الرئيسية / دراسات / كيف نشأت “بوكو حرام”؟

كيف نشأت “بوكو حرام”؟

 

 

إيزوبيل كولمان وسيغريد فون وندل – فورين أفيرز 18/6/2014 – 

 

تصدر خبر اختطاف الجماعةالإسلامية المتطرفة «بوكو حرام» لـ278 طالبة بشمال شرقي نيجيريا خلال ابريلالماضي عناوين الأخبار، وفي مقطع فيديو ، أصدر زعيم «بوكو حرام» رسالةتقشعر لها الأبدان نعت فيها الفتيات بـ«الجواري» وهدد «ببيعهن في السوق». وسرعان ما انتشرت حملة على وسائل الإعلام الاجتماعي تحت عنوان «أعيدوافتياتنا أو#Bring Back Our Girls»، وخلال الأسبوع الحالي، نشرت السيدةالأميركية الأولى، ميشيل أوباما تغريدة على موقع «تويتر» تتضمن صورة لنفسهاوهي تحمل لافتة مدونا عليها «هاشتاغ» الحملة. كما عرضت العديد من الحكوماتبما في ذلك الولايات المتحدة والصين المساعدة في عملية تعقب الإرهابيين.

وما يبدو مثيرا للدهشة في ذلك هو أن يستغرق هذا العدوان الغادر الذيقامت به «بوكو حرام» كل ذلك الوقت حتى يثير الانتباه. وعلى الرغم من وجودما يشير إلى وجود صلة بين «بوكو حرام» والعديد من جماعات تنظيم القاعدة،فإن الحركة هي أساسا حركة محلية نشأت في شمال شرقي نيجيريا، كنتاج للإحساسباليأس والغضب تجاه فساد الحكومة وعدم فعاليتها. وبحسب قول صحافي نيجيري،فإن محمد يوسف، القائد الأول للجماعة «لم يكن ليستطيع أن يحصل على تأييد كلهذا العدد من الأشخاص إذا كان قد بدأ محاولاته في دولة فعالة؛ حيث تقبلتالناس تعاليمه بسهولة نظرا للمناخ الذي يعيشون فيه والإحباطات والفسادوالمظالم التي جعلت البيئة خصبة لتنامي آيديولوجيته السريع الذي كانكانتشار النار في الهشيم».

وكأسباب نشأتها، تقتصر أهداف الجماعة على النطاق المحلي؛ حيث ترفضرؤيتها الإسلامية المتشددة والأصولية النفوذ الغربي والعلماني وتدعو لتأسيسدولة إسلامية «نقية» في نيجيريا. ولكي تحقق تلك الغاية، كانت الجماعة تشنهجمات بشعة في شمال البلاد لسنوات طويلة وكانت عادة ما تستهدف المدارس. ومنبين أكثر الحوادث التي اقترفتها بشاعة كانت حادثة وقعت في فبراير (شباط) الماضي، حيث هاجمت «بوكو حرام» مدرسة داخلية في الشمال وقتلت العشرات منالفتيان خلال الليل وأحرقت بعضهم أحياء. وفي هذه الغارة، لم يجر المساسبالفتيات بل أخبروهن أن يعدن إلى منازلهن وينبذن التعليم العلماني ويتزوجن.

هاجمت «بوكو حرام» مدرسة وقتلت العشرات من الفتيان ولم يجرالمساس بالفتيات بل أخبروهن أن يعدن إلى منازلهن وينبذن التعليم العلمانيويتزوجن

ويمكن للتكتيكات الإرهابية التي تعتمدها «بوكو حرام» في معقلها ذيالأغلبية المسلمة بشمال نيجيريا أن يفاقم التباينات الإقليمية الحادةبالفعل؛ حيث يتخلف الشمال إلى حد كبير عن الجنوب خاصة فيما يتعلق بالتعليم (وتقريبا كافة معايير التنمية الأخرى). ففي 2010، كان معدل الالتحاقبالمدارس الابتدائية في شمال ولاية زامفارا يبلغ 18 في المائة فقط مقارنةبنحو 86 في المائة في ولاية انامبرا الجنوبية. وفي بعض المناطق الشمالية،لا تستطيع سوى 20 في المائة من السيدات القراءة.

وتعد الوسيلة الوحيدة لتحسين مستقبل المنطقة، ومنع وقوع المزيد منالهجمات على طلاب وطالبات المدارس، هي التعامل بجدية مع قضية «بوكو حرام». ولكي تفعل الحكومة النيجيرية ذلك، عليها إعادة النظر في استراتيجيتهالمكافحة الإرهاب.

بوكو حرام

إذن لماذا تستهدف حركة بوكو حرام المدارس؟ أولا لأن الجماعة تنظر لهاباعتبارها مركزا للنفوذ الغربي الفاسد والتعليم العلماني الذي تعتبره مهددالقيمها الإسلامية المتشددة. (اسم الجماعة «بوكو حرام» يعني التعليمالعلماني محرم). بالإضافة إلى أن «بوكو حرام» ذكية بما يكفي لأن تدرك أنالنظام التعليمي البائس بنيجيريا هو إحدى نقاط الضعف الرئيسة. فعلى الرغممن أن نيجيريا هي إحدى كبرى البلاد المنتجة للبترول مما يعني أنها يجب أنيكون لديها عائدات كافية للمدارس، فإن النسبة التي تخصص سنويا من الدخلالقومي الإجمالي للتعليم كانت أقل من واحد في المائة مما يجعل نيجيريا،للأسف، تنفق قدرا أقل من إجمالي الدخل القومي على التعليم مما تنفقه أيةدول أخرى على وجه البسيطة باستثناء ميانمار.

وعلى الرغم من أنه من المفترض أن الدولة تقدم تعليما مجانيا، يضطرالطلاب النيجيريون أن يشتروا الكتب والزي الرسمي للمدرسة، والذي تبلغتكلفته نحو 200 دولار تقريبا وهو ما لا تستطيع العديد من الأسر النيجيريةتحمله. إذن، ليس مستغربا أن يكون معدل من يجيدون القراءة والكتابة فينيجيريا51.1في المائة، وهو أقل بكثير من جارتها كينيا (72.2 في المائة)،وزيمبابوي (83.6)، والبرازيل (90.4في المائة) ومؤخرا في عام 2007، كاننصيب البلاد يتراوح بين 30 إلى 40 في المائة من إجمالي عدد الأطفال الذينلا يذهبون إلى المدارس على مستوى العالم.

كما أن هناك أيضا فجوة كبرى بين الجنسين في التعليم. ففي عام 2010، كاننحو 65 في المائة من طلاب المدارس الابتدائية في الشمال من الذكور فيماكانت نحو 35 في المائة فقط من الإناث. وعلى المستوى القومي، يوجد نحو 76 فيالمائة من الفتيان النيجيريين (تتراوح أعمارهم بين 15- 24) الذين يستطيعونالقراءة والكتابة، فيما لا تستطيع سوى 58 في المائة من الفتيات النيجيرياتفي نفس الفئة العمرية القراءة. وبالمقارنة، ففي كينيا، هناك نحو 82 فيالمائة من الفتيات و83 في المائة من الفتيان يستطيعون القراءة والكتابة،فيما تصل نسبة القراءة والكتابة بين الشباب في البرازيل إلى 98 في المائةللفتيات و97 في المائة للفتيان. وعلى الرغم من أن النيجيريين يعتبرون ذلكالانفجار السكاني – الأكبر في نيجيريا حيث يصل إلى 170 مليونا – ميزةإضافية، فإنه، في ظل وجود عدد محدود من الأشخاص الذين يتلقون تعليماملائما، ربما يمثل تهديدا للتنمية والازدهار والأمن.

قوة غير نافعة

كانت أبوجا تعتمد دائما على قوة عشوائية في محاربة «بوكو حرام» مما أسفرعن سقوط أعداد كبيرة من المصابين بين صفوف المدنيين، وهو ما عززه انعدامالثقة في القوات الحكومية وترك العديد من المزارعين المعرضين للخطر وهميشعرون بأنهم عالقون بين المتطرفين الراديكاليين المتعطشين للعنف والحكومةغير الكفء وربما غير المهتمة والمستعدة لأن تلجأ أيضا إلى الوحشية.

ولهزيمة «بوكو حرام»، يجب على الحكومة النيجيرية أن تشن عمليات عسكريةأكثر فعالية ومهنية (ويمكن أن تبدأ بإنقاذ الفتيات المختطفات)، ومعالجةالقضايا الأساسية التي تعزز تلك الحركة. وفي خطاب ألقاه مستشار الأمنالقومي النيجيري، محمد سامبو دسوقي، في مارس (آذار) الماضي، حدد المستشارالأسباب الرئيسة وراء نشأة «بوكو حرام» والتي تضمنت الفقر وانعدام الأمانوالبطالة وتزايد أعداد الشباب في المجتمع. وبثت تلك التصريحات بارقة أملتتعلق باستعداد الحكومة لأن تبدأ في معالجة المشكلات. ومن المتوقع أن تتضمنمقاربته الجديدة التي أطلق عليها «مقاربة نيجيريا الناعمة لمكافحةالإرهاب» عقد شراكات مع كبار علماء الدين الذين احلوا المقاربة،اضافة إلىالعائلات والصحافيين ومنظمات المجتمع المدني لمواجهة التطرف ووقف عملية نشرالأفكار الراديكالية.

كما تتضمن تلك المقاربة التواصل مع الإرهابيين المدانين الذين يقضون فترةعقوبتهم بالسجن «عبر برامج مخصصة لمشاركتهم في عمليات مراجعة فكريةوآيديولوجية تؤدي لتغيير في السلوك». وفي هذا السياق، يجب على نيجيريا أنتدرس الجهود التي بذلتها الدول الأخرى مثل أفغانستان وإندونيسيا والمملكةالعربية السعودية والتي اتبعت مبادرات مماثلة للقضاء على الراديكالية وحققتقدرا من النجاح.

يجب على نيجيريا أن تعالج العديد من المظالم الكبرى. بعد تزايدعدد الأشخاص الذين يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا إلى 69 في المائة

كما شاركت نيجيريا بالفعل كأحد الشركاء المؤسسين لـ«الصندوق العالميللانخراط المجتمعي والمرونة» الذي تدعمه الولايات المتحدة الأميركية وهومنظمة متعددة الأطراف تستهدف مجابهة التطرف على المستوى المحلي كما يعدوجهة رئيسة لتقديم تمويل مبكر للبرامج.

وفي الوقت نفسه، يجب على نيجيريا أن تعالج العديد من المظالم الكبرى. ففي الفترة بين 2004، و2012، تزايد عدد الأشخاص الذين يعيشون على أقل مندولار واحد يوميا من نسبة 55 في المائة إلى 69 في المائة من السكان. ويمكنالبدء بخطة طموحة لتطوير التعليم، باعتباره استثمارا في المستقبل وكذلككضربة مضادة لـ«بوكو حرام». كما أن زيادة الإنفاق على التعليم من مستواهالحالي الذي يصل إلى أقل من واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلىأربعة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يمكنه أن يضع نيجيريا على قدمالمساواة مع غيرها من الدول النامية. ويجب توجيه قدر كبير من ذلك الإنفاقإلى شمال البلاد الذي توجد به أقل معدلات التحصيل العلمي. كما يجب أن يصبحتقليل الفجوة المخذية بين الجنسين في الالتحاق بالمدارس ومعدلات التخرج منأولويات الحكومة أيضا. ويتطلب ذلك برامج خاصة تعالج العوائق الثقافية أمامذهاب الفتيات إلى المدارس، كما يجب معالجة المخاوف الحقيقية والمتزايدةللآباء والمتعلقة بإرسال الفتيات إلى المدارس. ففي النهاية، يعتمد مستقبلنيجيريا على أن تكون قادرة على تعليم كافة أطفالها.

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *