الرئيسية / مقالات / محمد الحسن يساجل ناهض حتّر​​: لسنا مشرقيين

محمد الحسن يساجل ناهض حتّر​​: لسنا مشرقيين

Hassan-Hatar

بقلم: محمد الحسن* — نشرت “ميسلون” بتاريخ ٢٥ كانون ثاني مقالاً للأستاذ ناهض حتر بعنوان “القومية العربية والسورية والمشرقية الجديدة” تناول فيه مسألة إعادة بناء ما أطلق عليه إسم “المشرق التعددي” وتناول القومية العربية بنقد شديد مملوء بالمغالطات التاريخية والفكرية والمنطقية. لست هنا بصدد القيام بـ”هجوم مضاد” والرد على كل ما ورد في المقال، لكن بما أنني أتفق مع السيد حتر بأننا على أعتاب مرحلة جديدة وأنه “علينا أن نفكّرها بدقة ووضوح، وبصرامة نظرية وسياسية” كما جاء في مقاله، فإنني أكتب تلك السطور كتلبية لهذه الدعوة، ولا حاجة لي هنا على التأكيد بأنني أكن الاحترام للسيد حتر وأنني أحرص على متابعة كتاباته وأقدر مواقفه الثابتة تجاه الهجمة الامبريالية على منطقتنا وكنت أتمنى لو أن أحزاباً “يسارية” قارب عمرها المئة عام اتخذت نفس مواقفه.

القومية العربية والوطنية

يبدأ المقال بمغالطة عجيبة حيث يتم تعريف القومية والوطنية بناءً على الاشتقاق اللغوي، قومية من قوم ووطنية من وطن، وليس على المفهوم concept الذي تحملانه، ومن الطبيعي أن المقدمات الخاطئة تقود حتماً لنتائج خاطئة. هذا يشبه تماماً تعريف الفكرين المادي والمثالي بالقول أن الأول يأتي من المادة وبالتالي يشجع الأنانية والجشع ويمسخ الإنسان والثاني من المثال ولذلك فهو يشجع القيم والمبادئ ويعزز الإنسانية، دون أقل تعريف فلسفي يوضح محتوى الفكرين !
إن التعريف الذي جاء في المقال لا يرد أبداً في أدبيات القوميين العرب ولا حتى عند أكثرهم يمينيةً وشوفينيةً وعنصرية، فمفهوم القومية العربية نظرياً يقوم على أسس ثقافية، فهي اللغة والتاريخ المشترك والتكوين النفسي ووحدة المصير وغيرها من أمور ليست العنصرية العربية ضمنها. ورب قائل يقول “هذا نظرياً أما بالممارسة فقد كانت العنصرية هي السائدة، ولا يمكننا فصل الممارسة عن الخلل النظري”، وفي هذا جانب كبير من الصواب، لكن لنقارب المسألة كالتالي : هل الخلل النظري في الفكر الماركسي الذي أدى لممارسات بشعة في أوروبا الشرقية سبباً لاعتبار الماركسية فكراً باطلاً بالجملة واستبعادنا إياها ؟ هل بشاعة ما مورس في ألمانيا الشرقية وبولندا مثلاً سبباً وجيهاً لاعتبار قانون القيمة الزائدة لماركس باطلاً ؟

ليس هذا المقام المناسب للخوض في التعريفات التي قدمها القوميون العرب كالحصري وعفلق والأرسوزي والرزاز وسيف الدولة والبيطار وغيرهم، أو تلك التي يقدمها الجيل الشاب من القوميين العرب حالياً، لكنه من الواجب التأكيد على أنه لا يمكن افتراض تعريفات خاطئة وإلزامنا بها وبنتائجها بتلك البساطة. لقد بنى السيد حتر على تعريفاته تلك أن القومية العربية هي “أيديولوجية إثنية ثقافية سلطوية تتضمّن، حكما، إلغاء الآخر، الشريك في الوطن والوطنية، كالأمازيغ في المغرب، والأكراد والسريان والآثوريين والأرمن والأقوام الأخرى العديدة في المشرق”، ويكفي هنا الإشارة إلى أن نظام ١٩٦٨ البعثي العراقي ولاحقاً نظام صدام حسين، الأكثر يمينيةً وعنصريةً بين كل الأنظمة القومية العربية، كان قد منح الأكراد حقوقهم الثقافية كاملةً وعقد مع قيادتهم، ممثلةً بمصطفى البارزاني، حلفاً سياسياً عام ١٩٧١، فالأكراد في عراق صدام حسين ليسوا فقط شركاء في الوطن بصورة رسمية بل ولهم حق التعليم باللغة الكردية حصراً في جميع المراحل الدراسية ولهم إذاعتهم وتلفزيونهم الكرديين منذ ١٩٧١ وحتى احتلال العراق، (بل إن هناك تسجيلات لصدام حسين نفسه وهو يتعلم اللغة الكردية !) إن ما حصل لاحقاً من اقتتال ومجازر هو نتيجة الصراعات السياسية والتدخلات الدولية والإقليمية، لا بسبب رفض القوميين للأكراد كشركاء لهم في الوطن.

في الحقيقة إن هذا “الآخر” الذي يُفترض بنا تصديق أن القومية العربية قد استبعدته هو الذي وضع أسس القومية العربية وأطلق شرارتها الأولى، هذا “الآخر” المسيحي وذو الأصول الشركسية والتركية كان رائد القومية العربية وله السبق فيها، ولم يكن ذلك ليحصل لولا أنه وجد فيها لاحماً داخلياً قوياً وهويةً جامعةً متينةً تجمعه بمحيطه الواسع.

العراق
كتب السيد حتر: “لعبت القومية العربية دورا رجعيا ـ وفي أحيان عديدة: كارثيا ـ كما في العراق؛ فالعراق وطن متعدد الأعراق والقوميات والثقافات والأديان والمذاهب. وبدلا من ازدهار وطنية عراقية تعددية، تربطها دوائر وطنية واجتماعية عديدة بسوريا، حكمت الملكية الهاشمية ( الحجازية) باسم القومية العربية، فاصطدمت مع الأقوام التاريخية، وهمّشتها، وأقصت الشيعة في هيكل دولة عربية سنيّة تتطابق مع شرعية العرش الهاشمي”. إن أول ما يجب الالتفات إليه هو حقيقة قبول السوريين أولاً ومن ثم العراقيين بفيصل بن حسين الآتي من مكة ملكاً عليهم، بل وقبل ذلك علينا أن نسأل : ما الذي جعل السوريين والعراقيين – المتعددين في الأعراق والقوميات والثقافات – عماد الثورة العربية الكبرى المنطلقة من مكة ؟ ما الذي جعل الضباط العراقيين الدارسين في أرقى الكليات العسكرية في الأستانة وألمانيا القيصرية والمثقفين السوريين يبايعون الشريف حسين ويثورون تحت قيادته ؟ ثانياً، ما الدليل على أن الهاشميين اصطدموا بغير السنة وهمشوهم ؟ ألم يكن، على سبيل المثال لا الحصر، ساسون حسقيل اليهودي العراقي وزيراً للمالية لخمس مرات في العهد الملكي بما في ذلك وزارة ياسين الهاشمي رئيس أركان جيش الثورة العربية الكبرى ؟ ألم يكن عبدالهادي الجلبي الشيعي رمزاً من رموز العهد الملكي ؟ القائمة تطول ولا مجال هنا للحصر، أما إن كان المقصود هو عدم انخراط عموم الشيعة بشكل واسع في أجهزة الدولة فإن القاصي والداني يعلم أن الشيعة في العراق، وغير العراق، هم من أبى المشاركة آنذاك لأسباب دينية وإشكالات شرعية تعتبر الوظيفة الحكومية حراماً. لست شخصياً من محبي العهد الهاشمي، لكن هناك حقائق تاريخية لا يمكن إغفالها سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا، وثورة تموز التي يصورها المقال كثورة يقودها وطنيون عراقيون منعزلون عن محيطهم كان عمودها الفقري الضباط القوميون العرب كرفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وغيرهم الذين استلهموا النموذج المصري الناصري تحديداً، لذا فإن القول أن “الناصرية استخدمت الوسائل المخابراتية والتخريبية والتحشيد القومي العربي ـ الطائفي (السني) لإسقاط الجمهورية التقدمية التعددية في العراق” ينطوي على تحيز واضح ولا موضوعية. بدايةً، كيف يمكن وصف الجمهورية العراقية بقيادة الراحل عبدالكريم قاسم بالتعددية بينما القوميون إما في السجون أو المنافي أو قيد الإقامة الجبرية وممنوعون من ممارسة السياسة ؟ أية تعددية تلك التي لا تعطي حتى الحزب الشيوعي، القاعدة الشعبية الوحيدة لنظام قاسم، ترخيصاً للعمل العلني ؟ ماذا عن محاكمات المهداوي الهزلية ؟ نعم، لقد كان قاسم وطنياً وشريفاً وغيوراً على وطنه ومحبوباً من جماهير العراق، ونعم كان انقلاب شباط ١٩٦٣ دموياً وما مارسته القوى القومية كان بشعاً جداً واستشهاد قاسم كان مآساة وخسارة كبرى، لكن هذا هو نصف المأساة، أما نصفها الآخر فبدأ في الموصل ١٩٥٩ بالبشاعات التي ارتكبها مؤيدو قاسم بالقوميين من قتل وسحل وتعليق الجثث على أعمدة الإنارة، مروراً بالتنكيل بالقوى السياسية القومية وإعدام الضباط قادة ثورة تموز بعد عام فقط من الثورة، ثم أحداث كركوك الدموية. لقد فشل نظام قاسم في استيعاب المجتمع العراقي بتنوعه واختلاف مكوناته وعجز عن تفادي نتائج العداوات والأحقاد الاجتماعية التي انفجرت بغطاء سياسي، كما أن انفتاحه تجاه الأكراد لم يمنعهم من حمل السلاح ضده في ١٩٦١ بتحريض من شاه إيران وتحالفهم لاحقاً مع القوميين العرب لإسقاطه، ما يثبت مرةً أخرى أن الاقتتال ليس بسبب قبول “الآخر” أو رفضه بل بسبب التدخلات الاقليمية والدولية. ثم إن اتهام عبدالناصر باستخدام التحشيد الطائفي “السني” لإسقاط نظام قاسم تدحضه حقيقة أن العديد من قادة الانقلاب كانوا من الشيعة، فعلي صالح السعدي وطالب شبيب وحازم جواد – أكثر المتحمسين للانقلاب وأكثرهم تشدداً وعنفاً تجاه قاسم والشيوعيين- كانوا شيعةً، بل إن الأول ليس عربياً وإنما كردياً فيلياً، وإن عدنا بالتاريخ لما قبل الانقلاب لوجدنا أن الشهيد فؤاد الركابي مؤسس حزب البعث في العراق كان شيعياً ومن مدينة الناصرية في أقصى الجنوب العراقي. هناك أسطورة شائعة يبدو أن السيد حتر لم ينجُ منها وهي أن القوميين كانوا سنة بينما الشيوعيين كانوا شيعة، وتكفي نظرة سريعة على الجداول المفصلة التي أوردها حنا بطاطو حول الانتماءات الطائفية والإثنية لقيادات تلك الحركات لتدحض تلك الأسطورة. ونضيف على ذلك أن موقف الحوزة العلمية في النجف، الممثل الأول لشيعة العراق، كان معادياً لنظام قاسم وأن آية الله العظمى محسن الحكيم كان ضمنياً مؤيداً لانقلاب شباط.

سوريا
عند حديثه عن سوريا، فإن مغالطات المقال تظهر جليةً، وأعتذر مقدماً من القرّاء على بعض التفاصيل والتوصيفات ذات الصبغة الطائفية التي سأذكرها، مرغماً، بغرض توضيح تلك المغالطات.
جاء في المقال : “اتخذ البعث السوري، تحت قيادة الرئيس حافظ الأسد، مسارا آخر، يقوم على الاعتراف الواقعي بالتعددية الاثنية والثقافية والدينية والمذهبية في سوريا”، وهنا يحق لنا أن نتساءل : هل كان ذلك المسار المفترض كفيلاً بتبرئة ساحة البعث السوري من ذات الاتهامات بالشوفينية والإقصاء التي اتهمت بها الأنظمة القومية الأخرى ؟ ألم تتهم بعض القوى الكردية الراحل حافظ الأسد بتهميش الأكراد و”تعريب مناطقهم” ؟ ألم يتهمه بعض السريان مثلاً بإهمال خصوصيتهم الثقافية ؟ بل لنذهب أبعد من ذلك ولنكن صريحين : ماذا عن عشرات آلاف الأكراد الذين حرموا من الجنسية السورية ليتم تجنيسهم في بداية الأزمة عام ٢٠١١ ؟ إن هذا المسار الذي يشير إليه المقال، الحركة التصحيحية تحديداً، لا علاقة له بقبول أو رفض التعددية الإثنية والثقافية والدينية فهذه أمور كانت قد حسمت منذ شباط ١٩٦٦ بالذات إذا أخذنا بعين الاعتبار الانتماءات الطائفية لقادة النظام السوري في حينه (العلوية والدرزية والإسماعيلية)، وإنما جاءت الحركة التصحيحية كخطوة نحو اليمين لتقدم التنازلات للطبقة التجارية التقليدية بهدف تخفيف حدة التوتر الأهلي وتقوية الجبهة الداخلية ولكسر حالة العداء المستفحلة بين سوريا والأنظمة العربية بهدف انتشال سوريا من عزلتها، ولذلك “قدمت السلطات السورية، تنازلات كثيفة ( كبناء آلاف المساجد ودور تحفيظ القرآن ودعم الجمعيات الإسلامية الخ) للمصالحة مع الفئات المتديّنة تحت التأثير الوهابي” كما جاء في المقال. إلا أنه وبالرغم من اختلاف هذا المسار طبقاً للسيد حتر فقد جرى استخدام القومية العربية “لإقامة لاحم داخلي يستوعب الكتل السنية الأكثر تصلبا، في مواجهة الإخوان المسلمين”، أي أن الراحل حافظ الأسد تمسك بالقومية العربية فقط لاستيعاب السنة، الذين هم بالمناسبة الغالبية الساحقة من السكان، ويضيف السيد حتر : “وهذا السياق ( القومي العربي)، بالذات، هو الذي نضج، في العام 2011، وسمح بانشقاق المجتمع السوري، طائفيا، وتاليا توفير حاضنة اجتماعية للتدخل الامبريالي والإرهاب التكفيري”، وهنا نتوقف قليلاً لنطرح الأمر بصراحة: إذا كان التمسك بالقومية العربية كلاحم داخلي يستهدف استيعاب السنة كما يدعي المقال، فكيف نفسر حقيقة أن البيئة الحاضنة للإرهاب التكفيري والتدخل الامبريالي في سوريا هي بيئة سنية حصراً ؟ لو أن غير السنة وغير العرب هم من رفع راية العصيان لكان الأمر فيه نوعاً من المنطق ولقلنا أن العنصرية العربية ذات الصبغة السنية قد استفزتهم ودفعتهم نحو الاستقواء بالخارج، إلا أن أزمة حماة ١٩٨٢ وما سبقها وما تلاها من أحداث، وكذلك الأزمة الحالية كلها تثبت عكس ما يذهب إليه السيد حتر، فلا وجود لبيئة حاضنة للإرهاب في السويداء أو الساحل السوري أو مناطق الأكراد والمسيحيين. إننا إن سلمنا بصحة فرضية التمسك بالقومية العربية لاستيعاب السنة فالنتيجة المنطقية بالضرورة تكون أن ذلك “المسار الآخر” الذي تبناه الأسد ليعطي التعددية مكانتها في سوريا هو المسؤول عما يحدث اليوم لأنه يكون بذلك قد استفز السنة وأشعرهم بالتهديد بدليل كون المناطق المشتعلة هي المناطق السنية دون غيرها، وشخصياً أرفض الفرضية والنتيجة معاً.

إن تمسك الراحل الأسد بالقومية العربية جاء لأنها اللاحم الطبيعي والمنطقي لسوريا ولأنها الهوية الجامعة الوحيدة التي تضمن وحدتها الداخلية وتضمن في نفس الوقت إعطاءها عمقها الحقيقي، عمقها العربي، إنها خيار الضرورة.

إن ما أراده السيد حتر في الحقيقة هو أن يعطي “المسار الآخر” المفترض شرف صمود سوريا أمام الهجمة ويحمل القومية العربية عار الخيانة والارتهان وتدمير النسيج الاجتماعي بالرغم من حقيقة أن الفضل الأول في صمود سوريا يعود للجيش العربي السوري الذي هو محض إنجاز قومي عربي، هذا الجيش العقائدي الذي تربى ليس على عقيدة قومية عربية فقط بل بعثية تحديداً، إن صمود سوريا يستند على ما بناه نظام البعث (على علاته) على مدى خمسين عاماً وعلى خطه السياسي، إن كان لقوة سياسية فضل في ملحمة الصمود فهي للقوميين العرب الذين حكموا سوريا منذ ١٩٦٣.

في الحقيقة إن الابتعاد المتأخر فعلياً/ عملياً عن القومية العربية،لا التمسك بها، هو ما أتاح الفرصة لانشقاق المجتمع السوري عمودياً وخلق تلك الهوة بين السوريين وأشقائهم العرب، الابتعاد عن القومية العربية هو ما أفسح المجال واسعاً لهذا الاستقطاب الطائفي البشع الذي انعكس على الأزمة السورية.

​ السوريون شعروا بالمرارة من موقف حماس ولهم كل الحق في ذلك ونحن نشاطرهم ذلك الشعور، لكن من الذي فرط بقوى عروبيةٍ مخلصةٍ ومبدئيةٍ كالجبهة الشعبية – القيادة العامة وأعطى كل الدعم لحماس؟ هل كان ذلك تمسكاً بالقومية العربية “لاستيعاب الكتل السنية الأكثر تصلباً” أم تقويضاً لها وتفضيلاً لـ”التصلب السني” عليها؟ هل كان تقديم التسهيلات والترحيب بالدعاة التكفيريين الخليجيين موقفاً يعكس التمسك بالقومية العربية؟ ألم ينفتح النظام السوري بشكل كامل على الرجعية الخليجية مفرطاً بقوى المعارضة فيها ذات الانتماء القومي التي طالماً وجدت في دمشق حضناً دافئاً؟ هل كان اعتقال الأجهزة الأمنية السورية الراحل عبدالرحمن النعيمي، قائد الجبهة الشعبية في البحرين وأحد قادة ثورة ظفار، طيلة فترة حرب الخليج الثانية بسبب موقفه الناقد لمشاركة سوريا في التحالف يعكس تمسكاً بالقومية العربية؟ الشواهد أكبر من أن نحصيها في هذا المقال وكلها تشير إلى التخلي التدريجي عن الطرح القومي ما يجعلنا نرفض بشكل كامل ما ذهب إليه السيد حتر.
مصر والناصرية
عندما تطرق المقال لمصر والناصرية فإن المغالطات لم تكن أقل ولم يكن التحامل أخف وطأة. لنبدأ بالقول أن الخلفية اليسارية للسيد حتر، التي أشاطره إياها، تفرض منهجاً مادياً شمولياً يربط الظواهر ببعضها البعض ربطاً جدلياً وينظر إليها من خلال تفاعلها المتبادل ويقرأ صعود ما هو جديد على أنه نتيجة صراع المتناقضات في وحدتها، إنه منهج لا يؤمن بـ”البراشوت” و”المعجزات” و”النزول من السماء”، كما إنه يبحث عن الأسباب والعلل في الأسس المادية الموضوعية. إن القول بأن القومية العربية دخيلة على مصر وأنها “فكر براني” يجافي هذا المنهج كما إنه يجافي التاريخ، فمن غير المعقول ولا المقبول التعاطي مع الناصرية على أنها هبطت من السماء كمكرمة إلهية مجسدة في شخص جمال عبدالناصر كي تخوض معركة الاستقلال والتحرر من التبعية لا لمصر وحدها بل لكل العرب ! عبدالناصر – الفرد – ليس سوى إفراز لظروف مصر الموضوعية التي فرضت بالقوة أن يكون لصراعها التحرري بعداً قومياً عربياً وبعداً عالمثالثياً، فحتى لو افترضنا أن عبدالناصر لم يكن قومياً وأراد المواجهة فإنه في النهاية كان سيجد نفسه مجبراً على اتخاذ مواقف قومية والتوجه نحو نفس الخيارات التي اتخذها، وإلا فهل كان رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق شيوعياً أو اشتراكياً حين قام بتأميم النفط الإيراني ؟ لقد خاض مصدق تلك المعركة لأنها خيار الضرورة في تحقيق استقلال إيران وكسر التبعية. أما تاريخياً فالمجال لا يتسع هنا لسرد جذور الفكر القومي العربي في مصر وأكتفي بإحالة القارئ لكتاب “الحركة القومية العربية في القرن العشرين” لهاني الهندي الذي أورد فيما أورده جزءاً رائعاً من الصراع الفكري الذي دار حول عروبة مصر بين العروبيين وأنصار “الفرعونية”.
يقول السيد حتر : “تطلعت مصر خارجها، وسعت إلى التمدد، لضمان مصالحها الإستراتيجية. وقد استخدم ناصر، مقولات القومية العربية كأيديولوجيا خارجية للوطنية المصرية؛ ففي الخطاب الناصري يحيل مفهوم القومية، في الآن نفسه، إلى الوطنية المصرية والوحدة العربية والتضامن العربي، وفقا للخيارات السياسية للبرجوازية المصرية”. إن أول سؤال يتبادر للذهن هو : إلى أية برجوازية مصرية تحديداً يشير السيد حتر ؟ هل هي تلك البرجوازية التي أممت الثورة معاملها ومصانعها وصادرت أراضيها ووزعتها على فقراء الفلاحين ؟ أية برجوازية مصرية تلك بالضبط التي عكس عبدالناصر مصالحها وتطلعاتها لـ”التمدد للخارج” مستغلةً خطاباً قومياً عربياً ؟ وكيف استفادت تلك البرجوازية الطموحة (المفترضة) من تمدد الناصرية، مثلاً، في الجزائر المستقلة واليمن الجمهوري واللتين “استثمرت” فيهما الكثير ؟!

أما الإشارة إلى ذلك الربط بين القومية العربية والوحدة العربية وبين الوطنية المصرية فلا يخفى أنه في محله، فلا يمكن لوطني مصري يريد بالفعل تحقيق الاستقلال وكسر التبعية إلا أن يأخذ بعين الاعتبار وضع مصر المحوري في محيطها وطبيعة المعركة التي يخوضها والتي تتخطى بمراحل حدود مصر، أمران لم يأتِ في تاريخ مصر من فهمهما أكثر من عبدالناصر.
بالنسبة للسيد حتر فإن الناصرية لم تنتج فكراً قومياً عربياً، وبالتالي فإنها ذات طابع “براني”، ولن أقوم بتعداد المفكرين الناصريين، المصريين وغيرهم، بل يكفينا في الرد أن الناصرية لم تكن مشروعاً فكرياً بالأصل وإنما مشروع لبناء مصر وبناء الدولة العربية الواحدة، مشروع لبناء الإنسان، وفي هذا الإطار فإن ما حققته مصر الناصرية كان هائلاً، ملايين المتعلمين والمهنيين ومئات المصانع والمعامل وبناء الجيش ثم إعادة بنائه بعد تدميره، ألوف الفنانين والأدباء والكتاب والمثقفين الذين عكسوا بأعمالهم إنجازات مصر وتطلعاتها وتحدياتها ومخاوفها وهزائمها والعثرات التي واجهتها، بل أكثر من ذلك، فإن إنجازات مصر الناصرية انعكست على كل الدول العربية دون استثناء، وبالأخص الخليج العربي الذي أنتمي إليه. هل هذا كلام عاطفي ؟ أبداً ! إن مجرد إلقاء نظرة سريعة على الأرقام التي تشير إلى أداء الاقتصاد المصري في الفترة الممتدة من ١٩٥٦ وحتى ١٩٦٥ وإلى توزيع الثروة فيها تكفي لتأكيد كفاءة المشروع الناصري وتبيان انحيازه الطبقي للطبقات الشعبية (أنظر كتاب “قصة الاقتصاد المصري” لجلال أمين مثلا). إلا أن هذا كله بالنسبة للسيد حتر لا يهم، لأنه “مع انكفاء الناصرية، تبخرت تلك الشعارات عن صلب السياسة المصرية” و”لم تبق سوى ذكريات ناصرية على الهامش”، لكن هل يحق لنا بالقياس القول أنه لم يتبقَ من التجربة الاشتراكية العالمية سوى ذكريات هامشية عن ثورة البلاشفة وذكريات الحرب الوطنية العظمى وذكريات النصر الفييتنامي ! إن التعامل مع التاريخ على أنه مجرد “ذكريات على الهامش” لا يفيد أحداً منا ناهيك عن كونه منافٍ للعلم والتفكير العلمي، وإلا لما كانت التجربة الاشتراكية ملهمةً حتى اليوم ولما كان لينين ليحتفظ لنفسه بتلك المكانة الاستثنائية في التاريخ الإنساني ويلهم أجيالاً من الثائرين ليومنا هذا ولما تذكرنا هانوي وسايغون في كفاحنا.

وفيما يشبه “جردة الحساب” يذكر المقال تأثير الناصرية على “المشرق” بالقول أن ما قامت به كان “وحدة مع سوريا لمنعها من الانتقال يسارا، انتهت كونها كانت غطاء إيديولوجيا لسيطرة مصرية على السوق السوري”. انتقال سوريا يساراً ؟ لئن سلمنا جدلاً بهذه الأسطورة عديمة الأساس، فبقيادة من كانت ستنتقل سوريا “يساراً” ؟ خالد بكداش ؟ الذي وجدناه في ١٩٦١ في نفس الخندق مع أشد القوى السورية رجعيةً والمدعومة إمبريالياً لتدمير دولة الوحدة ؟ (موقفٌ تكرر مع قوى “شيوعية” سورية وجدناها جنباً إلى جنب مع قوى العمالة والتكفير بمواجهة الدولة السورية اليوم).

أما مسألة السيطرة المصرية على “السوق السوري” فتكفي الإشارة إلى أن تعداد سكان سوريا زمن الوحدة بالكاد تجاوز الأربعة ملايين نسمة مقارنةً بثمانية وعشرين مليون مصري، أي أن المسألة حقيقةً “مش محرزة” و”مش جايبة همها” كما يقولون بالعاميتين السورية والمصرية !

إن القاصي والداني يعرف تمام المعرفة أن الوحدة جاءت بإلحاح من السوريين بعد أن باتوا محاصرين من جميع الجهات ووجدوا أنفسهم هدفاً للعديد من المخططات الاستعمارية فلم يجدوا سوى الاحتماء بمصر الناصرية التي لم تتردد في تلبية النداء، مصر الناصرية قبلت الدفاع عن سوريا في ١٩٥٨ وعادت لتدافع عنها في ١٩٦٧ وتتلقى الضربة القاصمة بسبب دورها هذا، مصر الناصرية دافعت عن سوريا حتى في الوقت الذي كان بعثيو شباط يهاجمونها فيه، لقد كانت سوريا عزيزة بمصر الناصرية ولو أن الأخيرة استمرت ليومنا لما احتاجت سوريا لإيران أو لغيرها كي تواجه أزمتها الحالية. مرةً أخرى يبدو الكلام هنا عاطفياً، لكن لنتخيل لو أن مصر اليوم ترمي بثقلها كاملاً في سوريا وتواجه الرجعية الخليجية – كما فعلت مصر الناصرية – فهل كنا لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم ؟ إن هذا بالذات ما نعنيه بوحدة المصير ووحدة الأرض والإنسان العربي فنُتّهَم بالعاطفية.

مصر أم سوريا
إن المقارنة التي عقدها السيد حتر بين مصر سوريا تحتاج للكثير من التدقيق وإعادة قراءة الأمور، فهل سوريا اليوم بالفعل بلا مديونية ولا مساعدات ؟ ماذا عن خطوط الائتمان (الإسم المهذب للاقتراض) التي تم فتحها مع إيران وروسيا والصين والتي تمد سوريا بمحروقات قيمتها الشهرية ٥٠٠ مليون دولار، هذا بالنسبة للمحروقات فقط. إن الأرقام التي تصف الاقتصاد السوري مرعبة، فالتضخم قاربت نسبته ٩٠٪ والبطالة على مشارف ٦٠٪ وخسائر الناتج الكلي تقريباً ١٠٠٪ بالمقارنة مع ٢٠١٠ كسنة أساس، انتاج النفط انخفض من ٣٨٠ ألف برميل يومياً إلى تسعة آلاف فقط، البنية الصناعية الذي يذكرها السيد حتر تم تدميرها وخسائر الجيش العربي السوري مهولة والأذى الذي أصاب الإنسان السوري كبير، كل ذلك لا يتيح أمام القيادة السورية سوى الخيارات الصعبة.

إن ما يخفف من ألمنا كمحبين لسوريا هو أنها صامدة محافظة على سيادتها وقرارها الوطني، سوريا وإن فقدت بنيتها الصناعية فإنها تملك إرادة إعادة البناء وهو الأهم. أما لماذا مصر وليس سوريا هي محور حركة التحرر فهذا يحتاج لمساحة أكبر من هذا المقال مع عدم استبعاد الدور المحوري الذي يمكن لسوريا أن تلعبه في هذا الوقت بالذات وتحت هذه الظروف الصعبة التي تمر فيها الأمة​.

​ سوريا اليوم قادرة على أن تكون رافعة لحركة التحرر العربية إن هي اقتنعت بذلك وبدأت بالتصرف كـ”قلب العروبة النابض”، أما إن اكتفت بالنظر لنفسها على أنها مجرد جزء من “المشرق” فإنها مع الأسف ستكون دوماً بحاجة لإيران، الحليف الوحيد الذي يعول عليه اليوم.

تقسيم سوريا وبناء “المشرق” ومواجهة اسرائيل
كتب السيد حتر : “من الطرافة بمكان أن القوميين العرب يتجاهلون حقيقة أن الاستعمار الانجلو فرنسي لم يقسّم أي بلد عربي آخر سوى سوريا، بينما كانت لندن وراء وحدة أقطار الجزيرة العربية في المملكة السعودية ووحدة الإمارات”، وفي الحقيقة فإن تقسيم سوريا الطبيعية دون غيرها مرده إلى أن الاستعمار الأنجلو – فرنسي كان قد انتهى من تقسيم باقي التركة العثمانية سابقاً، مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب واليمن والجزيرة العربية والصومال كلها قد حسم أمرها ولم يتبق سوى توزيع الغنائم الجديدة

​.​
أما بالنسبة للخليج والجزيرة العربية فإن ما يراه السيد حتر توحيداً هو في الحقيقة تقسيم، فتوحيد الإمارات لم يكن سوى تقسيم لعمان الطبيعية، فتلك الإمارات هي إمارات ساحل عمان وهويتها العمانية لا لبس فيها، أما مجمل الجزيرة العربية فمقسمة إلى سبعة كيانات إذا شملنا اليمن، والأخير كان مقسماً لكيانين شمالي وجنوبي، وجنوبه هذا كان مقسماً لأكثر من خمس عشرة إمارة وسلطنة قبل أن يوحده القوميون العرب بقيادة فيصل عبداللطيف بعد طرد الاستعمار البريطاني.

إن الاستعمار لا يقسم ويوحد إلا لمصالحه التي تتعارض بالضرورة مع مصالحنا، فبعد أكثر من ثمانين عام من توحيد “السعودية” لم ينجح الكيان السعودي في تأمين هوية جامعة حتى في الحد الأدنى، فما يوحد ابن مكة مع ابن بريدة وابن القطيف وابن نجران لا يتجاوز حقيقة أنهم جميعاً يعانون من نظام مستبد واحد، والخلافات الحدودية بين هذا الكيان وجميع جيرانه مستفحلة وتزداد سوءاً.

إن رغبة المستعمر، القديم والحالي، في المزيد من التقسيم للأقطار العربية تظهر اليوم جليةً ولا تنحصر في سوريا، الطبيعية أو “الكبرى”، فليبيا واليمن على سبيل المثال هدفان لخطط التقسيم وليس فقط سوريا والعراق، كذلك هناك حديث عن تقسيم مصر و”السعودية”، أي إننا لسنا بصدد هجمة على سوريا أو “المشرق” فقط بل على العرب جميعاً في وطنهم الطبيعي، هذه الهجمة لا تستثني تونس والجزائر المغاربيتان، ولا تستثني اليمن الذي لا نعلم كيف يصنفه أعزاؤنا المشرقيين ! ولا داعي لنا في التأكيد على دور الكيان الصهيوني كرأس حربة في هذه الهجمة الواسعة النطاق، إلا أننا نستغرب إعفاء السيد حتر كل من المغرب ومصر من مواجهة الكيان الصهيوني وحصر المواجهة بـ”المشرق” الذي لا نعرف أين يبدأ وأين ينتهي، فمصر التي يصفها السيد حتر بدقة هي مصر الأسيرة في كامب ديفيد، والعداء الذي يكنه الكيان الصهيوني للجزائر وسعيه المتواصل للتآمر عليها لا يخفى على أحد، وبالتالي فإن مواجهة ذلك الكيان ضرورة وطنية (بالمعنى الضيق حتى) وأمر لا مفر منه، إنها ضرورة انتبه لها حتى غير العرب كإيران وقوى التحرر في تركيا مثلا.

خاتمة
إن هوية منطقة ما هي معطى موضوعي تفرضه شروط مادية حقيقية، إنها أمر لا يمكن هندسته وفرضه بالقوة والجبر، فالهوية السوفييتية سقطت بينما بقيت وانتعشت الهوية الروسية، كذلك الهوية اليوغوسلافية، بل إن محاولة أوروبا الأغنى عالمياً في خلق هوية أوروبية تتمثل سياسياً في الاتحاد الأوروبي فشلت بالرغم من تلك الخطوات الجبارة التي تم اتخاذها.

إننا عندما نتحدث عن هوية المنطقة العربية فإننا لسنا بصدد الحديث عن عاطفة أو عن هوية مختلقة، كما إننا بتأكيدنا الهوية العربية لا نعني البتة إقصاء الخصوصيات الثقافية لمكونات الأمة، بل إن الجيل الجديد من القوميين العرب يصر على الحفاظ على التنوع لكنه يرفض، ومعه الحق، أن يكون ذلك على حساب الهوية الجامعة.

إن وجود السلتيين في مقاطعة بريتاني الفرنسية مثلاً لا يعني أن على فرنسا التخلي عن هويتها القومية كي تحافظ على “التنوع الإثني والثقافي”، فلماذا يطلب من العرب دون غيرهم التفريط في هويتهم القومية حفاظاً على ذلك ؟ هل وجود مئتي ألف سرياني في سوريا سبباً وجيها لإلغاء هوية سوريا العربية ؟ (هذا على فرض أن السيد حتر استطاع إثبات ادعائه بـ”سخافة” القول بعروبتهم أصلاً)، إننا بلا أدنى شك لا نتعامل مع البشر كأرقام، لكننا نرفض بشدة أن يتم ابتزازنا بذريعة التنوع الثقافي والإثني، لا يهم إن كان الأمازيغ أصلاً من العرب أم لا، ما يهم أننا جميعاً مهددون في وجودنا ذاته، تجمعنا معركة مصير واحدة تفرض علينا الوحدة فرضاً، هذا ما أثبتته التجربة التاريخية في الجزائر مثلاً، فالمستعمر لم يفرق بين عربي وأمازيغي وفتك بالجميع، ولم ينجح الجزائريون في هزيمته ودحره إلا تحت لواء عروبي جامع أكد هويتهم في مواجهة الفرنسة، هوية ضمنت وحدتهم الداخلية وأعطتهم عمقهم العربي الطبيعي الذي كفل لهم النصر.

لذلك، فإننا نتمسك بتجاربنا التاريخية ونرفض تلك الهويات المصنعة تصنيعاً والتي تعجز حتى عن وضع تعريف جغرافي واضح لنفسها، كما إننا نستغرب من دعاة المشرقية، وهم في جلهم يساريين ويساريين سابقين، كل هذا الهجوم على القومية العربية والتركيز على مسألة الهوية بشكل مفرط دون أدنى إشارة للمحتوى الطبقي وطبيعة “المشرق” الاقتصادية، فهم يركزون على التنوع الإثني والثقافي والديني ولا يكترثون لمسألة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

ختاماً أقول أننا كوحدويين عرب قد حسمنا أمرنا، فهويتنا عربية وخيارنا اشتراكي واضح لا لبس فيه، نرفض الشوفينية والعنصرية ونحتضن الاختلاف والتنوع ونعتبره مصدر قوة وعزة لنا، نؤكد خيار العلمانية والتحديث، يجمعنا بالمشرقيين الرغبة في كسر التبعية وتحقيق الاستقلال وهي المعركة الأولى، لكن ليسمحوا لنا، فنحن لسنا مشرقيين!

*كاتب كويتي

المصدر: صحيفة “ميسلون”

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

ما بعد بعد هرمز والممالك والامارات…!/محمد صادق الحسيني

محمد صادق الحسيني بات واضحا قدرة إيران على خلط الأوراق واللعب على نقاط الضعف الأميركية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *