الرئيسية / مقالات / أوروبا تتصارع على الغاز الروسي

أوروبا تتصارع على الغاز الروسي

Russian-Gas2

بقلم: هاني شادي — في شهر مارس / آذار الجاري، توجّهت حكومات تشيكيا واستونيا وهنغاريا ولاتفيا وبولندا وسلوفاكيا ورومانيا وليتوانيا إلى رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، برسالة يعترضون فيها على تشييد خط نقل الغاز الطبيعي «السيل الشمالي ــ 2»، (Nord Stream 2)، المخوّل بنقل كميات إضافية من الغاز الروسي إلى ألمانيا ومنها إلى دول أوروبية أخرى بشكل مباشر دون المرور بالأراضي الأوكرانية. وطلبت حكومات هذه الدول منع بناء «السيل الشمالي ـ 2»، لأنه، برأيها، سيؤدي إلى اختلالات جيوسياسية ويهدّد أمن الطاقة في وسط وشرق أوروبا. وأشارت هذه الدول في رسالتها أيضاً إلى أن هذا المشروع سيؤثر سلباً على تطوّر سوق الغاز الطبيعي ومسارات نقله في أوروبا، خاصة على مسار نقل الغاز عبر أوكرانيا. يُذكر أن قمة الاتحاد الأوروبي في شهر كانون الأول 2015، كانت قد شهدت مناقشات حادة حول هذا الموضوع، بعد أن اتهم رئيس الوزراء الإيطالي ألمانيا، المشاركة في «السيل الشمالي ــ 2»، بأنها تخالف «روح» العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، بسبب دعمها للمشروع المذكور.
ويعوّل الكرملين كثيراً على مشروع «السيل الشمالي ــ 2» لزيادة صادرات روسيا من الغاز الطبيعي إلى أوروبا في مقابل دعوات أوروبية في السنوات الأخيرة لتنويع مصادر الطاقة للاتحاد الأوروبي وتقليل الاعتماد على موارد الطاقة الروسية. فمن المفترض أن يزيد «السيل الشمالي ــ 2»، حجم توريدات الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا بمرتين. ويتضمّن المشروع بناء أنبوبين اثنين لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا مروراً بقاع بحر البلطيق. ويقوم على بناء خط أنابيب الغاز «السيل الشمالي 2» ائتلاف شركات، يضمّ كلاً من شركة «غاز بروم» الروسية التي تستحوذ على حصة 51 في المئة، وشركة «E.ON» الألمانية ومجموعة «باسف» الألمانية وشركة «Royal Dutch Shell» الهولندية البريطانية وشركة «OMV» النمساوية بـحصة 10 في المئة لكل منها، وشركة «Engi» الفرنسية بنسبة 9 في المئة.
وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد أعطى في خريف 2015، إشارة البدء في أعمال بناء خط أنابيب الغاز «أوختا – تورغوك 2» في الأراضي الروسية، الذي سيتمّ ضخّ الغاز من خلاله إلى خط «السيل الشمالي -2» لتصديره في ما بعد إلى أوروبا. ومن جانبه، اعتبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في شباط 2016 أن مشروع «السيل الشمالي-2» يساهم في تعزيز أمن الطاقة في أوروبا، واصفاً إياه بالمشروع التجاري الذي سيُسهم تنفيذه في استقرار إمدادات الغاز إلى السوق الأوروبية. ومن المعروف أن مشروع الغاز «السيل الشمالي-2» يحظى بترحيب دول أوروبية، كالنمسا وألمانيا، بينما يلقى معارضة من دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي. وكانت تصريحات لافروف قد جاءت رداً على تصريحات صدرت عن بولندا في مطلع العام الجاري، وصفت فيها «السيل الشمالي ــ 2» بالمشروع السياسي الذي يضرّ بقواعد الاتحاد الأوروبي ويتعارض مع سياسة تنويع مصادر الطاقة.
إن رسالة آذار الحالي من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبي للمطالبة بمنع تشييد «السيل الشمالي ــ 2» ليست الأولى من نوعها. ففي نهاية العام 2015، تقدّمت بولندا ودول البلطيق الثلاث وتشيكيا وسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا وكرواتيا واليونان برسالة مماثلة، تعارض فيها تنفيذ المشروع لكونه يزيد من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، ومن ثم يهدد أمن الطاقة في القارة الأوروبية. وتعارض أوكرانيا كذلك هذا المشروع، لأنه يتجنّب المرور بها ويحرمها من الرسوم الكبيرة التي تحصلها نتيجة مرور الغاز الطبيعي الروسي عبر أراضيها إلى البلدان الأوروبية. ولكن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، تدافع عن المشروع، ويؤيدها في ذلك رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، الذي يتفق مع موسكو في ضرورة عدم تسييس هذا المشروع.
ويرى بعض الروس أنه كان من الممكن ضخ حجم الغاز المقرر في مشروع «السيل الشمالي ـ 2» عبر الأراضي الأوكرانية، ولكن موسكو أعلنت أنها لن تمدد اتفاقية ترانزيت الغاز عبر أوكرانيا والتي تنتهي عام 2019. كما أن كييف تشترط على روسيا دفع مليارات الدولارات قيمة «ترانزيت» الغاز عبر أراضيها. ويخشى فريق من الخبراء الروس من فقدان روسيا خلال السنوات العشر المقبلة لأكثر من 93.5 مليار دولار في حال وافق الاتحاد الأوروبي على وقف تشييد مشروع «السيل الشمالي ــ 2»، وتوقف ضخ الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية. ولتفادي هذا الوضع، قد تضطر موسكو إلى تمديد الاتفاقية الموقعة مع أوكرانيا بشأن ضخ الغاز الطبيعي الروسي عبر الأراضي الأوكرانية. بيد أن أوكرانيا، بعد أزمتها الأخيرة مع موسكو وانضمام القرم إلى الاتحاد الروسي، تبذل جهوداً حثيثة لقطع العلاقات مع روسيا في مجال الغاز وترفض شراء الغاز الروسي وتعمل على استيراده من دول أخرى. كما أنها رفعت ضريبة ترانزيت الغاز الروسي عبر أراضيها في الفترة الأخيرة بمرة ونصف المرة.
وبالرغم من هذه الصعوبات، تحاول موسكو التقليل من حجم معارضة رافضي المشروع، على أساس أن الاعتبارات الاقتصادية التي يقوم عليها «السيل الشمالي ـ 2» سوف تتغلب في نهاية المطاف داخل الاتحاد الأوروبي. ويعتبر الكرملين أن تشييد «السيل الشمالي ـ 2» يصبُ في مصلحة مؤسسي الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث إنها هي المستفيدة الأولى منه. ولا يخرج عن هذا السياق المتفائل بعض الخبراء الروس، ومنهم يفغيني مينتشينكو، الذي يعتبر أن الفرصة لا تزال سانحة لتنفيذ المشروع لأن الشركات الألمانية مهتمة به لكونها ضمن المستثمرين الأساسيين. ويرى مينتشينكو أن هذا سوف يؤثر إيجابياً في القرار النهائي للمفوضية الأوروبية. وفي مواجهة هذا التفاؤل، لا يستبعد خبراء روس آخرون أن يكون مصير مشروع «السيل الشمالي ــ 2» هو مصير مشروع «السيل الجنوبي» نفسه لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا الجنوبية.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

‏‎العراق / فقدان القرار ..مجهولية المصير واستحقاقات المرحلة/ باسم ابوطبيخ/لندن

باسم ابوطبيخ / لندن ‏‎باحث في العلاقات الدولية ‏‎بعد السقوط رسم الاحتلال شكل العراق بألوانٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *