الرئيسية / مقالات / السلفيون والآخر.. قراءة في التجربة اللبنانية

السلفيون والآخر.. قراءة في التجربة اللبنانية

بقلم: د. محمد علّوش* — ضمن سلسلة الدراسات الحضارية أصدر مركز الحضاره لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت كتاباً جديداً بعنوان “السلفية والسلفيون..الهويه والمغايرة” من تأليف الدكتور عبد الغني عماد الذي يُعرف بعددٍ من الدراسات حول الظاهرة الإسلامية لا سيما السلفية منها. فالمؤلّف عميد سابق لمعهد العلوم الاجتماعيه في الجامعه اللبنانية. سبق له أن ألّف عدداً من الكتب منها:”حاكمية الله وسلطان الفقيه، 1997″. “الحركات الإسلامية في لبنان 2006”. كما أشرف على “موسوعة الحركات الإسلاميه في الوطن العربي، 2013″، الصادرة عن مركز “دراسات الوحده العربية”.
في كتابه الجديد هَدَفَ المؤلّف الى تقديم ملفّ توثيقيّ متكامل في دراسة التيّارات السلفية في لبنان، مستفيداً من تقنيات علم الاجتماع السياسي في تحليل الظاهرة وفهمها، آملاً التنبّؤ بمساراتها المستقبلية باتجاه اللبنَنَة عبر مقاربة منهجية تتحرّى الموضوعية.
وبما أن التيارات السلفية في لبنان لم تحظَ بالدراسة الجادّة الموثّقة، وغالباً ما تعرّضت بأشكالها المختلفة للاتهام من دون تدقيق أو للنقد الذي يصل حدود التجريح أو المدح الذي يمتطي الإفراط العاطفي، فقد حاول المؤلّف سلوك طريق مغاير في تناول الظاهرة التي لم تخضع –على الأقل لبنانياً- للتحليل العلمي والأكاديمي الذي يعرض ويحلّل وينقد بشكلٍ موضوعي، لا سيما وأن السلفيّات اللبنانية تمارس تجربتها التنظيمية والسياسية في حقلٍ شديد التنوع على المستويين الطائفي والمذهبي من دون الاستناد إلى تجارب سابقه تستفيد منها.
رأى الكاتب أن دراسة الظاهرة لبنانياً تجربة تستحق العناء والتأمّل خاصة أن آفاقها لا تزال مفتوحة، ولا يمكن التنبّؤ بسهولة في مساراتها، لذا فقد اعتمد في دراسته عدداً من المناهج البحثية مثل تقنية تحليل المحتوى، وتحليل الخلفية الفكرية والعقدية لهذه التيّارات، وصولاً الى تقنية الملاحظة بالمشاركة التي عايش فيها الباحث أنشطة بعض هذه الجماعات عن قرب الأمر الذي مكّنه من الاطّلاع على مواقفهم وطرق تفكيرهم وتعبيرهم عن معتقداتهم.
ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن السلفية تحاول الحفاظ على “نقاء الدين” وطهارته وتنقيته من البِدَع والمُحدثات. فالسلفية باعتبارها تعريفاً للذات وتوصيفاً للهوية تحاول تشكيل آلية دفاعية في مواجهه العولمة وتحديات الحداثة والتغريب بما يمليه ذلك من منظومة قِيمَ وسلوكيات تقتحم المجتمعات التقليدية. ولمواجهة أزمة الهوية المُهدّدة تجد السلفية نفسها تنقاد نحو “التمركز حول الذات” تلك النزعة التي تُعرف في علم الاجتماع بالتماهي بين الذات كهوية حضارية والعالم. واعتبار نفسها مجموعة مرجعية الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
ولاختبار فرضيته التي انطلق منها حاول المؤلّف سَبر الأغوار المعرفية والتاريخية للحال السلفية وتفرعاتها وانشطارها إلى سلفيات مُتعدّدة قبل أن يُسقطها على الحال اللبنانية محاولاً معرفة حجم التماثل الفكري والتنظيمي بين الحال السلفية خارج لبنان ونظيرتها اللبنانية.
وقد جاء الكتاب في 335 صفحة، موزّعة على مقدمة وبابين، مستنداً في دراسته على أزيد من 57 مرجعاً، فضلاً عن عشرات المواقع والمنتديات الجهادية.
في مقدمة الكتاب حاول المؤلّف تقديم تعريف علمي للسلفية ، موضوع الدراسة، محاولاً الإجابة على سؤال: ما هي السلفية؟ فإذا به يجد أنها ليست ظاهرة ثقافوية محضة بقدر ما هي مشروع يقدّم أجوبة على تحديات الواقع المعاصر على الرغم من استنادها إلى مرجعية أحادية البُعد تنهل من الموروث التاريخي والفقهي الإسلامي لتنشئ منظومة خاصة بها.
جاء الباب الأول من الكتاب تحت عنوان ” السلفية والسلفيون: تشعّب الدعوة وبروز التحدّيات”، مقسماً على سبعة فصول تناول فيه المؤلّف الأبعاد المعرفية والتاريخية للسلفية، مفصّلاً الحديث عن الفروقات الفكرية بين المدارس السلفية المعروفة حديثاً مثل “السلفية العلمية أو الألبانية”، “السلفية الحركية أو السرورية”، “السلفية الجامية”، و”السلفية الجهادية”.
حاول المؤلّف أن يبرز أدق خصائص كلّ مدرسة من المدارس آنفة الذكر إلا أن عمله جاء سريعاً خاطفاً على أغلبها ما عدا “السلفية الجهادية” التي فصّل الحديث بشأنها لا سيما الصراع الذي نشأ بين تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية(داعش).
وقد ختم الباب الأول بفصل عنوانه “إشكالية المنهج السلفي بين التاريخ والنص والعقيدة”، توصّل فيه الباحث الى أن السلفية وإن كان لا يمكن النظر اليها كردّة فعل على واقع مأزوم، فإنها تبدو غير متكيّفة مع عصرها بما يكفي وهي في موقفها تجاه “الآخر” إقصائية إطلاقية وغير متسامحة عموماً. فهي تقوم على ثنائية الفسطاطين: الحق والباطل، الخير والشّر، الصواب والخطأ. وتستند إلى محورية مفهوم “الفرقة الناجية” ومنهجية “الجرح والتعديل” حيث لا مكان للنسبية في التنوّع والتعددّية في قياس العلاقة مع الآخر. وهي تنطلق من قاعدة الاختلاف والخصومة وتسعى إلى تنميط الآخرين على أساس التبيان وليس على أساس التعارف والتعاون.
واذا كان الباب الأول جاء متحدّثاً عن الأبعاد المعرفية والتاريخية للمدارس السلفية، فإن الباب الثاني من الكتاب الذي جاء تحت عنوان “السلفية والسلفيون إشكالية العبور من الدعوة إلى سياسة.. لبنان نموذجاً”، حاول أن يكون أكثر تخصّصاً في تناول النموذج اللبناني، وكيف تطوّرت في سياقاته التاريخية المدارس السلفية اللبنانية.
عبر تسعة فصول في الباب الثاني، حاول الكتاب مقاربة الحال السلفية في عبورها إلى السياسة، مبتدأ الفصل الأول في الحديث عن نشأة السلفية اللبنانية وخصوصية المجتمع الذي نشأت فيه وكيف تفرّعت الظاهرة إلى سلفيات مُتعدّدة بعيداً عن روح المؤسّس. وخاتماً بالفصل التاسع الذي خصّصه المؤلّف للحديث عن محاولات التوحّد والتوحيد بين القوى السلفية في إطار عمل جبهوي أو تنظيمي سياسي.
نجح الكاتب باعتماده أسلوباً رشيقاً في الكتابة، مستعملاً لغة علمية سهلة ومبسّطة. كما نجح في الفصل بين ذاته والموضوع الذي يطرقه ، لذا خلا البحث من الأحكام المُسبقة أو الإسقاطات الأوليّة. تُضاف إلى ذلك قيمة أخرى وهي أن الكاتب ينحدر من مدينة طرابلس التي تُعبتر مهد الظواهر الإسلاموية على اختلاف تيّاراتها. وعندما يكتب فهو يكتب عن تجربة يعايشها عن قُرب بشكلٍ يومي.
مما يؤخذ على الكتاب أنه ركّز على البُعد السوسولوجي في دراسة السلفية من دون أن يمنح الجانب الإيديولوجي الحيّز الذي يستحقه خاصة أن الإيديولوجيا تعمل جنباً إلى جنب مع الأوضاع الاجتماعية والسياسية والإقتصادية. ولا يمكن للإيديولوجيا أن تكون لها هذه السطوة في عقول حامليها ما لم يكن لها هامش استقلالي ملحوظ عن الحوافز الماديّة التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، لا سيما وأن الكاتب يؤكّد أن البحث في القضايا التي لا تزال قيد التشكّل يُعدّ من أصعب الأبحاث في علم الاجتماع السياسي خاصة اذا ما كانت في حقل شديد التنوّع وكثير التغيّر في مُعطياته كما هو حال السلفية التي شهدت خلال العقود الماضية تغييرات بنيوية في منظومتها العقدية لم تكن بمنأى عنها على مستوى الحركة والانتظام.
وانطلاقاً من النقطة الأخيرة ننصح المؤلّف بإعداد مُلحقٍ صغيرٍ لتعميق المعلومات المُرتبطة بالفصل السادس الذي تناول كتائب عبد الله عزّام . فالوثائق التي أفرجت عنها الكتائب عام 2016 عبر مركز نخبة الفكر، والتي هي عبارة عن مراسلات جرت عام 2011 بين أمير الكتائب ماجد الماجد وعطية الله الليبي الرجل الثالث في تنظيم القاعدة توضح الكثير عن طبيعة الكتائب وارتباطها بالقاعدة وتاريخ نشأتها في لبنان والأهداف التي كانت ترسمها للعمل هنا.
وقد أجاد الكاتب في رسم الخطوط الفاصلة بين تيّار سلفي وآخر. وكان يقتضي البحث أن يُكمل الحديث في ما هو أكثر وضوحاً لجهة الهويّة والمغايرة التي وصلت حتى عقر السلفية الجهادية نفسها. فمع الانقسام الذي طال السلفية الجهادية ببروز انشقاق جبهة النصرة عن تنظيم الدولة. وصل مفهوم الهويّة والمغايرة غاية شوطه حين أضاف تنظيم الدولة حمولات إضافية على النصّ المؤسّس للأطروحة الجهادية ما جعل النص يئن تحت عبء هذه الحمولات. فالقاعدة استحالت مع المحدّدات الجديدة “صحوات مرتدين” بل “يهود الجهاد” كما يسمّيها منظرو تنظيم الدولة في حين كان النقاش سابقاً يدور في إطار التمايز بين خوارج من ناحية ومرجئة من ناحية أخرى.

*باحث في الحركات الإسلامية. يحضّر حاليا أطروحة دكتوراة في أصول التربية بعنوان: التربية السياسية ودورها في تنمية الوعي السياسي عند طلبة الجامعات. من مؤلفاته المنشورة: داعش وأخواتها. التيارات السلفية: الأفكار والتنظيمات.
المصدر: الميادين

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نهوض أمم من تحت الركام/ عبد العزيز بدر القطان- الكويت

عبد العزيز بدر القطان  كاتب وحقوقي كويتي ان الزيارة لرئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *