الرئيسية / مقالات / قيادة الأمة بين الشرعيتين الدستورية والثورية: العراق نموذجاً

قيادة الأمة بين الشرعيتين الدستورية والثورية: العراق نموذجاً

خاص “شجون عربية” — بقلم: أسـعـد تـركـي سـواري* — إختلف الفلاسفة والمفكرون حول مصادر شرعية الحكم السياسي ، فمنهم من يرى إقتصار الشرعية على الإرادة الإلهيّة ، ومنهم من يعتقد بشرعية الإرادة الإنسانية ، ومنهم مَنْ يرى بأنّ الشرعية تتجسد من خلال التزاوج ما بين الإرادتين الإلهية والبشرية في مساحات متباينة ومحددة تضمن مواكبة تطوّر الحياة المعاصرة للمجتمع الإنساني مع الإستنارة بقيم السماء.

ولذلك تباينت مصادر الشرعية بحسب تباين الآيديولوجيات والمرتكزات الفكرية والعقائدية التي تعتنقها القوى السياسية الحاكمة والمعارضة ، ولكنها إجمالاً تتراوح ما بين الشرعية الإلهية والشرعية الإنسانية ، وقد تتوافق الشرعيتان الإلهية والإنسانية من خلال الأهداف الرامية إلى تولّي مسؤولية الحكم السياسي من حيث تحقيق الحرية والعدالة الإنسانية والأمن الإجتماعي والإستقرار السياسي والإزدهار الحضاري بما يكفل السعادة البشرية ، ولكن الإفتراق ما بين الشرعيتين يكمن في آليات ومناهج تحقيق تلك الأهداف.

القيادة ما بين الشرعية والمشروعية:

يتجسد مِلاك الشرعية بالدستور والمنظومة القانونية التي يرتكز عليها الحكم السياسي ، فيما يتمثَّلُ مِلاك المشروعية برضا الجماهير والتأييد الشعبي العام ، وبذلك يمكن أنْ نرى أربعة صور للحكم السياسي بلحاظ الشرعية والمشروعية، وهي:

1 – سلطة شرعية ومشروعة ، بمعنى إرتكازها على سند قانوني وحيازتها للتأييد الشعبي العام .

2 – سلطة شرعية وغير مشروعة ، بمعنى إستنادها على مرتكز قانوني ولكنها فاقدة لرضا غالبية الجماهير .

3 – سلطة غير شرعية ولكنها مشروعة ، وتتجسد عندما تتولّى القيادة في ثورة شعبية مسؤولية الحكم السياسي بعد الإطاحة بالنظام السابق وقبل التوافق والتباني على دستور ينظم العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم وما بين السلطات العامة .

4 – سلطة غير شرعية وغير مشروعة ، ويتمثل ذلك في حالة الإنقلاب على نظام الحكم من دون حيازة التأييد الشعبي العام وقبل الشروع بكتابة دستور جديد يمثّل آيديولوجية الحكام الجدد .

ولكنَّ ذلك لا يعني بالضرورة بأنَّ مفهوم المشروعية لا يمتُّ بصلة لكل ما يرتبط بالدساتير والأنظمة القانونية ، بل أنَّ المشروعية تمتلك سنداً قانونياَ مستمدٌّ من الحقوق الطبيعية لأفراد المجتمع الإنساني الذي أعلنته جملة من المواثيق والإعلانات الأممية ، كما في العهد الأعظم ( الماكنكارتا ) لعام 1215 م المسمى بالميثاق الأعظم للحريات الأساسية ، والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 م والذي كان مناراً لكل الدساتير اللاحقة بعد قيام الدولة الحديثة ، فضلاُ عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 م .

الشرعية الثورية وفقدان المشروعيَّة :

تقترن الشرعية الثورية بفقدان مشروعية النظام السياسي الحاكم بعد خسارته للتأييد الشعبي العام ، ويتحقَّق ذلك عند تزايد الفجوة مابين الحاكم والمحكوم فيعيش النظام حالة الإغتراب السياسي ، حيث ينشأ السخط الشعبي وتتزايد نقمة الجماهير في حالتين ، هما :

1 – مخالفة القابضين على السلطات العامة للدستور والأنظمة القانونية .

2 – عجز الدستور والأنظمة القانونية ذاتها عن تلبية متطلبات الحياة المعاصرة للمجتمع الإنساني وعدم القدرة على مواكبة طموحات الأجيال المتجددة للمجتمع ، مع أنَّ ذلك الدستور ومنظموته القانونية قد يكون مقبولاً في مرحلة معينة تتناسب مع ظروف نشأته الطارئة بحكم كتابته العاجلة حذراً من عودة النظام الذي تم الإطاحة به حينذاك ، كما أن من يكتبه عادة غير المتخصصين الذين يسبغون عليه آيديولوجيات الحكام الجدد من دون النظر إلى المصالح الإستراتيجية للمجتمع بل وحتى المصالح الإستراتيجية النظام الجديد .
وبذاك يتضح بأن فقدان النظام السياسي لمشروعيته سيكسب الحراك الشعبي والهيجان والغضب الجماهيري صفة الشرعية الثورية وفقا لمبدأ الجماهير مصدر السلطات .

العراق ما بين الشرعية الدستورية والشرعية الثورية /

عاش العراق الجديد تجربة مخاض التحوّل الديمقراطي في عام 2003 م ، ولكنه ولظروف وملابسات عملية التحول ، ولعوامل ذاتية وموضوعية ، ومؤثرات داخلية وخارجية ، بقي يعاني من أزمات سياسية وأمنية وإقتصادية متلاحقة ، ويقف العراق اليوم أمام مفترق طرق في ظل الحراك الشعبي والسياسي الحالي ، حيث هنالك إتجاهان أساسيان أمامه وهما :

أولاً / إتجاه الشرعية الدستورية : والخيارت المتاحة له في هذا الإتجاه كما يلي :

1 – تغيير جزئي للوزراء مع الإبقاء على رئيس مجلس الوزراء .

2 – تغيير شامل لجميع الوزراء مع الإبقاء على رئيس مجلس الوزراء .

3 – تغيير شامل لجميع الوزراء مع رئيس مجلس الوزراء وإعادة هيكلة التحالفات داخل قبة البرلمان لتشكيل حكومة جديدة ، وتحت هذا الخيار هنالك ثلاثة خيارات فرعية هي :

آ – تشكيل حكومة أغلبية سياسية صرفة ، من دون النظر إلى توازن أو تمثيل المكونات الإجتماعية في الحكومة .

ب – تشكيل حكومة أغلبية سياسية مع تمثيل المكونات الأساسية للمجتمع وفقاً لوزنها الجماهيري الواقعي المتجسد بصيغة العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية لكل مكوّن إجتماعي .

ج – تشكيل حكومة أغلبية سياسية مع تمثيل رمزي للمكوّنات الإجتماعية من دون النظر إلى حجم تمثيل هذه المكوّنات ، ولا النظر إلى مستوى الوزن الجماهيري الواقعي لممثلي هذه المكونات الذين يشتركون في الحكومة .

4 – إجراء إنتخابات برلمانية مبكرة لتحكيم الإرادة الشعبية وتجديد الثقة بنوابه في محاولة لمعرفة الوزن الجماهيري للكتل السياسية التي سينتج عنها خارطة تحالفات سياسية و برلمانية جديدة فتنبثق منها حكومة جديدة .

ثانياً / إتجاه الشرعية الثورية :

. ومسوّغ هذا الخيار هو أنّ معالجة الأزمة الإقتصادية الحالية والأزمات السياسية والأمنية المتوالية ناشئة من وجود خلل في بنية النظام السياسي وآليات صنع القرار السياسي وتنفيذه ، ولا يمكن معالجة هذه الأزمات بإستبدال القابضين على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بآخرين أكفأ منهم ، لا سيما أنّ من يتحدث عن حكومة التكنوقراط المنشودة كمعالجة للأزمة قد لا يفقه بأن التكنوقراط إذا كان بلحاظ التخصّص الفني والذي يعني ، على سبيل المثال ، ضرورة أنْ يكون وزير الصحة طبيباً ووزير الإسكان مهندساً فهذا منهج قد عفا عليه الزمن ، فقد يكون طبيبا ومهندسا بارعاً ولكنه لا يستطيع إدارة محاضرة لعدد محدود من الطلبة فضلاً عن ندوة فضلاً عن وزارة ، والمدرسة الحديثة لإدارة الدول هو أن يكون الوزير متخصّص في علم وفن الإدارة والتخطيط الإستراتيجي ويستعين بمتخصّصين من سنخ تخصّص وزارته ،
أما إذا كان التكنوقراط بلحاظ الإستقلال السياسي وعدم التحزّب فهذا لا يمكن تحقيقه في النظام السياسي البرلماني لأنه يجب حكماً ولادة الحكومة من رحم البرلمان الممثل للجماهير وإلا سيكون وجود البرلمان سالب بإنتفاء الموضوع وبالتالي يجب حكماً تحوّل النظام السياسي من البرلماني إلى الرئاسي لاسيّما بعد أنْ خاض الشعب العراقي تجربة النظام البرلماني وعبَّرت مكوّنات المجتمع العراقي عن مخاوفها التي ترافق عادة كل عملية تحوّل ديمقراطي للحفاظ على هويتها الثقافية وأمنها ومكتسباتها في توزيع السلطة من خلال ممثلي هذه المكونات ، الأمر الذي يتوجب فيه خيار الشرعية الثورية من خلال تشكيل لجنة تأسيسية تمثّل الشرائح الأساسية للمجتمع لكتابة دستور جديد يعرض للإستفتاء الشعبي العام بعد تنوير المجتمع بكافة مضامينه وبنوده ، لأنَّ تغيير النظام السياسي يصعب تحقيقه بتعديل دستوري لوجود حق النقض ( الفيتو ) لثلثي ثلاث محافظات ، مع أنه قد إعتادت القوى السياسية لا سيما بعد الثورة الفرنسية بضرورة وجود مادة لتعديل الدستور لمواكبة التطوّر الإجتماعي ولكي لا تثور الجماهير على الدساتير ، لأنه عادة تُكتب الدساتير من دون تروّي بحكم حالة الهيجان الثوري ومخاوف عودة النظام القديم بعد الثورات والإنقلابات ومن قبل غير المتخصّصين وتسبغ عليها آيديولوجيات الثوّار الجدد بقطع النظر عن المصالح الإستراتيجية العليا للشعوب ،

وفي خيار الشرعية الثورية لكتابة دستور جديد يمكن تحقيق ما يلي :

1 – إعتماد النظام السياسي الرئاسي ، والذي يعني إنتخاب رئيس الدولة بشكل مباشر من قبل الجماهير وهو المسؤول الوحيد أمام الجماهير عن تشكيل الحكومة لمدة سنتين قابلة للتجديد ولثلاث فترات متوالية فقط ، لتجنّب مخاطر الدكتاتورية التي يتوجّس منها البعض في النظام الرئاسي .

2 – تحديد فلسفة السياسة الإقتصادية وتعيين هويَّة الإقتصاد العراقي ، من خلال تبنّي النظرية الإقتصادية الإسلامية أو النظرية الرأسمالية بإعتماد إقتصاد السوق الحر، أو النظرية الإشتراكية ، أو نظرية جديدة تأخذ بمناقب النظريات السابقة وتتجنب مثالبها ، بما يناسب الواقع العراقي .

3 – إعتماد نظام اللامركزية الإدارية لإدارة المحافظات بحيث يتم إنتخاب المحافظ بشكل مباشر من قبل جماهير كل محافظة وهو المسؤول الوحيد عن تشكيل الحكومة المحلية لكل محافظة ، لمدة سنتين قابلة للتجديد لثلاث فترات متوالية فقط ، محاكاة للحكومة الإتحادية .

4 – إعتماد نظام إنتخابي يُنتج التمثيل الواقعي للشارع العراقي ، ويحدّ من سلطة رؤساء الكتل والأحزاب ويضع النواّب أمام مسؤولياتهم تجاه ناخبيهم ، وذلك يمكن تحقيقه بتظام الإنتخاب الفردي والدوائر المتعددة في كل محافظة .

5 – تشكيل مفوضية إنتخابات مستقّلة ومرتبطة بالقضاء وغير خاضعة لمحاصصة القوى السياسية .

6- إلغاء جميع مجالس المحافظات والأقضية والنواحي ، وإناطة الدور الرقابي التي تمارسه بدائرة المفتش العام في كل محافظة وفي كل وزراة ، وتكون تابعة للبرلمان الإتحادي .

7 – الإبقاء على الوزارات الإتحادية الاساسية وتخويل الحكومات المحلية بصلاحيات الوزارات المتبقية .

إن الشعوب والأمم تمرّ بلحظات فنيَّة تأريخية يصعب تكرارها وينبغي إستثمار الزخم الجماهيري الساخط لترشيده وتنضيجه بما يؤسس لواقع جديد يستثمر فيه التجارب السابقة لجميع الشعوب والأنظمة بما يحقق طموحات أفراد المجتمع ،

أسأل الله تعالى السداد والتوفيق لكل القائمين على عملية التحوّل في الأنظمة السياسية الجديدة لأمتنا العربية والإسلامية ، والحمد لله ربِّ العالمين .

*باحث سياسي واستراتيجي

الباحث أسعد تركي سواري
الباحث أسعد تركي سواري

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

الأسد.. أعدّ وَحْلَ الشمال الساخن جيّداً!!!.. / خالد العبود – عضو مجلس الشعب السوري

خالد العبود / دمشق عضو مجلس الشعب السوري -ما لم يعلمه الكثيرون عن جوهر الحرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *