الرئيسية / دراسات / كيف انتصرت الثورة الإيرانية؟

كيف انتصرت الثورة الإيرانية؟

khomeini_Muntazari

بقلم: د. هيثم مزاحم* — بدأت جذور الثورة الإسلامية تنبت تدريجياً منذ عام 1949، عندما فكر الشاه محمد رضا في إنشاء دولة أوتوقراطية تحت حكمه الفردي المباشر، تقوم أسسها على سحق المعارضة. تعرّض الشاه لمحاولة اغتياله في الرابع من فبراير/ شباط 1949، فاستغلها لقمع المعارضة وتبرير توسيع صلاحياته، فأعلن الأحكام العرفية في البلاد، ومنع الصحف من نشر أي نقد موجّه للأسرة الحاكمة، ثم ألغى حزب توده رسمياً، واعتقل الكثير من السياسيين، بينهم الدكتور محمد مصدق. كما أنشأ جمعية تأسيسية جديدة كانت باكورة أعمالها منح الشاه الحق بحلّ البرلمان. كما نجح الشاه في تأسيس مجلس للنواب.

بعدما لقيت الجبهة الوطنية تأييداً كبيراً من مختلف فئات الشعب، اضطر الشاه إلى تعيين زعيمها مصدق في مايو/ أيار 1951 رئيساً للوزراء. ازدادت مخاوف الأمريكيين من نفوذ مصدق الذي ازداد بعد تأميم النفط، فأنذرته الإدارة الأميركية بتجميد مساعداتها لإيران، إذا لم يضمن التسويات النفطية المعقولة التي تضمن حماية مصالحها. لم يستجب مصدق لذلك التحذير بل كثف من تعاونه مع حزب تودة الشيوعي ليضمن تأييد السوفييت.

نجح مصدق في صراعه مع الشاه على السلطة في وضع القوات المسلحة تحت سيطرة وزارة الداخلية التي كان يرأسها، ما حيّد الجيش وشكّل هزيمة للشاه. كما أعاد جميع الأراضي المصادرة إلى أملاك الدولة، وقام بتطهير الجيش من العناصر الموالية للشاه، وأبعد 130 من كبار قادة الجيش، وشكّل لجان تحقيق في الفساد المنتشر في المؤسسة العسكرية. ونجح أخيراً في إجبار الشاه وعائلته على مغادرة إيران إلى إيطاليا عام 1953.

في احتفالات عاشوراء العام 1963 بدأ الخميني يحرض الجماهير على التظاهر والإضراب احتجاجاً على سياسات الشاه، فأضربت الأسواق وتحوّلت مواكب العاشورائية إلى تظاهرات ومواجهات مع النظام، وسقط فيها نحو ألفي قتيل من المتظاهرين. منذ ذلك الحين، استمر الحراك الجماهيري والثوري بفعل خطابات الخميني التي كانت توّزع عبر منشورات وأشرطة تسجيل (كاسيت) سراً من جهة، وكذلك عبر جهود المفكرين والمناضلين الآخرين، وخصوصاً المفكر علي شريعتي وخطبه وكتبه، وآية الله طالقاني، ومهدي بازركان وحزبه “تحرير إيران”، والتنظيمات اليسارية مثل فدائيي خلق ومجاهدي خلق وحزب تودة.

لكن الدور الأبرز والأكثر تأثيراً كان للإمام الخميني، الذي تمكن من منفاه في النجف ثم في فرنسا، من قيادة الحركة الإسلامية الثورية التي نجحت في الإعداد للثورة، وتنظيم صفوفها، وتحريض الجماهير وتوجيهها في تظاهرات مليونية أسقطت نظام الشاه في شباط/ فبراير 1979، ومن ثم عاد الخميني من نوفل لو شاتو قرب باريس، ليحصد الانتصار الجماهيري، ويؤسس جمهورية إسلامية جمعت بين مبادئ حركته المشروطة الدستورية ومبدأ ولاية الفقيه الديني الشيعي. ويعزو بعض الباحثين دوراً بارزاً للمفكر علي شريعتي في التمهيد للثورة، بفعل كتبه ومقالاته التي انتشرت في إيران على مدى سبعة أعوام (1970–1977) إلى حين وفاته عام 1977 بظروف غامضة في المنفى، حيث يشير البعض إلى احتمال اغتياله من قبل جهاز السافاك الإيراني.

أسباب الثورة الإيرانية

هيأت الظروف الداخلية والدولية للخميني فرصة زعامة الثورة التي اندلعت قبل عودته بسنتين، وقد تفوق جناحه الإسلامي الثوري الجذري على أجنحة الثورة الأخرى من تيارات دينية وقومية وليبرالية ويسارية، لأسباب عدة أبرزها:

أولاً: كان الشاه قد نجح بشكل كبير في القضاء على الأحزاب السياسية وإضعافها، وأغلق الجمعيات المهنية والنقابات العمالية وصهرها في بوتقة الحزب الواحد الموالي له “رستاخيز”. لكنه استهان بقوة علماء الدين فتركهم داخل أروقة المساجد يشحنون طلابهم بافكارهم، ويعززون أواصر صلاتهم بالبازارات المنتشرة في جميع أنحاء إيران.

ثانياً: أجج لجوء الشاه إلى القوة العسكرية في إخماد التظاهرات الميول الثورية وأثار السخط الشعبي ضده، ومنح الخميني فرصة كي يعلن رفضه لأي تسوية مع النظام، ويدعو لتغيير جذري وقيام حكم إسلامي يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة ويقضي على الفساد وينصف الفقراء.

ثالثاً: تمكن الخميني من وضع أيديولوجية إسلامية بسيطة وملائمة لطبقات الشعب الإيراني الفقيرة، مثل الدعوة إلى إعادة توزيع الثروات، ونقل السلطة من الأثرياء إلى الفقراء، والقضاء على الفساد، وتسهيل القروض لصغار المزارعين، وإمداد القرى بالتيار الكهربائي، وبناء المدارس والعيادات الطبية والطرق والمساكن المناسبة للفقراء، فاكتسب تيار الخميني شعبية واسعة فاقت شعبية التيارات الأخرى.

رابعاً: شخصية الخميني التي جمعت بين الذكاء والوقار وبلاغة الخطاب وكاريزما القائد، وزهده وعرفانه الصوفي، فضلاً عن مرجعيته الدينية الفقهية، وتجسيده لولاية الفقيه باعتباره نائباً للإمام المهدي الغائب، يقوم بمهامه القيادية تمهيداً لظهوره. كل هذه الصفات القيادية أضفت عليه قداسة وجعلته القائد المطلوب لإنجاح الثورة ومن ثم تأسيس الجمهورية الإسلامية.

وفي الخامس من يناير/ كانون الثاني 1979؛ نَشرت صحيفة “إطلاعات” مقالاً تعرّضت فيه بالإساءة إلى العلماء واتهمت الخمينيّ بأنه “جاسوس بريطانيّ يكتب شعراً صُوفيّاً شهوانيّاً”. أثار المقال الساخر سخط الشارع التقليديّ في مدينة قُمْ؛ ما حدا على إغلاق محالّ البازار والمدارس الدينيّة. ونزل نحو 5000 طالب في الحوزات الدينية إلى الشارع متظاهرين ضدّ “الحكومة اليـزيديّة”، ومطالِبِين بعَودة الخمينيّ. كما اصطدم متظاهرون مع الشرطة فقُتل وجُرِح الكثيرون. كانت هذه هي الخطوة الأُولى في البناء الاجتماعيّ للقيادة في الثورة الإسلاميّة. دعا الخمينيّ إلى تظاهرات أكثر، ووصف من منفاه في العراق طلاّبَ المدرسة الفيضية في مدينة قُمْ بـ”الأبطال الذين وقفوا في وجه الطاغوت”. في تبريز، نزل المعتصمون إلى الطرقات وتصادموا مع الشرطة، فقُتل وجُرِح الكثيرون، واعتُقل نحو 800 منهم. وهيمنَت الشعارات السياسيّة البحتة على التظاهرات؛ منها “الموت للشّاه” و”يحيا الخمينيّ”، عاكسةً بذلك الوُجهةَ المستقبليَّةَ للثورةِ وقيادتِها.

بعد انتصار الثورة في أوائل فبراير/ شباط 1979 وعودة الخميني من منفاه الباريسي إلى إيران في الشهر نفسه، اختار الخميني مهدي بازركان لرئاسة الحكومة المؤقّتة التي لم تكن مكونة من علماء الدين. فقد اختار الخمينيّ ليبراليّين لرئاسةِ الحكومة. ففي لقاءٍ بينَ رئيس الحكومة بازركان والخمينيّ في مدينة قُمْ، توصل الإثنان إلى اتفاقيّة مؤقّتة. طلب الخمينيّ من الجميع تأييد “الحكومة الثوريّة المؤقّتة” في محاولتها لإجراء الاستفتاء وإنشاء الجمهوريّة الإسلاميّة. كان بازركان أحدَ أهمّ الأشخاصِ في دعم إنشاء “جمهوريّةٍ ديمقراطيّة إسلاميّةٍ” بدلاً من “الجمهوريّة الإسلاميّة”.

ويبدو أنه بحسب الاتفاقيّة بين الخمينيّ وبازركان، وافق الخمينيّ على إعلانِ دعمه للحكومة، مقابل موافقة بازركان على فكرة جمهوريّة إسلاميّة يطرحها على الاستفتاء. وفي استفتاء 12 فبراير/ شباط 1979، ألغِيَت المَلَكيَّة وَشُرِّع إنشاء الجمهوريّة الإسلاميّة نظاماً سياسيّاً جديداً لإيران. في مارس آذار 1979، أقرَّ استفتاء الدستور الإسلاميّ بأغلبيّة ساحقة تخطّت الـتسعين في المئة من أفراد الشعب. وأعلن الخمينيّ أنَّ الجمعيّة الشرعيّة الوحيدة المُخَوَّلة كتابة الدستور الجديد للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة هي مجلس الخبراء الدينيّين. فانتُخب هذا المجلس، والتَأَم أعضاؤه وَشَرَعوا في كتابة الدستور الإسلاميّ للدولة الجديدة. وفي الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، احتلَّت مجموعة طلاّب مرتبطة بالعلماء الأصوليِّين السفارة الأميركيّة، مُعلِنَة الولايات المتَّحدة الأميركيّة “العدوّ الأساسيّ لإيران المسلمة”، وأمـرت بإنهاء جميع الرَّوابط بها. وبعد شهرين في لقاءٍ قصير جدّاً مع الخمينيّ، استقال بازركان وسقطت حكومة الليبراليِّين.

وأجرِيَت الانتخاباتُ الرئاسيّة في يناير/ كانون الثاني 1980، وأصبحَ أبو الحَسَن بني صدر أوّلَ رئيسٍ للجمهوريّة الإسلاميّة، وعيّن علي رجائي رئيساً للحكومة. في يونيو/ حزيران 1981؛ هاجمت اللجان الثورية، وهي مجموعة إسلاميّة مسلّحة والحرس الثوريّ الإيرانيّ مكاتب رئاسة الجمهوريّة في طهران ومدن أخرى، وَفَرَّ كُلّ من الرئيس بني صدر وزعيم “مجاهدي خلق” مسعود رضويّ إلى باريس بطائرة عسكريّة. وأنشِئَت أوّل حكومةٍ علمائيّة بحتة في إيرانَ الحديثة، في صَيف عام 1981. وأصبحَ رئيس الحكومة علي رجائيّ رئيساً للبلاد، وعُيِّنَ حجّة الإسلام محمد باهونار رئيساً للحكومة. واغتِيلاَ في أغسطس/ آب 1981، فتقلّد السيد عليّ الخامنئيّ، الخليفة الحاليّ للخمينيّ، رئاسة الجمهوريّة.

*رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

**المقالة هي خلاصة بحث هيثم مزاحم، “إيران والإخوان المسلمون بين ولاية الفقيه وولاية المرشد”، ضمن الكتاب 80 (آب – أغسطس 2013)،” الإخوان وإيران توظيف الدين لمعركة السياسة” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

المصدر: موقع ميدل ايست أونلاين

عن بيروت نيوز عربية

شاهد أيضاً

نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *