الرئيسية / مقالات / تطوير العلاقات الإسرائيلية الروسية استراتيجياً

تطوير العلاقات الإسرائيلية الروسية استراتيجياً

Putin-Netenyaho2

بقلم: حلمي موسى — رغم كل المشاكل التي تجد إسرائيل نفسها فيها فإنها تتعامل مع الحرب الدائرة في سوريا بوصفها جهنم التي يتلظى بنارها كل أعدائها. وكان جليا أن إسرائيل مرتاحة إلى عدم تدخل الولايات المتحدة في الحرب بشكل يسهم في حسمها كما أنها لم تبد ارتياحا للتدخل الروسي عندما بدأ مكثفا قبل بضعة شهور. وبعيدا عن التعابير المخففة فإن إسرائيل مستفيدة من الحرب في سوريا وتتمنى أن لا تنتهي قبل أن تترك كل شيء خلفها أرضا محروقة.
ومن المؤكد أن إسرائيل تحاول التعامل مع المسألة السورية ضمن أبعاد تتخطى الحرب إلى ما بعدها أيا تكن النتيجة. وهي في ذلك تتعامل مع الوضع وكأنه دائم أبدا وتحاول الاستفادة منه قدر الإمكان بالقدر نفسه الذي تتعامل فيه وكأن التسوية وشيكة وهي لن تتأخر كثيرا. وفي التحليل الإسرائيلي فإن المفاوضات في جنيف لن تقود إلى تسوية انطلاقا من أن التعارضات بين القوى المشاركة في الحرب، داخليا وخارجيا، يتعذر التجسير بينها. وهي ربما ترى أن التحليل الأقرب إلى الواقع هو ذلك الروسي الذي يؤمن بأن لا حل لسوريا سوى قيام حكم فيدرالي يعتبر أضعف الإيمان.
ولكن الحكم الفيدرالي في سوريا والذي تعرضه روسيا يعيد إلى الأذهان موقف الثورة البلشفية التي كانت أول من فضح اتفاقية سايكس بيكو التي شكلت طوال القرن الماضي حجر الزاوية في الاستقرار الاقليمي في المنطقة. وليس صدفة أن ليس هناك أحد غير روسيا والأكراد يؤيدون هذه الفكرة التي تعني بمقاييس معينة فتح «صندوق باندورا». فقد كان البعد القومي على مدى أكثر من قرن عاملا محرضا على وحدة ليس سوريا وإنما المنطقة العربية بأسرها. ولربما أن فشل هذا البعد خصوصا في سوريا يحمل أيضا في ثناياه فشله في كل الدول العربية الأخرى. ولذلك فإن الفيدرالية في سوريا تعني إعادة تشكيل العناصر الأولية على أساس عرقي وطائفي وليس على أساس وطني وقومي.
ومن المؤكد أن إسرائيل، على وجه الخصوص، وهي تلحظ تراجع دور ونفوذ أميركا في المنطقة، تحاول تعزيز علاقاتها بشكل واضح مع الروس والأكراد على هذه الأرضية. فروسيا برهنت على أنها لاعب هام ليس فقط في العالم وإنما خصوصا في هذه المنطقة. ورغم التضارب في المصالح بين روسيا وإسرائيل، خصوصا لجهة العلاقات مع إيران والنظام السوري في دمشق، فإنها وجدت لنفسها مستويات من اللغة المشتركة معها. والشيء نفسه يمكن قوله عن العلاقات مع الأكراد حيث أنها انتقلت، خصوصا في العلاقة مع أكراد سوريا وتركيا، من العداء إلى التحالف استنادا إلى تاريخ طويل من العلاقة مع أكراد العراق. ومؤخرا صارت إسرائيل أشد وضوحا في تأييدها لحق الأكراد في نيل استقلالهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم. ومعروف أن الحقوق في نظر إسرائيل تعتمد على الموقف السياسي. وهذا تكرر معها في الشأن الأرمني أيضا في علاقاتها مع تركيا.
وفي كل الأحوال تبدو إسرائيل كالمنشار مستفيدة من وجود روسيا ومن غيابها ومن وجود أميركا وغيابها. وهي تفرض نفسها كقوة إقليمية من خلال إشعار العديد من الدول العربية على أن بوسعها إبرام تحالفات مصلحية على أساس المخاطر المشتركة. وهي تجد في العداء للتشدد الإسلامي السني من مدرسة القاعدة وداعش أرضية لتحالفات مع روسيا والدول العربية «المعتدلة». كما تجد في العداء للإسلامية الشيعية ممثلة في إيران و»حزب الله» وما يمثلان أرضية للتحالف مع الدول العربية المعتدلة أيضا. وتبدو إسرائيل في هذه التحالفات كمن يغذي دائرة العداء ويحاول أن يدفن تحت الأرض أسس العداء لإسرائيل.
ومهما يكن من أمر فإن إسرائيل تحاول تكرار ما جرى تقريبا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عندما بدا أن مكانتها في عالم القطب الواحد سوف تتراجع فجرى التركيز على الخطر الإسلامي. واليوم تعود إلى روسيا ولو بشكل مؤقت محاولة الاستفادة من وجود أرضية ديموغرافية وثقافية روسية في إسرائيل لتطوير علاقات ولو مؤقتا بانتظار النجاح في إعادة أميركا إلى موقع المؤثر في الشرق الأوسط. وبديهي أن إسرائيل لم تنظر بارتياح إلى ما تبدى في «عقيدة أوباما» التي ظهرت في مقابلته الأخيرة في مجلة «أتلنتك» والتي بدا فيها تراجع مكانة الشرق الأوسط في الذهن السياسي للإدارة الأميركية.
صحيح أن أمورا تتغير في أميركا وبعضها ليس في صالح إسرائيل، كما هو الحال في الجامعات وفي بعض الأوساط المثقفة. وهناك من يرى أن تدخلات نتنياهو في السياسة الداخلية الأميركية جعل إسرائيل موضع خلاف بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري وهذا ما سوف تكون له عواقب لاحقة. ولكن ثمة في إسرائيل من يرى ويؤمن أنه بوجود اللوبي الصهيوني، إيباك، هناك إمكانية لتوجيه الدفة في غير اتجاه سفينة السياسة الخارجية الأميركية الراهنة. لكن احتدام الاستقطاب في ظل نجاحات الجمهوري المتطرف دونالد ترامب ربما يجعل الرئاسة الأميركية المقبلة استمرارا للرئاسة الحالية وهذا يضع إسرائيل في ورطة.
وربما لهذه الأسباب مجتمعة تحاول إسرائيل وضع المزيد من الأوراق في جيبها بانتظار تحولات وتغييرات إقليمية ودولية. وليس صدفة أن رئيس الموساد السابق إفرايم هاليفي دعا حكومته لاستغلال العلاقة المتطورة مع روسيا من أجل وقف التجارب الإيرانية على الصواريخ على قاعدة أن «المسافة بين طهران وتل أبيب تشبه جدا المسافة بين طهران وموسكو»، ما يعني وجود مصلحة مشتركة.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ايلول وايلول / بقلم المفكر العربي معن بشور

ايلول وايلول /معن بشورهل كانت صدفة أن يختار ترامب ومعه نتنياهو الخامس عشر من ايلول/ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *