الرئيسية / شؤون سورية / الأكراد يستفيدون من ضعف السلطات السورية لإقامة الفدرالية

الأكراد يستفيدون من ضعف السلطات السورية لإقامة الفدرالية

Kurds-Festival

بقلم: محمد بلوط — لم يخيّب «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي ظن المراهنين عليه عدم مقاومة إغراء الانتقال من الإدارة الذاتية، إلى الاتحاد الفدرالي في الشمال السوري، بعيداً عن المركز الدمشقي.
الإغراء كان مفرطاً بعد سلسلة الانتصارات العسكرية، في معارك عين العرب (كوباني) وأريافها خاصة، والتمدد أبعد من الخريطة الكردية التقليدية، في مناطق عربية، تحت غطاء جوي أميركي.
بل إن المجتمعين طيلة يومين في الرميلان في الحسكة، في لحظة بدأت تأسيسية لمغامرة فدرالية سورية، استنفدوا هوامش رمزية، ووضعوا غرب كردستان، (روج آفا – الشمال السوري) عنواناً للاتحاد الفدرالي، الذي يتماهى في حدوده المعلنة مع المخاوف التركية والسورية، إلى كيان كردي بعمق يتراوح من 50 إلى 100 كيلومتر، وبطول أكثر من 600 كيلومتر، تبدأ من عفرين غربا حتى المالكية في أقصى الشرق.
ويصبح التحدي مزدوجاً لتركيا لان أعلامه تلوح عند تخوم الأناضول الجنوبي الذي تحولت بعض مدنه إلى ميادين قتال، يمكن من دون مبالغات مقارنتها بالخراب السوري، رغم غياب وسائل الإعلام، في لحظة عودة «حزب العمال الكردستاني» إلى الكفاح المسلح، وتداول أفكار عن تقسيم تركيا نفسها، وانتقال العدوى السورية إليها.
خلوة الرميلان الكردية قضت بالعمل على تأسيس نظام فدرالي ديموقراطي لـ «روج آفا ـ شمال سوريا»، وانتخبت رئاسة مشتركة للمجلس التأسيسي ولجنة تنظيمية تتألف من 31 عضواً، وكلفت اللجنة التنظيمية بإعداد عقد اجتماعي ورؤية قانونية سياسية شاملة لهذا النظام في مدة لا تتجاوز ستة أشهر.
ويتوج الإعلان أكثر من ثلاثة أعوام من تجربة الإدارة الذاتية، التي اختبر فيها «حزب الاتحاد الديموقراطي» جميع الأطراف الإقليمية، على التقدم تدريجياً نحو بناء كيان كردي، بات يقف على حافة سايكس – بيكو، من دون القفز فوقها حتى الآن، ومن دون أن تصدر ردود فعل جدية، تهدد حتى الآن المشروع الكردي في الشمال السوري، لا من دمشق التي سلّحت وساعدت الحركة الكردية الوليدة، ولا من تركيا التي انتظرت عاماً كاملاً قبل أن ترسل «جبهة النصرة»، إلى رأس العين في العام 2012 لكبح تقدم وحدات حماية الشعب، قبل أن تفتح صيف 2014 معابرها لتنظيم «داعش» لسحق عين العرب من دون نتيجة، بل إنها قلبت خريطة التحالفات وأدخلت الأميركيين في البر السوري، لحماية حلفائهم الجدد.
ويبدو الرهان الدمشقي اليوم مكشوفاً، بعد تجاوز «الديموقراطي» ما كان منتظراً من عملية تسليحه في بناء جدار كردي في مواجهة الأتراك، الى فائض قوة قادرة على تغيير قواعد النظام السياسي، وقلب خرائط المنطقة. وكان مندوب سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري قد كشف عن ذلك خلال مؤتمر «موسكو 2» الربيع الماضي.
وكان الرهان الدمشقي يقوم على تسليح الأكراد لتحصين خط الحدود مع تركيا، من اختراقات المجموعات المسلحة، وتهديد الأتراك بشبح معقل كردي، لتوفير أعباء نشر عشرات الفرق على جبهة تمتد مئات الكيلومترات، وهي فرق لا يملكها الجيش، ويحتاج إليها على جبهات أخرى.
ويبدو «حزب الاتحاد الديموقراطي»، و «حركة المجتمع الديموقراطي» لولب الاتحاد الفدرالي لـ «روج آفا» في عزلة نسبية، رغم أن الإدارة الذاتية، قد شهدت تحوّلات كبيرة لجعل الفدرالية جغرافية محضة، لا تستند إلى قاعدة عرقية كردية، بضمها إلى مؤسساتها جمهوراً عربياً وسريانياً واسعاً. كما أن إيلاء «مجلس سوريا الديموقراطية»، بزعامة عربية كردية مشتركة، دوراً سياسياً يتجاوز الشمال إلى سوريا كلها، والاستناد إليه في الترويج لنموذج الإدارة الذاتية كحل ديموقراطي لسوريا بأجمعها، عمل على تخفيف كردية الإدارة. بل إن الطموح في تثبيت سوري المشروع كان سيعمل على ضم عناصر ومكونات من مناطق سوريا كلها إلى مؤسساته.
إلا أن ذلك بقي مجرد واجهة عربية لمشروع كردي خالص لم يتوصل إلى إطلاق ديناميكية مشتركة. سببه الأول سوء الفهم لطبيعة الفدرالية والمضامين التي كان الجناح العربي الضئيل يعتقدها لامركزية إدارية، فيما يطمح الأكراد لتحويلها إلى إطار جغرافي وسياسي، يضعف قبل كل شيء المركز الدمشقي الذي لا يزال تعزيزه مطلب كل الفئات باستثناء الأكراد. كما اتضح أن الفدرالية، باستثناء «حزب الاتحاد الديموقراطي»، ليست مطلب أي من المكونات السورية الأخرى، لا العلوية ولا الإسماعيلية ولا الدرزية ولا العشائرية، ولم يصدر صوت واحد من خارج الشمال السوري الذي تسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردية، يطالب بإضعاف المركز الدمشقي.
اذ رغم مرور خمسة أعوام من الحرب، واستنزاف الجيش السوري في معارك طاحنة، إلا أن أحداً من المكونات العربية أو السورية المذهبية أو العرقية الأخرى، لم يتقدم نحو إقامة أي تحالف للأقليات. والأرجح أن اقتطاع الجزيرة وضم مناطق عربية إلى الإدارة الذاتية، أو الفدرالية، سيزيد من احتدام الصراع في هذه المنطقة، إذ إن ضعف استجابة دمشق في التعامل مع مخاوف العشائر من الصعود الكردي، والتي سبقها لجوء الكثير من أبنائها إلى مبايعة «جبهة النصرة» في المراحل الأولى من الحرب السورية في الشمال السورية، وخصوصا في رأس العين، سيؤدي إلى وضع السنّة العرب في الجزيرة على تخوم العراق القريب، بين سندان «داعش» ومطرقة الفدرالية الكردية.
ومن المستبعد أن يكون «الاتحاد الديموقراطي» قد أقدم على خطوته الأخيرة، من دون إطلاع حلفائه الأميركيين عليها مسبقا، أو استطلاع رأيهم ورأي حلفائه الغربيين. وكان لافتاً أن الأميركيين قد عبّروا في موقف مزدوج عن رفضهم الاعتراف أو تأييد الإدارة الذاتية. ففيما كان البنتاغون يتجاوز الخارجية للتأكيد أن أولويته هي قتال «داعش»، مع قوة ارتكازه الوحيدة الكردية الفعالة في الشمال السوري، كانت الخارجية الأميركية برفضها «روج آفا» تريد الحفاظ على قدرتها على إدارة تحالفها مع مجموعة الرياض المعارضة، فضلاً عن طمأنة حليفها التركي على اقتصار التحالف مع الأكراد، في إطار مكافحة الإرهاب.
وعاد الروس إلى تأكيد رفضهم أي اعتراف بالخطوة الفدرالية، بعد لغط أثاره تصريح سيرغي ريابكوف عن موافقة موسكو عما يختاره السوريون، بما في ذلك الحل الفدرالي، وهو التباس اعتبره الأكراد ضوءاً أخضر من حليف دمشق لإطلاق مشروعهم. ولن يفاجأ الأكراد بإجماع دمشق والمعارضة، على رفض فدرلة الشمال، خصوصا أنهم حصدوا رفضاً مسبقاً لأي طرح فدرالي في معظم مؤتمرات المعارضة التي شاركوا فيها. وهكذا أعلنت دمشق أن «طرح موضوع الاتحاد أو الفدرالية سيشكل مساساً بوحدة الأراضي السورية ولا قيمة قانونية له»، فيما كان «الائتلاف» المعارض يرد أن «لا مكان لأي مشاريع استباقية تصادر إرادة الشعب السوري»، محذراً «من أي محاولة لتشكيل كيانات أو مناطق أو إدارات تصادر إرادة الشعب السوري».
وجاء الرفض أيضا من أقرب الحلفاء العرب لـ «حزب الاتحاد الديموقراطي»، عندما قال «تيار قمح»، الذي يقوده المعارض هيثم مناع، إننا غير معنيين بمخرجات اجتماع الرميلان ونرفض أن تفرض على «مجلس سوريا الديموقراطية» كأمر واقع، ونتمنى على التنظيمات المشاركة إعادة النظر في قراراتها، حرصاً على وحدة مكونات «مجلس سوريا الديموقراطية» السياسية والمدنية والقومية.
ويعكس بيان رئيس «سوريا الديموقراطية» سوء فهم كبيراً لمشروع «الاتحاد الديموقراطي» في سوريا، بعد تحالفه مع الولايات المتحدة وإدراكه أن الشروط الدولية باتت تتيح التحرك نحو مشروع فدرالي يتخفف من سلطة دمشق المركزية، وانتزاع جزء من الشمال السوري يعضد فرعه التركي في لحظة صعود الرهان على الكفاح المسلح مجددا في الأناضول المرتبك.
ويعكس سقوط هذا التحالف عجز أي طرف عربي، سواء في المعارضة أو الحكومة، على تصريف مشروع الفدرالية سياسيا، مهما كانت درجة تأييده للحقوق الكردية، قبل الدخول في المفاوضات على التعديلات الدستورية، ودون اندراجه في العملية السياسية، كما يعكس الحدود التي يمكن لأفضل الحلفاء العرب أن يذهب إليها في التعاطي مع المشروع الكردي، عند اللامركزية الإدارية وليس أبعد، تجنباً لاتهامه بالتفريط بالوحدة السورية.
ويقول مسؤول كردي بارز إن خيار الإدارة الذاتية، أو الفدرلة، لا بد منه، لأنه لن يحظى بأي حال بتأييد عربي وازن في سياق عملية دستورية إذ لا ينبغي الرهان على التعديلات الدستورية لإقراره، ولا على الاستفتاء الشعبي، لان العرب سيرفضونه، وان الطريق الوحيد هو التوافق على إعلان فوق دستوري يتضمن الفدرلة والحقوق الكردية، وهو أمر لن يحدث أيضاً إلا بتفاهم دولي أميركي روسي على مستقبل سوريا ونظامها السياسي، يفرض على باقي المكونات في جنيف أو غيرها.
وفي منطقة تلعب فيها العشائر دورا أساسيا ومقررا، كان صعبا العثور على تأييد وجوه العشائر العربية في الجزيرة لاجتماع الرميلان. وباستثناء دهام حميدي، زعيم شمر اصغر قبائل الجزيرة، غابت وجوه أكبر قبائل المنطقة، كالجبور التي يقود شيخها حسن المسلط أكبر كتلة سكانية عشائرية في المنطقة. وطبيعي أن يغيب محمد الفارس زعيم طي المؤيد لدمشق، ولم تحضر وجوه من البوشعبان وأبو بنا التي تنتشر حول تل أبيض في الممر الذي ضمه الأكراد إلى الإدارة الذاتية، بعد انتزاعه من «داعش»، لوصل كانتون عين العرب بالحسكة.
لكن الأكراد استطاعوا مع ذلك الحصول على تأييد عربي من خلال إدراج قطاع مهم من العرب في المجالس المحلية، وفتح المجال السياسي أمامهم، وإعادة تفعيل الخدمات في المنطقة، وتعويض الوجهاء عن فقدان قدرتهم على التوزيع والزبائنية، مع تراجع دور الدولة السورية ومؤسساتها، وقضم الإدارة الذاتية تدريجياً لدورها، واستقطابها بالتجنيد أو الالتحاق للآلاف من الشباب العرب، حيث لم يعد الجيش، برواتبه التي لا تتعدى الـ30 ألف ليرة سورية، قادراً على منافسة ما تدفعه وحدات حماية الشعب من رواتب تبدأ بـ60 الف ليرة، وحيث بات العرب يشكلون أكثر من 30 في المئة من عناصر الوحدات.
ويبدو الإعلان الفدرالي أهم بكثير من التكتيكات التي تقول إن الأكراد قد اختاروا مع انعقاد جنيف إطلاق قنبلة الفدرلة، لضمهم إلى المفاوضات، وتسهيل الضغوط الأميركية والروسية على الأتراك لإجلاسهم على مقاعد الحوار السوري والاعتراف بدورهم. ولن يكون بوسعهم في جنيف الحصول على إقليم فدرالي، لأنها تدور تحت عنوان وحدة سوريا، ولان الحكومة والمعارضة ستكونان خصماً موحداً لمواجهة المطالب الكردية، إذا ما تحدثت عن الفدرلة، ولكنها تستطيع تدريجياً التحول إلى لاعب أساسي في سوريا وانتزاع أوراق كبيرة، من خلال المشاركة في كل الملفات المفتوحة كالحكومة الموسعة أو التعديلات الدستورية أو الانتخابات، وإيجاد حلفاء من داخل القوى المدعوة إلى تحديد مستقبل سوريا عبر توظيف ثقلهم في تلك المفاوضات، وانتزاع حقوقهم السياسية.
إلا أن عناصر أخرى قد تكون أسهمت في فرض الخيار الفدرالي وتوقيته. اذ بات خطر «داعش» اقل حضوراً في الجزيرة، كما أنه من المستبعد أن يعود الى الانتشار في الحسكة، بعد هزيمته في الشدادي خصوصا، وعام كامل من الهزائم والتراجع انطلاقا من عين العرب وأريافها. كما أن وجود الجيش السوري تقلص نسبياً في قلب المدن، لا سيما في القامشلي والحسكة، بعد محاولة «داعش» اختراقها. ولا توجد أي سياسة عشائرية لا في الداخل السوري، لشد عصب العشائر ضد الأكراد أو تهديدهم، بعد تحويلهم إلى قوة منظمة، ولا في الجوار الأردني الذي أخفق في بناء أي قوة عشائرية جدية، رغم ما كانت تخطط له أو أعلنت عنه عمان العام الماضي بهذا الشأن. كما انه ليس مؤكدا أن يقوم الأتراك برد فعل يهدد الفدرالية الشمالية. قد لا يشعر الأتراك بتهديد جدي إذا ما أدت الفدرالية إلى إطلاق ديناميكية تقسيمية تضعف سوريا والمركز الدمشقي. كما أن تركيا لم تعد قادرة على خوض حرب مباشرة أو التدخل في سوريا من دون توريط حلفائها، كالناتو أو الولايات المتحدة، وظهر حتى الآن أن الجيش التركي غير راغب في القيام بأي عملية برية في سوريا، خصوصاً مع بقاء روسيا في الأجواء واستعداد الروس للعودة خلال ساعات. كما أخفقت كل المحاولات التركية لوقف الأكراد في سوريا منذ معارك رأس العين، حتى عين العرب، سواء عبر المجموعات السلفية المسلحة و «داعش» أو بالقصف المدفعي.
لكن الاحتمال الذي لا ينبغي أن يغيب أيضا، هو أن يلجأ الأتراك الى خيار يائس أخير، بعدما خسروا جزءاً كبيراً من أوراقهم، والتفاهم مع دمشق، والتعجيل بإنهاء النزاع، على الأقل في الشمال، لقاء تحييد الأكراد، والقضاء على الفدرالية الوليدة، وهو خيار لا ينبغي افتراضه بعيداً، خصوصا أن بعض القنوات التركية – السورية قد فتحت في هذا الاتجاه، بعد زيارة رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو الأخيرة إلى طهران. وتبدو المغامرة الفدرالية نجاحاً كبيراً لـ «حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي حقق في غضون سنوات في سوريا، من بناء معقل مسلح قوي ومؤسسات مستقلة على 20 في المئة من الأرض السورية، ما عجز عنه شقيقه التركي «العمالي الكردستاني» طيلة أربعة عقود.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

وسائط الدفاع الجوي السوري تتصدى لأهداف معادية من القنيطرة

القنيطرة-سانا تصدت وسائط الدفاع الجوي في الجيش العربي السوري اليوم لأهداف معادية قادمة من اتجاه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *