الرئيسية / ترجمات / بلاد النار

بلاد النار

Putin-Assad

بقلم: جاكي خوجي* — إن خطرا كبيرا حلق فوق أمن إسرائيل في السنوات الخمس الماضية منذ اندلاع الحرب الاهلية السورية. تحرك نظام بشار الاسد بين الحياة والموت وكان قريبا من نهايته. لم تعرف القيادة الإسرائيلية كيفية التعامل مع الطبخة التي تُطبخ من وراء الحدود. وقد انضمت في البدء إلى الجوقة الدولية التي تطالب برحيله. وبعد ذلك فهمت أن اتخاذ موقف واضح قد يُغضب أحد الاطراف المتضررة ولهذا قررت الصمت. وفي النهاية بعد أن تبين أن المتطرفين هم الذين يحاربون النظام، قررت إسرائيل أن من الافضل لها مع الاسد، لكنها استمرت في الشكوى من علاقته مع حزب الله وإيران.

لن يعترف أي سياسي إسرائيلي، أو ضابط عسكري، بفم ملآن، أن بقاء الاسد يشكل بالنسبة لإسرائيل طوق النجاة وأنه كان علينا أن نصلي من اجل بقائه منذ شتاء 2011، حيث تنبأ الجميع تقريبا أنه سينهار. وأنه يجب علينا أن نشكر نصر الله مرتين. مرة لأنه ساهم بدماء أبنائه من اجل منع انهيار النظام في دمشق. ومرة لأنه سحقهم في معارك صعبة ووجه كل امكانياته إلى الساحة السورية.

بعد مرور خمس سنوات على الحرب السورية التي لا تبدو نهايتها في الأفق، لكن ذروتها أصبحت على ما يبدو وراءنا، يجب علينا أن نشكر الإيرانيين ايضا الذين ساهموا بالاموال والسلاح من اجل كبح المليشيات السنية وعلى رأسها داعش. ايضا يجب علينا أن نشكر بوتين لأنه وقف إلى جانب دمشق على طول الطريق. هذا التحالف المؤيد لسوريا أبعد امكانية تواجد المنظمات الجهادية المتطرفة، التي لا قيود أو قوانين لها، عن الحدود، حيث كان يمكن أن تتحول إلى كابوس بالنسبة لسكان كتسرين ورمات مغشميم والونيه هبشان وبعد ذلك طبرية ايضا.

نحن الإسرائيليين نحاكم الحرب في سوريا من خلال نظاراتنا. من خلال الصواريخ التي تسقط بالخطأ في الجولان أو المصابين الذين يطلبون العلاج في مستشفيات الشمال. لكن هذه المعركة هي حدث اقليمي دراماتيكي، حرب عالمية صغيرة غيرت وجه المنطقة من الناحية السياسية والديمغرافية والاقتصادية. معسكران يسفكان دماء بعضهما البعض. الاول برئاسة السعودية ويشمل قطر والامارات وتركيا ودول اخرى. والثاني يشمل سوريا بقيادة الاسد، حزب الله، إيران وروسيا.

الصراع بين السعودية وإيران ليس فقط صراعا بين السنة والشيعة. إنه صراع طويل بين حضارتين هما العربية والفارسية. إنه صراع بين قوتين للنفط، واضافة إلى ذلك تزعم كل واحدة أنها تملك الإسلام الصحيح. السعودية مسلحة بأموال طائلة وبدعم العالم الغربي وقدرة متطورة على استخدام الآخرين بهدوء وخبث. وإيران لها نفسها وبعض الاصدقاء. اصدقاؤها ليسوا كثيرين وليس لديهم الكثير من الاموال. إنها تحمل لواء الملاحقة والاجحاف بحق الشيعة.

يوجد للمعسكرين مشجعون يساعدونهما بطرق ثانوية أو يؤيدونهما للحظة. العراق مثلا ارسل قوات شيعية لتحارب إلى جانب الأسد. الأردن أعطى اراضيه في السابق لمعارضي الاسد حيث حصلوا في معسكراته العسكرية على التدريب. وكانت الولايات المتحدة شريكة في تخطيط العمليات العسكرية الميدانية، لا سيما في السنوات الاولى للحرب. فرنسا ايضا لعبت دورا دبلوماسيا. مرشدون عسكريون تابعون لها قدموا في ذلك الوقت الارشاد للمتمردين في المعسكرات في الاردن. تركيا لعبت دورا اساسيا من البداية حيث منحت المتمردين الاراضي لانشاء معسكراتهم. وبعد ذلك فتحت حدودها لمئات الشباب العرب الذين جاءوا من انحاء العالم وأرادوا الدخول إلى سوريا من اجل الانضمام في محاولة القضاء على النظام.

توجد في هذا الصراع عشر دول على الأقل. الدول الثلاث الاوائل هي المنتجة الاكبر للنفط في العالم: روسيا والولايات المتحدة والسعودية. هل هذه حرب نفط؟ كانت تدخل فيها احيانا مصالح اقتصادية، لكنها ليست كذلك. إنها جزء من صراع الأنا التي ستنتهي عند استنزاف الأنا وتفهم حدود قوتها. مع مرور خمس سنوات على الحرب السورية اخترنا أن نروي قصة الحرب في هذه السنوات الخمسة عن طريق عدد من الدول التي لعبت فيها دورا مركزيا.

السعودية

السعودية هي أول من لاحظ فرصة اسقاط النظام في سوريا. وفي اعقاب ذلك اقامت مليشيات لتعزيز التمرد وتحويله إلى ما هو عليه الآن.

لقد قدمت السعودية بشكل سري الاموال لهذه المليشيات ومنحتها السلاح والارشاد. المخابرات السعودية لها صلة وثيقة مع قادة المليشيات ورؤساء الاجهزة الاستخبارية في الدول الصديقة وعلى رأسها تركيا وفرنسا وقطر ودولة الامارات وبريطانيا والولايات المتحدة. وقد عرف السعوديون بخبرتهم كيف يضمنوا عدم خسارة الموالين لهم. عندما انهار «جيش سوريا الحر»، وهو منظمة للمتمردين قادت المعركة في السنتين الأوليين، لكنها انهارت أمام التيارات الإسلامية حيث كان بحوزتها حليفة بديلة جاهزة هي جبهة النصرة، فرع عن القاعدة في سوريا.

المجتمع الدولي يدرك الآن أن اسقاط الاسد سيزرع الفوضى في سوريا ويضع السكان في واقع يشبه الوضع السائد في العراق. فقد أثبت كل من العراق وليبيا أن الجميع يكون منتصرا عند سقوط النظام. لكن السعودية مستمرة في شأنها: حتى هذه اللحظة يطلب قادتها طرد عائلات رموز النظام في دمشق.

فرنسا

فرنسا اليوم بالنسبة للموضوع السوري مثل الكلب، فذيلها لدى النظام في الرياض. وكلما قاموا بسحبه يتصاعد النباح من باريس. باريس تستفيد جدا من علاقتها مع السعودية، لا سيما من خلال بيع السلاح المتطور لها الذي يعود عليها بفائدة تبلغ مليارات الدولارات. الاقتصاد الفرنسي في الحضيض وهو يحتاج إلى اموال النفط هذه. ونتيجة لذلك تحولت فرنسا خلال سنوات الحرب في سوريا إلى العمود الفقري الاوروبي في الصراع ضد نظام الاسد. ومن تابع التصريحات التي صدرت على مدى السنوات الخمس من القادة الفرنسيين، يدرك أن الاسد فقط هو الذي يقوم بالقتل الجماعي. ولن يجد أن هناك مساهمة سعودية في الحرب السورية في تصريحات باريس. ليس دعم المليشيات وليس الاشتباه الخطير بالدعم السري للقاعدة وليس السلاح الذي أدخلته السعودية للمتمردين الذين تمركزوا في المدن وأخذوا المدنيين كرهائن. بالنسبة لباريس، الكارثة السورية لها مساهمون أقوياء وسيئون. ومن الواضح لها من يوجد في كل طرق. هذا الموقف يعكس التفكير الحر لزعماء فرنسا. إنهم مجبرون على اظهار هذه المواقف بسبب استعباد المال السعودي لهم.

التحالف بين هاتين الدولتين مؤسف ليس فقط لأنه جمّل وجه السعودية وأعطى جرائمها ضد الشعب السوري الغطاء. إنه مؤسف لأن الجمهورية المتنورة التي منحت الانسانية وثيقة اعلان حقوق الانسان والمواطن في أواخر القرن الثامن عشر، قد انضمت بعد 200 سنة إلى أحد الانظمة الاكثر قمعية في العالم. ومن خلال انضمامها إلى السعودية ساهمت فرنسا في سلب حريات الملايين في دولة ثالثة.

روسيا

منذ اللحظة الاولى، ورغم أن الأمر لم يكن علنيا، دعمت موسكو الاسد. دافع روسيا كان واضحا. فدمشق هي قلعة التأثير الاخيرة في العالم العربي بالنسبة لروسيا. على اراضيها يوجد الميناء الوحيد الذي تستطيع أن ترسو فيه السفن الروسية. وهي ايضا السوق الاساسية في الشرق الاوسط للسلاح الروسي، والحليف التاريخي للاتحاد السوفييتي اثناء الحرب الباردة.

قدم بوتين للأسد السلاح طول فترة الحرب وبذلك أنقذه عمليا. واستخدم الفيتو ثلاث مرات وأنقذه في مجلس الامن التابع للامم المتحدة من القرارات ضده. منها قرار الخروج إلى عملية عسكرية تشبه ما حدث للقذافي في ليبيا. «يوجد لسوريا اصدقاء في العالم لن يسمحوا بسقوطها»، قال حسن نصر الله في خطاب له في 2013. وهو لم يتحدث بالتفاصيل، لكنه كان يقصد موسكو وطهران. بعد ثلاث سنوات من ذلك الخطاب يتبين أن نصر الله كان على حق. فالجهود الروسية لانقاذ الحليف في الشرق الاوسط أثمرت بدرجة كبيرة.

بعد مرور خمس سنوات على الحرب تحسن تأييد روسيا لدمشق، حيث قررت روسيا قبل نصف سنة ارسال جيشها للعمل في سوريا. الظروف الميدانية فرضت ذلك، وساهمت روسيا بشكل كبير في انقاذ الاسد. وترتبط دوافعها ايضا بالذهب الاسود، لكنها لاحظت فرصة كسر التمرد. السعودية دخلت في ازمة إثر حربها في اليمن وتورطت دون أن تسجل الانتصار.

وفي المقابل تراجعت اسعار النفط وأضرت بخزينة الرياض. ولاحظ بوتين فرصة انزال السعودية عن الشجرة العالية وقام بارسال سلاح الجو الروسي لقصف المتمردين. وبذلك ساهم في تقليل الخطر الذي هدد النفط ـ دخول لاعب جديد إلى الساحة، لا يهتم كثيرا بالقوانين. داعش تعزز أكثر كقوة متقدمة في السوق الاقليمية بعد أن سيطر على حقول النفط في العراق وسوريا. فقد باع مقاتلو داعش النفط باسعار رخيصة لتركيا وسوريا. موسكو التي هي من أكبر مصدري النفط في العالم، بدأت العملية العسكرية بالقصف المنهجي لقوافل النفط المتوجهة إلى تركيا وقصف آبار النفط التي سيطر عليها داعش.

الولايات المتحدة

بعد ثمانية اشهر سيغادر باراك اوباما منصبه بعد ولايتين كرئيس للولايات المتحدة. واذا صمد الاسد حتى ذلك الحين، فيمكن ارسال الزهور إلى البيت الابيض. بعد أن اسقطت الولايات المتحدة صدام حسين في العراق وزرعت الفوضى والكارثة في بلاده. وبعد تأييدها العملية العسكرية في ليبيا التي انتهت باسقاط القذافي وتمزيق الدولة. لعبت واشنطن في سوريا دور البالغ المسؤول.

لقد فعلت ذلك احيانا من وراء الكواليس، لكن في حالة واحدة على الاقل نجا الاسد من خطر كبير كان يمكن أن يقضي عليه. في ايلول 2013 اتفقتا واشنطن وموسكو على تفكيك السلاح الكيميائي في سوريا. وقبل الاتفاق كان لدى الادارة الأمريكية خطة لقصف المواقع العسكرية في سوريا. كانت الخطة جاهزة والسفن الحربية انطلقت في طريقها. لكن في اللحظة الاخيرة واثناء نزهة يوم السبت مع الكلب على العشب الاخضر في البيت الابيض، قرر رئيس الولايات المتحدة الذهاب في الطريق الدبلوماسية.

خلال السنتين اللتين سبقتا ذلك السبت المصيري، كان الأمريكيون عنصرا كابحا من وراء الكواليس. السعودية التي تعتمد على الأمريكيين في مجال السلاح، أرادت اعطاء «جيش سوريا الحر» صواريخ متقدمة لاسقاط الطائرات المقاتلة. حيث عمل سلاح الجو السوري في حينه وسجل انجازات كثيرة. إن ازالة التفوق الجوي كانت ستغير قواعد اللعب، لكن واشنطن استخدمت الفيتو ضد هذا الامر. ومع مرور الوقت تم اخضاع «جيش سوريا الحر» من قبل التيارات المتطرفة التي سيطرت على سلاحه.

إسرائيل اعتادت على انتقاد الرئيس اوباما بسبب ضعف سياسته الخارجية. وبشكل فعلي فان اوباما قد خدم إسرائيل من الناحية الاستراتيجية مرتين أو ثلاث على الاقل. ففي الموضوع الفلسطيني سمح لحكومة نتنياهو أن تفعل ما تشاء ولم يفرض عليها أي اتفاق.

وفي الساحة السورية ساعد على اعفاء الاسد من نهاية مريرة، وبذلك منع وجود الإرهاب على بوابة إسرائيل. التاريخ سيثبت فائدة اوباما لإسرائيل في الموضوع الإيراني. وستقول السنين إذا كان الاتفاق قد أضعف السعودية حينما أعاد عدوتها إلى أسرة الشعوب. الاجابات لا توجد لدى اللاعبين الرئيسين أنفسهم، بل ترتبط بالتطورات وبالديناميكية الداخلية التي ستنتج عن الاتفاق في السنوات القريبة.

*كاتب إسرائيلي

المصدر: صحيفة معاريف الإسرائيلية، عن موقع “البوابة”

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ترامب منفتح على “اتفاق جديد” لاحتواء إيران

تناولت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير لها اليوم محادثات الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والفرنسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *