الرئيسية / مقالات / محمد حسنين هيكل.. كتب تاريخنا ومضى..

محمد حسنين هيكل.. كتب تاريخنا ومضى..

Haykal-nasser

بقلم: إبراهيم بنوت — لا يكفي محمد حسنين هيكل وصف «أشهر صحافي عربي في النصف الثاني من القرن العشرين»، فدربه المحفوفة بالأحداث والمتغيرات السياسية التي رسمت وجه الأمة العربية بشكلها الحالي، كانت أبلغ شاهد على رجل جمع في شخصيته بين الصحافي والمثقف والسياسي المخضرم، غير أن الميزة التي رافقته خلال سني عمره الـ93 كانت «كاتم الأسرار».
محمد حسنين هيكل، «كاتم الأسرار» الرئاسية، «الأستاذ» و «الجورنالجي» كما حرص دائماً على وصف نفسه، بدأ مشواره الصحافي في عمر الـ19 كمساعد للمراسل الحربي في جريدة «إيجيبشان غازيت» العام 1942، وقد كلف بتغطية «معركة العلمين» خلال الحرب العالمية الثانية، بعدها انتقل لتغطية بداية تحرير الدول الأوروبية التي كانت تحت الاحتلال الألماني، فشهد تحرير باريس في غمرة المدن المحررة، وساهمت تلك التغطيات بشحذ وصقل شخصيته الصحافية، وأكسبته ثقافة واسعة جعلته على مر السنوات صاحب الإطلالة الأقوى في الثقافة والصحافة العربية.
أثناء وجوده في باريس، التقى هيكل بصاحبة مجلة «روز اليوسف» السيدة فاطمة اليوسف، فعرضت عليه أن ينضم إلى مجلتها، وكان لها ما أرادت حيث أصبح هيكل في العام 1944 صحافياً في مجلة «روز اليوسف»، لينتقل بعدها إلى مجلة «آخر ساعة» ومن بعدها التحق بصحيفة «أخبار اليوم» العام 1946.
في «أخبار اليوم» استكمل نجم هيكل بالسطوع، وقد أصبح من الأصدقاء المقربين لـ «الزعيم» جمال عبد الناصر، بعدما جمعت بينهما صداقة بدأت شرارتها الأولى بميدان القتال في «حرب فلسطين» صيف العام 1948، عندما أصر هيكل، المراسل الحربي، على مقابلة عبد الناصر، قائد الكتيبة السادسة التابعة للقوات المصرية التي صدت الهجوم الإسرائيلي على قرية عراق المنشية الفلسطينية.
وكان لـ «حرب فلسطين» التأثير الكبير في حياة هيكل، وهو الذي قال عنها في يومياته «لقد عشت حرب فلسطين قبل أن تبدأ هذه الحرب رسميا.. عشت هذه الحرب ذات يوم من أيام شهر مارس (آذار) سنة 1948.. وكنت قد حملت حقائبي وذهبت اليها أبحث عن الحقيقة»، ويضيف «أشهد أن الجزء الأكبر والأهم من هذه الحقيقة كان بعيدا عن أرض فلسطين كلها.. كان مسرحه مكاتب أنيقة ناعمة معطرة.. مكاتب متناثرة ما بين القاهرة وغيرها من عواصم الدول العربية.. وبين لندن وواشنطن ونيويورك وتل أبيب».
مع نهاية العام 1949، عاد عبد الناصر وزار هيكل داخل مكتبه في صحيفة «أخبار اليوم» للاطلاع على سلسلة التحقيقات التي كتبها هيكل من دمشق حول الانقلابات في سوريا، والتي كان فاتح عهدها الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم في آذار العام نفسه قبل أن يطاح بانقلاب بعد قرابة أربعة أشهر من تاريخ استلامه الحكم. وقام هيكل أيضاً بتغطية انتخابات الرئاسة الأميركية العام 1952 بعدما تلقى دعوة من الخارجية الأميركية، وهو الأمر الذي أثار الكثير من الشائعات عن علاقته بالاستخبارات الأميركية، وهي تهمة لم تفارقه إلا بعد مرور وقت طويل.
توالت اللقاءات بين «الأستاذ» و «الزعيم» الذي زاره مرة ثانية في مكتبه للاطلاع منه على مجريات الأحداث في إيران، وقد غطى هيكل عملية التغيير الثوري التي قادها الدكتور محمد علي مصدق العام 1951 في إيران، وقد وصل إلى رئاسة الحكومة عبر ثورة مدنية حقيقية، وبقي فيها إلى أن قام ضده انقلاب بتدبير أميركي بعدما أصبح بطلا وطنيا لا منازع له في شعبيته حين أقدم على تأميم النفط، وواجه الغرب وأجبر الشاه على التنازل عن كثير من صلاحياته.
بعد الزيارة الثانية لمكتب هيكل، صار الرجلان أكثر وفاقاً، وشيئاً فشيئاً بات عبد الناصر يلجأ لنصائح وتحاليل هيكل الذي عاصر العديد من الانقلابات في العالم واكتسب خبرة ليست بالقليلة. وتكررت اللقاءات بينهما إلا أن اللقاء الأهم كان في الاجتماع الذي عقد في منزل اللواء محمد نجيب، بعدما أصدر الملك فاروق قراراً بحل مجلس إدارة «نادي الضباط»، الذي فازت في انتخاباته المجموعة التي رشحها «الضباط الأحرار»، حينها نصح هيكل «الضباط الأحرار» بعدم الرضوخ لقرار الملك، وهو أمر رأى فيه عبد الناصر عصياناً، وحين سأله إن كان يرى الحل في الانقلاب على الملك، قال هيكل بضرورة معالجة الوضع الذي وصلت إليه الأمور.
بعد هذه الواقعة، زاد اهتمام عبد الناصر برؤى هيكل، فبات يطلب مشورته في القضايا المتعلقة بمصير البلاد بعد استلام «الضباط الأحرار» لمقاليد الحكم في مصر إثر انقلابهم العسكري العام 1952. ومنذ ذلك الحين رافق هيكل عبد الناصر في تقرير كل أمر من أمور البلاد وخبر أسرار الرئاسة، حتى ذهب البعض إلى اعتباره «صانع الرؤساء».
على الرغم من العروض الكبيرة التي تلقاها هيكل ليترك صحيفة «أخبار اليوم»، إلا أنه ظل متمسكاً بالحضور فيها، إلى أن قبل تسلم رئاسة تحرير صحيفة «الأهرام» العام 1957، ودشن فيها عموده الأسبوعي تحت عنوان «بصراحة»، والذي كان يمكن من خلاله استشفاف السياسات التي يعتمدها عبد الناصر في تنظيم أمور الدولة.
الصحافي العنيد لم يكن أقل عناداً في رفضه للمناصب السياسية، إذ حاول عبد الناصر تعيينه وزيراً أكثر من مرة، إلا أن هيكل بقي يرفض تلك العروض مفضلا الاحتفاظ بمنصبه على رأس صحيفة «الأهرام». وبعد طول رفض للمناصب الرسمية، عُين هيكل وزيرا للإرشاد العام 1970 بقرار من عبد الناصر من دون استشارة هيكل، كما أضيفت إلى مهامه وزارة الخارجية لفترة قصيرة.
بعد وفاة عبد الناصر العام 1970، وتسلم أنور السادات الرئاسة المصرية، وعلى الرغم من العلاقة الطيبة التي جمعته بهيكل في بداية عهده خاصة خلال السنوات الثلاث الأولى من حكمه، كتب خلالها هيكل ثلاث مقالات تحت عنوان «السادات وثورة التصحيح» أشاد خلالها بالرئيس المصري، وظلت العلاقة جيدة حتى حرب «أكتوبر» 1973، حين تدهورت وساءت العلاقة بوضوح، وقد استحكم الخلاف بينهما بعيد زيارة وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر إلى مصر، وقد رفض هيكل عبر كتاباته علاقة السادات مع الولايات المتحدة، خصوصاً لناحية قبوله بسياسة فك الارتباط خطوة خطوة ـ جبهة جبهة، والتي رأى فيها هيكل مقدمة لصلح مصري ـ إسرائيلي منفرد، يؤدي إلى انفراط في العالم العربي.
وقد شهد الصراع حينها أوجه بين السادات وهيكل، انتهى بقرار أصدره السادات في الثاني من شباط العام 1974، قضى بنقل هيكل من «الأهرام» للعمل كمستشار للرئيس، وهو ما رفضه هيكل بوضوح، وعلق عليه في تصريح لصحيفة «صنداي تايمز» البريطانية قائلاً: «استعملت حقي في التعبير عن رأيي، ثم إن الرئيس السادات استعمل سلطته، وسلطة الرئيس قد تخول له أن يقول لي اترك الأهرام، لكن هذه السلطة لا تخول له أن يحدد أين أذهب بعد ذلك، القرار الأول يملكه وحده، والقرار الثاني أملكه وحدي».
عارض هيكل اتفاقية «كامب ديفيد» التي وقعت في 17 أيلول العام 1978 بين السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن، وقد اعتبر خلال لقاء صحافي أن السادات تعرض لضغوط كبيرة من الرئيس الأميركي جيمي كارتر للتوقيع على هذا الاتفاق.
في العام 1981 تجدد الصدام بين هيكل والسادات حتى بلغ ذروته، وذلك عندما اتهم السادات هيكل مباشرة أمام كاميرات التلفزيون بأنه لم يعد صحافياً بل صار سياسياً، وعليه أن يترك الصحافة إلى السياسة، قائلاً: «ليس من حقه كصحافي أن يناقش القرار السياسي، فتلك مسؤولية الرئاسة»، ليصدر بعد ذلك السادات قراراً باعتقال هيكل ووضعه في السجن، ضمن حملة شملت كتّاباً ومثقفين وناشطين سياسيين، لكن ابن مدينة القاهرة لم تقهره أيام الاعتقال العجاف بين تشرين الأول وتشرين الثاني، وأفرج عنه إثر اغتيال السادات في السادس من تشرين الأول من العام نفسه.
بعد خروجه من السجن، انصرف هيكل للتأليف وكتابة يومياته التي يسرد فيها الكثير من الأحداث السياسية التي عايشها وكان له فيها دور مهم، خصوصاً الأسرار التي اطلع عليها أيام حكم عبد الناصر.

عن لبنان
1958: ما هي قيمة لبنان؟ إذا فقد لبنان وضعه الخاص ـ كأرض لقاء ـ وسط منطقة تعيش صراع حياتها الكبير، فما هي ميزته؟ … وإذا ضيّع لبنان ميثاقه الوطني، كضمان للاستقرار فيه، فما هو مستقبله؟ مليون من البشر، يتعاركون ويتصارعون، ولا ينتهي العراك بينهم والصراع، حتى يسقط منهم وسط ضحايا المعركة، أحسن ما كان عندهم وأبقى.
1994: آخر بؤرة مقاومة موجودة هي الحركة الإسلامية في لبنان، فلا بد أن تحاصر وتستأصل وإلا اكتسبت لنفسها القدرة على التأثير. أميركا الآن مثلا تطرح نزع أنياب المقاومة، تطرح نزع السلاح، لكن لا مانع من أن تكون حركة إسلامية من دون سلاح. أنا أتصوّر مسألة تصفية الحركة الإسلامية في لبنان فيها صعوبات كبيرة.
2006 وعدوان تموز: من خلال ما نعرفه عن نظريات الحرب، نرى أنه أحياناً توجد حوادث صغيرة مرتبة في نطاق معين، لكنها تنتج آثاراً متدافعة إلى درجة تُدهش مخططيها أنفسهم، هناك ما انفلت من كل الحسابات، وما حدث في لبنان هو من هذا القبيل. هناك ثلاثة قوانين حاكمة في المنطقة سقطت، ولم يخطط أحد لسقوطها. القانون الأول الذي سقط هو نظرية الأمن الأميركية القائمة على شراكة مع إسرائيل، والثانية هي نظرية الأمن الإسرائيلية، القائمة والمتبلورة من وقت بن غوريون، والنظرية تعني استعمال أقصى قدر من القوة. النظرية الثالثة التأمين العربية. لقد سقطت. فالشعوب العربية كارهة لإسرائيل ونحن سنؤمنها بنوع من السلام. جميع هذه النظريات سقطت دون أن يقصد أحد..
أعرف أن من أكثر الأمور التي كانت تمثل قلقاً للسيد حسن نصر الله في مواجهته.. أن الشعب اللبناني سوف يدفع ثمناً، وأن التدمير كان يصيبه، وأعلم أن هناك ليالي لم ينم فيها بسبب سؤال واحد: هل كان الثمن الذي دفعه الشعب اللبناني يساوي ذلك، وكان رأيه.. أن هذا مفروض وقدر، وهناك كلمة سمعتها منقولة عنه إذا كانت كربلاء.. فلتكن كربلاء إذا كان يجب أن توقظ العرب. والحمد لله هم قاموا بشيء أفضل من كربلاء…
2008: ما يجري في لبنان وراءه أصابع عربية..استخبارات عربية وأطراف كثيرة وفلتان أمني.
2013: إن قتال «حزب الله» في سوريا «هو للدفاع عن نفسه وليس في معركة إثبات نفوذ».

عن سوريا
أدرك محمد حسنين مبكراً ما تمثله سوريا لمصر وما تمثله مصر لسوريا… والأهم ما تمثله مصر وسوريا مجتمعتين للوطن العربي.
ومنذ «ثورة 23 يوليو» ظلت سوريا وما يدور فيها محور اهتمام الأستاذ، فكان كتابه الشهير «ما الذي جرى في سوريا» (1962) وفيه تقييم لتجربة الوحدة وانهيارها.
ومنذ بدء الصراع السوري في آذار العام 2011، كانت لـ «الاستاذ» مواقف بالغة الأهمية تجاه تلك الأحداث، أثار بعضها عواصف من الانتقادات ضده… لكن الأيام أظهرت أنه كان فيها على صواب.
وفي الآتي أبرز ما قاله هيكل عن الأزمة السورية:
سوريا باستمرار موضع صراع في العالم العربي، ومنذ حكم محمد علي كان الصراع في سوريا، حيث زحف إلى تركيا، وسوريا. هي نهاية الامتداد الآسيوي الذاهب إلى البحر من عمق آسيا، وهي الأقرب في الشرق الأوسط لجنوب أوروبا، ومتصلة عضوياً بالوطن العربي، وهي بؤرة الفوران باستمرار، وعندما أراد محمد علي أن يضايق دولة الخلافة عمل في سوريا. وسوريا هي بؤرة الفوران، فهي باستمرار موضع انطلاق دعوات التغيير في العالم العربي، وهي شاطئ مهم جدا، وما يحدث التوتر دوماً هو أهمية سوريا بالنسبة لمصر وأهميتها بالنسبة للعراق وبالنسبة لشبه الجزيرة العربية، فهي منفذ العراق وشبه الجزيرة للبحر، وهي زاوية البحر الأبيض بالنسبة للقاهرة ودمشق، وموقعها يجعلها بؤرة الصراع والمنافسة في المنطقة، ومن يستولي على سوريا ويصل إلى قلبها في أي مرحلة من مراحل التاريخ يكون دوره أكبر في المنطقة.
سوريا هي المدخل الساحلي لآسيا، والكل الآن يتجه للبحر، والقوى تلتقي في البحر، ولا غزو يحدث إلا عن طريق الشواطئ.
أعتقد أن هناك تقصيراً من قبل مصر تجاه سوريا. لننسَ بشار الأسد الآن، فنحن أمامنا سوريا، وكنت أتمنى أن يكون دورنا أكثر نشاطاً.
دعا هيكل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى زيارة دمشق، وقال «ليس بالضرورة عندما يذهب الرئيس لبلد أن يعني ذلك انه يدعم موقفها، لكن ممكن أن يكون الأمر بهدف تقديم نصيحة».
الأمور بدأت تتبين حقيقتها بأن سوريا تتعرض لمؤامرة كونية يرافقها كذب واضح في الضخ الإعلامي، والضخ المالي والعسكري. هذه المؤامرة تقودها مشيخات صغيرة لها علاقات مع قوى متطرفة تدّعي الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه، تتجسد في القاعدة ومن يدعمها في السر والعلانية.
خروج بشار الأسد لن يأتي بالاقتلاع، ولا بد أن يأتي بالاقتناع.
من مصلحة الأميركيين أن تستمر المعركة في سوريا سنوات أكثر. سيزداد النشاط التجاري في المنطقة من كل الأطراف المتقاتلة. انتهاء الحرب بالنسبة الى الولايات المتحدة خطأ مرحلي، اذ يجب اولا بالنسبة لهم حماية اسرائيل عن طريق استنزاف «حزب الله» وسوريا ومن ثم بيع كمية أكبر من السلاح.
التدخل الروسي أحرج الأميركيين كثيرا، خصوصا أنهم يبالغون في فكرة محاربة الإرهاب، وهم أكثر من دعم الإرهاب في التاريخ الحديث.
التدخل الروسي في سوريا جاء بعد إدراك بوتين ضعف الولايات المتحدة وانشغال أوروبا بقضية الوحدة والتعايش. روسيا دخلت الحرب في سوريا ليس من أجل السيطرة ولكن من أجل الدفاع عن مصالحها.

عن تركيا
تركيا «الراعي الأعظم» لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش».
يحيا «داعش» بتشجيع من تركيا التي لا تريد أن تدخل في التحالف الدولي، وقطر أيضاً موجودة، وهى تشارك في التمويل.. ونحن مقبلون على معركة من دون بداية أو نهاية، من دون معرفة حدودها».
تركيا إلى المأدبة المتوسطية والأوروبية والأردوغانية. أما عن أردوغان، فكل واحد منا يعبّر في النهاية بطباعه عن طبيعته. كيف تطلب من مخلوق يفترض ان طبعه لا يعبر عن طبيعته وطبيعته لا تعبر عن طبعه أنه تركي عثماني بالتأكيد!

عن ايران
في العام 1951 انعطف شاب مصري في العشرينيات جهة الشرق، وتحديداً إلى إيران، حاملًا عدداً من التساؤلات والطموحات المهنية، ثم عاد إلى بلده مُحملًا بمادة صحافية من العيار الثقيل، وبعض من الخبرات الإنسانية التي شكلت البذور الأولى لآرائه وتحليلاته للوضع في الشرق الأوسط.
كان الكاتب الشاب هو محمد حسنين هيكل، وكانت قُصاصات مُشاهداته في بلاد الفرس ما هي سوى المادة الخام لأول مؤلفات «الأستاذ».
«إيران فوق بركان».
إذا كانت مواقف هيكل من السعودية قد قوبلت بـ «عواصف» المنتقدين، فإن موقفه من إيران كان يقابَل بـ «زوابع» من قبل الجهات نفسها. مواقف هيكل الخاصة بإيران كانت تنطلق من وجهة نظر موضوعية تأخذ في الحسبان ما أنجزته الجمهورية الإسلامية منذ انتصار ثورتها وصولاً إلى الاتفاق النووي. برغم ذلك فإن منتقدي هيكل لم يوفروه من التشكيك في انتمائه المصري العروبي.
وفي الآتي أبرز مواقف «الأستاذ» من إيران:
ـ قيادات الخليج التي دخلت في «مود» أن العدو إيران ومن خلفهم الشيعة، يخوضون المعركة وهم مطمئنون بسبب العقوبات التي تفرضها أميركا على إيران، وهم بشكل ما يعتبرون ذلك سنداً يمكن الاطمئنان إليه في هذه اللحظة، لكن رفع أوباما هذا السند بالتحدث مع إيران ومحاولة تسوية الخلاف معها، كان بمثابة الصدمة لكثيرين، وهو ما دفع التطورات في ما بعد إلى أن تستبق التصرفات القرارات.
ـ مصر في عصور الاستنارة قامت بأشياء هائلة في عصر الملك فاروق، وكان لدينا رجل مثل علي ماهر، حيث تخيل أن الزيجات الملكية قد تكون مفيدة في توسيع النفوذ الملكي المصري، فقبلوا وسعوا ووافقوا أن تتزوج الأميرة فوزية من شاه إيران، والملكة نازلي كانت ستجن وأقنعوا حسانين باشا لإقناعها، قائلاً: «يا صاحبة الجلالة هذه أسباب دولة»، وقبلت وقتها، والشيخ المراغي هو من قام بتحرير العقد.
ـ أليس صحيحاً أن الشاه كانت لديه مطامع في الخليج وطلبات، لكن تم إيجاد البديل (للمحافظة على العلاقات مع إيران). التناقض هو من طبائع الأشياء في الحياة، والتناقض هو وظيفة العقل، أنا والآخرون ونحن نتحدث لدينا أرضية مشتركة، ونحن نتحدث عندما نعود لمنطق الهدوء ونرى كيف يمكن إيجاد أرضية مشتركة.
ـ لا يوجد شيء يسمى «تصدير الثورة الإيرانية»، والعلاقات مع دول الجوار مسألة في منتهى الأهمية. تركيا وإيران هما سقف العالم العربي، ولا بد أن تكون لمصر علاقات طيبة معهما. مصر لا يجب أن تعادي أياً من دول الجوار تحت أي ظرف من الظروف.
ـ نحن في عالم يتطور. نحن نتحدث عن إيران وهي دولة مثل مصر بالضبط خلفها 7000 سنة. أتمنى أن السياسة بالنسبة لنا لا تطغى على حقائق التاريخ، فإيران وتركيا والحبشة دول جوار لا بد أن تكون سقف وبطن العالم العربي.

عن السعودية
هذا ما علق به كتّاب مصريون وسعوديون حين انتقد «الأستاذ» السياسات السعودية، في آخر حوار أجراه مع «السفير».
في هذه المقابلة، قال محمد حسنين هيكل «إذا عدنا إلى أساس الموضوع فإنني أشك كثيراً في أن تتخطى السعودية أزمتها، ولكن لا أعرف كيف ستكون النهاية وكيف ستتطور الأزمة. الملك سلمان ليس حاضراً بما يكفي، وجيل الصغار متكبرون، ويأخذهم غرور القوة. النظام السعودي غير قابل للبقاء. أما البدائل فلا بدائل! ولا أحد عنده سلطة تخوله أن يكون البديل. هناك مشكلة حقيقية، وهذا هو ما يبقي السعودية».
وأضاف هيكل: «الجيش في السعودية يتحكم به أمراء الأسرة. هم أذكياء إلى درجة أن الوحدات الرئيسية في الجيش هي بقيادة أمراء. هل هناك من يملك المصداقية المطلوبة؟ لا أدري. كلهم يتساوون، ولا أحد يظهر أنه البديل، حالة الصراع الموجودة هي مع البرجوازية الناشئة».
يومها تعرض هيكل لهجمات الكتّاب الموالين لنظام آل سعود وأمثالهم في وسائل إعلام عربية أخرى.
في الواقع، كانت مواقف هيكل من السعودية موضع هجوم دائم من الجهات نفسها، التي ضاق صدرها من مجرد انتقادات موضوعية من الصحافي الراحل، نستعرض أبرزها:
ـ قرار السعودية قيادة عملية «عاصفة الحزم» يعود لأمور تتعلق بانتقال السلطة في المملكة للملك سلمان، والجيل الشاب الجديد وليس بالوضع في اليمن. وهذه الحرب خطأ تاريخي.
ـ سلمان، ينتمي لجيل أبناء عبد العزيز، وهم ملتزمون بالتقاليد القبلية، لكن الجديد، هو تولي الجيل الجديد مسؤوليات أوضح، محمد سلمان، من نسق قيادة جديدة، تلقت تعاليمها وفقاً لتقاليد غربية، فمحمد سلمان، وجيله، كان أول تحدّ يواجهوه، هو إيران، فقد استيقظوا في الصباح، وقد وصلت أميركا وإيران لاتفاق حول المشروع النووي، وإذاً لا بد أن يتصرفوا، بطريقتهم الشابة، فكان موضوع اليمن، فقالوا إنهم قادرون على فرض ما يشاؤون عبره، فاختاروا اسماً متناقضاً، يعبر بدقة عن اندفاعهم بلا رؤية، فسموا حربهم عاصفة الحزم، وهو اسم يناقض بعضه بعضاً، فالعاصفة هي إعصار لا يلوي على شيء ولا يرتب شيئاً، والحزم يحتاج رؤية ومشروع ووسائل.
ـ الغارات الجوية دمّرت ما استطاع الشعب اليمني إنجازه في 100 عام.
ـ خطاب الملك سلمان في قمة شرم الشيخ أعاد إلى ذهني عبارة السياسي المصري القبطي مكرم عبيد: انقضوا أو انفضوا.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

بين الانتقام الأميركي، ورد الاعتبار الإيراني، العالم على فوهة البركان/ د. طارق عبود

هذه المقالة قد تستطيع الإجابة عن كثير من أسئلة الأصدقاء والصديقات.. د.طارق عبود/لبنان تأتي عملية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *