الرئيسية / مقالات / إخفاقات أوروبا الأمنية: غياب التنسيق وحقوق الإنسان و«داعش»!

إخفاقات أوروبا الأمنية: غياب التنسيق وحقوق الإنسان و«داعش»!

بقلم: حمزة جمّول — لم يكن خافياَ على القادة الأمنيين في الاتحاد الأوروبي أن موجة الإرهاب التي تطال جيرانهم على الضفة الجنوبية للمتوسط سيكون لها أثر مباشر على أمنهم القومي. ساهمت عوامل عدة في تعزيز هذه النظرية٬ خصوصاً عامل الترابط الجغرافي وسقوط الحدود أمام الإرهاب، فضلاً عن التطور في تكنولوجيا الاتصال وعودة المئات من الإرهابيين الأوروبيين إلى بلادهم وتنامي الثغرات الأمنية في أوروبا.
برز النقاش في الأروقة الأوروبية حول مدى فعالية الأجهزة الأمنية التي فشلت في منع وقوع عمليات إرهابية٬ خصوصاً في باريس في تشرين الثاني 2015 وبروكسل في آذار 2016. يدفع هذا الأمر إلى البحث عن أسباب الخلل في المنظومة الأمنية الأوروبية٬ من خلال عرض ومناقشة التساؤلات التالية: هل يرتبط هذا الخلل بأزمة ثقة بين الأجهزة الأمنية التابعة لدول الاتحاد، أم أن تنظيم «داعش» الإرهابي أصبح بالفعل قوياً في أوروبا؟
يعاني الاتحاد الاوروبي من أزمة قديمة متجددة تتمثل في انعدام التعاون والتنسيق بين أجهزة الاستخبارات٬ ووجود كمّ هائل من القوانين تحمي الخصوصية الشخصية وتكبّل أيادي الجهات الأمنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن المكتب الأوروبي لمكافحة الإرهاب الذي أُسس بعد هجمات مدريد في العام 2004 لا يتمتع بصلاحيات فعّالة في مجال مكافحة الإرهاب٬ ولا تصل ميزانيته المتواضعة إلى مصاف التحديات المفترض مواجهتها. كما أن وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول» لا تتمتع بصلاحية إجراء تحقيقات ميدانية ولا تتجاوز ميزانيتها 100 مليون يورو. ضمن هذا الإطار، يقول فيليب هايز، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات الفرنسية في حديث مع مجلة «فورين بوليسي»، ان المشكلة الرئيسية «تكمن في عدم تشارك أجهزة الاستخبارات الأوروبية المعلومات الأمنية في ما بينها وفي التفاوت بين الخبرات والقدرات».
في الجهة المقابلة، يعمل «داعش» على الاستفادة من هذه الثغرات لتعزيز حضوره في أوروبا. وتؤكد بعض المؤشرات على تنامي قدرة التنظيم على تنفيذ مخططاته في أوروبا مستغلاً الخلل في المنظومة الأمنية. ويمكن تلخيص هذه المؤشرات كالتالي:
تزايد عدد العمليات الإرهابية التي ينفذّها «داعش» في اوروبا.
تنامي عدد المنضمين الى «داعش»٬ وذلك من خلال عودة مئات الإرهابيين إلى أوروبا واستقطاب خلايا نائمة لتنظيم «القاعدة» وحشد جهاديين جدد عبر الانترنت.
تشكيل «داعش» وحدة لصناعة المتفجرات داخل اوروبا تستخدم وفقاً للاستخبارات الفرنسية مادة TATP المستخرجة من أدوات التجميل لصناعة المتفجرات (صحيفة الايكونوميست؛ آذار 2016).
اعتماد تنظيم «داعش» على شبكة اتصالات خاصة تتمتع بنظـــام حماية متــقدّم لم يتم خرقه حتى الآن.
وتتجه أوروبا نحو تجاوز هذه الثغرات من خلال إلغاء بعض القوانين وسن تشريعات جديدة تُساهم في تعزيز الأمن القومي الأوروبي. على سبيل المثال، ألغت بلجيكا بعد هجمات باريس قانوناً يمنع الاعتقال الليلي، كما تبنّى البرلمان الاوروبي (بعد جدال دام 5 سنوات) نظاماً جديدا لتبادل بيانات المسافرين بين دول الاتحاد الأوروبي للمساعدة على رصد الإرهابيين. لا تُحسد دول الاتحاد الأوروبي على الأزمة التي تمرّ بها، ويبدو ان المهة الأصعب تتمثل في القدرة على التوازن بين حقوق الانسان والأمن، إذ قد يجد المواطن الاوروبي نفسه أمام الاختيار بين الحصول على الأمن مقابل التنازل عن جزء من الحريات.
في المحصّلة، أثبتت العمليات الإرهابية التي ضربت أوروبا وتلك التي تضرب العالم العربي بأن التحديات الأمنية المشتركة تحتاج حلولاٌ أمنية واقتصادية واجتماعية مشتركة. تتطلب التحديات الأمنية في أوروبا تعاوناً أكبر بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية وتنازلاً عن جزء من صلاحياتها لمصلحة وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول». بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الشراكة الأمنية بين الدول الأوروبية الجنوبية (على الأقل) والعربية المتوسطية ضرورة لمواجهة الطابع العابر للحدود للارهاب٬ وأصبح من الأولويات بدء التشاور في مأسسة هذا التنسيق من خلال إنشاء الوكالة الأورومتوسطية لمكافحة الإرهاب.

المصدر: صحيفة السفير

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

علينا مغادرة الترف الذهني والمحاباة وزعم امتلاك الحقيقة !/ السيد عبد الرحيم ابورغيف/ مفكر عراقي

السيد عبد الرحيم ابو رغيف/ مفكر عراقي متى ننتج وعينا الراهن ونستمد ديمومته من الواقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *