو
الباحث في تاريخ حركة الحشيشية سوف يجد أن هناك عدداً من الكتابات المتأخرة والتي ذكرت أن استيلاء الحسن بن الصباح على قلعة “آلموت”، قد حدث عن طريق احتياله على صاحبها بحيلة ماكرة، وهي حيلة “ديدو”. وملخصها أن الحسن قد طلب من حاكم القلعة أن يبيعه مكاناً أو قطعة أرض في القلعة بمقدار سلخ بقرة حتى يتفرغ للعبادة فيها. وبعد موافقة الحاكم، فإن الحسن قام بتقطيع جلد البقرة إلى حبال رفيعة جداً وقام بربطها ببعضها البعض حتى أصبح طويلاً جداً ثم قام بإحاطة القلعة بهذا الحبل ، وطالب حاكم القلعة أن يفي بوعده ويترك القلعة، فرضح حاكم القلعة لطلبه وترك القلعة.
وأعتقد أن تلك القصة – مثل الكثير من القصص المرتبطة بالحسن بن الصباح – هي قصة مختلقة وغير صحيحة على الإطلاق، وذلك لأنه من غير المعقول أن يسلّم حاكم القلعة قلعته بتلك السهولة من دون أن يحاول أن يبطش بخصومه، ولذلك فإنني أعتقد أن تلك القصة قد تم اختلاقها في وقت متأخر بعد قدوم الحملات الصليبية إلى المشرق، فقد عانى الصليبيون كثيراً في مواجهاتهم ضد الإسماعيليين، ولذلك حاولوا أن يُرجعوا استيلاء الحسن على قلعة ألموت إلى الحيلة والمكر والخديعة، لا على عمله وجهده في نشر مذهبه ودعوته وقوة حجته ومنطقة.
كما نلاحظ أن تلك القصة تتشابه إلى درجة التطابق مع قصة بناء قرطاجة في الأساطير الرومانية، وهي القصة التي تروي أن الملكة الفنيقية “ديدو” أو إليسار عندما وصلت إلى تونس فإنها اشترت مساحات واسعة من الأرض بقدر ما يمكن إحاطته بجلد ثور لو قُطع خيوطاً، وشيّدت مملكة قرطاجة على هذه الأرض.

الأسطورة الثالثة :- تدخين الحشيش
رغم كثرة الأسماء التى عُرفت بها الطائفة الإسماعيلية كالباطنية والسبعية والفداوية وغيرها، إلا أن أشهر الأسماء التي عُرفت بها جماعة الإسماعيلية النزارية فى إيران في عهد الحسن بن الصباح وخلفائه كان هو اسم الحشاشون أو الحشيشية، وأصبح ذلك الاسم عاماً على أتباع تلك الحركة على مدار العصور.
ويوجد عدد من الأراء التي تفسّر سبب تسمية إسماعيلية إيران بهذا الاسم، ومن أشهر تلك الأراء أن كلمة حشاشين قد أطلقت على الفدائيين الإسماعيليين فى إيران بسبب أنهم اعتادوا على تناول جرعات من مخدر الحشيش قبل قيامهم بعمليات الاغتيال التي يكلّفهم بها شيخهم. ويعتبر هذا الرأي من أشهر الآراء وأكثرها التصاقاً بإسماعيلية إيران، حتى اصبحت قصة تناول الفدائيين للحشيش قبل تنفيذ عمليات الاغتيال من أكثر القصص المرتبطة بتاريخ الإسماعيلية النزارية.
ولكن هناك عدداً من الأمور التي تجعلنا نشكك في تلك القصة ونعتبرها لإحدى الأساطير التي ارتبطت بابن الصباح وحركته.
أولاً: إن قصة تناول الفدائيين للحشيش لم يرد ذكرها في المصادر الإسلامية، سواء السنّية منها أو الشيعية، بل إن أبو حامد الغزالي، الذي كان من أشد المهاجمين للإسماعيلية، لم يتطرق إلى هذه النقطة مطلقاً، ولم يسمٍّ الإسماعيلية بالحشيشية رغم كونه قد أورد في كتبه العديد من الأسماء التي عُرفوا بها.

ثانياً: إن أول من ذكر قصة تعاطي الإسماعيلية للحشيش هو الرحالة الإيطالي ماركوبولو والقصة التي ذكرها ماركو بولو في مدوّناته تمتلئ بالخرافات والأساطير التي يصعب تصديقها، فهو يروي أن شيخ الجبل في ألموت قد صنع جنة مختلقة ملأها بالأشجار والبساتين، وكان ينقل إليها أتباعه بعد أن يخدّرهم بالحشيش ويجعلهم يرون الفتيات الجميلات اللاتي تم تدريبهن على دور الحور العين، وبعد أن يقنعهم بأنهم كانوا في الجنة، يقوم بتكليفهم بعمليات الاغتيال ويعدهم بالرجوع إلى الجنة جزاء لهم على إخلاصهم ووفائهم.

ثالثاً: إن ذيوع تلك القصة وانتشارها كان عن طريق الصليبين الأوروبين، الذين حاولوا أن يجدوا تفسيرات مرضية لما شاهدوه وسمعوا عنه عن طاعة الفدائيين لشيخهم بلا تردد إلى درجة أن يضحوا في سبيل ذلك بأرواحهم وأنفسهم، خصوصاً وأن الإسماعيليين قد قاموا باغتيال عدد كبير من الأمراء والقادة الصليبيبن مما جعلهم يحاولون أن يشوّهوا صورتهم .

رابعاً: إن تعاطى الحشيش قبل تنفيذ العمليات الفدائية يتعارض مع ما اتصف به الفدائيون من فطنة وكياسة ودقة وثبات وإقدام، وكذلك فإن هذا الأمر يتعارض مع ما اتصف وعُرف به الحسن بن الصباح من شدة وتطبيق صارم لأوامر الدين والشريعة، تلك الشدة التي جعلته يقوم بقتل ولديه لما ارتكبا من جرائم والتي حدت به لمنع شرب الخمر نهائياً داخل قلعة ألموت.
وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن القصص الأوروبية التي حاولت أن تبرز الفدائيين الإسماعيليين يقومون بعمليات الاغتيال تحت تأثير الحشيش ورغبة في دخول الجنة لما فيها من الحدائق والبساتين والخمر والحور العين – هي قصص تقدم صورة للجنة مخالفة ومنافية لصورة الجنة التي توجد في عقلية الفرد النزاري الإسماعيلي، لأن الجنة عند الإسماعيلية تختلف بشكل كبير عن الجنة الوارد ذكرها ووصفها في ظاهر القرآن والحديث النبوي.
وبناء على تلك الأسباب السابقة، فإننا نرى أن قصة تعاطي الفدائيين الإسماعيليين للحشيش هي – في أغلب الظن- قصة مختلقة وخرافية، وتم وضعها بواسطة العقلية الصليبية الغربية، وتم نشرها بواسطة الأوروبيين بالإضافة إلى أعداء الإسماعيلية النزارية من الجانب السنّي لتشويه صورة الحسن بن الصباح وحركته.

فهل يستطيع صناع مسلسل سمرقند أن يتخلصوا في عملهم من قيود وأسر تلك الأساطير التي أضحت بمثابة قوالب محفوظة ثابتة يتبعها كل من يتعرض لموضوع الحسن بن الصباح وحركته أم هل تراهم يقعون فيما وقع فيه سابقوهم وهو ما يبدو من خلال العرض التقديمي للمسلسل؟

*محمد يسري كاتب وباحث مصري.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

مصادر إسرائيلية: إقالة تيلرسون لحسم سياسات ترامب إزاء كوريا الشمالية وإيران

قالت مصادر سياسية إسرائيلية رفيعة أمس (الثلاثاء) إن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعيين رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *