الرئيسية / دراسات / قراءة في مسألة التعددية الدينية

قراءة في مسألة التعددية الدينية

 

 بقلم: الشيخ جهاد الأسدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين.

 

مقدمة :

تحاول هذه الورقة ان تقدم سبرا مختصرا ومركزا لواحدة من اكثر الظواهر اللاهوتية (الكلامية ) اثارة للجدل في الاروقة العلمية اليوم، وهي مسالة التعددية الدينية ، يؤخذ بعين الاعتبار ان الورقة اعدت بعد قراءة لجملة مصادر في هذا المجال ومن هنا فقد لا تمثل وجهة نظر نهائية وانما تمثل خطوة في هذا المجال ، وان كنت اظن انها خطوة تمثل تقدما بقدر مقبول من حيث النقاط التي تركز عليها ، كما ان الاراء الواردة فيها انما اخذت من مصادر مترجمة او من مصادر تنقل اراءا لبعض المفكرين، وهذا ما يجعل نسبة راي لشخصية معينة ليس امرا مسلما ونهائيا، الدراسة اعتمدت كثيرا في بناء تصوراتها على كتاب (التعددية الدينية ) للدكتور محمد لغنهاوزن، مضافا الى جملة من البحوث المقدمة في هذا المجال، وهي تتوخى الاختصار دون الدخول في تفاصيل هذا الموضوع الشائك .

 

اولا : تاريخ المسالة

مثل الاختلاف في الدين على مر التاريخ شعارا تم تسخيره لخدمة الاهداف التوسعية والاستعمارية للدول وعلى سبيل المثال ماقام به المسيحيون الاوروبيون مع الشعوب الامريكية واليوم مع تصاعد الوعي وامتلاك الجيل الحاضر قراءات واعية لم يعد من المستغرب ان نجد المسيحيين يشعرون بالندم والمرارة والعطف والشفقة على ما جرى في ذلك الماضي ، وهذا الاحساس احد دواعي او محفزات الدعوة الى التعددية المسيحية اليوم .

تطور الليبرالية السياسية في القرن الثامن عشر حفز اوروبا بشكل رئيسي لمواجهة ورفض كل اشكال الاضطهاد الديني والاثني الذي فضحته الحروب المذهبية والطائفية ابابن عهد الاصلاح .

يتفق معظم الليبراليين على ان بداية فاعلية اليبرالية ظهر بعد عصر الاصلاح فحرية الضمير في القضايا الدينية كان الخطوة الاولى ثم اتسعت ، التسامح بين الافكار الدينية المتباينة وجدت اولى مرتكزاتها في الليبرالية السياسية بينما مثلت التعددية الدينية الخطوة الاخيرة في هذا التطور اذ تمثل التسامح المؤسس له لاهوتيا .

الليبرالية باتت ترتكز على تنفيذ مشاريعها على الاعتراف بالاختلافات بجميع انواعها ، بما في ذلك الاختلافات الدينية ، الليبرالية ترى ان السلطة ينبغي ان تسحب من المؤسسة الدينية ليس لان الليبراليين ينكرون مزاعم المؤسسة الدينية وانما كآلية لتحاشي اصطدام الدعوات فيما بينها لاسيما الدعوات الناشئة من ارتطام الفهم الديني مع السلطة واكثر من ذلك فان دعاة التعددية يزعمون ان الحقيقة الدينية يمكن العثور عليها في اطار قيم وتقاليد متباينة ومن هنا فليس هناك مؤسسة محددة يمكن ان تحتكر ادعاء المعرفة الدينية مطلقا او احتكار الفهم الديني الذي يخولها الانفراد بالسلطة وهذا يعني ان السلطة الدينية ستقع في حبال الدولة الليبرالية .

ظهرت في المسيحية دعوة اصلاحية حملت اسم البروتستانتية الليبرالية على يد الفيلسوف شلاير ماخر 1834 وهي تحمل جملة من الافكار التي تشاطرها فيها الدعوة للتعددية الدينية ومن اهمها :

 

  1. الموقف الايجابي حيال التفسيرات غير التقليدية (المالوفة والمتعارف عليها )  للكتاب المقدس .
  2. موقف شكوكي او ظني عام حيال التاملات العقلية او المنطقية للاهوت وعلم العقيدة .
  3. تاكيد واضح على دعم الدين لمبادئ القيم والاصلاحات الاجتماعية .
  4. تبني المذهب القائل : جوهر الدين يلتصق بالتجربة الشخصية ( حالة فردية تشبه اختلاف المزاج )، وهو اكثر التصاقا بذلك من التصاقه بمدا جزمي ثابت او قانون عقائدي محدد او طقس شعائري اجتماعي معين .

يرى شلايرماخر ان التجربة الدينية هي التي تشكل جوهر كل الاديان في العالم وان اصل الدين يمكن العثور عليه في المشاعر الانسانية الانية اثناء استجابتها او تفاعلها مع المطلق وليس في معرفة القيم والمبادئ المطروحة علنا .

ومعظم هذا الافكار يمكن العثور عليها افكار رائد التعددية الدينية المعاصر العالم الامريكي جون هيك 2012 الذي وقع تحت هيمنة افكار شلاير ماخر(محمد لغنهاوزن) . 

 

ملامح التعددية الدينية :

  1. المطالبة بترجمة غير تقليدية للكتاب المقدس وتدعو لتوفير امكانية فهم اخر لفكرة الخلاص المسيحية لعلها تجد فهما اخر غير الفهم التقليدي المسيحي.
  2. توفر نظرة تشكيكية تجاه النقاشات المنطقية التي تركز على صوابة او تفوق المعتقدات المسيحية وحدها .
  3. تنفتح على التعاطي مع المبادئ الاخلاقية  المعاصرة التي تدعوا الى التسامح ورفض فكرة الانحياز المسبق لاي دين او عقيدة او مذهب .
  4. تؤكد على العناصر المشتركة للمعتقد الديني الشخصي وخاصة ذلك الانفعال الداخلي تجاه المطلق (جوهر الدين ) بينما تمثل التمظهرات الخارجية للمعتقد في المبدا الديني والمذهب الكلامي يمكن اعتبارها من الدرجة الثنية من الاهمية .

ثانيا : انواع المدعيات في مسالة  التعددية الدينية

 

  1. التعددية المعيارية : على المسيحيين الالتزام اخلاقيا باحترام اتباع الديانات الاخرى .
  2. التعددية الخلاصية : الخلاص لا يختص باتباع المسيحية بل يمكن ان يشمل غير المسيحيين ايضا ومسالة الخلاص تمثل احد اهم ركائز الديانة المسيحية وهي تتلخص بالاتي : تفترض المسيحية التقليدية ان البشر جميعا يتحملون خطيئة ادم وان المسيح من خلال صلبه قد قام بفداء الانسانية ومن هنا فلا يمكن لاي انسان لايومن بالمسيح ان يدخل الجنة وانما هي للمسيحيين حصرا وهناك رؤيتين اساسيتين لمسالة الخلاص مضافا الى رؤية هيك :

الاولى : الفردانية : لا سبيل الى الجنة سوى سبيل واحد فقط ولا يمكن العثور عليه الا في التعاليم المسيحية ( لا يمكن دخول الجنة خارج الكنيسة ) .

الثانية : الضمنية : وهي تفترض ان دخول الجنة لا يقتصر على من يعتنق المسيحية بشكل رسمي بل يمكن ان يشمل من ينهجون حياة مفعمة بالقيم المستقيمة ويمكن ان يعبر عن اولئك بانهم مسيحيون مجهولون وان لم يتبنوا المسيحية بشكل رسمي .

الثالثة : رؤية هيك : ان الخلاص يشمل كل من يجتاز الانتقال من مركزية الذات (الانا) الى مركزية الحقيقة مع اداء شئ بسيط من التعاليم الدينية ، ومن هنا فالشيوعيون مثلا يشملهم الخلاص حسب هيك . 

 

  1. التعددية المستندة لتجزئة الحقيقة : الحقيقة الدينية يمكن ان توجد في الاديان غير المسيحية  وبدرجة وامتداد لا يقل عما تحتويه المسيحية نفسها ، بمعنى : ان الصراعات والاختلافات الحالصلة بين الاديان ماهي الا مجرد تجليات متباينة للحقيقة المترشحة عن كتل العقائد الدينية المختلفة وهذا الاختلافات نتيجة منطلقات خاصة او طريقة  تعاطي معينة مع التجارب الروحية الخاصة ، أي هناك حقيقة لها عدة اوجه وكل دين يمثل وجها من وجوهها ، ان الله تعمد ان يظهر للبشر باشكال مختلفة وكل شكل يمثل دينا .
  2. التعددية الناشئة عن غيبية الحقيقة : وهي تفترض ان الدين من شؤون عالم غيبي ما وراء المادة ومن هنا فلا يمكن ان يتم التوفر على حقيقته وبالتالي لايمكن التفضيل بين دين واخر في تعبيره عن الدين ومن هنا فلا مجال الا لمحاولة التوفر على تلك الحقيقة وكل دين يمثل بدوره واحدة من تلك المحاولات
  3. التعددية الناشئة عن التطور البشري : وهي تفترض ان الوعي والادراك البشري في حركة نوعية  وتطور مستمر و حيث كانت العلوم المختلفة مترابطة فيما بينها فالتطورات التي تحصل فيها سوف تنعكس وبشكل لاارادي على طبيعة الوعي ومن هنا فكل ظرف زماني او مكاني له حقيقة خاصة به ولا يمكن تعميمها الى غيره وعليه فالحقيقة نسبية ولا اطلاق فيها وهذا ما يظهر من دعوى المفكر سروش.
  4. التعددية الناشئة من منطلق اخلاقي : وهي ترى ان ليس من المقبول اخلاقيا ان يترك الله سبحانه الغالبية العظمة من البشر في حالة ضلال ولا يكتب الهداية الا للقلة القليلة ، ومن هنا فلا بد من القول بان الهداية شاملة للاغلب ويلزم منه قبول التعددية ، ويبدو ذلك من افكار الدكتور حسين نصر.

ثالثا : تقييم الدعاوى:

في مقام التقييم لهذه الدعاوى ،نلاحظ انها دعاوى فيها جانبا تعميميا واضحا واستعمالا لمفردات غير واضحة الدلالة بشكل دقيق ومحدد وذلك من خلال :

  1. تطرح الدعاوى السابقة نفسها على انها رؤى تسامحية للدين في اطار العقائد المختلفة فيما هي في حقيقتها ليست توصيفا دقيقا ومعمقا للنزاعات الجوهرية  فيما بين العقائدة ويبدو انها من خلال ذلك الطرح تهدف الى تخفيف حدة الخلافات الاساسية بين العقائد.
  2. تحاول ان تقدم الصراعات الواضحة والاساسية والتي تشكل الحدود فيما بين العقائد على انها صراعات مذهبية يمكن تاطيرها باطر مشتركة ، ولم تقدم مثلا كيف يمكن ان يتم تجاوز الخلاف بين رؤية تذهب الى ان  هذا الكون صدر عن خالق واحد وبين تلك التي ترى انه صدر عن خالقين ! او كيف توفق بين من يرى ان خالق هذا الكون مفارق له بائن عنه وبين من يرى انه حال فيه وكيف توفق مثلا بين ديانات ترى ان هناك معادا بعد هذا العالم وبين اخرى ترى ان الحلول والتناسخ هو نهاية هذه الحياة .
  3. تحاول حصر الاختلافات بين الاديان في البعد العقائدي وهي تغض النظر عن امتدادها للبعد التشريعي القانوني .
  4. التخفيف من اهمية الخلافات العقائدية ينتج التقليل من دور التوصيات الدينية ومن فاعليتها .
  5. تستبعد دور العقل كوسيلة لحل الخلاف وحسم النزاع برغم من ان من الواضح ان هناك نزاعات معرفية ومنطقية  تتطلب ادوات عقلية تستخدمها اكثر الاديان في مساحاتها العقائدية .
  6. تحاول ان تقدم الفهم الباطني للدين الذي يعتمد على الذوق والتجربة الشخصية كاساس تقوم عليه الديانات وتكتفي بهذا القدر من الشعور الديني ليكون الانسان على طريق الهداية او طريق الخلاص حسب الرؤية المسيحية .

رابعا  : الرؤية الاسلامية لمسالة التعددية :

يمكن ان نتناول الرؤية الاسلامية باختصار في ثلاثة مساحات اساسية ينبغي تجنب الخلط فيما بينها وهي :

المجال المعرفي ، المجال العقائدي ، المجال الفقهي

في المجال المعرفي :

هناك عدة ثوابت معرفية من وجهة نظر المفكرين الاسلاميين هي : ان الحقيقة واحدة ، وليست متعددة ذات وجوه مختلفة  ، وان العقل لديه القدرة على ادراك قدر معين من تلك الحقيقة ادراكا جازما مطابقا للواقع وهذا القدر كاف في تحديد الحق بين الاديان ، وان الحقيقة ليست نسبية وانما هي مطلقة ولا تخضع على الاقل في بعض الجوانب الى تغيرات الزمان والمكان والتطور البشري . هذه الثوابت تم الاستدلال عليها ومناقشتها بشكل مستفيض من قبل المفكرين الاسلاميين في المباحث المتعلقة بالمعرفة .

 

في المجال العقائدي : هناك عدة مضامين اساسية في هذا المجال نعرضها بايجاز :

  • الاسلام هو وحده الدين المرضي عند الله  ( ان الدين عند الله الاسلام ) ، ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
  • فكرة الخلاص ليست فكرة مطروحة في الاسلام ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) وانما يتحمل كل مكلف نتيجة اعماله هو فقط  ، بل ان الاسلام رد كما يظهر بشكل مباشر على دعوى الخلاص من  خلال الاية الشريفة : ( وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين ، بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون ) البقرة 111-113 من هنا فالاسلام لا يقع بنفس الاحراج الذي وقعت فيه المسيحية ومن هنا فمسالة الخلاص في الاسلام لا وجود لها فلا داعي للخوض في تبرير سالبة بانتفاء الموضوع بل الذي يظهر ان الانسان ينبغي ان يكون بين الخوف من عقاب الله سبحانه وبين الرجاء لرحمته ومغفرته وهو المبدا المعبر عنه بمبدا الخوف والرجاء ولذا عد من الكبائر الامن من مكر الله كما عد من الكبائر الياس من روح الله.
  • غير المسلمين وان لم يكونوا على طريق الهداية ولكن لا يعني انهم يدخلون النار اذ فيهم اصناف : الجاهل القاصر ، الجاهل المقصر ، المعاند ولادليل على ان الرحمة الالهية سوف لن تشملهم جميعا اذ قضية الجنة والنار لا يمكن لاحد ان يتحكم على الله سبحانه فيهما
  • لا يحكم العقل سوى بوجوب البيان و القران يؤيد ذلك ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وبالتالي فسلوك الغالبية طريق الضلال بعد قيام الحجة عليهم لا يعد قبيحا عليه سبحانه .

في المجال الفقهي :

يمكن ان نقسم هذا المجال الى اقسام بحسب طبيعة الاخر المختلف :

الكافر الحربي ، الكافر غير الحربي  

الكافر الحربي :

ولن يتم التعرض للحديث عنه في هذه الدراسة نظرا لان الظاهر ان تشخيص المحارب من غيره انما هو بعد القتال فمن اعطى الجزية لم يكن محاربا والا فهو محارب ، وحيث كان المشهور عند الشيعة ان الجهاد في عصر الغيبة ابتداءا مشروط باذن الامام او النائب الخاص فلن ندخل في التفاصيل الخاصة به لعدم ترتب ثمرة مهمة على ذلك .

 

الكافر غير الحربي :

يبدو من جملة من الايات الشريفة والروايات عن المعصومين وفتاوى الفقهاء ان التعايش السلمي فيما بين المسلمين و هذا النوع  من الكفار هو امر مباح شرعا بل ربما يقال انه مستحب نظرا لجملة مضامين نعرض بعضا منها :

  • قال تعالى : (* لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )

الاية الشريفة الاولى  تفيد كما هو الظاهر بجواز بر الكافرين والاحسان اليهم والعدل معهم شريط ان لا يكونوا من المقاتلين او الاعداء للمسلمين ومن هنا فيمكن اتخاذها قاعدة في التعاطي مع الاخر تعاطيا يتصف بالاحسان والبر والعطف ، بينما تفيد الاية الثانية ان من يقاتل المسلمين لا يجوز اتخاذه وليا وهذا ما تؤكد عليه ايات اخرى من قبيل :

( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )

قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وغير ذلك من الايات التي تنهى عن اتخاذهم اولياء ، ومن الواضح ان ثمة فرقا كبيرا بين الموالاة التي تتضمن الاتباع وبين الاحسان ، فيكون الاحسان الي غير المعادي جائزا بينما موادة المعادي لله محرما. فالظاهر ان المعيارفي النهي  هو المعاداة لله ولرسوله وللمؤمنين وهذا المعيار كما ينطبق على المخالفين ينطبق هو ايضا على المسلمين من امثال النواصب الذي عبرت عنهم بعض الروايات بانهم ( شر من اليهود والنصارى ) .

 

  • الاية الشريفة : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عدواة كانه ولي حميم )

وغير ذلك من الايات الامرة بالاحسان مطلقا اذ يظهر منها ان الاحسان الى الغير مهما كان يمثل سلوكا محبوبا من الناحية الشرعية وثمة شواهد وروايات تفيد هذا المعنى من قبيل :

الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

و في حديث آخر عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام: ارحم من دونك يرحمك من فوقك .

و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «لكل كبد حرى أجر».

و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «يا علي أكرم الجار و لو كان كافراً، و أكرم الضيف و لو كان كافرا، و أطع الوالدين و لو كانا كافرين، و لا ترد السائل و إن كان كافراً) والمتتبع لسيرة النبي الاعظم واهل بيته يجد بوضوح حسن تعاملهم مع كل انسان .

 

  • الاية الشريفة : ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن )

والظاهر ان الدعوة الى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة لا تتم الا من خلال التعامل الحسن مع الاخر من اجل ان يكون للهداية مجال وان تجد فرصتها وهناك عدة روايات تفيد هذا المعنى :

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لعلي أمير المؤمنين عليه السلام: «و ايم الله لئن يهدي الله على يديك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت».

و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «لئن يهد الله بك عبداً من عباده خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها».

و عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً قال: «من استخرجها من الكفر إلى الإيمان».

و قال علي بن الحسين عليه السلام: (أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام حببني إلى خلقي و حبب خلقي إلي، قال: يا رب كيف أفعل؟ قال: ذكرهم آلائي و نعمائي ليحبوني فلئن ترد آبقا عن بابي أو ضالا عن فنائي أفضل لك من عبادة مائة سنة بصيام نهارها و قيام ليلها، قال موسى عليه السلام: و من هذا العبد الآبق منك؟ قال: العاصي المتمرد، قال: فمن الضال عن فنائك؟ قال: الجاهل بإمام زمانه تعرّفه، و الغائب عنه بعد ما عرفه الجاهل بشريعة دينه تعرفه شريعته و ما يعبد به ربه و يتوصل به إلى مرضاته)

و علي بن إبراهيم في تفسيره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لٰا يَرْجُونَ أَيّٰامَ اللّٰهِ قال: «قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا أن يعرفوا الذين لا يعلمون فإذا عرفوهم فقد غفر لهم».

 

و عن جابر قال: سمعته يقول: قال أبي عليه السلام: «كونوا من السابقين بالخيرات و كونوا ورقا لا شوك فيه، فإن من كان قبلكم كانوا ورقا لا شوك فيه، و قد خفت أن تكونوا شوكا لا ورق فيه، و كونوا دعاة إلى ربكم و أدخلوا الناس في الإسلام و لا تخرجوهم منه، و كذلك من كان قبلكم يدخلون الناس في الإسلام و لا يخرجونهم منه)

روى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كتب كتاباً بين المهاجرين و الأنصار وادَعَ فيه اليهود و عاهدهم و أقر لهم على دينهم و أموالهم و شرط لهم و اشترط عليهم، و هذا نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب و من تبعهم و لحق بهم و جاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس، و أنه من تبعنا من اليهود فإن له النصر و الأسوة غير مظلومين و لا متناحرين عليهم، و أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، و أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم و للمسلمين دينهم، و أن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، و أن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، و أن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، و أن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، و أن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، و أن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، ألا من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ  إلّا نفسه و أهل بيته، و أن على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، و أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، و أن بينهم النصح و النصيحة، و البر دون الإثم، و أنه لم يأثم امرؤٌ بحليفه، و أن النصر للمظلوم، و أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، و أن يثرب حرام‌ جوفها لأهل هذه الصحيفة، و أن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم)

 

  • الفتوى بجواز تزوج المسلم من الكتابية  اذ ذهب الى ذلك السيد السيستاني وربما يكون هو المشهور عندنا ولا يخفى ما لذلك التجويز من اثر اجتماعي اذ الام لها من التاثير على الابناء الكثير

قال السيد السيستاني في منهاج الصالحين – ج 3 – ص 68 : وأما النصرانية واليهودية فالأظهر جواز التزوج بها متعة ، والأحوط لزوما ترك نكاحها دواما) . والظاهر ان الاحتياط هنا استحبابي لانه مسبوق بالفتوى .

 

  • العلاقات الاجتماعية الطيبة :

ثمة جملة من الفتاوى التي تفيد بمشروعية اقامة علاقات مع الكفار على اساس الاحترام والمحبة المتبادلة ومن ذلك :

(س : هل يجوز تبادل الود والمحبة مع غير المسلم ، إذا كان جارا ، أو شريكا في عمل ، أو ما شابه ذلك ؟

ج :  إذا لم يظهر المعاداة للإسلام والمسلمين بقول أو فعل ، فلا بأس بالقيام بما يقتضيه الود والمحبة من البر والإحسان إليه ، قال تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )

س : هل يجوز السير في موكب جنازة غير مسلم لتشييعه ، إذا كان جارا مثلا ؟

ج : إذا لم يكن هو ، ولا أصحاب الجنازة ، معروفين بمعاداتهم للإسلام والمسلمين ، فلا بأس بالمشاركة في تشييعه ، ولكن الأفضل المشي خلف الجنازة ، لا أمامها .

س: هل يجوز التصدق على الكفار الفقراء كتابين كانوا أو غير كتابيين ؟ وهل يثاب المتصدق على فعله هذا ؟ * ج : لا بأس بالتصدق على من لا ينصب العداوة للحق وأهله ، ويثاب المتصدق على فعله ذلك .

س : هل يجوز إزعاج الجار اليهودي ، أو الجار المسيحي ، أو الجار الذي لا يؤمن بدين أصلا ؟

 ج : لا يجوز إزعاجه من دون مبرر ) [1].

 

اتخاذ اصدقاء من غير المسلمين :

(يحق للمسلم أن يتخذ معارف وأصدقاء من غير المسلمين ، يخلص لهم ويخلصون له ، ويستعين بهم ويستعينون به على قضاء حوائج هذه الدنيا ، فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ). إن صداقات كهذه إذا استثمرت استثمارا جيدا كفيلة بأن تعرف الصديق غير المسلم ، والجار غير المسلم ، والرفيق ، والشريك ، على قيم وتعاليم الاسلام فتجعله أقرب لهذا الدين القويم مما كان عليه من قبل ، فقد قال رسول الله ( ص ) لعلي ( ع ) : لئن يهدي الله بك عبدا من عباده خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها)([2]).

تهنئة الكفار في اعيادهم :

(يجوز تهنئة الكتابيين من يهود ومسيحيين وغيرهم ، وكذلك غير الكتابيين من الكفار ، بالمناسبات التي يحتفلون بها أمثال : عيد رأس السنة الميلادية ، وعيد ميلاد السيد المسيح ( ع ) ، وعيد الفصح) (3) .

 

   الخاتمة :

في الختام يمكن القول ان الاسلام يفتح المجال امام التعايش السلمي ويشيع ثقافة التسامح فيما بين الاديان في عصرنا الراهن ان كان المطلوب هو التعايش الاجتماعي والسلام بين الشعوب واما فرضية ان التعددية الفكرية او العقائدية من خلال تصويب الافكار او العقائد المتباين هي فرضية مرفوضة اسلاميا بحدود هذه الدراسة المختصرة ، اسئل الله سبحانه ان ياخذ بايدينا وان يوفقنا لما فيه الخير والصلاح واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .  

 

[1]. فقه الحضارة – السيد السيستاني – ص 174- 175.

[2]، فقه المغتربين – السيد السيستاني – ص 207 – 208

[3]- المصدر نفسه، الصفحات نفسها.

 

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *