الرئيسية / مقالات / “عرض النصر” في موسكو.. عامل ردع أم دليل مواجهة؟

“عرض النصر” في موسكو.. عامل ردع أم دليل مواجهة؟

Russian-Show3

خاص “شجون عربية” – موسكو – بقلم: د. أريج محمد — قد لا يكون منظراً محبوباً إلا لأصحابه، أمر يكاد لا يخفى عن الروس، فهم أكثر الناس به دراية. هكذا، وعلى مدى عقود متصلة، ينتظم آلاف الجنود وعشرات الآليات العسكرية وأسراب الطيران في الساحة الحمراء وسط العاصمة موسكو ضمن إطار تقليد سنوي يعرف بعرض “عيد النصر”. تقليد سيظل معناه مبهماً بالنسبة لذوي وجهات التاريخ “الأخرى”، حيث من ترقب فماطل بينما كانت دماء الجنود السوفييت تروي ألوف الأميال البعيدة عن أوطانهم. وهي أراضٍ خسرت روسيا ما بعد الاشتراكية نفوذها في أغلبها، لقاء رهانات وسمت علاقات “حقبة جديدة” مع الغرب، إذ تبين لاحقاً أنها لم تأتِ إلا على المصالح الوطنية الروسية.

ولما وجدت روسيا على امتداد مساحات شاسعة، لم تكن أراضي فحسب، بل ومكمن الموارد والثروات على أنواعها، الباطنية منها والنباتية والحيوانية، فقد أُنيط بها صونها وإلا فتحمّل تبعات عدم حمايتها بدرجة كافية. فما الضير إذن أن يكون تقليد “عرض النصر” قد نشأ وترعرع في كنف نظام سياسي شمولي، لاسيّما أنه كان كفيلاً بلمّ شمل ما شكّل سدس مساحة العالم تقريباً، وحشد مختلف الطاقات على كافة الصعد، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في سنوات قلائل، أمور لطالما فشلت ديموقراطية روسيا الوليدة بإرسائها على مدى عقدين ونصف عقب تفكك الاتحاد السوفييتي.

ولا يمكن لعيد النصر في روسيا إلا أن يكون حدثاً كبيراً، فما من عائلة فيها إلا وفقدت عزيزاً لها، على الأقل، إبان فترة الحرب الوطنية العظمى في خضم الحرب العالمية الثانية. من هنا، فالنصر وسام فخر لكل منها، وهو الألم والأمل المشترك اللذان يوحدان المواطنين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم. حقيقة باتت تتكرس في السنوات الأخيرة مع رواج فعالية أخرى ذات صلة معروفة باسم “الفوج الخالد”. حيث أفواج المشاركين تسير رافعة صور ذويهم من المشاركين في الحرب، أسوة بمسيرة الآباء تلبية لنداء الوطن.

على ذلك، فلا يبقى لمن يجهل وقع تلك الأيام في نفوس الروس، إلا أن يحوّل التقليد إلى مقياس للمليارات المصروفة على العتاد والتسليح، بحسب صحيفة الواشنطن بوست، مقابل تنويه بسيط بأثمان النصر بالنسبة لموسكو مركزاً للاتحاد السوفييتي، خصوصاً وأنها لم تكن محمية من ويلات الحرب بالمحيطات أو البحار كما كانت حليفتها واشنطن.
وهنا يأتي أيضاً تشبيه العرض العسكري بمهرجان يفيض نوستالجيا وحنيناً إلى فترة القبضة الحديدية بحسب صحيفة النيويورك تايمز. توصيف، قد يعيد إلى أذهان البعض أحداث بودابست عام 1956 وبراغ عام 1968، وليس تحرير المدينتين من النازيين. أمر لربما يفتح الباب على مقاربة أخرى حيال البديل عن تلك الأحداث في تلك الفترة. أهو تحوّل دول المعسكر الاشتراكي إلى الطرف الآخر منذ ذلك الحين، أو ربما تقريب تناقضات اليوم حول “الدرع الصاروخية”؟!
أياً يكن، فقد كان الاتحاد السوفييتي من حمل النصر عام 1945 على أكتاف ما يزيد على الثلاثين مليوناً، حقيقة ستبقي، وفق متابعين، بلدان أوروبا الشرقية ساحة للتنازع الجيوسياسي في حال عدم تحييدها العسكري، طالما أن أحد أطراف التنازع صاحب النصر الفعلي.

Russian-Show5

ويقرأ مراقبون في عرض الساحة الحمراء الرد الروسي الصريح بصراحة على التحولّات والتهديدات القائمة، وبينها على سبيل المثال لا الحصر: “الدرع الصاروخية” والإرهاب. أولئك يرون وسائل ذاك الرد بدءاً بعربات “تيغر” المصفحة، ومنظومات “يارس” الصاروخية العابرة للقارات، ومنصات “بوك إم-2″ و”بانتسير إس1” المضادة للطائرات والأهداف الجوية، ودبابات “أرماتا” التي لا مثيل لها في العالم، وعربات المشاة القتالية “كورغانيتس”، ومنظومات “كوآليتسيا” المدفعية ذاتية الحركة وغير ذلك.
وبينما يبدو التحاق واشنطن المتأخر بركب السوفييت، وذلك بعد ترجيح انتصارهم في الحرب فقط للبعض عاملاً ثانوياً يجوز إسقاطه، فإن لمن المستغرب أن يثير حفيظتهم “تبذير” موسكو على طريق تطوير آلياتها الحربية، (قناة البي بي سي)، برغم إنفاق البنتاغون الأمريكي أضعافاً مضاعفة في سبيل حروب يديرها من ليبيا إلى أفغانستان.
وبرغم تعلق البعض بفكرة أن استعراض النصر في موسكو ليس إلا بروبوغاندا للنظام السياسي السائد في البلاد، يمضي ركب النصر المهيب غير آبه بما يقال عاماً بعد آخر، فيسطّر خصوصية بلد لن يكون كغيره مهما حاول الآخرون تطويعه. كذلك هي روسيا، التي لم ولن تدخر جهداً لدفع مخاطر حروب بمآسيها وأطماعها عن نفسها أولاً، ثم سواها.

*د. أريج محمد إعلامية ومراسلة سورية مقيمة في موسكو.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

سحر صادق عبد الحسين/ عضو مركز الدراسات الأوربية العربية /باريس

سحر صادق عبد الحسين عضو مركز الدراسات الأوربية العربية /باريس الم من دون حلف صهيو-امريكي-وهابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *