الرئيسية / دراسات / الاختلاف والتفكيك عند علي حرب

الاختلاف والتفكيك عند علي حرب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: د. لولاسي الهوارية* –

 

 

التفكيك و الإختلاف عند علي حرب

بالنسبة الى المفكر علي حرب، فإن التفكير في كل أمر بصورة نقدية تتيح تفكيك ما يستوطن عقل المرء، من البنى و النماذج ، و الآليات التي تحول دون فهم الأحداث ، أو عقلنة التجارب و الممارسات”1و هو يقصد بذلك نبذ العادات  المترسبة في الذهنية الاكليروسية التي تمنع دون الانفتاح على القراءة الواعية للعالم ، و استغلاق الذهن على الموروث العقائدي دون التحقيق في مرجعياته ، و لأن العالم اليوم محاط بالثقافات المتعددة فانه لزاما على العقل أن ينبذ القبلية ، و التي تعيق التفكير

العقلاني أمام السير قدما نحو الإبداع و التأويل.

في مفهوم علي حرب نقد النص يستغرق مفهوم النص، و سلطة النص ، و هو من جهة أخرى تفكيك لسلطة النص”2

و لمفهوم آخر هو نقد للعقل الذي تأزم، و هو يحاول الاشتغال على النصوص مساءلة و استنطاقا، أو حضرا، تفكيكا و تحليلا ، فالنص بات حقلا من الحقول التي تحتاج الى الحفر فيه و  التنقيب ، لاستخراج كنوزه ، فكل من جهود المؤلف و القارئ تتضافر  لأجل تحقيق عملية الفهم .

كما يجد علي حرب الخطاب منوط بمنطق الهوية ، و هو يستعمل التفكيك كأداة لفتح الخطاب و ارجاع العام الى الخاص ،والمطلق الى المقيد .

إن العقل ميزة الإنسان و هو يراه مهيمنا ظاهريا ، بينما يظل يمارس المحظور و ينبعث من خلال الممارسات و المكبوتات ، كما يجد علي حرب العقول أصناف ، و قد استفاد المفكر من النقد الكانطي الذي انتقل من نقد المعارف إلى و

المدارس ، إلى نقد المعرفة و طرح الآليات .

سعى المفكر إلى نقد العقل ، ثم انتقل إلى نقد النص  و ذلك بإثبات خطأ المفاهيم و النظريات ثم الكشف عن آليات الخطاب و قواعده “3 و لذلك فهو لا يثق في الكلام ، و يرى الحطاب يندس وراء الحجب ، و وفقا لذلك يطرح جملة من

القواعد و الآليات التي يحلل بها الخطاب بداية من قناعة ينطلق منها، و هي أن النصوص تختلف عن بعضها، فالنص

القرآني الخارق غير النص الفلسفي ، أو نص شعري ،أو نص علمي ، فالموضوعات مختلفة و المفاهيم متباينة ، و المجازات كثيرة .

و بالنسبة للنتيجة التي توصّل إليها المفكر ، فان كل النصوص على اختلاف ثقافاتها و لغاتها و حقولها ، فهي تخضع للنقد  من جهة ، و من جهة أخرى فانه يطرح النص للنقد مغيّبا المؤلف و الواقع الخارجي ، بمعنى أي محاولة لإخضاع النصّ للواقع هو إهدار لكينونته.

 

 

حقيقة النص

ما استخلصه علي حرب عن الحقيقة و النص أنها ليست خارجة عن الخطاب ، بل الخطاب هو الذي يعرض حقيقته و من هنا فان التفكيك هو القراءة التي تستكشف الحقيقة للقارئ، كذا يعيب على النقد الكلاسيكي أنه استخدم مفهومات الدحض و الانتقاص”4 ، و على طريقة الغزالي عندما أراد تكذيب أقوال خطابات الفارابي ،و ابن سينا و كان جداله معهما بطريقة التهافت و لم يهمه ان كان النص يروي الحقيقة ، أو يتطابق معها ، بل ما يهمه بالدرجة الأولى ان كان حقيقيا في رصده للظواهر.

اذن لا مجال للتعامل مع النص من منظور جدالي ، بل الأجدر أن نقوم بتفكيكه لاستكشاف تناقضاته ، و تداخلاته ، فالنص تراكمات و تأويلات ،و تفسيرات مندسّة عبر الأزمنة ، و نافلة القول أن النص الأقوى هو الذي يكشف حقيقته و الواقع  و في ذلك يجد ما يصرح به صاحب النص ليس صحيحا ، و قد يكون* المؤلف ،عرفاني  و عقلاني ، و لكن التفكيك يكشف عن حقيقة أخرى” هكذا لا ينبغي أن تخذ بما يصرح به المؤلف من المواقف و الآراء ، أو أن تؤخذ بما يطرحه النص من القضايا و الأطروحات ، فليس النص بأطروحاته و بياناته ، بل بما يتأسس عليه ،و لا بقوله بما يضمره و يسكت عنه”5و الدال لا يدل مباشرة على المدلول ، فالنص ينضوي على الاضمار و على الاظهار ، بل هو أحيانا متحفّض و هو ما يطلق عليه علي حرب باستراتيجية النصّ

آليات الحجب

بالنسبة الى الخطاب اللاهوتي ، فانه يحجب على الناسوت حقيقته ، و من جهة فهو يمارس سلطته على البشر بالأوامر و النواهي و على ذلك فان خطاب الداعية الى الخضوع و الخنوع لعقيدة أو لمذهب أو لفكرة تحررية ظاهريا ، لكن ظمنيا فهو يمارس سلطة الخطاب بالحلية و التحريم ، هذا ما كشفه المفكر علي حرب حينما بحث عن آليات الحجب ، فوجدها تستخدم في “مفهومات كالذات و الحضور ، و الوعي ، و التطابق ، و اليقين و الثبوت …و التي يعمل النقد على تفكيكها و اختراق كثافتها “7 فالحقيقة غير ظاهرة لأنها تطابق الذات و الموضوع ، و بالنسبة للمفكر فانه يستوي الخطاب الماركسي ، و الخطاب الاسلامي على السواء ، لأن جميعهم يستخدم نفس الأدوات المفهومية و آليات الحجب

قوة النصّ

ليست كل النصوص هجينة ، أو قوية ، و مكمن القوة في النص ، هو الذي يخفي مدلولاته بشكل تتهافت عليه الاحتمالات ، و المجازات ، و الحقائق التي اندست في الخطاب ، و خير من يمثل هذا النموذج هي الكتب التي ألفت لأجل تفسير و تأويل القرآن و السنة ، و نقد الحقيقة عند علي حرب ليس نقضا لها بل هو اعتراف بحقيقة النصّ ، و قراءة المسكوت عنه.

قراءة النص

يجد المفكر الاختلاف ليس عيبا ،و لا نقصا ، بل هو امكان و قوة ، كما يكون النص قويا عندما يستدعي الكثير من القراءات و مثال ذلك النص القرآني ، الذي يجذب اليه القراءات التي لا تحصر ، و هذه القراءات تختلف في تحديد المفهوم و هنا مكمن القوة ، انها لا تفصح عن حقيقته بقدر ما تحاول كشف حجبه .

القراءة الخلاقة كما ينعتها علي حرب ، هي التي تحاول الكشف عن الوجه الآخر و يعطي مثالا عن قراءة ميشال فوكو لديكارت ، و قراءة جاك لاكانلفرويد”8.

        ان القراءة المبتكرة هي القراءة التي تستبطن حقل النصوص ، و يجد تفكيكية دريداالذي لا يهتم بالمنطوق ولا بطروحات المتن ، بقدر ما يهتم بالحواشي و الهوامش ، و يعني باختلاف النص …أو يهتم بخداع الكلام و مخاتلته”9

كما يدعو علي حرب الى التحرر من سلطة النصّ و القول بما لم يقله صاحب النصّ ، و أن يتعامل القارئ مع فضاء النصّ و دلالته ، و تفكيك مفهوماته ، كما يجد مهمة الناقد أن لا يؤخذ بما يقوله النصّ ، و أن مهمته أن يتحرر من سلطة النصّ لكي يقرأ ما يقوله”10و ما يريد أن يوصله الينا هو أن الناقد يتعامل مع النصّ كحقل للتنقيب و الاكتشاف .

الحقيقة و الرمز

ينعت علي خرب الذين يحجبون النصوص و يدّعون أنهم حماة العقيدة ، بأهل الغلق لا الفتح و هم مع الحجب لا مع الكشف ، و بأنهم ضد النقد عامة ، كما يصفهم أيضا بحراس الهوية و الذاكرة و النص …يتعاملون مع الحقيقة كصندوق مقفل و كعلبة سوداء “11 الى ولكنه يجد السبل لفتح العلبة و الولوج النص بواسطة التفكيك .

نقده لحسن حنفي

هو مؤلف كتاب أو سلسلة كتب من العقيدة الى الثورة و في خمسة أجزاء ، و يبحث فيها عن التوحيد ، و العدل و النبوة و المعاد و الامامة ، و يتناول في هذه الأجزاء عموما التراث و التجديد كما يقرن حسن حنفي التراث و العقيدة و التجديد بالثورة و بذلك يعيد قراءة الأصول ، لأن التراث بالنسبة اليه هو اجتهاد لا أكثر و ليس لزاما على الخلف أن يتقيد بما وضعه السلف لأنهم رجال و نحن رجال على حسب تعبيره .

وينتقد نظرة القدامى الى النص الوحياني ، و الى النبيّ و آله و صحابته ، بأنها نظرة تأليه و تقديس ، كما يجد التشابه بين السلطان السياسي و السلطان الديني في مفهوم واحد “وأنه لا كبير فرق بين ألقاب السلطان و أسماء الله الحسنى “12

و كذلك ينتقد في مقدمة كتابه مسألة الألقاب التي يطلقها العلماء على أنفسهم تعظيما و مدحا من مثل الامام ، القطب و الشيخ ، المرجع ، و العلاّمة ، الحبر ، حجة الاسلام ، صدر الاسلام و سيد العارفين، و شيخ الاسلام ، و يراها زائفة و ما أنزل الله بها من سلطان و لأنه يرى لو كانوا كذلك ” لاحتلت الأرض و نهبت الثروات ، و قهرت الحريات ،و تجزأت الأمة و تغربت الهوية “13 و كأن حسن حنفي يعيش بعيدا عن واقع الشعوب، و ليس للألقاب دخل في تغيير مصير الأمة المستضعفة .

نقد حسن حنفي للآخر(الاستشراق)

يعد علي حرب حسن حنفي من النقاد البارزين في تجديد الفكر العربي ، و اعادة بناء الذات الاسلامية ، حضاريا و ثقافيا ، و قد ورد هذا البحث في كتابه مقدمة في علم الاستغراب ، و علم الاستغراب عنده هو جعل الذات الغربية موضوع الدرس ، و في مقابل الاستشراق ، يطلق حسن حنفي على علم تحويل الغربي الى درس موضوعه نظرة الغرب الى الشرق ، محاولا بذلك التخفيف من حدة التوتر اتجاه هيمنة الالغرب و استضعافه للعرب و المسلمين في العالم .

على ما يبدو فان رؤية  حسن حنفي للمختلف تحوي الكثير من الاحتقار ، و السلبية ، لأن المختلف لم يكن يتعامل مع الشرق بما يليق بتاريخه العريق ، و حضارته الضاربة  بجذورها الى الماضي السحيق ، و على كل سيقوم  علي حرب بتفكيك توترات نصه و تداعياته بزلاته و أغراضه…و بناه المترسبة و بداهاته المحتجبة و لغوناته الصامتة”14

بالرغم من أن علي حرب يدرك تماما عدم قبول المؤسسة النقدية بالتفكيك كمنهج للقراءة ، بحجة أنه لا يتلاءم مع شروطنا الثقافية و لا مع أوضاعنا الاجتماعية و الحضارية و كأن الآلية هذه تعمل على شرم الأمة و شرذمة الهوية العربية، وبالنسبة اليه فان التفكيك يحلل شعارات الوحدة المضللة لأنه في مقابل ذلك لا يوجد الا المحتلف و اللامعقول.

ما عابه علي حرب على حسن حنفي في مقدمة الإستغراب أنه قدم دراسة إحصائية لفلاسفة الغرب و مذاهبهم ، و لم يتعرض الىذهنية العقل الأوربي ، إظافة إلى انه يحس بنرجسية المؤلف لأنه ينطلق من مركزيته و محوريته .

نعت حسن حنفي الآخر المختلف بالثعبان الذي يجب أن يخرج من ثوبه ، و يصفهم بلغة عسكرية على حد راي علي حرب و كأنهم سبب في ما أصاب الأمة من هموم ، و عقد نقص ، و الهيمنة المسلطة علينا ، و من الواجب التحرر منهم و تحويل الموازين و قلب الأدوار ، فنصبح نحن من يمارس سيادته على المختلف .

هكذا كشف علي حرب ذهنية حسن حنفي التي تحمل بذور الإنتقام ،و قد اتهم فلاسفة الغرب بالتورط في ما يحدث في العالم العربي من نكبات ، و يحمّلهم مسؤولية إبادة الشعوب ، لأن أفكارهم و دعواتهم ظلت مثالية و حبيسة النصوص ،و قد دعى علي حرب إلى التحرر من القيود الفكرية الغربية و غيرها سواء كانت قيود الشريعة أو قيود الفلاسفة ، كما دعا أيضا إلى استنطاق الغرب مع مسائلة الذات .

و فيما يخضّ نقده لخطاب حسن حنفي الهادف الى التحرر من فلسفة الغرب التي تدس وراءها سيطرته و هيمنته على العالم العربي ، فإنه وهم كان قد أنشأه الفيلسوف ديكارت“15 من خلال التمثل ، و كذا قام النقد التفكيكي بالكشف عن ثنائية الذات و الموضوع على نحو يجعل الناقد يراهما لا ينفكّان عن بعضهما و أما هيمنة القارئ على النصّ ليست إلاّ وهما .

يرى علي حرب ، حسن حنفي متوهما بأنه  يضع الفلسفة الغربية موضع الدراسة ، و أنه قام بتأويل عقل الآخر من موقع الإستغراب هادفا بذلك الى التحرر من وهم المركزية الغربية ، إلاّ أنه وقع في مطبّ وهم الأنا ، و هو إقامة قطيعة بين القطبين المختلفين أصلا بين حضارة روحية يمثلها الإسلام ، و حضارة غربية روحها المادة أو العلمانية .

لقد ضاعت عالمية الإنسان ، من وراء الفصل بين الذات و المختلف ، و هو الحال بالنسبة لعلم الإستغراب الذي طرحه حسن حنفي كونه ينظر إلى العالم غرب شرق”16بنفس نظرة المستشرق ، و قد استهوته دراسة الهوية و الذات ، و الأنا و المركزية ، و الحضارة و الثقافة ، و الانتماء …و تحرر الأنا من سيطرة الآخر .

يعتقد علي حرب أنه ثمة إمبريالية جديدة متمثلة في إمبريالية الكلمات ، و يعني بها الغلو في الاعتقاد بالكلمة حتى تعدوا شعارا كالحرية مثلا ،  ما يجعل تنمحي و يحلّ محلها الذاتية.

قراءة في فكر محمد أركون ( التفكيك منهج إلى التوحيد )

إن بحث أركون يقوم على تحليل أنظمة المعرفة و تتبع آليات و إجراءات إنتاج المعنى ، و أسس صناعة الخطاب ، و هو ةكما يبدو لعلي حرب فإنّ أركون يشتغل على تفكيك النصوص و البحث في أركيولوجيتها للكشف عن الآليات و الحجب التي يمارسها الخطاب .

يبدأ أركون تفكيكه منذ عهد النبوة الأول ، و يمارس نقده على نصوص الحديث و التفسير و المنظومات الفقهية و هو في كل ذلك مستخدما الآليات و المنهجيات في المقاربة و التفكيك ، و قد أعاد أركون قراءة النصّ الو حياني بصبغة عقلانية جديدة بعيدة عن الوهم ، و الأسطرة ، كاشفا الدسّ و الوضع ، و الميثولوجيات التي صاحبت الحدث القرآني.

يتوقع علي حرب  أنّ وجود أركون في منطقة من أوربا ، خولت له إمكانية الإطلاع على مناهج التحليل و التفكيك ، و لعلها ساندته في نقده للتراث .

إنّ جوهر عمل أركون هو الاهتمام بالتاريخية في تفسير زمن الوحي و مسار النبوة ، كما  أولى اهتماما بالنصّ الو حياني خارج هالة القداسة ، و حاول فصله عن اعتباطية النصوصّ التفسيرية المصاحبة له فقد تحدث عن السياج الدوغمائي و هو في اعتباره الإكليروس العقيدي الذي يهيمن على حرية الأفراد و اعتبر كل عقيدة تمارس الدوغمائية ضد الأفراد بأنها عقيدة محكومة بعقل التعصب و الانغلاق.

يستخدم أركون المنهج ألتفكيكي في تحليل البنية النصّية من أجل الوصول إلى ماهياته و حقائقه ، من حيث إنه نصّ فائق الجمال و المتعة إضافة إلى أنه نصّ يعني بكل أمور الحياة و المعيش ، و قد يجد علي حرب أن التفكيك أحدث آلية و أخصب القراءات الأيديولوجية التبجيلية التي تتعامل مع النصّ بوصفه معرفة جاهزة نهائيا”18 كما لا يجد غير هذا المنهج حلا  في التعامل مع النصّ و تفكيكه بغية استثماره.

عاب علي حرب على من تناولوا ظاهرة الوحي في ضوء شروطه الدنيوية الأناسية ، و قد وصف من تعاملوا مع النص الوحياني من هذا الجانب بأنهم أدنى عقلانية ، و هو يعتقد أن النبيّ يشبه البشر في الشهوات و الميولات و الأهواء متناسيا رسالة النبوة التي تنزه النبيّ أن يكون مثل سائر البشر ، و نافين عنه العصمة في أسمى مدلولها و إذا كان النبي يخطئ و يصيب فلما كلّف في شخصه بحمل رسالة التبليغو لو أخطأ النبيّ لوجب إتباعه و إن كان هذا المفهوم يحتاج إلى التفكيك كمنهج لقياس مقام النبوة و العصمة .

ينطلق المفكر أركون في قراءته لمأزق الفكر العربي الحديث، الذي يجترّ علوم الأوائل دون السير قدما نحو تطويرها .

و لعل أصابع الاتهام موجهة إلى العقل العربي و قد تمت مسائلته من طرف الكثير من البحاّثة ، فقد خاضوا مجال نقده و البحث في أزماته .

قام علي حرب بمعالجة دراسة أركون لبنية العقل العربي من منطلق عقل صرف ، بعيدا عن الجانب الدوغمائي ، كما

يعترف بأنه يستفيد من الإطلاع على نتاجات الغرب من خلال أركون ، فهو ” يحشد في مباحثه عدة مفهومية و تقنية هائلة … كالدلالة و المعنى و الرمز و الأسطورة و المقدس و المنظومة المعرفية و العقلية الدوغمائية و المفكر فيه و اللامفكر فيه إو ما يستحيل التفكير فيه و غيرها من المفاهيم التي بلورها علماء الغرب في مختلف ميادين المعرفة “19

و يذكر علي حرب أنّ النقطة المهمة التي اتفقا عليها هي تفكيك و تحليل التراث الإسلامي ، ضاربا عرض الحائط العقائد و المحظورات الدوغمائية المتسلطة ، كذا ينتقد الذين يحضرون على الفكر التحرري الباحث عن الحقيقة و يسوق أمثلة عن الفارابي و ابن رشد ، و سائر الفلاسفة الذينهم اتهموا بشرذمة التراث و التشكيك في الشريعة، و يجد أيضا الإختلاف في الرأي هو سبيل إلى التوحيد لا إلى الإظلال و الإنحراف ، و هذه محنة العقل العربي .

يجد علي حرب حل أزمة تفكيك الأمة كامن في نقد العقل و تشريح الثقافة ، و تفكيك الخطاب لإيجاد الوحدة من جهة و أعطى أمثلة عن الخلاف السنيّ/ الشيعي المتعارض على مستوى اختلاف العقائد و المذاهب ، بل هو يميط اللثام عن الفكر البشري الموحد في باطنه و المختلف في ظاهره.

ناقش المفكر علي حرب مفهوم أسطورية القرآنمن منظور أركون ، و أوضح مقاصده من خلال تقديم دلالة المصطلح الذي لا يعني المفهوم القديم المقارن للخرافة ، بل اعطى مفهوما جدبدا للأسطورة كونها منظومة تفسيرية للعالم ، و عقل الإنسان الأول، وقد أبدى فهما عميقا لمعضلة تاريخية الخطاب و أناسته ، فقد قرأ المفسرون القدماء الخطاب الوحياني بمناهجهم الخاصة ، و بالعلوم المتوفرة لديهم ، و أخضعوا النصّ إلى الآليات الأصولية كالناسخ و المنسوخ ، و العام و الخاص ، و المطلق و المقيد ، و الظاهر و الباطن، بينما المناهج و الإجراءات الحديثة المتداولة بين القراء مستمدة من الجهاز المعرفي عند الغرب، و هو ما أشار إليه علي حرب عندما أشاد أنّ أركون برع في تطبيق الآلية الغربية “20

و كأنّ المخيال العربي قاصر على إنتاج آلية مستحدثة للقراءة ، متناسيا المنهج القصدي و المناهج الألسنية الأخرى .

بالنسبة لأركون  ، المفسرون القدماء تعاملو مع الخطاب الوحياني تعاملا تاريخيا خاليا من العلمية و الفهم الدقيق ، لاغيا بأحكامه كلا من القراءات الجادّة للسلف ، مجردا العقل العربي من عقلانيته متناسيا وجود تفاسير قيّمة كتفسير الرازي مثلا و لا يمكن النفي بأنه وجدت تفاسير تاريخية بيد أنّ التعميم إجحاف في حقّ من كانت أعمالهم خالية من الإعتباطية .

يجد علي حرب أنّ كل القراءات تخضع لمقاييس علمية فرضها العصر و متطلباته ، و لا يمكن أن نحكم على الغير بالعلمية أو نفيها ، و أنّ كل قراءة لها وجهة خاصة سواء كانت إناسيةأنثروبولوجية أو أركيولوجية ، أو بلاغية أو أصولية فقهية أو حتى كلامية جدلية ، فلها مميزاتها العلمية و كل يقرأ بحسب ما ساد و راج من علوم عصره

و في النهاية يريد أركون ان يفتح باب النقاش و يبعث الدرس من جديد و الى القراءة الجادة التى تكلل بالبرهان و صراع أركون إنبنى أصلا على تحرير التراث من الإنغلاق ، و فتح المجال إلى قصدية القراءة بغرض تحرير العقل من مطب رتابة التقليد ، و إن كان العقل الإنساني المعاصر هو إمتداد عن العقل الأول .

إنّ القراءة الجادة هي التي تبتكر المنهج ، و تجدد المفاهيم و الإتصال بالفترة التأسيسية للتراث  “21 ضرورة ملحّة مع النظر إلى عقلانية المختلف المتمثل في الغرب من زاوية أخرى ، و السؤال الجوهري الذي أطلقه علي حرب عن تمكن أركون من إيصال مفهومه حول التراث و الآليات الجديدة للقراءة الى العقل الغربي؟ و بتعبير آخر هللا تمكن المفكر من عكس صورة  الذهنية الغربية و الذات المغايرة الى الباحث المختلف ؟

ما سعى إليه أركون هو إعادة قراءة النصّ القرآني و التراث قراءة مختلفة بعيدة عن الإعتباطية ، و قراءة ما لم يقرأ و التفكير في ما لا يفكر فيه و نبذ طابوهات قداسة النصوص ، مع الإنفتاح على آليات المختلف و تفكيك التراث و الذات و الدلالة

التعامل مع النصّ الفلسفي بين أركون و الجابري

يؤكد علي حرب دوما على أنّ التفكيك هو قراءة النصّ لاحتوائه و استثماره ، مع أنه في الآن ينفي الاحتواء الكلي للنصّ و التفكيك عمليا هو فحص المسلمات و تحليل الآليات و البنيات ، و يرصد الاحتمالات الدلالية و سبر ممكناته المعرفية”

حاول علىّ حرب فهم النصّ من خلال ما طرحه أركون و الجابري من مشروع تفكيك و نقد التراث الإسلامي بداية من التفاسير و الشروح و التأويلات و هو يجد الجابري في نقده للعقل العربي أو في كتابه “نحن و التراث” استبعد فيهما انجازات فكرية رائعة من دائرة العقل و العقلانية و هو يقصد الفكر الصوفي و الاشراقي

أما أركون فقد وجده قد أبدع في استثمار أحدث الآليات المنهجية و الكشوفات المعرفية المنتجة في علوم الإنسان “22 و في قراءة تعددية تستثمر أكثر من منهج ، غير أنه لا يختلف عن الجابري في استبعاد التجربة الصوفية العرفانية و إن كان لعلي حرب رؤية خاصة لخصها في أنّ التجربة الصوفية و الإشراقية المفترض البحث فيها مع انفتاح العقل على فهم النصّ الفلسفي لأنه مخزون من المفاهيم  و متعدد المعنى ، كما حث على التأويل الذي هو طريق إلى انفتاح النصّ دون التدقيق في مسألة المذهبيات ، و النظريات و التيارات “23 ويخالف علىّ حرب الجابري جهارا إلغاؤه التصوف و هو جزء حيوي من دائرة العقل و المعقولية ، و إقصاؤه شيخ المناطقة إبن سينا و إبن عربي ، كذلك هو الشأن بالنسبة لأركون الذي أقصى إبن رشد و اعتبره مادة معرفية ميتة

الواقع أنّ علي حرب وجد نظريتيهما قاصرة في التعامل مع النتاج الفلسفي ، لأنّ هذا الأخير زخم معرفي تاريخي من جهة و من جهة أخرى يمثل نتاج فكري لمرحلة زمنية ، كذلك يجدهم امتداد لفكرنا

طرح علي حرب طريقة في التعامل مع النصوص الصوفية بداية مع مصطلحات من مثل الجمال و الجلال و القبض و البسط و الهيبة و الأنس، و في قراءة العلاقة بين الرجل و المرأة ، كذا قراءة النصوص التراثية قراءة حديثة بآليات غربية و طرح الفكر الغربي للمناقشة بما يقابله من التراث العربي و العكس “24 و قد عقد مقارنة بين الفيلسوف إبن سينا و ابن عربي و الفيلسوف الغربي هيدغر ، و قد تمّ فيها استنطاق الدلالات و فكّ الشفرات بالتفسير و التأويل الذي هو طريق إلى فهم إشكالات الفكر الحديث و المعاصر

ميّز علي حرب بين صنفين من الدارسين في الفكر الفلسفي عند العرب ، فريق المستشرقين الذين عملوا جهدهم في شرح فلسفة اليونان و ترجمتها إلى العربية ، و فريق من أمثال الجابري و أركون المتشبعان بالفكر العقلاني الغربي الناكر لعقلانية الفلسفة و التصوف الإسلامي

يجد علي حرب التفكيك طريق إلى التأويل و إعادة الإنتاج ، فقد سبق و قد مورس التأويل على النصوص المقدسة و استثمر في قراءة النصّ القرآني و أول من وظّف التأويل على النصّ الأنطولوجي الفيلسوف هيدغر ويجد التأويل منهجا صالحا لقراءة الأعمال الفلسفية”25 مشيرا إلى الفيلسوف ابن رشد كمؤول للنصّ النبوي ، و أنه يحمل الكثير من سمات الحداثة و منتهى العلمية و العقلانية ، فقد كان يرمي إلى ضحد أقوال خصومه بالبرهان ، كما حاول الجمع بين الفلسفة و الدين و تحرير النصّ الديني من النصوص المصاحبة له ، و هو مسعى أركون لإعادة النظر في الوحي و في طبقاته واستنطاق الدلالات

يعتقد علي حرب أنّ التفكير الحديث لم يتجاوز مواقف ابن رشد بإخضاع الدين للتفكيك و النقد ، ويجد ابن رشد لم يخضع الظاهرة الدينية للتأويل ، و أبعد مبادئ الشريعة عن النقد لأسباب مجهولة ، بينما يسعى التفكيكيون إلى خرق المنطقة المحظورة ، كما يجد أيضا ابن رشد منفتحا على المختلف من الثقافات و منها الإغريق”26 كمرجعية للفلسفة الأولى وهو ينتقد بما أسماهم أصحاب العقول المغلقة الذين يقفون في وجه الإنفتاح على الثقافة الغربية ، و يرى لكل فريق من هؤلاء تفسير و تأويل يعتقد فيه الصواب دون سواه و بالرغم من أنّ النصّ القرآني مأدبة الله و الكلّ مدعو الى هذه المأدبة

ينفي علي حرب أن يكون الطريق البرهاني هو الطريق الأصحّ لأنّ الحقيقة لا تمتلك بطريقة واحدة “27 هذا يعني أنّ ثمة حقائق متعددة بتعدد الثقافات و المناهل و الإجراءات و المناهج و المذاهب ، و يرى أنّ المهم في الدراسة هذه هو أنّ بن رشد كان منفتحا على المختلف و لم يجد ضيرا في البحث عن البحث عن الحقيقة من منظور الغير و حقيقة الخطاب هي الغاية و ليست الأداة و الطريقة ، فقد أخضع المقولات الفلسفية للتأويل و طرح النصّ الديني على العقل للكشف عن الحقيقة و تمييز الزيف ، و هو لا يقول بقول الجابري أن يقصى من دائرة اللامعقول ، كما أنه لا يقول بقول أركون و هو أنّه في ذمة التاريخ ، و إنما يقول بالتفكير فيما لم يفكّر فيه ، و استحداث آليات مغايرة تواكب العصر

مركزية العقل العربي عند محمد عابد الجابري

في مقام دراسة الجابري لعقلية العرب ، حيث يعزي سبب تدهورهم إلى الغير ، ويبحث في الجانب اللامعقول في النصّ الوحياني ، و في الخطاب العرفاني ، و قد خصّ بن عربي بالدراسة ، و غن كان بن عربي في مفهوم علي حرب “28 هو أول من كسر منطق الهوية الدائري المغلق ، و فتح الفكر على الإختلاف و المغايرة و الضدية ، و هو أول من أعاد الإعتبار الى الخيال كمرتبة وجودية و ملكة معرفيّة ” مضيفا انّه يؤمن بتعدد المعنى و تنوعه مكتشفا أنّ الإختلاف من سنخ الوجود و أنّ العقل محكوم بمنطق المعقول و اللامعقول من أجل إمساك الحقيقة

يؤاخذ علي حرب الجابري تعصبه دون المختلف و هو لا يرى عالما سوى المغرب ، و أهل السنّة و قد أقصى من الدراسة المشرق ، و المذاهب المغايرة ، كما استبعد أيضا التراث الفكري القديم من الفرس و الهنود و اليونان و اتهمهم بأنّهم أفسدوا العقل العربي بأساطيرهم و سحرهم و خرافاتهم ، ليردّ علي حرب بأنّ العقل العربي لا ينحصر في منطقة المغرب بل يمتدّ الى أقصى الشرق

النصّ و الحقيقة ج2

إنّ مهمة النقد عند علي حرب هي تفكيك النصوص للكشف عن وجه الآخر أو بحسب تعبيره اكتشاف وجه أو مصير أو مستوى أو وضيفة أو منطقة من مناطق الكائن ، و يجد المفكر التفكيك يكشف حجب النصّ و تتعرى الحقائق المتعددة و المختلفة باختلاف النصوص بحسب اللغات و المناهج و المجازات ، و ليست الحقيقة في اعتقاده سوى الإعتراف بحق الآخر”1لأنّه محضور على الواحد أن يعمم رأيه على الكل

يعتب علي حرب القراءة في حقيقتها نشاط منتج للإختلاف و التباين و يجد الإختلاف من علل الوجود ، و لأنّ الإختلاف في ذاته فاعل و منتج ، وهو لا يعني القراءة الحرفية بقدر ما يعني القراءةالمختلفةعن النصّ المقروء ، و مهما كانت طبيعة القارئ أو منهجه في الفهم و التأويل ، المهم أنه يعكس الصور و المفاهيم التي سعى الناصّ إلى تثبيتها في المفاهيم ، فطبيعة النصّ أن يعكس الدلالات و الإشارات و يثير القراءة و لهذا فإن النصّ يستدعي أكثر من قراءة و تختلف القراءات بحسب أحواله و أطواره”2 و قد سلط الضوء الكتب المقدّسة ، و الأعمال الفلسفية ، و الأنا الشعرية فإنّ قراءتها

+تختلف بحسب اختلاف العصور و الثقافات المتباينة ، و الإيديولوجيات  و الإستراتيجيات ، ثم يوجّه إلى قراءة القرآن التي حثّ هو نفسه على التدبّر و القراءة ” أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ” فمما لا شكّ  فيه أنّ التفاسير اختلفت و تعددت بحسب المذاهب الفقهية و المدارس الكلامية ، و بحسب التوجهات و التخصصات العلمية أو حتى أصحاب المذهب الواحد تعددت و اختلفت لديهم القراءة ، فقد قرئ من جوانب بلاغية ، و فقهية و كلامية و سياسية ، تجزيئية و موضوعية ، و الكلّ استخلص موضوعه

أخذ علي حرب شروح فلسفة أرسطو و وجدها تختلف بحسب اختلاف الشراح ، و النظرة إليها اختلفت أيضا باختلاف العصور و الثقافة ، و باختلاف الأنظمة المعرفية و بحسب اختلاف الانتماءات المعتقداتية ، فقد قرئت فلسفته في العهد الهيليني  بطريقة تختلف عن تحليل فلسفته في العصور اللاحقة  ، فقد شهدت الفلسفة تطورات بتطور و اختلاف الثقافات و الأنظمة المعرفية ، و ساق مثالا عن  هيدغرفي الوجود و الزمان ، تأوّل فلسفة اليونان تأويلا مستحدثا ، و طبقّ فيه منهجا مختلفا خرج  به عن رتابة التقليد ، كما أنّه بالإمكان قراءة النصّ الشعري الذي يعدّ من أكثر النصوصّ إحتمالا للتأويل “3 و قد قرنه علي حرب بالقرآن الكريم لإحتماله المجازات ، و إن كان لا مجال للمقارنة بين نصّ سماوي و آخر وضعيّ

القراءة كفعل لا تعني بالنسبة لعلي حرب إمكان قول كل شيء في أي شيء ، و إنما يستنطقه و يحاوره و يستنطق ذاته في الآن ، و هو تعايش بين الذات و النصّ ، و بالتالي يحدث إنفتاح النصّ على اختلاف القراءات ، و يستبعد علي حرب الحيادية في القراءة ، لأنّ القراءة هي فعل منتج يعيد تشكيل النصّ من جديد ، و أي قراءة معجمية توقع صاحبها في عجمة الفهم ، و هي قراءة أهل الظاهر الّذينهم يعتقدون في أحادية المعنى

علل عليّ حرب احتياج النصّوص إلى الشرح و التفسير بداية من دعوة القرآن الكريم إلى التدبر في الآي بإرجاع متشابهها إلى محكمها ، و عامها إلى خاصها ، على أن تكون القراءة بوصفها اختلافا عن النصّ ، و يرى النصّ حيّز كلامي أو مقال يتعدد معناه “4باختلاف سياقاته ، و تعدد معناه و علينا أن نتقبل قراءاته المختلفة و المتعددة ، كذلك يرى النصّ القرآني من مميزاته الإتساع ، و المعجز فيه أنّه يجمع المختلفات و يقبل المتعارضات (اثنائيات الأصولية) ، و يجد أيضا النصّ الفلسفي مفتوحا على الإختلاف و المغايرة  و أنّه نسيج من التراكمات .

          إشكالية الإختلاف

بحث علي حرب عن جذور الإختلاف في الإسلام ، بادئا بتحديد مفهوم المختلف ، و هو ما يخالفني اللّغة و الهوية ، و الإختلاف يمسّ أيضا الثقافات و طبيعة البشر التنوع و التعدد ، و التوحّد في اعتقاده يصنعه العقل و المفاهيم ، فالإختلاف طبيعي و الإئتلاف ثقافي”5

الإختلافالإئتلاف

عياني مشهود                          معقول و غائب

وحشي بدوي                           إنسي حضاري

هامشي فرداني                        مركزي جمعي

يرجع عليّ حرب البداية الأولى للإختلافتعودإلى الزمن الذي إعترض فيه إبليس على خالقه ، ثم عصيان آدم و ذريته من بعده و كانت بداية عمران الأرض و تحكيم العقل

ليس هناك مجتمع أو ثقافة تخلوا من الإختلاف ، لأنّ التنوع و التعدد أصل كل المجتمعات ، و أصل الهوية هو التعارض مع الآخر ، و قد تناول علي حرب مشكلة الإختلاف في الإسلام و حاول الوقوف عند مفهومه من خلال النصّ و الخطاب ، و ابتدأ بالبحث عن الخلاف السياسي و بالتحديد الخلاف حول الإمامة الدينية و السياسية ، و هو أصل من أصول الدّين ، و كان الخلاف في البداية حول هوية الخليفة التي أحدثت شرخا كبيرا في أوساط المسلمين ، و دبّ الخلاف حول مثبت و مقرّ و رافض معترض ، و مم أجج نار الإختلافالنصوض التفسيرية و التأويلات القرآنية ، و يعتقد حرب أنّ النصّ القرىني هو مثار الجدل ،و هو نصّ تتسع دلالاته و تتعدد و” لا يمكن لأحد أن يقبض عليه أو يفوز بحقيقته”6 مم نجم عنه الإختلاف في المذاهب ، و تعدد الفرق و المقالات و إن كان الإسلام مصدر التوحيد فإنّ الإختلاف لا يمسّ إلاّ الإنفتاح على القراءة ، و هذا الإنفتاح ولّد الإختلاف في ممارسة العقيدة و من ثمّ طال الخلاف ما بقي من جوانب الحياة الأخرى منه الإنغلاق و الجمود و الفتنة ، و ظلّ كل يؤول النصّ حسب هواه أو ما يخدم مذهبه .

المعروف في أوساط المسلمين أنّ من يخالف الرأي يرمى بالكفر و الزندقة و الإبتداع و الظلال ،و أقرو الإختلاف في الإجتهاد ، لأنّ كل مجتهد مصيب و لو أخطأ ، هذا عن الفروع أماّ الأصول فلا مجال في الخلاف فيها ، و من اختلف معهم كفّر و أخرج من دائرة الإيمان .

بالرغم من سعيّ علماء الكلام إلى توحيد الأمّة ، لكن الآليات تختلف و المناهج و الإستراتيجيات الفكرية ، و هكذا فإنّ العقل الكلامي لم يرقى إلى مطلب التوحيد و إنما أعطى نتيجة عكسية و هي الشتات ، و حتى المذاهب الفلسفية لم تسلم من الإختلاف مع أنّ الفلاسفة يجوزون الإختلاف في الشرع ، و الأصول ، حيث أنّ الإختلاف محمود في تأويل الدلالات ، و يسوق مثالا عن ابن رشد في الإنفتاح على المغاير حتى على الخارج عن الملّة و العقيدة ، و قد سبق الفارابي ابن رشد في قبول رأي المختلف بالنظر تباين الثقافات و الأعراف  و الملل و اللّغة”6

فاختلاف المتصوفة محمود بالنظر غلى توحد الأدوات و العوالم و ذوبان الهويات و ليس الحال بالنسبة للفلاسفة حيث يميزون بين العقل الفاضل و غير الفاضل و الجاهل و العالم ، ولا مجال لديهم في الإعتراف بالمغاير تماما و قد ضرب مثالا عن ابن عربي في نظرته لتوحد الخلق و توحّد الأديان .

ينبني الإسلام على تصنيف الخلق بأحكام و معايير ، و جعل النصّ الوحياني مصدرا لوجوه و دلالات مفتوحة ، و مستويات متفاوتة الفهم ، حيث الظاهر لا ينمّ عن الباطن ، و ما يزيد في توسّعه هو تلكم الثنائيات الأصولية من محكم و متشابه ، و مطلق و مقيّد ، و عام و خاصّ ، و منه إنطلقت التأويلات لتحدث الإختلاف في المذاهب و الفرق ، و منه أيضا تعددت العلوم و في ذلك يقول علي حرب أنّ كلام الله يتّسع للنثل و المختلف و للموافق و المعارض في آن ، ففيه الأمر و العقل ، و الإلهام و الدليل و الخبر و النظر ، و الإجماع و الرأي ، و النصّ و العقد و الجبر و التفويض ، و القدم و الحدوث و السياسة و الزهد ، و السلطة و الرحمة ، و الإلهي و الإنساني فيه الدين و الدنيا”7 و ليس هذا و فقط بل يجد الدين يتّسع لغير الموحدين ، فإنّه يروي تاريخا بشريا عن البدئ و الخليقة

فسّر علي حرب ناسونيّة الإسلام و علمانيّته في قراءاته للخطابات و المؤسسات السياسية ، و كشف أنّ الإنسان غيّب إنسانيّته في كثير من الأحكام و المواقف ، إلاّ أنّه يمدح الوعي الإسلامي ، و أنّه فكر فيما لم يفكّر فيه بعد”8كذلك مجّد العقل المجرّد من اللاهوت ، و قد دعا إلى هذا قبله دريدا و نيتشه بقتل المبدع و موت الإله ، و حيث سعى أيضا إلى كشف ما يستبطنه العقل نفسه من آليات و حجب الحقيقة”9 و يجد أشكال من الدوغمائية و السلطوية و الأصولية  أنها الرأي الذي لا يخضع للجدال و الكلام .

يقرّ عليّ حرب بمشروعية الإعترافبالإختلاف في الفهم و التعقل ، و تعدد الطرق و المناهج ، و ينادي أيضا بضرورة استقلال الفكر و بمشروعية النقد ، كذا يطرح استراتيجية في قراءة التاريخ و  التراث التي توجّه إلى خدمة الإنسانية مع مراعاة المستويات و اختلاف الأزمنة .

حقيقة الحقيقة

ناقش المفكر فكرة الإجتهاد في الإسلام ، و بأنّه حاجة ماسّة إلى حكم مستجد لا نصّ عليه فوجب إعمال الفكر و استخدام الرأي و القياس من اجل استنباط حكم شرعي ، و عليه فإنّ غياب النصّ الشرعي ترك المجال مفتوحا للعقل حتى يمارس فعاليته و نشاطه ، و كان الداعي إلى ذلك هو اختلاف الناس  و توجهاتهم المذهبية و السياسيو  فتح الإجتهاد المجال نحو الإختلاف في المدارس و المذاهب .

مارس علي حرب قراءة تاريخية لأهم مذهبين ، حيث أوضح مواضع الإختلاف في تبني الإجتهاد  و القياس في مسائل الفقه و بيّن مواطن الخلاف بين الفريقين و لاسيما في أصل من أصول الدين و هو الإمامة ، و الإختلاف في التشريع و الفقه و العقائد و هكذا تختلف القراءة شرحا أو تأويلا و هو ما يحيل إاىالإختلاف في إدراك الحقائق و اختلاف الهويات يؤدي إلى التوسّع الدلالي .

الفكر الإسلامي بين الانفتاح و الانغلاق

يقصد المفكر بالعقل المنغلق ذلك الذي يرفض الآخر الذي يختلف عنه هوية أما الفكر المنفتح ، فيجده في الذي يقبل المختلف عنه و يراه مكملا له ، و يصنّف أعلام الإنغلاق بأنهم أهل النصّ و النقل و منهم الغزالي و الشهرزوري ، و البغدادي ، و ابن تيمية ، و ابن بابويه ، و ابن خلدون ، و يترك القائمة مفتوحة على المزيد من المحدثين و منهم علي سامي النشار و تقي المدرّسي ، ثم يضيف ابن رشد و ابن عربي و الشريف الرضي و محمد حسين الطباطبائي صاحب الميزان ، و محمد قاسم و مصطفى عبد الرزاق من عناصر الإنفتاح البارزين.

يشيد علي حرب بالعقل المنفتح على العلم و الحكمة ، و يشير في بحثه إلى اختلاف المفاهيم و تطور البحث الفلسفي في قراءة كرونولوجية تمسّ نقد العقل في قراءاته لحقيقة النصّ و الإنفتاح على الذّات منذ ديكارت إلى هوسرل إلى كانط و ديكارت ثم فوكو الذي كان منفتحا على مختلف النشاطات المعرفية و الإنسانية ، و مع فوكو أخذ الخطاب بعدا جديا حيث لعب التفكيك على كشف البنى القائمة على بناء النصّ من ” انظمة و بنى و قواعد و ألاعيب ، أو تشكيلات و آليات لغوية أو رمزية و أو جنسيةأو اجتماعية أو سلطوية …”10 و بهذه النشاطات تتشكل الخطابات و تكون مرآة عاكسة للذات و المختلف ، كذلك بيّن علي حرب قيمة المنطق و البرهان في إدراك المعاني و المفاهيم و الحقائق المختلفة ، كما نفى أن يكون هناك معرفة أولى و بالتالي فإنّ الفهم قائم على فهم أوّل و كل قراءة لقراءة سابقة ، و على هذا فإنّ المعرفة تنبني على معرفة أولى

العين و الغير

بالنسبة للعين و الغير فلقد وجد أنّ ترابطهما يمثله الدال و المدلول ، كما كشف التفكيك عبارة إختلاف البنية “11 و أيضا التطابق و الوحدة و المساواة و الثبات التي تردّ الى الوقائع اللفظية أما الأسماء و الصفات و المعاني تؤدي إلى الإختلاف و التعدد ، فالعينيي موجد أما الذهني متعدد.

اختلفت المفاهيم في تحديد صفات الله و توحيدها ، ما يجعل العين غير قابلة للحصر و التعيين ، فهي مفتوحة على الإختلاف ، و هكذا العين مجبولة على الإختلاف و المغايرة ، و لا هوية صرفة و لا وحدة قاطعة ، و العين تختلف عن ذاتها و لولا الإختلاف لما كانت الوحدة .

بالنسبة للنصّ المكتوب و بمعزل عمّن كتبه ، فهو فضاء واسع  مطروح للتأويل ، كونه متعدد المعنى و مختلف ، و هو بحاجة إلى تفكيك برأي علي حرب و أيضا هو بحاجة إلى إعادة إنتاج للكشف عن بداهته المحتجبة ، و لانّ النصّ منفصل عن صاحبه كما يعتقد التفكيكيون باستقلاليته عن مؤلفه حتى لا تسبق الرؤية النصّ ويعتقد علي حرب أنّ الخطاب فضاء واسع للتأويل و إمكان لتعدد المعنى و اختلافه “12 ففي غياب الرؤية المسبقة لمقصدية المؤلف من خلال الشرح ، و هي قراءة تقليدية قد لا تفي بالغرض و ليس باستطاعتها تفكيك النصّ و الحفر في أعماقه ، و زحزحة تراكماته كذلك يعتقد أن التفكيك هو السبيل الوحيد إلى معرفة الحقيقة

في مضمار نقده للإيديولوجيات وجد المفكّر أنها كانت تبعث على النزاع و الفتنة بين دول العالم العربي و إن كانت في ظاهرها تدعو إلى الوحدة ، لكن الواقع العربي استدرك الوضع و بدأ يتعامل مع هذه الطوباويات بنوع من الحذر حيث يسعى اليوم إلى خلق لحمة التواصل و التبادل ، و بدا الخطاب العربي الإيديولوجي يعرف أن الإختلاف لا يعني الخلاف .

تناول علي حرب في سلسلة نقده لمفكرين و باحثين في الفكر الإسلامي و شؤون التراث و من بينهم نصر حامد أبو زيد “13 و قد قرأ كتبه المعروفة، منها الاتجاه العقلي في التفسير ، دراسة في قضية المجاز عند المعتزلة و كتاب فلسفة التأويل ، ثم مفهوم النصّ و هو الكتاب المخصوص بالنقد ، يحيطنا الناقد بالظروف التي سادت في المجتمع المصري و منها حركة الإخوان التي ضيّقت على الكتاب ، و مناهضة الليبراليين و العلمانيين و الماركسيين من جهة أخرى ، قد وصلت إلى حدّ سفك الدماء و إهدارها .

عمل نصر حامد على طرح مشروعه بادئا بنقد الفكر الديني و إخضاع التراث للعقلانية النقدية و طرح أيضا مشروعه في مدارسة النصّ الوحياني و دعا إلي التدقيق في الشروح الضنيّة المسيئة له .

 

 

 

 

 

 

د. لولاسي الهوارية*  أستاذة محاضرة، تخصص لسانيات،  قسم اللغة العربية وآدابها – كلية الآداب والفنون،جامعة مستغانم – الجزائر.  email: loualassilahouria@yahoo.fr   

 

الهوامش:

1 –  عليّ حرب ، النصّ و الحقيقة ، الجزء الأول ، نقد النصّ ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الرابعة ، سنة 2005 م ، مقدمة الكتاب .

2 – م ن ، ص ، 8

3 -م ن ، ص 10

4 – من، ص 13

5 – م ن ، ص 16

6 – م ن ، ص 17

7 – م ن ، ص 21

8 – م ن ، ص ن

9 – م ن ، ص 22

10 – م ن ، ص 24

11 – م ن ، ص 29

12 – م ن ، ص ن

13 – م ن ، ص 35

14 – م ن ، ص 45

15 – م ن ، ص 54

16 – م ن ، ص 67

17 – م ن ، ص 71

18 – م ن ، ص 78

19 – م ن ، ص 84

20 – م ن ، ص 89

21 – م ن ، ص 91

22 – م ن ، ص 93

23 – م ن ، ص 98

24 – م ن ، ص 102

25 – م ن ، ص 109

26 – م ن ، ص 110

27 – م ن ، ص 121

هوامش الدراسة الثانية :

1 – النصّ و الحقيقة ، الجزء الثاني ، الطبعة الثالثة ، السنة 2000 ، المركز الثقافي العربي ،من مقدمة الكتاب ص 2.

2 – م ن ، ص 6

3 – م ن ، ص 8

4 – م ن ، ص 18

5 – م ن ، ص 30

6 – م ن ، ص 34

7 – م ن ، ص 40

8 – م ن ، ص 45

9 – م ن ، ص ن

10 – م ن ، 105

11 – م ن ، ص 124

12 – م ن ، ص 133

13 – م ن ، ص 199

 

 

 

 

 

 

 

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

تعليق واحد

  1. السلام اشكر الاستاده لولاسي الهواريه علي هدا المقال الجيد والمفدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *